ar
Feedback
سامي المُعلا

سامي المُعلا

الذهاب إلى القناة على Telegram

- غير مرحب بالمتعاطفين مع اسرائيل. - كاتب قصص قصيرة. - مدون أجتماعي. - متابع جيد للسينما والدراما. الفيسبوك https://www.facebook.com/sami.almula

إظهار المزيد
1 882
المشتركون
-324 ساعات
-27 أيام
+230 أيام
أرشيف المشاركات
شفت بزل كله گصب، مجرى ضيق للماء، تحيط بيه ضفتين مو منتظمتين، وكأن الطبيعة حفرت طريقها بنفسها بدون أي نظام. الهواء هناك كان أبرد شوي، ورائحة الطين المبلل كانت واضحة. فصعدنا السياج وعبرنا، نتحرك بسرعة محسوبة، حتى لا ينكسر السلك أو ينكشف أثرنا. ودخلنا للبزل، اللي هو نهر صغير ضحل، الماي جان كلش بارد بالبداية، لدرجة حسينا بصدمة بالقدمين. لكن سبحان الله، بعد مرور وقت قصير، ومع استمرار الحركة داخل الماء، صار الماي أهدأ وأدفأ نسبيًا، وكأن المكان نفسه بدأ يتأقلم ويا وجودنا. فاضل كالي: اخذ كصب وخليه جواك حتى يرفعك، وهم بس راسك يبقى طالع. استقرينا شويه حتى نرتاح، أجسادنا چانت مرهقة لكن عقولنا ما زالت شغالة بأقصى سرعة، كل واحد يراقب الاتجاهات بصمت، يسمع أبعد من نظره. وبعد مرور وقت قصير ما يتجاوز العشر دقايق، سمعنا إطلاقات نارية على البيت اللي چنا بيه. الصوت كان قوي لدرجة إن ارتداده وصلنا رغم المسافة. مو بس رصاص، قذائف هاون وقنابل يدوية، انفجارات متقطعة تهز الأرض بشكل واضح. منكد الأصوات اللي سمعناها واللي استمرت ربع ساعة بدون توقف، واللي كانت قريبة لدرجة نحس بيها تهز صدورنا قبل ما توصل آذاننا، يخيل إلنا البيت صار تراب بالكامل، كأن ما بقى منه شي قائم. إلى أن تأكدوا إن البيت فارغ، لأن ما بدرت أي مقاومة من داخل البيت. وبعد مرور وقت قصير، صرنا نسمع أصواتهم داخل المزرعة، خطوات متعددة تتحرك بتنسيق واضح، تبحث، تكشف، وتضغط المكان. بعدين صرنا نسمع أصواتهم فوگ جرف البزل، وبمسافة كلش قريبة، لدرجة إن الكلمات بدأت تنفهم بشكل متقطع. سمعت صوت يكول: انت متأكد شفتهم هنا؟ رد عليه اللي أطلقنا عليه النار وكاله: أقسم بالله شفتهم بهذا البيت اثنين جنود من الجيش الصفوي… أطلقوا عليه النار وأصابوني بكتفي. رد عليه صوت مجهول، كان أهدأ وأثقل من البقية، وكأنه صاحب القرار: إذن ما بقى مكان ثاني يهربون عليه بعد المزرعة غير هذا النهر. وبعد أن أطلق التكبيرات ورددوها خلفه، كانت أصواتهم تنتشر فوق الجرف بشكل يخلي الجو كله مشحون بالرعب أكثر من الرصاص نفسه، سمعته يكول الهم: هسة أريدكم تمشطون النهر من بدايته لنهايته… ما أريد متر واحد يبقى بدون ما تحطون بيه مخزن رصاص كامل. قبل ما يطلقون النار، سمعتهم يكولون: اطلعوا شفناكم… اطلعوا وما راح نقتلكم. اتدنيت قريب من فاضل ولزمت إيده وكتله بهمس: لا تطلع… ما شافونا، لو شايفينا ما جان كالوا شفناكم. وبعد ما أيسوا من عدنا، بدأوا يمشطون البزل. فاضل بهمس: أي واحد يتصوب من عدنا لا يطلع صوت… عسى ولعل واحد من عدنا يظل عايش ويدفن صاحبه. حسيت الرمي صار قريب من عندي كلش، الأرض تهتز بشكل خفيف مع كل إطلاق، وتأثير الرصاصة تحت الماي چنت أحس بيه حتى بجسمي، وصوتها تحت الماي يكون أبطأ وأخف، كأنه عالم ثاني داخل العالم. رفعت رأسي للسما وبديت أردد بسري: يا علي يا حاضر الشدات احضرني… أنا محتاجك هسة أكثر من أي وقت مضى. أثناء الرمي اللي صار يبعد مسافة سنتيمترات عني، سمعت زعيمهم يكلهم: خلص… بعد لا ترمون. التفتت على فاضل، أشرلي بأيده… أي بما معناه لا تتحرك ولا تطلع صوت. يتبع...

وفعلاً لزمنا باب الغرفة وغطينا عليه، وكل واحد منا أخذ جهة من الباب، وتهيأنا حتى نطلق النار، أخذنا وضعية الاستعداد لأي هجوم ممكن يصير بأي لحظة. الجو بالغرفة جان يخنگ، ريحة غبار مختلطة مع رطوبة المكان، وأنفاسنا صارت أثقل من المعتاد، كأن كل واحد ينتظر لحظة مو معروفة شنو نهايتها. بدينا نسمع صوت خطواته وهو يمشي… خطوات بطيئة لكن واثقة، كل خطوة كانت تقرّب أكثر، وكأن الأرض نفسها تنقل صوته إلنا. حسّينا بيه صار قريب من باب الغرفة، موقف مشحون، أعصاب مشدودة لا تخلو من الارتباك، حتى إيدينا على الزناد صارت ترتجف بشكل غير محسوس. لحد ما لزم يدة الباب وبدأ يفتحه ببطء… صوت المفصلات كان عالي بشكل مزعج، كأنه يقطع الصمت اللي كان مخيم علينا. أول ما فتح وصرنا وجه بوجه وياه، بمسافة مو أكثر من مترين، اتفاجأ وشهگ، عينه التقت بعيوننا بلحظة قصيرة لكنها كانت كافية تكشف كل شي. مباشرة أطلقنا عليه النار، ثلاث رصاصات، صوت الإطلاق ارتد داخل الغرفة بشكل قوي وهز الجدران. أول ما شافنا أغلق الباب بسرعة، حركة غريزية، ما ترك حتى ثانية يفكر. ما أتوقع طلع سالم، لأن المسافة كانت كلش قريبة. هو صح أغلق الباب أول ما شافنا وقبل ما نطلق النار بثانية، بس هم ما يلحگ يتحاشى الباب ويوگف على جهة، لأن الباب خشب والرصاصات اخترقن الباب، وسمعنا صوت ارتطامها بالجهة الثانية بشكل مكتوم. الباب مقفول… وقت قصير لكنه مليان بالارتباك والخوف، كأن الزمن انضغط داخل ثواني معدودة. لازم نتحرك بسرعة، لازم نقرر بسرعة شنو راح نسوي، لأن اللي يفصل بينا وبين الشخص اللي قتلناه هو الباب فقط، حاجز ضعيف ما يطمن. فاضل: راح أدنك وافتح الباب، وانت ظل مصوّب باتجاه الباب فوگ مني، خاف باقي وياه واحد. قاسم: تمام. فاضل: وراها ناخذ موبايله ونحاول نتصل بأحد، ننطيهم معلومة إن احنا أحياء ومحاصرين هنا… أي أحد، أهلنا أو القيادة. فتح الباب فاضل وهو مدنگ، وأنا فوگ منه مصوّب بندقيتي، كل حركة كانت محسوبة، وكل نفس كان ينحسب. أول ما فتحنا الباب، اتفاجأنا مالگينا جثة هذا الشخص، الغرفة فارغة بشكل غريب، كأن اللي صار قبل ثواني مجرد وهم ثقيل. والطلقات اللي رميناهم، ثلاثتهن موجودات بالحايط، آثار سوداء واضحة تخلي المشهد أكثر غرابة. شلون طلع حي؟ ما يقبلها العقل، هنا زاد القلق عدنا بشكل أكبر، إحساس إن أكو شي مو مفهوم يدور حوالينا. التفتت على فاضل وگلت له: ما عدنا وقت بعد، أكيد هذا راح يبلغ جماعته عن مكان تواجدنا، لازم ننهزم. قررنا نطلع من البيت، لكن شلون؟ السطوح هسه مكشوفة، ما نكدر نتحرك براحتنا، والشوارع مليانة إرهابيين. كل خيار كان أصعب من الثاني. أول ما نزلنا على الدرج، لقيت نقط دم على سياج الدرج وعلى السلالم، آثار واضحة تمشي ويانا وكأنها دليل لطريق هروب أو مطاردة. شوفتهم لفاضل، كال: أكيد الطلقة خدشته مجرد خدش خارجي، لأن ما معقولة دخلت بجسمه وطلعت وكدر ينهزم بهذي السرعة. طلعنا من البيت وبقينا داخل السور أو الحوش، المكان كان ضيق ومكشوف بنفس الوقت، الجدران تحيط بينا بس ما توفر أمان حقيقي. فاضل شاف شجرة البيزيا جبيرة، وقرر يدخل بيها ويختبئ. كتله: الشجرة هاي صايرة بباب البيت، والحوش صغير لدرجة إذا ما شافوك بعيونهم، راح يسمعون صوت أنفاسك. المهم كدرت أقنع فاضل نغير هذا المكان بسرعة قبل ما يجون، لأن البقاء هنا يعني انكشاف أكيد. قررنا نلتف وره البيت، وفعلاً التفينا وره البيت، الأرض هناك كانت مختلفة، أهدأ لكن مو آمنة. لگينا مزرعة جبيرة وأرض مفتوحة، وبنهايتها أكو مكب نفايات صاير مثل تل كبير، كأنه حاجز طبيعي بيننا وبين المجهول. مشينا باتجاه تل النفايات، لكن أول ما وصلنا التل، سمعنا صوت من الجهة الثانية… أصوات واضحة لكن ما نفهم شنو كاعدين يحچون، لأن لغة غريبة أول مرة نسمع بيها، اعتقد صينية أو يابانية، ما أدري لأن أنا بشكولهم ما أفرق مو النوب لغتهم. أول ما سمعنا الصوت لفينا ورجعنا بين أشجار السدر، نتحرك بخفة قدر الإمكان حتى لا تنكسر أي غصن يفضح مكاننا. الأرض تحت أقدامنا كانت يابسة ومليانة حصى صغير يطلع صوت خفيف كلما نخطو، فصرنا نحاول نمشي كأننا ظلّين مو أجساد. وصلنا لنهاية المزرعة، جان أكو سياج من الأسلاك مغطى بقطع قماش على طوله، القماش قديم وممزق من أطرافه، يهتز مع الهواء البسيط، حاجب الرؤية بالكامل للجهة الثانية وكأنه جدار مؤقت بين عالمين. كلت لفاضل: انت دنك وأنا أصعد فوگك حتى أشوف شنو وره هذا السياج. كال: هم أنا أدنگ!! كتله: مو وكتها هسة… أنت أثگل مني ما أكدر أرفعك… ددنگ يمعود. وفعلاً صعدت فوگ أكتاف فاضل، وكان يثبت رجليه بالأرض بكل قوة حتى ما ينهار توازنه. أول ما عبر راسي السياج، تغير المشهد فجأة… الأرض امتدت قدامي بشكل مفتوح، ولفترة قصيرة حسّيت إني أشوف مساحة مختلفة تمامًا عن المكان اللي چنا بيه.

لكن مع أول خيط ضوء، طلعت الحقيقة اللي حطمت كل آمالنا. كل البيوت... بدون استثناء... رافعة أعلام داعش. هاي مو منطقة مدنيين. هاي منطقة الدواعش وعوائلهم. حتى البيوت الفارغة كانوا رافعين أعلامهم فوگها. وگفنا بحيرة. ما نعرف شنسوي. إحنا هسه بنص منطقة كلها للتنظيم. نزلنا من السطح للطابق الثاني، وبقينا نراقب الشارع من خلال الشبابيك، ندور أي ثغرة، أي فرصة، أي خطأ منهم نكدر نهرب بيه. لكن بدون نتيجة. عبالك داخل سجن كبير... وكل أبوابه مسدودة. بقينا بهذا البيت يومين كاملين. يومين بلا أكل. ويومين بلا ماي. كلت لفاضل: "معقولة راح نستشهد عطشانين مثل الحسين؟" ابتسم ابتسامة تعب، وكال: "هسه إنت كاعد تخوفني لو تهونها عليّ؟" كلتله: "لا... كاعد أسألك." رد بهدوء: "علواه... نموت مثل أبو عبد الله." سكتنا لحظات. وبعدين رجع كال: "بس والله... راسي طك على الجكارة." ضحكت رغم كل اللي إحنا بيه، وكلتله: "ولك عطش وجوع، ومدري يا ساعة نموت، وإنت هامتك الجكارة؟" كال: "جا غير إدمان. مادام أكو قلق وخوف وتوتر، الإنسان يحتاج الشي المتعود عليه." كلتله: "ابقى تفلسف... أبدال ما تشوفلنا حل لهاي الورطة." وأنا أحچي وياه وأراقب الشارع من الشباك، انتبهت إلى سيارتين للتنظيم يتجولن بين البيوت من بعيد كلش، ويوگفن عند كل بيت ويدخلون له. كان واضح أنهم يبحثون عن شيء... حتى لو ما كانوا متأكدين من وجوده. وكل إحساسي كان يكلي إن هذا الشي... إحنا. التفت على فاضل وكلتله: "لازم نترك هذا البيت." كال: "ننتظر الليل... بالنهار مستحيل نتحرك." بقينا ننتظر الليل، لكن التعب كان يقضي علينا. صارلنا ثلاثة أيام تقريبًا ما نمنا. وأول ما حل الظلام، صعدنا للأسطح مرة ثانية. رجعنا نتنقل من بيت إلى بيت، بحذر أكبر من قبل. كل سطح نوصلله، نبقى مختبئين فوقه ربع ساعة أو نص ساعة، نراقب حركة عناصر التنظيم، وإذا هدأت الحركة نعبر للسطح اللي بعده. وبقينا هيچ طول الليل. إلى أن وصلنا بيت حسيناه أكثر أمان من غيره. أول ما كعدنا، كال فاضل وهو بالكاد يفتح عيونه: "أنا بعد ما أكدر... انتهيت. لازم أنام، راسي راح ينفجر." كلتله: "تره انا هم مثلك... بس إذا نمنا شلون؟" كال: "أنام ساعة بس أكسر الدوخة، وإنت ابقى تحرسني. بعدها كعدني، وإنت نام." وافقت. أول ما نام، انتبهت على ساعة معلگة بالحايط. كانت تشير إلى السابعة صباحًا. وجواها صورة لعائلة... أب، وأم، وطفلين... ولد وبنية. أكيد ذولي أصحاب البيت. بمجرد ما شفتها، تذكرت علوش... وزهورة. طلعت موبايلي حتى أتصل. لكن كالعادة... البطارية ميتة. هاي يمكن عاشر مرة أطلعه من جيبي، وكل مرة أتمنى ألكه بيه شحن، وكأن الأمنية وحدها تكدر تشغل البطارية. رجعته لجيبي. حطيت إيدي على الأرضية. كانت باردة جدًا. كلت خل أتمدد شوية، إلى أن تخلص ساعة فاضل. بقيت أحدق بصورة العائلة، وأتخيل أهلي. وبرودة الأرض، مع الإرهاق اللي كان قاتلني، غلبتني. غفيت بدون ما أحس. وبين الغفوة والصحوة... سمعت خطوات شخص يمشي داخل البيت. فتحت عيوني مباشرة، وهزيت فاضل بسرعة. كلتله: "فاضل... اكعد." فتح عيونه بسرعة وكال: "ها... شكو؟" كلتله بصوت ناصي: "أكو شخص داخل البيت... كاعد أسمع خطواته." نهض فورًا، جهز سلاحه، وكال: "جهز سلاحك... ونلزم باب الغرفة. أول ما يوصل... نطلق عليه النار، ونطلع." يتبع..

بقيت أهدي محمد وأحاول أطمنه، وأجذب عليه بسالفة الدعم، حتى أخلي عنده أمل ولو للحظات. مستحيل أكتله بسلاحي... أموت ولا أسويها. وأثناء كلامي وياه، رجعت القوة الجوية تقصف مواقع الدواعش المكشوفة. كانت الضربات قوية ومتتالية، وصوت الانفجارات يغطي على أصوات الرمي. هذا الشي أجبر الدواعش على التراجع والانسحاب من أماكنهم المكشوفة، لكنهم تمركزوا داخل البيوت المقابلة إلنا. صحيح الضغط علينا خف شوي، لكن بنفس الوقت صرنا مكشوفين إلهم أكثر، وانحصرت حركتنا بشكل أكبر. بقينا نراقب أي حركة، وكل دقيقة كنا ننتظر الهجوم يرجع من جديد بعد ما تبتعد الطائرات. محمد فهم الموقف، شافنا محاصرين، وشاف الدواعش ينتظرون انتهاء الغارات الجوية حتى يهجمون علينا مرة ثانية. قرر يموت بعيد عن سكاكينهم. بدأ يزحف بصعوبة، متر وره متر، إلى أن وصل لحفرة قريبة، ورمى نفسه بداخلها. زحفت وراه لحدما وصلت للحفرة. كانت بعمق يقارب ثلاثة أمتار. أول ما وصلته، شفته مستلقي على ظهره. صحت عليه أكثر من مرة، ناديته باسمه، وانتظرت أي حركة أو أي نفس... لكن ماكو رد. محمد استشهد. التفتت على بقية جماعتي، وشفت الموت ياخذهم واحدًا تلو الآخر. اثنين استشهدوا بعد محمد مباشرة، وما بقى غير اثنين وياي... فاضل وداوود. صحت عليهم بأعلى صوتي، وكلتلهم يجون يمي للحفرة حتى نحتمي بتل التراب اللي وراها من نيران القناصة والرمايات المباشرة. وأول ما وصلوا، انتبهت أن داوود مصاب بإطلاقة في صدره، وكان يتنفس بصعوبة. كال فاضل: "ما يصير نبقى بهذا المكان... لازم نغيره بأسرع وقت." بقيت محتار وين نروح. باوعت گدامي، وشفت جامع اسمه الحق المبين، وبصف الجامع فرع صغير وضيق يدخل لداخل المنطقة. كان هذا هو الأمل الوحيد حتى نطلع من مرمى الدواعش. بدينا نزحف تلاثتنا. انا وفاضل نزحف على بطوننا، ونسحب داوود ويانا بصعوبة، بينما الرصاص يمر فوق روسنا بين لحظة والثانية. وبعد جهد كبير وصلنا إلى الفرع، وصار بينا وبين الدواعش ساتر حجبنا عن أنظارهم. سندنا داوود وكملنا بيه داخل الفرع، إلى أن دخلنا أحد البيوت، لأن البقاء بالشارع حتى لو كان ضيقًا كان يعني الموت بأي لحظة. دخلنا إحدى الغرف وخلينا داوود بيها، بعدها طلعت أنا وفاضل نفتش البيت غرفة غرفة، يمكن نلكه أي قطعة قماش، أو حقيبة إسعافات، أو أي شيء يكدر يساعدنا نعالج إصابته. لكن للأسف، ما لكينا أي شيء يفيد. رجعنا يم داوود، ونزع فاضل فانيلته الداخلية، ولفها بقوة حول جرح صدره حتى يوقف النزيف قدر الإمكان. وبعدها بقينا كاعدين يمه بصمت، نراقب أنفاسه، ونسمع أصوات الاشتباكات والانفجارات خارج البيت... إلى أن أجه الليل. اكتشفنا بسرعة أن بقاءنا بهذا البيت مو بصالحنا أبدًا. المنطقة كلها كانت تحت سيطرة داعش، وإذا بقينا أكثر، فمسألة وقت لا أكثر حتى يوصلون إلنا. وفوگ هذا كله، البيت نفسه ما كان يساعد على البقاء. ما بي أكل، ولا ماي، ولا أي شيء يكدر يخلينا نصمد ساعات إضافية. خلينا داوود داخل الغرفة، وخلينا يمه شوية من المؤونة الباقية عدنا. كلتله:"إحنا هسه راح نطلع ندور طريق يطلعنا من هالحصار. إذا لكينا مخرج، راح نرجعلك، وما راح نخليك وحدك. وإذا ما رجعنا... فاعرف إحنا استشهدنا قبلك. وبرّينا الذمة... راح نخليك هنا بأمانة علي بن أبي طالب." طلعنا بهدوء، ومن فتحة صغيرة بباب البيت بدينا نراقب الشارع. المنطقة كانت تعج بعناصر التنظيم. أفراد مسلحون، وعجلات تدور بالشوارع بصورة مستمرة. الغريب أن حركتهم كانت طبيعية، مو مستنفرة، لذلك استبعدنا أنهم عرفوا مكاننا. لكن مجرد وجودهم بكل زاوية كان يعني أن أي خطوة غلط راح تنهي كل شيء. كال فاضل: "لازم نتنقل من مكان لمكان عن طريق أسطح البيوت." وفعلًا، صعدنا إلى السطح، وبدينا نعبر بيت وره بيت، بحذر شديد. نمشي من ساتر إلى ساتر، ونوگف كل شوية حتى نتأكد ماكو أحد شايفنا. يمكن عبرنا أكثر من خمسمية بيت. رجلي بدت تتخدر من التعب، وظهري تكسر من كثرة الزحف والقفز بين الأسطح. تعب... وإرهاق... وجوع... وعطش... وما أخفيكم... حتى خوف. إي نعم... خفت. خفت من الأسر. خفت من الذبح. وخفت تكون هاي آخر مرة أشوف بيها عائلتي. كل خطوة أخطيها، أشوف وجه واحد من إخواني گدامي، أو طفل من أطفالي. أمي وأبوي ما فارگوا مخيلتي لحظة واحدة، وكأنهم يمشون وياي فوگ هاي الأسطح. استمرينا نعبر من بيت لبيت، إلى أن وصلنا لمنطقة جانت بيها كهرباء. وجود الكهرباء كان أول علامة حياة شفناها من ساعات طويلة. شفنا مولدة كهرباء تشتغل، وولد واگف يمها. لأول مرة حسينا أن أكو حياة طبيعية وسط هاي المدينة المحترقة. باوعت لفاضل وكلتله: "شنو الرأي؟" كال: "اصبر... ننتظر للصبح وندخل للمنطقة." رجع الأمل يدب بينا من جديد. بقينا نعد الساعات. ما بقى على الصبح غير ثلاث ساعات، وكل دقيقة كانت تمر وكأنها ساعة كاملة. وأخيرًا... طلع الفجر.

اليوم الصبح، من طلعت وشفت منطقتنا كلها تغلي بالحركة، جدور القيمة على النار، والدخان يملأ السماء، والناس بين طبخ وتوزيع وخدمة. وقفت أسأل نفسي، شنو اللي يخلي هاي الناس تصرف من مالها بسخاء؟ يمكن أقل بيت صرف مليون دينا، حتى يقدم الطعام باسم إنسان استشهد قبل أكثر من 1400 سنة. شنو اللي يخليهم يتوسلون بالناس حتى ياكلون من ثوابهم؟ وشنو اللي يخلي زلم ونسوان يوگفون ساعات طويلة كدام النار بحرّ الصيف اللاهب وهم يبتسمون وكأنهم هم أصحاب النعمة؟ كلما حاولت أجاوب، أرجع لنفس النتيجة... يا أخي، غريب أمر الشيعة. ما أظن التاريخ عرف وفاء تناقلته الأجيال مثل وفاء الشيعة لأهل البيت. علاقة ما انبنت على مصلحة، ولا على خوف، ولا على مكسب دنيوي، وإنما على حب بقي يكبر جيلاً بعد جيل. وأنا أفكر بكل هذا، اعترضني طفلان على الطريق يوزعون فواكه. أخذت منهم ومشيت، ولما رجعت بنفس الشارع، اعترضوني مرة ثانية. ابتسمت وكلتلهم عمو أخذت منكم قبل شوي. ابتسموا أكثر، وكالوا اخذ عمو... هذا آخر سفري. بقيت أفكر بهذا الموقف أكثر من الفاكهة نفسها. ليش هذا الطفل يسعى للعطاء؟ الأطفال بطبيعتهم يحبون الأخذ أكثر من العطاء، وإذا أعطوا، يعطون لمن يحبون. شنو يعرف هذا الطفل عن الحسين؟ وشلون گدروا أهله يغرسون بقلبه هذا الحب؟ شلون اقتنع، وهو بهذا العمر، أن خدمة الحسين شرف، وأن الحسين سفينة النجاة؟ وإلى أي حد يبلغ أثر هذه القضية في النفوس، حتى يصبح طفل لم يعرف من الدنيا إلا سنوات قليلة، يبحث هو الآخر عن النجاة بخدمة رجل استشهد قبل أكثر من أربعة عشر قرن؟ هنا فهمت أن الخلود... هو أن تحرك التاريخ من وراء قبرك. أحياناً أتساءل هل الشيعة هم الذين خلدوا الحسين، أم أن الحسين هو الذي تخلد فيهم؟ اختلط الحسين بالشيعة حتى تشابهت الأدوار. كانت مهمة الحسين أن يموت بطلاً مظلوماً، وكانت مهمة الشيعة أن يبقوه حيًا بعد كل تلك الفواجع وكأنهم منذ أربعة عشر قرناً، يحاولون أن يثبتوا للعالم بعدما أثبتوا لأنفسهم أن ليست كل الطرق التي تنتهي بالموت... طرقاً خاسرة.

وقبل ما أعيش حزني، شفت محمد، صديقي، متصوب وينزف بغزارة ويجر النفس بالقوة. صاح باسمي. رديت عليه. كال: "قاسم... ما أريد ذولي الأنجاس ياخذوني أسير ويمثلون بجثتي... إنت اكتلني بسلاحي." كتله: "إنت خبل؟ يا موت هذا التحجي بيه؟ الدعم جاينا واحنا مو لوحدنا. وأصلاً جرحك مو قوي، وهسة نكسر الحصار وتطلع ويانا." كال: "قاسم... مثل ما أكلك." وسكت لحظة، ثم كمل: "قاسم... أموت بتفكتك أحسن من السجين." "قاسم... أخاف من السجين ومن التعلعل." يتبع ...

احنا هسة ثمانية جنود محاصرين من كل الجهات. الموت بكل مكان. وأنا... أحس النهاية صارت قريبة كلش مني. المكان اللي كنا بيه تكدر تكول عنه عشوائي. صبات على جانب الطريق، والبيوت مو مصطفة بانتظام. بدينا نتحرك واحد وره الثاني، ونتخفى بين الصبات والسياج. صوت الرمي خف شوية، وهذا خلانا نكمل التقدم بحذر. إلى أن دخلنا بشارع فرعي ضيق جداً، عرضه ما يتجاوز المتر الواحد. كنا نمشي بانتظام، واحد وره الثاني، نحاول قدر الإمكان ما نطلع أي صوت وما نجذب الانتباه. كان فاضل يمشي كدامنا، ووراه جابر، وأنا الثالث، ووراي خمسة جنود. أثناء المسير، جانت أكو فتحة أو فرع صغير من الشارع اللي كنا نمشي بيه. عبره فاضل أولاً. وأول ما صار جابر بنصه... بدأ الرمي العشوائي علينا. أول طلقة أجت برأس جابر. دخلت من صفحة راسه اليسرى وطلعت من الجهة الثانية. دخلت مثل چوية الجكارة، لكن خروجها خلّف فجوة كبيرة. خلال لحظة وحدة، الدم ملأ وجهي وملابسي. بس الموقف اللي احنا بيه ما كان يسمح بالحزن. كان يتطلب ابتلاع الصدمات وتجاهلها. ماكو وقت لهاي التفاصيل. المهم هسة نطلع سالمين. فاضل أخذ جهة وبلش يرمي على داعش، وأنا أخذت الجهة الثانية. سوينا تغطية لباقي أخوتنا حتى يعبرون. وفعلاً كدرنا نعبر. لكن المشكلة كانت بالمكان اللي وصلناله. كانت منطقة مفتوحة بالكامل، يسهل اصطيادنا بيها. مو مثل الأزقة الضيقة اللي تكدر تحتمي بيها. اللي كان يفصلنا عن الدواعش مجرد سياج من البلوك، وعلى جانبيه صبات، ولازم نعبرهن للجهة الثانية. الموقف كان صعب... صعب أكثر مما تتصورون. يوسف كان يسحب النفس بالقوة. جسمه ضعيف، وفوك هذا كله شايل سلاحه، وستة مخازن، وعلبة على ظهره، وجنطته العسكرية. تعب كلش. يوسف هذا من العمارة... من مدينتي. وهذا الحشاش مالتنا. إنسان فكاهي بشكل غريب، يخليك تحبه لو كاتل أبوك. ولأنه كان تعبان، جان مستعجل يعبر للجهة الثانية. وبصراحة، بهيج مواقف نحتاج شخص يشجعنا ويكسر الخوف. بقينا نباوع واحد بوجه الثاني. احنا هسة سبعة. جابر استشهد، وتركنا جثته ورانا. يوسف، بلا تردد، عبر للجهة الثانية. قررت أعبر وراه مباشرة. لكن بنفس اللحظة، ضربت أربع قذائف هاون المكان اللي احنا بيه. كطعت تفكيري. وألغت قراري. وحطمت السياج بالكامل. بقينا محتمين بالصبات. صوت القصف، والهدوء اللي المفروض يجي بعده، ما طول. رجع صوت الرصاص العشوائي من جديد. سمعت صوت يوسف. كانت تفصل بيني وبينه مجرد صبة. يوسف صار بجهة الدواعش. سمعته يون بصوت عالي. كتله: "يوسف، اعبر إلنا بسرعة خل ننهزم... تره راح يوصلوك!" كال: "ما أكدر... قاسم، جسمي تكطع بالشضايا." سكتت. ما عرفت شنو أسوي ولا شنو أرد عليه. بعدها صاح: "قاسم... تسمعني؟" كتله: "إي، أسمعك." كال: "قاسم، أنا فاتح رمانة بأيدي... أخذها مني واشمرها عليهم، راح أعبرها إلك." سكتت ثواني. بعدين كتله: "يوسف، إذا أخذها من إيدك راح تنفجر علينا كلنا، لأن أمانها مفتوح... اشمرها إنت عليهم." كال بصوت مكسور: "أنا ما أكدر أرفع إيدي... ما أكدر قاسم... ما أكدر وما أريد أموت." صوته المكسور كسرني. ما عرفت شسوي. رفعت راسي من فوك الصبة وشفت عناصر داعش كاعدين يتقدمون باتجاهنا، ويرمون بشكل عشوائي. شافني فاضل وكال: "بشر سمسم... ماش؟" كتله: "الدواعش وصلونا." كال: "إي وشمتاني؟ طلع سلاحك وارمي عليهم خل يتراجعون ويوكفون... لو تريد تصير راتب بجوراب مرتك؟" كتله: "ولك إذا أرمي عليهم راح يندلون مكاننا." كال: "وإذا ما رميت عليهم راح يوصلونا ويندلون مكاننا ويكتلونا." شفت كلامه منطقي. مباشرة سحبت سلاحي وبلشت أرمي عليهم. وفعلاً، وكفوا بمكانهم. لكن بالمقابل كثفوا الرمي علينا. انسدحت على الأرض. وبديت أباوع للسما. الرمي، والشهداء، والموقف كله... فصلت عنه للحظات. بقيت أتذكر أطفالي. أمي وأبوي. زوجتي. إخوتي. بديت أتخيل شراح يصير من يوصلهم خبر استشهادي. احنا البيت الوحيد بالمنطقة الما بيه شهيد. خلص... خل تفتخر أمي صار عدها شهيد. هسة تكدر تتنومس بين أقرانها. بس ما أعتقد راح تبقى عايشة بعد هذا الفخر. فخر ممزوج بحزن وقهر عميق. وهي مرة كبيرة بالعمر. طلعت تليفوني واتصلت بيها. بقينا نحجي شوي. ما كلتلها إنّا محاصرين، وإن المسألة مسألة وقت. كالت: "يمه، أكو رصاص يمكم... ولك قاسم يمه سولفلي." كلتلها: "يمه جا غير حرب... شتردين تسمعين؟ رعد الناصري؟ أكيد رصاص. بس لا تخافين، أنا كاعد جوه، وهذا الصوت طبيعي، يومية نسمعه وبعيد عنا." وبعدين كلتلها: "المهم يمه... خاف كلشي يصير، ما أوصيج على روحج. وتذكري، أنا لو يم أبو عبد الله لو يمج، بالحالتين ربحان." "وما أوصيج على أفريخاتي... ذوله روحي." "وامريتي تعرفينها بعد... اختيارج وتربيتج. هي صح ثولة وما تعرف تسكت، بس طيبة وتعزج." "وسلميلي على أبوي وإخوتي." جنت أحجي وأسمع نحيب أمي وبجيها. ما تحملت. ما أتحمل أشوفها ضايجة، مو النوب تبجي. سديت الاتصال.

اجتمع بينا أمر الفوج، العقيد حسن من السماوة، وكال: "راح نبقى هنا بالمصرف، وماكو كدامنا خيار غير أنو نحارب لحد ما تنفذ ذخيرتنا ونبقى ننتظر الدعم. إذا اجى... انكتبلنا عمر. وإذا ما اجى... فأحسن خاتمة للإنسان إنّه يموت دفاعاً عن أرضه وعرضه ومقدساته." كان ويانا فاضل من الديوانية. شاب أسمراني، سبع بكل معنى الكلمة. متزوج من خمسة أشهر فقط، ووعدني إذا رزقه الله طفل يسمّيه قاسم، على اسمي. فاضل كان عابر مرحلة الشجاعة من زمان. واصل لمرحلة ثانية، مرحلة التهور بالشجاعة. هاي الشجاعة نفسها كانت قد كلفته إصابة سابقة، ولحد هسه ما أعرف شلون بقى عايش ورجع لدوامه ورجع يقاتل ويانا. صحيح الشجاعة مطلوبة بالعسكرية، ومطلوبة بالحياة بصورة عامة، لكن من تصير عسكري وتصادق شخص وتحبه وتعتبره أخوك، تصير حريص عليه. تريده يسيطر على شجاعته أكثر، ويفكر بعقله بدل قلبه وقت المعارك. فاضل يسكن بالشامية. بصراحة، قبل لا أعرفه ما جنت أدري أصلاً أكو مدينة بالعراق اسمها الشامية. وانا مثل ما كلتلكم، قليل السفر بسبب دوامي. أروح للنجف وكربلاء للزيارة، وبغداد وسامراء لأنهن صايرات بطريق التحاقاتي، لذلك ما كانت عندي معرفة كبيرة بباقي المدن. المهم... نزل فاضل وحاجى أمر الفوج العقيد حسن، وكاله: "سيدي، أكو مسار يطلعنا من هذا الحصار ويوصلنا لقاطع تحت سيطرة الحشد." بالحرب تعلمت شغلة مهمة. الجيوش النظامية، إذا كان هدفها السيطرة على مدينة بأقل الخسائر، فغالباً تفتح للعدو منفذاً ضيقاً ينسحب منه بدل ما تدخل بمعركة طويلة ممكن تخسر بيها شهداء وجرحى. داعش مو جيش نظامي... داعش عصابة إرهابية. بس مع ذلك، كانوا تاركين شارع ضيق جداً وكأنه منفذ للانسحاب. كل الشوارع الثانية كانت مليانة براياتهم ومركباتهم وعناصرهم، إلا هذا الشارع... كان فارغاً تماماً. حضرنا معداتنا وأسلحتنا، وصعدنا للمركبات حتى ننسحب. وأول ما دخلنا ذاك الشارع... طلعوا عناصر داعش من الخفاء. من فوق البيوت. من الأزقة. من خلف الأسوار. حاصرونا من كل مكان، وبلشوا يرمونا بالقذائف والرشاشات. الرصاص كان ينزل مثل المطر. لدرجة أن الإنسان إذا يحجي ما يكدر يسمع نفسه من شدة صوت الرمي واستمراره. كانت المسافة بينا وبينهم قريبة جداً. لدرجة جنت أكدر أشوف وجوههم بوضوح، وأشوفهم شلون يبدلون مخازن أسلحتهم بعدما تنفذ الذخيرة منها. كنت أشوف شفايفهم تتحرك، لكن ما أسمع شنو يكولون. أعتقد كانوا يكبرون. احنا استمرينا بالانسحاب ورد التعرض قدر المستطاع. لكن أول ما وصلنا إلى منتصف الشارع، بدأت سياراتنا تنفجر الواحدة تلو الأخرى. الشارع كله كان مفخخ، وعبوره صار شبه مستحيل. ركضت بكل قوتي وكمشت بهمر، لزمتها وبقيت متمسك بيها. شفت السيارة اللي ورانا انفجرت. بعض الجنود اللي بيها گدروا يطلعون ويركضون ورانا، والبعض الآخر بقى داخلها وما كدر يطلع. واحد من اللي نجوا كان اسمه حسن. شفت حسن يركض ورانا ويمد إيده إليّ، يريدني أسحبه. حسن هذا ما أعرف شلون أوصفه الكم. مواليد 1996، يعني كان عمره بوقتها 19 سنة فقط. أصغر جندي بيناتنا. هادئ جداً، ونادراً ما تسمع صوته. يحترم الجميع ويتعامل ويانا وكأننا إخوته الكبار. كان أكبر واحد بعائلته، وعنده أختين أصغر منه. بعد وفاة والدته تزوج والده مرة ثانية، وشبه هجرهم، فانجبر حسن يقدم على العسكرية حتى يعيل نفسه وأخواته. أول ما اجانا كان خايف، ودائماً يكعد وحده. لكن مع الأيام كدرنا نحتويه ونحسسه بجو الأخوة والعائلة. أتذكر البارحة قبل المعركة. ردت أنام، وكان حسن يخابر يم راسي. جنت نعسان كلش، فضجت وصحت عليه. هو، بين المستحي والزعلان، سد التليفون وكال: "أبو علي، ذني أخواتي... يطمنن علي." عفته ونمت، وكلت الصبح أصالحه. المهم... مديت إيدي إله ولزمتها. وأول ما سحبته حتى أصعده للسيارة، اجته طلقة براسه. المسافة كانت قريبة جداً. والطلقة كانت من سلاح "بكتا" فجرت راسه بالكامل. ما بقى منه شي. بقت إيده بإيدي. ولأقل من دقيقة بقيت أسحب بجثة هامدة، وكأن عقلي رافض يستوعب اللي صار. بعدين تركته. وانجبرت أتصرف وكأن ما صار شي، وأحاول أطلع نفسي من هذا الموت المحقق. وبعد مدة قصيرة جداً، ومسافة أقصر منها، أكثر من ثمانية جنود كمشوا بيه. واحد لازم السيارة. واحد مكمش بسلاحي. واحد بظهري. واحد بخصري. الكل كان يحاول ينجو. ولأن الوزن صار ثقيل، إيديه خدرن. ولا إرادياً فلتن من السيارة. سقطت على الأرض. وسقطوا وياي أكثر من جندي. مباشرة كمت وكفت، وصرت أركض خلف السيارة، أنا وأصدقائي الجنود. كان ركضي بطيئاً بسبب ثقل السلاح والمعدات. وأثناء الركض شفت سياراتنا گدرت تعبر الشارع وتطلع من منطقة الخطر. بهذه اللحظة حسيت بالأمل. لكن لفترة قصيرة فقط. قبل ما يظهرون عناصر داعش ويعرضون صهريج بنص الشارع، ويقطعون الطريق علينا بالكامل. هنا عرفت... ماكو أمل بعد. نحتاج معجزة حتى نكدر نطلع من هذا المكان.

وقتها حسيتها قصة مبالغ بيها. گلت بيني وبين نفسي: ماكو هيج بشر. مستحيل. لكن بعدين شفت بعيني. شفت وجوههم. وجوه مخيفة، لكنها جبانة. وشفت شلون كانوا يصنعون هيبتهم. مو بالشجاعة. مو بالرجولة. ولا بالمواجهة. كانوا يصنعونها بقتل الأطفال. وبذبح العزل. وبالغدر. وبخيانة الأرض اللي ولدتهم. ولهذا السبب، من وصل أمر التحرك للرمادي، عرفنا كلنا أن الأيام الجاية راح تكون ثقيلة... وما كنا ندري أن اللي ينتظرنا هناك، راح يغير حياة أكثر من شخص إلى الأبد. وأول ما دخلنا المدينة وبدلنا الوجبة واستلمنا الواجبات، وبعدنا حتى ما مستقرين... صار علينا تعرض من عصابات داعش. ما كان شي مستغرب. هذا الروتين اليومي مالنا من أول يوم دخلنا الحرب. رصاص، قنص، هاونات، عجلات مفخخة... كلها صارت جزء من تفاصيل يومنا. مرت ستة أيام كاملة على هذا الحال. معارك مستمرة بدون انقطاع. ممكن تهدأ ساعتين أو ثلاث ساعات، وبعدين ترجع تشتعل من جديد. نحرر شارع... يرجعون يحتلوه. نسترجعه مرة ثانية... ونحرر حي ثاني. وهكذا. حرب استنزاف طويلة. لدرجة مرات ما نلگى وقت ناكل بيه. أتذكر أكثر من مرة تغدينا داخل الهمر. واحد يظل يرمي ويغطي. والثاني ياكل بسرعة. ومن يخلص يمسك الرشاش بمكان صاحبه حتى ياكل هو الآخر. هاي كانت حياتنا اليومية. الأكل مستعجل. النوم مستعجل. وحتى الدعاء جان مستعجل. الخطة اللي كانت عدنا ذاك الوقت هي السيطرة على مصرف الدم. البناية كانت تعتبر أعلى بناية بقاطع العمليات اللي احنا بيه. ومن يسيطر عليها، يسيطر على مساحة واسعة من المنطقة. ولهذا كانت مهمة جداً. وبعد معارك شرسة استمرت ساعات طويلة، كدرنا نسيطر عليها. والحمد لله خسائرنا كانت جرحى فقط. ما انطينا أي شهيد بذلك الهجوم. كانت مهمتنا تحرير المناطق. وبعد التحرير يجي فوج من الجيش أو قوات ثانية حتى تمسك الأرض وتثبت الأمن. لأن احنا مدربين بالدرجة الأولى على حرب الشوارع والمناطق المكتظة. وأصلاً تأسست قوات الرد السريع حتى تكون قوة اقتحام وتحرك سريع. وكان على جانبنا قطعات من الجيش العراقي. وويانا بالمعارك الشرطة الاتحادية أيضاً. بعد ستة أيام من القتال المستمر، وبعد ما ثبتنا سيطرتنا على مصرف الدم وأمنت القوات الصديقة المنطقة المحيطة بيه... إجانا خبر زين لأول مرة من أيام. استراحة. ليلة وحدة فقط. لكن بهيج ظروف، ليلة وحدة بدون قتال تعتبر نعمة. نمنا ذاك الليل وإحنا مخططين من الصبح نباشر بالمرحلة الثانية من العمليات ونكمل تحرير مركز المدينة. لكن اللي صار الصبح... ما كان بالحسبان. صحينا من النوم. واحد يدور على الجيش. الثاني يدور على الشرطة الاتحادية. الثالث يسأل نقاط الحراسة. خلال أقل من ربع ساعة، عرفنا الحقيقة. ماكو أحد. الجيش منسحب. والشرطة الاتحادية منسحبة. وبس احنا باقين. انا لهسة أذكر شعور الصدمة اللي ضربنا كلنا بنفس اللحظة. مو لأنهم انسحبوا. لكن لأن محد بلغنا. ولا أحد فهمنا شنو اللي دايصير. بلغنا القيادة فوراً. وانتظرنا التوجيه. وبعد فترة جان الرد: "انسحبوا فوراً... المدينة فارغة من السكان، والقوة الجوية راح تباشر بالقصف." أخذنا نفس طويل. وقررنا نصعد لسطح المصرف. الهدف كان نسوي اطلاع سريع على المنطقة. نشوف أقرب طريق آمن للانسحاب. ومن هناك نبدي التحرك. صعدنا للسطح. والجو كان هادئ بشكل غريب. هادئ أكثر من اللازم. تقدمت للحافة ونظرت للشارع. بعدين للجهة الثانية. بعدين للثالثة. وفجأة... تجمد الدم بعروقي. التفت على الشباب وشفت نفس النظرة بعيونهم. نظرة الإنسان اللي فهم المصيبة قبل لا ينطقها. كنا محاصرين. من كل الجهات. ماكو شارع مفتوح. ماكو ممر آمن. وماكو طريق انسحاب. وكأن المدينة كلها سكرت أبوابها بوجهنا بلحظة وحدة... يتبع ...

وقتها حسيتها قصة مبالغ بيها. گلت بيني وبين نفسي: ماكو هيج بشر. مستحيل. لكن بعدين شفت بعيني. شفت وجوههم. وجوه مخيفة، لكنها جبانة. وشفت شلون كانوا يصنعون هيبتهم. مو بالشجاعة. مو بالرجولة. ولا بالمواجهة. كانوا يصنعونها بقتل الأطفال. وبذبح العزل. وبالغدر. وبخيانة الأرض اللي ولدتهم. ولهذا السبب، من وصل أمر التحرك للرمادي، عرفنا كلنا أن الأيام الجاية راح تكون ثقيلة... وما كنا ندري أن اللي ينتظرنا هناك، راح يغير حياة أكثر من شخص إلى الأبد. وأول ما دخلنا المدينة وبدلنا الوجبة واستلمنا الواجبات، وبعدنا حتى ما مستقرين... صار علينا تعرض من عصابات داعش. ما كان شي مستغرب. هذا الروتين اليومي مالنا من أول يوم دخلنا الحرب. رصاص، قنص، هاونات، عجلات مفخخة... كلها صارت جزء من تفاصيل يومنا. مرت ستة أيام كاملة على هذا الحال. معارك مستمرة بدون انقطاع. ممكن تهدأ ساعتين أو ثلاث ساعات، وبعدين ترجع تشتعل من جديد. نحرر شارع... يرجعون يحتلوه. نسترجعه مرة ثانية... ونحرر حي ثاني. وهكذا. حرب استنزاف طويلة. لدرجة مرات ما نلگى وقت ناكل بيه. أتذكر أكثر من مرة تغدينا داخل الهمر. واحد يظل يرمي ويغطي. والثاني ياكل بسرعة. ومن يخلص يمسك الرشاش بمكان صاحبه حتى ياكل هو الآخر. هاي كانت حياتنا اليومية. الأكل مستعجل. النوم مستعجل. وحتى الدعاء جان مستعجل. الخطة اللي كانت عدنا ذاك الوقت هي السيطرة على مصرف الدم. البناية كانت تعتبر أعلى بناية بقاطع العمليات اللي احنا بيه. ومن يسيطر عليها، يسيطر على مساحة واسعة من المنطقة. ولهذا كانت مهمة جداً. وبعد معارك شرسة استمرت ساعات طويلة، كدرنا نسيطر عليها. والحمد لله خسائرنا كانت جرحى فقط. ما انطينا أي شهيد بذلك الهجوم. كانت مهمتنا تحرير المناطق. وبعد التحرير يجي فوج من الجيش أو قوات ثانية حتى تمسك الأرض وتثبت الأمن. لأن احنا مدربين بالدرجة الأولى على حرب الشوارع والمناطق المكتظة. وأصلاً تأسست قوات الرد السريع حتى تكون قوة اقتحام وتحرك سريع. وكان على جانبنا قطعات من الجيش العراقي. وويانا بالمعارك الشرطة الاتحادية أيضاً. بعد ستة أيام من القتال المستمر، وبعد ما ثبتنا سيطرتنا على مصرف الدم وأمنت القوات الصديقة المنطقة المحيطة بيه... إجانا خبر زين لأول مرة من أيام. استراحة. ليلة وحدة فقط. لكن بهيج ظروف، ليلة وحدة بدون قتال تعتبر نعمة. نمنا ذاك الليل وإحنا مخططين من الصبح نباشر بالمرحلة الثانية من العمليات ونكمل تحرير مركز المدينة. لكن اللي صار الصبح... ما كان بالحسبان. صحينا من النوم. واحد يدور على الجيش. الثاني يدور على الشرطة الاتحادية. الثالث يسأل نقاط الحراسة. خلال أقل من ربع ساعة، عرفنا الحقيقة. ماكو أحد. الجيش منسحب. والشرطة الاتحادية منسحبة. وبس احنا باقين. انا لهسة أذكر شعور الصدمة اللي ضربنا كلنا بنفس اللحظة. مو لأنهم انسحبوا. لكن لأن محد بلغنا. ولا أحد فهمنا شنو اللي دايصير. بلغنا القيادة فوراً. وانتظرنا التوجيه. وبعد فترة جان الرد: "انسحبوا فوراً... المدينة فارغة من السكان، والقوة الجوية راح تباشر بالقصف." أخذنا نفس طويل. وقررنا نصعد لسطح المصرف. الهدف كان نسوي اطلاع سريع على المنطقة. نشوف أقرب طريق آمن للانسحاب. ومن هناك نبدي التحرك. صعدنا للسطح. والجو كان هادئ بشكل غريب. هادئ أكثر من اللازم. تقدمت للحافة ونظرت للشارع. بعدين للجهة الثانية. بعدين للثالثة. وفجأة... تجمد الدم بعروقي. التفت على الشباب وشفت نفس النظرة بعيونهم. نظرة الإنسان اللي فهم المصيبة قبل لا ينطقها. كنا محاصرين. من كل الجهات. ماكو شارع مفتوح. ماكو ممر آمن. وماكو طريق انسحاب. وكأن المدينة كلها سكرت أبوابها بوجهنا بلحظة وحدة... يتبع...

أكو أيام تبقى عالقة بالذاكرة مهما مرت السنين، مو لأن بيها حدث استثنائي، وإنما لأنك من تذكرها تحس بنفس البرد، بنفس الخوف، ونفس الشعور اللي كان بقلبك ذاك اليوم. انا٩قاسم، شاب من مدينة العمارة.. مدينة حلوة وجميلة، زراعية عشائرية، مميزة بأهلها وناسها البسطاء. مدينة إذا غبت عنها تشتاقلها، وإذا رجعتلها تحس الدنيا كلها صارت أخف على روحك. انا منتسب بقوات الرد السريع التابعة لوزارة الداخلية العراقية. يعني عسكري، وأنتم تعرفون حياة العسكري شلون صايرة. حياة مبنية على الانتظار. تنتظر الإجازة، تنتظر الواجب الجاي، تنتظر اتصال من أهلك يطمنك عليهم، وأحياناً تنتظر الموت وهو يدور بمكان قريب منك. ما تكدر تسافر براحتك، وإذا سافرت لازم تحسب الأيام وحدة وحدة لأن إجازاتنا عشرة أيام. مناسبات أهلك وناسك تعتمد على الحظ، أنت وحظك... إذا كنت بالبيت حضرت فرحتهم وأحزانهم، وإذا كنت بالدوام تكتفي بصورة أو تسجيل فيديو ينرسلك بعد ما يخلص كلشي. المهم... بشتاء سنة 2015، كان الجو بارد بشكل مو طبيعي. الليل طويل، والريح تضرب الشبابيك كأنها تريد تقتلعها. وصادف ذاك اليوم يوم الالتحاق. وشكد أكره هذا اليوم. أكره الالتحاق. مو لأن أخاف من الحرب... لا أبداً. الحرب بالنسبة إلنا مثل اللون الأسود لعبايات نسوان الجنوب، تلوگ إلنا واحنا إلها. تعودنا عليها. لكن اللي ما تعودت عليه هو الوداع. أكره أطلع من البيت وأترك أطفالي وراي، وانا ما أعرف إذا راح أرجعلهم لو لا. تردون الصدك؟ من تزوجت وصار عندي أطفال، صرت أخاف من الموت أكثر من أي وقت مضى. مو خوفاً على نفسي. خوفاً عليهم. مرات أظل أفكر: إذا متت اليوم، شراح يصير بيهم؟ منو راح يكبرهم؟ منو راح يحضر أول نجاح إلهم؟ منو راح يمسح دموعهم إذا احتاجوا أبوهم وما لكوه؟ لكن ما باليد حيلة. هذا واجبنا تجاه وطننا ومقدساتنا. وبنفس الوقت مصدر رزقنا. ومن المؤسف أن الدفاع عن الوطن صار مصدر رزق، بنفس الوقت اللي صارت بيه سرقة الوطن مصدر رزق لأشخاص آخرين. طلعت قبل الفجر بساعة تقريباً. البيت كله ساكت. حتى أصوات الكلاب بالشارع كانت مختفية من شدة البرد. مشيت بخفة بين الغرف حتى لا أصحي أحد. وقفت يم أطفالي. بست علاوي أولاً. علاوي ابني الچبير، عمره ست سنوات، وكح حيل... أو مثلما يحب المثقفين يسموه "مشاكس". هذا الطفل ما يعرف الهدوء. كل يوم مسوي سالفة، وكل يوم مخلي أمه تركض وراه. لكن الغريب أن البيت كله يصير فارغ إذا يغيب ساعة وحدة. بعدها التفتت على زهورة. زهورة غير. هادئة، حبابة، وكلامها قليل. مرات أحسها أمي مو بنتي. عجيبة هاي البنية، تنطي أمومة وحنان أكثر من عمرها بسنين. بستهم وغطيتهم زين. بعدين طلعت. ومن سديت باب البيت وراي، حسيت بذاك الشعور القديم رجع من جديد... شعور الإنسان اللي يترك قطعة من روحه وراه. وصلت للدوام، وبعدها تحركنا للرمادي. وصلني أخوي الچبير غالب لكراج بغداد. غالب متزوج وعنده أطفال، والحمد لله وضعه مستقر، لكن رغم هذا كله عمره ما انشغل بنفسه عنا. صح احنا كلمن ساكن ببيت وحده، يعني عازل ومستقل بحياته، بس غالب دائماً قريب منا. كل يوم يزور واحد من أخوانه. يتطمن علينا، يشوف شنو ناقصنا، وإذا أكو مشكلة يحاول يحلها قبل لا نطلب منه. مو لأن احنا محتاجين مادياً، الحمد لله كل واحد منا ساتر نفسه. لكن غالب عنده حب غريب للبذل والعطاء. أكو ناس ترتاح من تشوف الفلوس تكبر بحسابها، وغالب يرتاح من يشوف الناس اللي حواليه مرتاحة. وصلت بغداد، ومن هناك صعدت وي تكسي للأنبار. السايق جان من الحلة، ولد صاحبنا. من بلشت الحرب لليوم، أغلب السيارات الخصوصي اللي تنقل الجنود من مناطق سكنهم للمناطق الساخنة، سواقها من الجنوب والوسط. أكو ناس كانت تخاف إذا كان السايق من المناطق الغربية. يگولون يمكن يكون علاس، ويمكن يبلغ عنا أو يودينا بمكان خطر. انا كنت ضد هاي الفكرة من الأساس. وضد هاي الإشاعة. إذا إحنا معتبرين أهل هاي المناطق أعداء، ليش رايحين نحرر أرضهم أصلاً؟ هاي أرضهم وأرضنا بنفس الوقت. وإحنا بالنهاية بلد واحد. إذن ما يصير نعمم على الناس كلها بسبب أفعال قسم منهم. الخيانة إلها أصحابها بكل مكان، والوفة إلها أصحابها بكل مكان الأنبار بشكل عام، والرمادي بشكل خاص، كانت من أصعب المدن اللي واجهتنا بالحرب ضد داعش. مو لأن الأرض صعبة. ولا لأن السلاح أقوى. لكن لأنك كنت تواجه ناس فقدوا كل معنى للإنسانية. قبل هذا الالتحاق بفترة، كنا محررين منطقة صغيرة هناك. وأتذكر واحد من النازحين، رجل بعمر الخمسين تقريباً، كان جالس يمنا وعينه مليانة دموع. گال بصوت مكسور: "الدواعش أجبروا ابني، عمره 13 سنة، يذبح أمه كدام عيوننا."

بعضُ المعارك تنتهي بانتصار طرفٍ على آخر… إلا كربلاء، انتهت بانتصار الألم على الزمن.

سقط العباس… فسقط آخرُ جدارٍ كان يحتمي به المخيم.

بمناسبة إن ذيل ترامب صار أول تريليونير بالتاريخ أميركا الرأسمالية طول عمرها عبء مدري عبئ على البشرية بس جان عبء يمكن تحمله، ه
بمناسبة إن ذيل ترامب صار أول تريليونير بالتاريخ أميركا الرأسمالية طول عمرها عبء مدري عبئ على البشرية بس جان عبء يمكن تحمله، هسة تحولت هي وطبقتها الرأسمالية لعبء رياضي وسياسي ووجودي لا يمكن تحمله ولا استمراره شكم سنة ليكدام ويجب التخلص منه اليوم قبل باجر إذا البشرية تريد تحافظ على أدنى أمل بالبقاء بشكلها الحالي ٥٠ أو ٦٠ سنة لأن التناقضات واصلة لمراحل مستحيل استمرارها بمنطق رياضي أصلا ناهيك عن السياسي، وبشكل يتجاوز حتى تحليلات ماركس عن تناقضات الرأسمالية وبعدين روسيا بالمناسبة جانت آخر بلد متوقع يصير بيها ثورة عمالية اشتراكية بسبب سيادة التصور المرحلي عن الانتقال إلى الشيوعية اللي لازم تمر بمرحلة الرأسمالية الصناعية الأول فيعني ماكو شي بعيد على الله ولا على عشوائية التاريخ

بالبداية خلي نكون على قناعة تامة بأن دول الخليج هي اللي راح تدفع الـ300 مليار لإيران. وهمّ نفسهم دفعوا لاميركا مئات المليارات نظير نشر قوات اميركا والكيان عدهم لحمايتهم من الصواريخ! زين ليش دول الخليج تدفع "تعويضات الحرب"؟ هل هي الطرف المهزوم؟ شلون وهمّ اصلا مااطلقوا ضرطـ ـة وحدة على اي من طرفي الحرب!! لك حتى ما ردوا على الصواريخ الايرانية ولا حاولوا يسقطونها كلها اسقطتها الدفاعات الجوية الأميركية جيوش الخليج انهزمت لانهم لم يحاربوا، الجيوش التى لا تحارب عند الضرورة تنهزم جيوش الخليج من اكبر مستوردي السلاح فى العالم وتمتلك احدث الاسلحة بالمقارنة بايران المحاصرة ولكنهم يفتقدون عقيدة القتال فاصبحت جيوش خاملة متخمة، اصبحت هذه الجيوش عبئا كبيرا على الوطن ولم تعد سلاحا للوطن. جيوش الخليج لا تصنع سلاحها بل تكتفي بشراءه فقط ليعملوا به العروض العسكرية ثم اعادته للمخازن ليصدي جيوش الخليج تشتري فقط ما يسمح الغرب لها من شراءه بمئات المليارات من ثروات الدولة، بل وتسرق السلطات مليارات العمولات (فضيحة اليمامة مثال) أميركا لم تنتصر وايران لم تنهزم اللي انهزم هو الخليج

الشجاعة أن تقاتل… أما العباس فكان يقاتل وهو يعلم أن النجاة مستحيلة.

هذا التصريح صدر عن نائب عمدة بلدية طهران وليس عن عمدة طهران نفسه. وكان نص التصريح "أن اللجنة المسؤولة عن مراسم تشييع جثمان الشهيد تلقت مطالبات شعبية وسياسية من العراق لإقامة مراسم تشييع للسيد في العراق، وأن الموضوع ما زال قيد الدراسة ولم يُحسم بعد." نقل هذا التصريح موقع تابناك الإيراني، وهو موقع يُنسب إلى محسن رضائي أحد الشخصيات العسكرية الإيرانية المعروفة والمنحدر من محافظة خوزستان (الأهواز) ويُنظر إليه في الأوساط الإيرانية على أنه من الشخصيات الموالية للعرب كما أن والدته تنتمي إلى قبيلة بني كعب العربية أما بقية وسائل الإعلام الإيرانية والجهات الرسمية لم تتطرق إلى إقامة مراسم تشييع في العراق أبداً بل ركزت على البرنامج المعلن من قبل اللجنة المنظمة والذي ينص على أن مراسم التشييع ستنطلق من طهران، ثم تمر بمدينة قم، على أن يُدفن الجثمان في الروضة الرضوية بمدينة مشهد. من وجهة نظر شخصية... أرى أن إقامة مراسم تشييع للسيد الخامنئي في العراق تبدو مستحيلة - لأن الجثمان موجود منذ أكثر من ثلاثة أشهر بانتظار مراسم التشييع والدفن. - ولأن إيران تدرك وجود شريحة واسعة من العراقيين داخل المذهب الشيعي نفسة لا تحمل مشاعر إيجابية تجاهها، سواء لأسباب سياسية أو تاريخية. - ولأن بعض دوائر صنع القرار في إيران تنظر إلى العراق على أنه بلد محدود الاستقلالية السياسية ويخضع لتأثيرات خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ما قد يخلق مخاوف أمنية أو سياسية ترافق أي مراسم كبيرة من هذا النوع إضافة إلى ذلك، هناك الكثير من التعقيدات والحسابات السياسية والأمنية التي قد تجعل إيران تفضّل حصر مراسم التشييع داخل أراضيها، بعيداً عن أي مخاطر أو حساسيات إضافية.

حتى الريح في عاشوراء كانت تمرُّ حزينة، كأنها تخشى أن تلامس التراب الملطخ بالدم.

العالم العربي كله، بصورة عامة، منتظر مباراة العراق والنرويج. منهم من ينتظر خسارة العراق حتى يشمت، ومنهم من يحب العراق ويريد أن يرى جماهيره فرحة. زين، ليش العرب منتظرين مباراة العراق؟ هاي سالفة طويلة، بس راح أحاول أختصرها إلك. الجمهور العراقي، وعلى مختلف الأصعدة، فنياً وسياسياً ورياضياً، يملك حضور طاغي على مواقع التواصل والإعلام العربي. وأقصد هنا الجمهور نفسه، مو المؤسسات الإعلامية العراقية. هذا الجمهور ممكن يصنع من شخص مجهول اسم معروف خلال فترة قصيرة، وممكن بنفس الوقت يدفع شخص كان تحت الأضواء إلى زاوية النسيان. هاي الميزة الغريبة، الإيجابية والسلبية بنفس الوقت اكتسبها العراقيون من شعورين متناقضين ظاهرياً (عقدة النقص وشعور محور الكون) ولو دققنا بهذين الشعورين، راح نكتشف أن ارتباطهما مو صعب أبداً. لأن الإنسان ما يشعر أنه محور الكون إلا إذا كان يحاول، بطريقة أو بأخرى، تعويض شعور بالنقص داخله. العراقي يكفي أن يسمع اسم بلده على لسان مشهور أو يشوفه مذكوراً بثوانٍ معدودة داخل فيلم عالمي، حتى يبدأ بتداوله ونشره والتفاعل وياه، ويلگى آلاف العراقيين يشاركونه نفس الحماس. مجرد ذكر اسم العراق، حتى لو كان عابراً جداً، يتحول إلى حدث يستحق التداول والنقاش. هذا التفاعل الكبير خلّى الكثير من المشاهير العرب يهتمون بالشأن العراقي، لأنهم يعرفون أن الوصول إلى الجمهور العراقي يعني الوصول إلى مساحة واسعة من الانتشار والشهرة. ولهذا عادي جداً تلكه مشهور عربي ما يعرفه ببلده إلا عدد محدود من الناس، لكنه معروف بشكل واسع داخل العراق. لذا، مباراة العراق أمام منتخب عالمي مثل النرويج، وبالبطولة الأكبر بالعالم تعتبر مادة دسمة لكل انفلونسر عربي

ماكو نقاش بمنو انتصر وماذا حققت الأطراف من حربها!! لأن الحقيقة هذة المرة أننا لم نكتفي بانتصار الدم على السيف بل كسرنا سيوف اعدائنا في صدورهم أما عن الاراء.. فإن أي رأي أو تحليل لا يبدأ وينتهي بأن الكيان ومن والاه هو العدو الأول للعرب والمسلمين وكل شعوب المنطقة.. خائن لدينه وقوميته. أي رأي أو تحليل يغض الطرف عن حقيقة أنهم عيّنوا من أنفسهم "بطل الفيلم" الطيب وشعب الله المختار رغم كل ما اقترفوه.. خائن لبلده ومدينته. أي رأي أو تحليل لا يرى بأم عينيه أنهم يرون أن كل الشعوب الأخرى في المنطقة هي "الآخر" الشرير الذي يستحق الاستعباد.. خائن لعائلته وأطفاله. أي رأي أو تحليل لا يتعظ من تاريخ الكيان الحافل في الخسة والدسائس على سبيل "فرّق تسد".. خائن لنفسة.