1 516
订阅者
无数据24 小时
-27 天
-2230 天
数据加载中...
吸引订阅者
七月 '26
七月 '26
+13
在0个频道中
六月 '26
+17
在0个频道中
Get PRO
五月 '26
+9
在2个频道中
Get PRO
四月 '26
+40
在2个频道中
Get PRO
三月 '26
+23
在2个频道中
Get PRO
二月 '26
+21
在2个频道中
Get PRO
一月 '26
+19
在1个频道中
Get PRO
十二月 '25
+24
在1个频道中
Get PRO
十一月 '25
+41
在2个频道中
Get PRO
十月 '25
+25
在2个频道中
Get PRO
九月 '25
+31
在1个频道中
Get PRO
八月 '25
+37
在2个频道中
Get PRO
七月 '25
+43
在1个频道中
Get PRO
六月 '25
+30
在1个频道中
Get PRO
五月 '25
+44
在3个频道中
Get PRO
四月 '25
+47
在0个频道中
Get PRO
三月 '25
+47
在1个频道中
Get PRO
二月 '25
+35
在0个频道中
Get PRO
一月 '25
+43
在0个频道中
Get PRO
十二月 '24
+36
在1个频道中
Get PRO
十一月 '24
+66
在0个频道中
Get PRO
十月 '24
+53
在0个频道中
Get PRO
九月 '24
+58
在1个频道中
Get PRO
八月 '24
+48
在0个频道中
Get PRO
七月 '24
+33
在0个频道中
Get PRO
六月 '24
+45
在0个频道中
Get PRO
五月 '24
+43
在1个频道中
Get PRO
四月 '24
+51
在0个频道中
Get PRO
三月 '24
+61
在2个频道中
Get PRO
二月 '24
+54
在0个频道中
Get PRO
一月 '24
+1 509
在1个频道中
| 日期 | 订阅者增长 | 提及 | 频道 | |
| 17 七月 | +1 | |||
| 16 七月 | +1 | |||
| 15 七月 | +2 | |||
| 14 七月 | +1 | |||
| 13 七月 | 0 | |||
| 12 七月 | +2 | |||
| 11 七月 | +1 | |||
| 10 七月 | 0 | |||
| 09 七月 | +1 | |||
| 08 七月 | 0 | |||
| 07 七月 | +1 | |||
| 06 七月 | +1 | |||
| 05 七月 | 0 | |||
| 04 七月 | 0 | |||
| 03 七月 | 0 | |||
| 02 七月 | 0 | |||
| 01 七月 | +2 |
频道帖子
كما يتطلب أيضاً أن تُعيد إيران بناء الثقة مع جيرانها العرب في الخليج، وأن تتبنى حلولاً جذرية لقضايا مثل مستقبل مضيق هُرمز وعلاقاتها مع حلفائها في المنطقة. إن المفاوضات الجارية حالياً قد تُذكر يوماً ما بوصفها اللحظة التي توقفت فيها واشنطن عن التساؤل عن كيفية هزيمة الجمهورية الإسلامية، وقررت طهران أن النجاح الجيوسياسي يتطلب شيئاً آخر غير المواجهة الدائمة. وبعد 47 عاماً من العداء، فإن مثل هذا التحول، إن حدث، سيكون ثورة بحد ذاتها. – ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
Continue reading at “فورين أفيرز”: واشنطن وطهران.. فرصة نادرة لكسر الجمود | 180Post
| 2 | غير أن سياسة أوباما اعتمدت بدرجة كبيرة على صلاحياته التنفيذية، ولم تحظَ بدعم قوي من الحزبين (الديموقراطي والجمهوري)، كما واجهت معارضة شديدة ومنظمة (بما في ذلك من الجالية الكوبية في أميركا)، وهو ما يشبه إلى حدٍ كبير الظروف التي أحاطت بالاتفاق النووي مع إيران. ولذلك، لم تلبث إدارة ترامب الأولى أن ألغت ذلك الاتفاق أيضاً. لكن الجهود الحالية تجاه إيران لا ينبغي أن تُكرّر تجربة أوباما مع كوبا أو حتى مع الاتفاق النووي. فالظروف مختلفة هذه المرة. والمسار الحالي ينطلق من واقع حربٍ مُدمرة تحمل الطرفان كلفتها، وهو ما يجعله أقرب إلى تجربتي الصين وفيتنام. صحيح أن إيران أكثر انخراطا في صراعات إقليمية نشطة مما كانت عليه الصين أو فيتنام عند بدء انفتاحهما على أميركا، كما أن برنامجها النووي ما يزال مصدراً رئيسياً للتوتر. ومع ذلك، يبدو أن طهران وواشنطن بدأتا تدركان أن هذه القضايا لا يمكن حلّها بالقوة وحدها (…). مخرج واحد تكمن المهمة العاجلة في ضمان عدم انهيار مُذكرة التفاهم تحت وطأة سلسلة من الخلافات المتزايدة. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن يبقى مضيق هُرمز مفتوحاً أمام الملاحة، وأن تُجرى المفاوضات اللاحقة بجدّية واستمرارية، لا أن تقتصر على لقاءات عابرة. كما يجب أن تحقق قناة التنسيق العسكري بين الحرس الثوري والقيادة المركزية الأميركية نتائج عملية في منع الاحتكاكات العسكرية من التحول إلى مواجهة مفتوحة. ينبغي على كلا الجانبين استخلاص درسٍ هام من الماضي: فالاتفاق النووي لعام 2015 لم يفشل لأنه كان ضعيفاً من الناحية الفنية، بل لأنه افتقر إلى قاعدة سياسية تحميه. فمعارضو الاتفاق كانوا صبورين ومنظمين ومصممين على إسقاطه، في حين افترض المدافعون عنه، خطأً، أن مجرد دخوله حيز التنفيذ سيخلق تلقائيا قوى سياسية وشعبية تُدافع عنه. ولذلك، ينبغي أن يُبنى أي اتفاق جديد مع إيران على افتراض معاكس تماماً؛ أي أن القوى الساعية إلى العرقلة ستتحرك بسرعة أكبر من القوى المستفيدة منه. لننظر أولاً إلى الاختبار الداخلي الإيراني الصعب. فالجمهورية الإسلامية يقودها الآن مرشد أعلى جديد (السيّد مُجتبى خامنئي) لم يُختبر بعد، ونخبة سياسية يكاد يكون تماسكها في زمن الحرب يخفي خلافات عميقة بشأن مستقبل النظام. سيرى البعض أن التوافق مع واشنطن هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار بعد حرب مدمرة، بينما سيرى آخرون أن أي تقارب مع واشنطن ليس سوى تراجع أيديولوجي مُقنّع بالبراغماتية. ولكن على الرغم من اختلاف رؤى النُخب الإيرانية للمستقبل، إلا أنها تشترك في ضرورة ملحة تتمثل في تأمين مكاسب الحرب المتوقعة، بما في ذلك السيطرة على مضيق هُرمز. ولن يُحسم التوازن بين هذه المعسكرات بالخطابات، بل سيُحسم بمدى فعّالية الدبلوماسية في تحقيق انتعاش اقتصادي ملموس للمواطن الإيراني العادي (…). إن التحديات المباشرة ما اتزال كبيرة. وكل طرف يفسر مذكرة التفاهم بطريقة مختلفة، الأمر الذي يجعلها مهددة بالانهيار بعد أقل من شهر على توقيعها، كما ما يزال النزاع قائما حول حرية الملاحة والسيطرة على مضيق هُرمز، مع استمرار تبادل التصعيد بين الجانبين. في الوقت نفسه، تصر إسرائيل على حقها في حرية العمل العسكري في لبنان، بينما تطالب طهران بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي الكامل. وبالتالي، قد تنهار آلية منع التصعيد العسكري قبل أن تُؤتي ثمارها. وستواجه واشنطن خياراً طالما تجنبته: هل هي مستعدة لكبح ليس فقط إيران بل وحلفائها أيضاً الذين قد تدفع أفعالهم الولايات المتحدة نحو الحرب مُجدداً؟ انعدام الثقة حتى لو تمكن الطرفان من احتواء المعارضين واستأنفا التفاوض بدلاً من القتال، فلا يوجد أي ضمان لإقامة علاقة مستقرة. فبعد سنوات طويلة من الاغتيالات، والعقوبات، واحتجاز الرهائن، والوعود المنكوثة، والحروب بالوكالة، والعداء الأيديولوجي، لا تزال الشكوك العميقة تحكم نظرة كل طرف إلى الآخر. ولذلك، فإن أي أزمة صغيرة قد تكون كافية لإفشال المفاوضات. وقد يُنظر إلى اللحظة الحالية، في هذه الحالة، باعتبارها فرصة ضائعة أخرى، أو مجرد هدنة قصيرة بين جولتين من العنف. ليس المطلوب أن تصبح إيران وأميركا صديقتين، وإنما بناء حدٍ أدنى من الاستقرار لا ينهار مع كل تغير سياسي. فإذا نجح الطرفان في ذلك، ستكون النتائج بعيدة المدى. فاستقرار العلاقات الأميركية-الإيرانية من شأنه إزالة أحد أهم مصادر التصعيد في الشرق الأوسط، وتقليل احتمالات تحول النزاعات المحلية إلى حروب إقليمية واسعة. كما قد يدفع إيران إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الدبلوماسية والتجارة بدلاً من استخدام أدوات الاضطراب والصراع لتحقيق أهدافها. إلا أن ذلك سيتطلب من الطرفين أن يستغلا اللحظة الراهنة كنقطة انطلاق لمعالجة أزمات أخرى مُزمنة، مثل لبنان، والقضية الفلسطينية، وسوريا، وهي ملفات حاولت إسرائيل التعامل معها عسكرياً دون جدوى. | 25 |
| 3 | ولم تمضِ فترة طويلة حتى واجه الاتفاق ضغوطاً داخلية شديدة: في واشنطن، رفض معظم الجمهوريين الاتفاق رفضاً قاطعاً على اعتبار أنه قدّم تنازلات مُفرطة لإيران، وكذلك فعل بعض الديموقراطيين. أما في طهران، فقد اضطر الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف للدفاع عن الاتفاق في مواجهة منتقدين رأوا أن التسوية مع واشنطن سذاجة سياسية في أحسن الأحوال، وخيانة عُظمى في أسوأها. ولم يكن لدى أي من الطرفين القدرة الدبلوماسية أو الحيّز السياسي اللازم لمعالجة بقية الملفات الخلافية الأخرى بينهما. وعندما فاز الرئيس دونالد ترامب بالرئاسة الأولى، في أواخر عام 2016، تبدَّدت أي فرصة متبقية. فقد وصف ترامب الاتفاق النووي بأنه “الأسوأ على الإطلاق”. وفي عام 2018، انسحب منه بشكل أحادي، ووعد بإجبار إيران على تغيير سلوكها عبر سياسة “الضغط الأقصى”. غير أن انهيار الاتفاق لم يخدم أيا من الطرفين. ففي واشنطن، كان أنصار سياسة “الضغط الأقصى” يعتقدون أن تشديد العقوبات وفرض المزيد من العزلة سيُجبر الجمهورية الإسلامية إما على قبول اتفاق أفضل أو إلى الانهيار تحت وطأة الضغوط. لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. فقد صمد النظام الإيراني، ووسع برنامجه النووي، وأصبح أكثر تشدداً وجرأة. كما أنتخب إبراهيم رئيسي، المعروف بمواقفه المتشدّدة، وهو من عزَّز نفوذ من عارض وندَّد بالاتفاق منذ البداية. في المقابل، لم يحقق المتشددون الإيرانيون نجاحاً هم أيضاً. فقد تكبَّدت البلاد خسائر اقتصادية هائلة نتيجة العقوبات، الأمر الذي غذّى موجات متتالية من الاحتجاجات الشعبية. كما أن عملية “طوفان الأقصى” التي شنّتها حركة “حماس” على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف قطاع غزة، في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما أعقبها من عدوان إسرائيلي وأميركي، أدّى إلى إضعاف حلفاء إيران الإقليميين بصورة كبيرة. ومع ذلك، لم تغيّر لا طهران ولا واشنطن نهجيهما. بل على العكس، أصبح الطرفان أكثر ميلاً إلى التصعيد، إلى أن بلغ الأمر ذروته بالحرب التي اندلعت في نهاية شباط/فبراير الماضي. لكن حالة الجمود التي أفرزتها الحرب قد تدفع العاصمتين إلى إعادة النظر في افتراضاتهما الأساسية. ويبدو أن بعض المسؤولين الأميركيين قد بدأوا يُدركون أن بلادهم أخفقت في تغيير سلوك إيران برغم استخدامها جميع أدوات الإكراه المتاحة. أما الجمهورية الإسلامية، فقد نجت من الحرب، ولكن إن لم تتعافَ وتزدهر، فقد لا تنجو من السلام. فقد خلّف الصراع جيشها مُنهكاً واقتصادها المُتعثّر أصلاً في وضعٍ أسوأ. ولا يزال السخط الشعبي كبيراً. السوابق والحاضر سبق لواشنطن أن عقدت صلحاً مع خصومها. فقد حاولت عزل الصين لعشرين عاماً بعد سيطرة الحزب الشيوعي على البلاد. ولكن في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وبعد هزيمة لها في حروب غير مباشرة أمام الصين في كوريا وفيتنام، بدأ بعض المسؤولين الأميركيين يدركون أن استمرار القطيعة لن يؤدي إلى إلغاء نتائج الثورة الصينية، وأن مصالح بلادهم ستكون أكثر استفادة من استثمار الخلاف المتنامي بين بكين والاتحاد السوفياتي. وهكذا شرعت واشنطن في عملية تدريجية لتطبيع العلاقات مع بكين. وخلال هذه العملية، لم تتخلَّ عن دعمها لتايوان، لكنها اختارت تأجيل الخلاف حول قضية سيادة الجزيرة، بما أتاح لبكين وواشنطن مساحة للتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وكان الدرس الأساسي لهذه التجربة أن اختفاء العداء ليس شرطاً مسبقاً لبدء الدبلوماسية؛ إذ يمكن للمفاوضات أن تنطلق قبل أن تبدأ تسوية الخلافات الجوهرية. إقرأ على موقع 180 لبنان.. بين إلغاء السياسة وإغلاق "المجتمعات"! وتُقدّم فيتنام مثالاً أكثر وضوحاً. فقد أمضت واشنطن سنوات طويلة في محاولة منع انتصار الشيوعيين في البلاد، وخاضت حرباً مُدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف من الجنود والمدنيين الفيتناميين. وبرغم هزيمتها، أمضت سنوات أخرى في محاولة عزل هانوي. لكن بحلول منتصف التسعينيات، خلصت إلى أن تطبيع العلاقات يخدم المصالح الأميركية أكثر من استمرار القطيعة، إذ من شأنه توسيع التجارة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وزيادة النفوذ الأميركي في جنوب شرق آسيا. وبناء على ذلك، بدأ البلدان عملية تطبيع تدريجية (…). ولم يكن هذا التطبيع يعني نسيان الحرب أو التوصل إلى رواية مشتركة بشأنها، بل أنشأ الطرفان آليات لمعالجة أكثر آثارها إيلاماً، ومن بينها التعاون في البحث عن الجنود الأميركيين المفقودين، من خلال فتح الأرشيفات، وإجراء التحقيقات الميدانية، وعمليات التنقيب. وقد مهدت هذه العملية الطريق لكي تصبح فيتنام شريكاً مهماً لأميركا (…). لكن ليست جميع محاولات التقارب الأميركية ناجحة. ففي عام 2014، أعلن الرئيس باراك أوباما تطبيع العلاقات مع كوبا، معتبراً أن عقوداً من العزلة لم تحقق المصالح الأميركية، أو تُرسّخ الديموقراطية في الجزيرة. | 19 |
| 4 | “فورين أفيرز”: واشنطن وطهران.. فرصة نادرة لكسر الجمود ترجمة منى فرح14/07/2026 بعد عقود من العداء والمواجهات والعقوبات، تجد الولايات المتحدة وإيران نفسيهما أمام لحظة فارقة قد تكون مختلفة عن سابقاتها. فالصراع الذي لم ينجح أي طرف في حسمه بالقوة كشف حدود المواجهة وأظهر كلفة استمرارها. وهذا الجمود قد يتحول إلى فرصة لإعادة رسم العلاقة بين الطرفين، ليس عبر إنهاء الخلافات أو بناء تحالف، بل من خلال تسوية واقعية تقوم على إدارة التوتر واحتواء الأزمات، والاستفادة من تجارب تاريخية مشابهة مع خصوم سابقين، بحسب الباحث علي فايز في مقالة له في "فورين أفيرز"(*). العلاقات الأميركية-الإيرانية في أسوأ حالاتها. فعلى مدى الأشهر الأربعة الماضية، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عدواناً شاملاً ضدَّ الجمهورية الإسلامية، شملت اغتيال العديد من كبار قادتها السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله السيّد علي خامنئي. وردّت إيران بشنّ هجمات على قواعد عسكرية أميركية، وبنى تحتية في دول الخليج وإسرائيل. وفي مطلع نيسان/أبريل الماضي، توصّل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ثم وقّعا في حزيران/يونيو مذكرة تفاهم لإنهاء الصراع. إلا أن هذين الاتفاقين لم يحققا النجاح حتى الآن، إذ استمرت المواجهات المتبادلة. ولا يزال الجانبان على خلاف كبير بشأن قضايا جوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، ومضيق هُرمز، ورفع العقوبات. ونتيجة لذلك، يُشكّك العديد من المحللين في إمكانية التوصل إلى اتفاق دائم، في المدى المنظور. وما يؤكد أن هذا التشكيك له ما يبرّره تصاعد الأعمال العدائية منذ دخول مذكرة التفاهم حيّز التنفيذ. فبدلاً من أن تُدشّن هذه المذكرة فصلاً جديداً في العلاقات الأميركية الإيرانية، لا يزال الطرفان عالقين في أنماط الصراع القديمة. إذ يتبادل كل منهما الاتهامات بسوء النية، ويدّعي كل طرف أن الآخر يخرق الاتفاق. كما يواصلان حواراً متقطعاً يجري عبر وسطاء بدلاً من التواصل المباشر. ويُثبت استمرار استخدامهما للقوة العسكرية استعدادهما لتصعيد المواجهة في أي لحظة (…). ومع ذلك، وعلى نحوٍ يبدو متناقضاً، ربما تكون هذه الحرب قد أوجدت فرصة للطرفين لإصلاح علاقتهما المتصدّعة، لا سيما مع وصول الصراع إلى حالة من الجمود غير مُرضية للطرفين. فمن الواضح أن واشنطن عاجزة عن إسقاط الجمهورية الإسلامية، أو إجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، أو وقف دعمها لحلفائها الإقليميين، أو انتزاع سيطرتها على مضيق هُرمز. في المقابل، لم تتمكن طهران من إرغام أميركا على الانسحاب من المنطقة أو التخلي عن أدواتها الاقتصادية والعسكرية القائمة على الإكراه. بعبارة أخرى، أظهرت الحرب بوضوح أن أياً من الطرفين لا يستطيع توجيه ضربة قاضية للآخر بتكلفة مقبولة، وأن استمرار العداء دون ضوابط أصبح مُكلفاً وخطيراً للغاية. في كل من واشنطن وطهران، بدأ عددٌ متزايد من المسؤولين يدرك هذه الحقيقة، برغم استمرار القتال. ولذلك، شرع بعض صُنّاع القرار في البلدين بالبحث عن سبلٍ للتعايش. وللمرة الأولى منذ ما يقرب من عقدٍ من الزمان، عقد مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعو المستوى لقاءات مباشرة ضمن إطار المفاوضات، وبدأوا مناقشة حلولٍ وسطية فعّالة وتسويات ذات مغزى. وقد يتفق الجانبان على إنشاء خط مباشر بين قواتهما المسلحة للمساعدة في احتواء الأزمات قبل خروجها عن السيطرة. وإذا نُفذ هذا الالتزام، فسيكون أول قناة اتصال عسكرية مباشرة بين البلدين منذ اقتحام الثوار الإيرانيين السفارة الأميركية في طهران عام 1979. وبالتأكيد ستكون هناك حدودٌ لما يمكن لهذين الخصمين تحقيقه من خلال الحوار. لكن قد يصل الطرفان، في نهاية المطاف، ونتيجة الإرهاق، إلى الاستنتاج نفسه، وإن على مضض: لقد فشل النهج القديم، وبرغم أن التغيير سيظلُّ صعباً، لكنه ممكن. ومع ذلك، قد تفشل كل هذه الجهود. فمذكرة التفاهم نفسها على وشك الانهيار، وكل دولة تضم قوى نافذة تعارض الدبلوماسية وتفضل المواجهة. الفشل الفادح كان الاتفاق النووي عام 2015، المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، آخر محاولة جادّة لتحقيق الاستقرار وإعادة ضبط العلاقات الأميركية الإيرانية. من الناحية الرسميّة، كان الاتفاق محدود النطاق؛ إذ تعهدت طهران بتقييد برنامجها النووي وقبول عمليات تفتيش دولية مكثفة. في المقابل، عرضت أميركا تخفيفاً محدوداً للعقوبات. غير أن الاتفاق، من الناحية السياسية، مثّل رهاناً أكبر بكثير. فقد اعتقد المسؤولون-في البلدين- أنه إذا أمكن حلّ مسألة البرنامج النووي، فقد يمكن معالجة ملفات أخرى (…)، وربما يتمكن الطرفان، في نهاية المطاف، من إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية. لكن هذا الطرح لم يُختبر بشكل كافٍ. فعندما دخل الاتفاق حيّز التنفيذ، في كانون الثاني/يناير 2016، كان المفاوضون من كلا الجانبين قد بلغوا أقصى طاقاتهم السياسية والدبلوماسية. | 15 |
| 5 | https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/secondbank/2026/7/16/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D8%AA%D9%87%D9%85-%D8%A5%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%B2%D9%88%D9%84%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D9%88%D9%84-%D8%A8%D8%AA%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%85- | 12 |
| 6 | https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/secondbank/2026/7/15/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%B2-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%85-%D9%84%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9- | 12 |
| 7 | كانت مواقف غراهام في الانحياز لدولة الاحتلال ونكران الحقوق الفلسطينية هي الأكثر تجذراً وديمومة في سجلّ خياراته السياسية
وإذا كانت مواقفه في الانحياز لدولة الاحتلال ونكران الحقوق الفلسطينية هي الأكثر تجذراً وديمومة في سجلّ خياراته السياسية، لأنها أيضاً كانت تتبادل التأثر مع يقين عقائدي، ومسيحي ـ إنجيلي زائف مزيف بأنّ مساندة الكيان الصهيوني فريضة دينية، والتقاعس عنها يستوجب غضب الله؛ فإنّ مواقفه داخل الحزب الجمهوري ذاته، ومنذ 2003 في الكونغرس كنائب أو كسناتور، شهدت من التبدل والتحوّل والانفلات والارتداد ما لا يمكن حصره تحت أيّ تصنيف منطقي أو سيرورة متجانسة. وتكفي عودة سريعة إلى ما قاله بحقّ ترامب من صفات مقذعة وقبائح ونقائص قبيل ترشح الأخير لرئاسة أمريكا (بينها التالي: «لديّ شكوك حول السيد ترامب. لا أعتقد أنه جمهوري، ولا أظنّ أنه محافظ، وأخال أنّ حملته مبنية على كراهية الآخر وإثارة العنصرية والتزمت الديني. أعتقد أنه سوف يكون كارثة على بلادنا»)؛ وما استدار عليه، وعكسه رأساً على عقب، أو بمعدّل 180 درجة، بعد فوز ترامب، حين استقرّ غراهام في موقع الإمّعة، صوت سيده، وتابعه الببغائي…
وفي كتابه «الطغيان من أفلاطون وحتى ترامب: حمقى، مداهنون، ومواطنون»، 2022، يصنّف أندرو فيالا شخصية غراهام في عداد المداهنين والانتهازيين وصيادي الفرص والمتقلبين؛ وكما أعلن أنه «سئم» من تكرار مفردة الإبادة بصدد ما يجري في قطاع غزّة، وسبق له أن وصف ترامب بـ»خاطف» لا يصلح للرئاسة، فإنه لاحقاً سوف يُشبع بعض الصحافة الأمريكية قدحاً وذمّاً لأنه «سئم» من توصيف ترامب بالـ«خاطف»!
وأمّا ترامب، الذي رثى غراهام كأحد «أعظم» الأشخاص والسيناتورات» الذين عرفهم «على الإطلاق»، وأمر بتنكيس الأعلام حداداً عليه؛ فقد سبق له أن رأى في غراهام «أغبى كائن بشري رأيته في حياتي. هذا رجل لا يفقه شيئاً»، وبادر إلى كشف رقم هاتف الأخير المحمول كي يتأكد الناس بأنفسهم من بلاهته! يومها تفوقت ستراتيجية الانتهاز السياسي لدى السناتور، على مخاوفه من مخاطر تنمّر الرئيس، فسارع إلى انقلاب تامّ إلى الانبطاح أقرب، وكان في هذا لا يشذّ عن سلوك دائم منتظم طبع حياته السياسية منذ النشأة الأولى.
والحال أنّ رحيل غراهام قد يطوي صفحته الشخصية، وما خلّفته من تعطش للدماء، واشتهاء للحروب، وكراهية للشعوب، وغطرسة عنصرية، ويمين محافظ ورجعي، وسياسات مناهضة للفئات الأشدّ بؤساً في المجتمع الأمريكي، وتبعية عمياء لمجموعات الضغط المشتغلة لصالح شركات الاحتكار الكبرى المحلية والكونية، وما إلى ذلك كثير متعدد الميادين والمصالح. وصحيح أنه، بصفاته هذه وسواها، سوف يستقرّ في سلال مهملات التاريخ، حيث أقرانه وأمثاله؛ إلا أنّ النمط، الذي كان غراهام يمثله في الحياة السياسية والحزبية الأمريكية المعاصرة، ليس باقياً مقيماً مستشرياً فقط، بل يتمدد أيضاً ويستشري ويتوسع.
النمط سوف يتغلغل أكثر فأكثر في صفوف الحزب الجمهوري، الذي يعيش ما يشبه الخلل الفادح في ميزان التفكير، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بين خطّ المحافظين الجدد الذي يفضي في الخارج إلى كارثة تتلو الأخرى؛ والخطّ المحافظ القديم الراكد، الذي يجعل سياسة الحزب في الداخل أشبه بدوران في المكان حول الحلول العتيقة والكليشيهات مسبقة الصنع. وليس لنمط غراهام أن يكفّ عن التمكّن والتمكين، ذاتياً أو بتأثير عوامل خارجية، ما دامت سنوات حكم ترامب بدأت أصلاً من صعود الترامبية قبل الشخص، وهي ليست اليوم مرشحة لاضمحلال ملموس بنيوي يجبّ ركائزها وأعرافها وصياغاتها حين يغيب الصانع؛ حتى إذا كان معظم رموزها قابعين في القيعان الأدنى من سلال مهملات التاريخ.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس | 13 |
| 8 | ليندسي غراهام في سلال مهملات التاريخ
منذ 9 ساعات
صبحي حديدي
حجم الخط
2
خلال مظاهر تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، بدت لافتة على نحو خاص تلك الصورة المركبة، التي تضع رأس شخصية أمريكية في مرمى قناص، مع طلقة في الجبين. وأياً كان اعتراض المرء على هذه الطريقة في الإعراب عن العداء للساسة والسياسات في الولايات المتحدة، حيث يمكن للمعنى الصائب أن يختلط باللغو الفاضح، وأن لا تنتهي كلمة حق إلا إلى باطل صريح؛ فإنّ مقادير غير قليلة من الدهاء، السياسي والإعلامي والعقائدي والتعبوي، طبعت اختيار الشخصيات وما تمثّل بصدد حال العداء الراهنة بين واشنطن وطهران.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصدّر سلسلة الصور تلك، التي ضمّت ميريام أدلسون (سيدة الأعمال الأمريكية ـ الإسرائيلية اليمينية، وصاحبة المرتبة الـ48 بين أغنياء العالم، وفي عداد الأسخى تبرعاً لحملات بنيامين نتنياهو منذ 1996)؛ وبن شابيرو (المعلق السياسي والإعلامي الأمريكي، والنجم الصاعد في التيارات المحافظة داخل الحزب الجمهوري)؛ ولورا لومر (بين أشنع ممثلات، وممثلي، اليمين المتطرف والعنصري في الولايات المتحدة)؛ وبيتر ثيل (الملياردير الأمريكي ـ النيوزيلندي، المدير العام لشركة التحويلات المالية PayPal، وصاحب الآراء المحافظة ومستشار ترامب)؛ ومارك دوبوفيتز، الأمريكي ـ الكندي من أصول جنوب أفريقية، مدير «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية»، الأشرس في المطالبة بتشديد العقوبات على إيران).
لكنّ هذه السطور تتوقف خصوصاً عند شخصية بعينها، كانت ضمن لائحة الذين «سوف تخرّ رؤوسهم» قريباً، حسب العبارة المدونة على الصور: ليندسي غراهام، السناتور الجمهوري اليميني المحافظ، وأحد أعتى صقور الحزب والكونغرس، و«الحربجي» دائماً وأبداً، المتقلب كيفما اقتضت رياحه الانتهازية أو أطماعه الوصولية؛ ثمّ، بالطبع، صديق دولة الاحتلال الصدوق الذي لم يتردد في التلميح إلى استخدام السلاح النووي في قطاع غزّة، وتسويتها بالأرض بشراً وحجراً؛ والذي لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أيام، في فراشه كما ينبغي له، وليس على أية جبهة قتال وسفك دماء حثّ عليها وتحمس لها.
هواة نظريات المؤامرة سارعوا إلى التشكيك في الرواية الطبية الواهية، التي قالت إنه قضى بسبب «وعكة صحية مفاجئة وقصيرة»، فلم يستبعد بعضهم أنّ غراهام مات اغتيالاً وليس لأيّ عارض طبيعي؛ لأنّ تاريخه الصحي لا يشير إلى اعتلال مزمن، وكان عائداً لتوّه من رحلة ثامنة إلى أوكرانيا، حيث لاحت عليه مظاهر العافية والنشاط و»الحربجة» المعتادة. آخرون، من خارج صفوف الهواة هؤلاء، رجحوا أن يكون السبب إفراطاً في اللهو أو التسلية أو انتهاك طاقات الجسد، وما إلى هذا من عبث بشري. فئة ثالثة توقفت عند المصادفة ذاتها، ليس بوصفها واحدة من قوانين الكون والزمن والأحداث فقط، بل أساساً لأنّ المستويات القصوى من فظاظة غراهام عند الحديث عن إيران، مثل أحاديثه عن القضية الفلسطينية عموماً والحرب الإسرائيلية الإبادية ضدّ قطاع غزّة خصوصاً، كانت تفضي تلقائياً، ودلالياً ربما، إلى تلمّس انطباق التصادف بين صورته في طهران مع طلقة تخترق جبينه، وصورته محمولاً على نقالة في منطقة كابيتول هيل من العاصمة واشنطن.
وقبل رحلته الاخيرة إلى كييف، كان غراهام قد شارك في مؤتمر ميونخ للأمن، شباط (فبراير) الماضي، حيث اعتاد الحضور ممثلاً للكونغرس شكلاً، ولسيده الرئيس الأمريكي فعلياً؛ وكانت علائم العافية بادية على وجهه ولغة جسده، خاصة حين أهان رئيسة وزراء الدنمارك ميته فردركسن على خلفية نقاش تابعية جزيرة غرينلاند؛ فاستخدم الكلمة البذيئة ذات الأحرف الأربعة، ونعتها بـ«السيدة الصغيرة». كما ذهب غراهام أبعد، فاعتبر أنه لا قيمة لتابعية الجزيرة للدنمارك، ما دام الرئيس ترامب يرغب في تحصين الحلف الأطلسي وجعله أقوى؛ ثمّ تابع تصريحاته العدائية ضدّ الدنمارك حتى بعد أن تراجعت نبرة ترامب نفسه بصدد غزو الجزيرة، فبدا أنه يتلذذ بتسعير النقاش ليس أكثر. | 13 |
| 9 | https://www.alaraby.co.uk/opinion/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%84 | 15 |
| 10 | https://180post.com/archives/66405 | 16 |
| 11 | إن الذي يعمق استقرار أي نظام سياسي في أي بلد، ويمنع حدوث هزات سياسية واجتماعية وأمنية فيه، ويحصن بالتالي منظومة الحكم والاجتماع السياسي والمدني ككل، هو بناء ثقافة مواطنة حقيقية متبادلة بين الشعب والحكومات، ثقافة احترام الدستور والمؤسسات وسيادة القانون، بحيث تكون العلاقة والشراكة بين مختلف تلك المؤسسات والسلطات قائمة ومرسومة على توازن دقيق ومحدد بحيث تعرف كل مؤسسة وظيفتها ودورها لتقف عندها دونما تدخل بوظائف المؤسسات الأخرى.. | 22 |
| 12 | https://180post.com/archives/66415 | 35 |
| 13 | https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/books/2026/7/14/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%B3-%D8%A8%D8%AF%D8%A3-%D9%85%D9%86-%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84%D8%A7-%D9%84%D9%81%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85 | 1 |
| 14 | إنّ قدرة الهامش لن تتجلّى إلا بإعادة الاعتبار للمحلي واليومي والمنسي والفردي في مواجهة الآلة العمومية الشمولية المركزية، فعندما تتحوّل أطراف المدن المنسية والمجتمعات المستقلّة واللغات العامية المحكية، التي لم تدجّنها قواميس سلطة المركز، إلى منصات لولادة فضاءات جديدة للمعنى سيسترد الهامش شرعيته التاريخية في الوجود، وذلك بإفقاد المركز جاذبية الثقب الأسود، ليُطبخ الكون مجددًا في مياه الهامش الأزلية، وإعادة المركز والهامش إلى وظائفهما الحقيقية؛ المركز لصناعة التنظيم والهامش لاختراع الإمكان. | 48 |
| 15 | إذا كان مفهوم الهامش والمتن في الواقع المادي يتحدّد بالجغرافية والطبقة الاجتماعية والاقتصادية، فإنّ وسائل السوشيال ميديا جاءت لتحدث زلزالًا في العلاقة السابقة بين المركز والهامش. لقد بشّرت الفضاءات الرقمية في بداياتها بالديمقراطية المطلقة التي تفكك ديكتاتورية المركز وتمنح للهامش صوتًا، لكن ما حدث على أرض الواقع؛ هو إعادة هندسة لهذه العلاقة بشكل أكثر تعقيدًا ممّا سبق. حيث تحوّل الفضاء الرقمي من أداة لتحرير الهامش إلى آلية مبتكرة لـ "سلعنته" وإعادة إنتاج متن أكثر هيمنة. لقد كان المتن سابقًا يتكون في الجانب الفكري والإعلامي من مثقفي السلطة وإعلامييها، وعندما صعدت السوشيال ميديا ظُنّ بأنّها ستكسر هذا الاحتكار، فأصبح بإمكان ساكن العشوائيات أو المطرود من المتن الفكري للمجتمع أن يمتلك منصة ويبث منها مباشرة إلى العالم من دون رقابة حارس البوابة التقليدي الذي يحمي المركز كإله الرقابة عند اليونانيين "آرجوس بانوبتس" الكثير الأعين، والتي إنْ نام قسم منها كان الآخر مستيقظًا لا تفوته شاردة. لكن هذا الهامش الذي ظنّ بأنّه اقتحم المركز سرعان ما وجد نفسه محاصرًا بمتن خوارزمي غير مرئي. هذا المركز الجديد غير أيديولوجي بالمعنى التقليدي، وإنّما يقوم على السيطرة على الانتباه، فالفعالية التي تميّز العقل الإنساني أصبحت سلعة، لأنّ الخوارزمية تحدّد من يسلط عليه الضوء ومن يحجب عنه ولا تنحاز إلى المعنى، فما يهمها الإثارة والإعلانات، مشكّلة أداة جديدة للمركز في مواجهة الهامش عبر المؤثرين والمحتوى الاستهلاكي، قاذفة بكل ما هو نقدي وأصيل إلى هامش جديد يحكمه سرعة التمرير على الشاشة، فالخبر لم يعد عاجلًا؛ فهو لا يكاد يستحم مرّة في نهر هيراقليطس. لقد تحول الهامش وبؤسه والمعاناة التي تكتنفه إلى فرجة ومحتوى لا هدف له إلا تحقيق أعلى المشاهدات. والأدهى من ذلك تحوّلت صرخات الهامش طلبًا للعدالة إلى مجرد هاشتاغ يأخذ بألباب الناس لفترة قصيرة حتى صعود تريند آخر. هكذا تم تحويل الفعل الثوري للهامش إلى مادة للتسلية لا أكثر تعمل على جلب النقود لصالح المراكز.
في العصور الكلاسيكية كان المتن ينفي الصعاليك إلى الصحراء أو يسجن الفلاسفة. وفي العصر الحديث يحاصر الفقراء وراء أسوار العشوائيات. أمّا في الفضاء الرقمي فلقد ابتكر المتن التكنولوجي أداة نفي فائقة النعومة والخطورة: "الحجب الصامت/Shadowbanning". في هذا الهامش الرقمي، لا أحد يمنعك من إنشاء حساب والتعبير كما تريد وترغب، وكأنّك كائن حرّ لا مركز يمارس إرهابه عليك، لكن الخوارزميات لك بالمرصاد، فهي تقطع حبال صوتك وتمنع وصولك إلى الآخرين من دون أن تدري. هذا الواقع الجديد جعل من الهامش نفيًا مطلقًا، فهو لا يقف حتى في الأحلام في مجابهة المتن، فالفرد يتكلم، فلا يسمعه أحد، مع أنّه يتوهّم أنّه في قلب الفضاء العام، بينما هو في الحقيقة معزول في زنزانة انفرادية افتراضية، صمّمتها خوارزميات منصّات السوشيال ميديا لمنع وحجب أي محتوى يهدد استقرار المتن أو يعطل تدفق المعلومات. إنّ المفارقة الجديدة في علاقة المتن بالهامش تكمن في أنّها جعلت الهامش يتوهّم أنه متن قادر على الفعل بضغطة زرّ، لكن الحقيقة أنّه هو من أصبح يقصي نفسه بتلك الحركة.
هل يتحرّر الهامش من قدرية سيزيف؟
يقول السياب: "والصخر ما أثقله! يا سيزيف". في زمن مراكز ما بعد الحداثة واحتكار الانتباه وتنميط الوعي الإنساني، لم تعد الأدوات القديمة تمتلك فعالية كافية لزلزلة ثبات المراكز العابرة للقارات، فالصدام المباشر بينها وبين الهامش غالبًا ما انتهى بابتلاع المركز للمتمردين، أو بإعادة إنتاج مركزية استبدادية أخرى تحت شعارات بديلة كما حدث مع الربيع العربي. إنّ التحرّر الحقيقي اليوم للهامش يبدأ من تفكيك شيفرات المركز المتعدد الشبكات من التقليدي إلى الافتراضي والامتناع الطوعي عن تغذيته ببياناتنا وانفعالاتنا والذهاب إلى الزهد التكنولوجي والانشقاق عن خطّ إنتاجه الاستهلاكي. ولكي يعود الهامش فاعلًا حقيقيًا في حركة التاريخ، وصناعة المستقبل، عليه أن يعي أنّ قوته الأنطولوجية تكمن تحديدًا في سيولته وتعدديته وعدم قابليته للاحتواء أو النمذجة، وأن يتخلّى عن رغبته الدفينة بأن يكون مركزًا. إنّ التاريخ لا يكرّر نفسه كمهزلة، إلا عندما يرفض الهامش الجلوس على عرش المركز المتكلّس، ولذلك عليه أن يصنع أرضه الجديدة وكأنّه شاعر يزيد سعة الأرض بقصيدة كما قال أدونيس. وذلك عبر استلهام عزلة غار حراء وخلوات الصوفية وحتى غارات الصعاليك، وأن يبتكر جيوبًا اجتماعية تنتج فنونًا وفلسفات وسياسات موازية مع أيديولوجيات المركز، غير خاضعة لمنطق السوق ولا تقع في غوايته. | 47 |
| 16 | أمّا في روما، فلقد تحوّل المركز من المدينة ذات الحدود الثقافية الضيقة، مثالها أثينا، إلى رحابة الإمبراطورية العالمية. هذا التوسع فرض على الفلسفة إعادة تعريف الهامش، ليتناسب مع الواقع الجديد المركزي. لقد كان الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس عبدًا أعرج قادمًا من الهامش الجغرافي، لكنه التقى مع الإمبراطور ماركوس أوريليوس ومعهما تلاشت الحدود بين مركز وهامش معتبرين أنّ المعنى يكمن في الحرية الداخلية والتحكّم في الإرادة. لقد استطاعت الرواقية إعادة الاتزان للإنسان، أكان في قلب المركز أو الهامش، وقدمت له عبر مزيج من المركزية والهامشية نجاة وجودية. لكن هذه اللحظة الرواقية للاقتران بين المتناقضين المتن والهامش كانت كشمعة في الليل، فروما وحش الحضارة لا تقبل إلا بالمركز كتجلّ لها، لذلك كان من يخالفها يُطرد إلى أقاصي المعمورة، كما حدث مع الشاعر أوفيد والفيلسوف سينكا، لكن سينكا حوّل نفيه إلى رسائل تأملية في الوجود، فلم يعد النفي إقصاء، وإنّما فرصة للتحرّر من صخب المركز والعودة إلى الذات، تأكيدًا على فكرة المواطن العالمي الذي يتجاوز تلك القسمة بين مركز وهامش، فالعقل الفلسفي، كما شرح سينكا، يجد مركزه أينما كان، فلا تحدّه مراكز سياسية جغرافية.
دولاكروا المُدن
تقول لور كاتسارو في كتابها "المثقفون والجنس والثورة" إنّ لوحة دولاكروا "الحرية" كانت رمز الحرية فيها عاهرة آتية من الضواحي المهمّشة والمنسية لباريس، التحقت بالثورة سريعًا حتى إنّها لم تحلق إبطيها استعدادًا لعملها الليلي، فلقد انغمست في الثورة ما إن سمعت هتافات الثوار. بهذه الطريقة ترمز كاتسارو لثورة الهامش على المركز، فهي تنبثق من حيث لا يتوقّع المركز أبدًا، لذلك عملت الرأسمالية على الوقاية من ثورات الهامش، فهي لم تلغه وإنّما أعادت إنتاجه جغرافيًا ومعماريًا عبر علاقة التابع بالمتبوع، فالمتن هنا هو المراكز المالية والأحياء الفارهة المسوّرة بينما الهامش هو أحياء الصفيح والعشوائيات. ومع ذلك تأسّست المدينة الحديثة على مفارقة مأزومة، فالأغنياء متحصّنون بأحيائهم المتعالية، والمهمشون يخوضون في الطين، لكن هذا الواقع جعل من مراكز الأغنياء حلمًا مشتهى للمهمشين. إنّ الهامش في المدينة الحديثة يختلف عن تجليات الهامش في السابق كالنبذ إلى الأماكن القصية أو الصحراء أو أن يختار المهمشون حديقتهم الخاصة المشاعية زاهدين بالمراكز. الآن أصبح المهمشون يرون الفارق بحدّة ممّا ولّد لديهم شعورًا مأزومًا متفجرًا بالحرمان سيقود حتمًا إلى تخليق الانفجارات الاجتماعية الكبرى والتي كانت بدايتها مع الثورة الفرنسية التي غيّرت خارطة المراكز والهوامش المعتادة في التاريخ. إنّ الفعل الثوري للمهمشين في عصرنا يضع هدفًا له هو استملاك المجال العام، حيث تتدفّق الجموع لتبتلع الميادين العامة الكبرى للمدن، كما رأينا في الهجوم على الباستيل وفي ثورات الربيع العربي، محوّلة هذه المساحات المعمارية التي صمّمها المركز لإظهار هيبته وقوته إلى منصّات لإسقاطه.
إنّ جدلية المتن والهامش في المدينة الحديثة تثبت أنّ المحاولة المعمارية والأمنية لإقصاء الفقراء وحجبهم وراء الأسوار الخرسانية لا تلغي وجودهم، وإنّما تعمل على تكثيف طاقتهم الغاضبة وتجعل من هوامشهم قنابل موقوتة قادرة في أيّ لحظة تاريخية مواتية على إعادة صياغة المتن من جديد بشروطها، أكانت إيجابية أو سلبية.
مركزية الخوارزمية | 27 |
| 17 | لقد هاجم فقه السلطة القاص حتى إنّ ابن الجوزي خصص فصلًا أسماه: "تلبيس إبليس على القصّاص". لكن لماذا؟ لقد كان المؤرِّخ الرسمي كابن الأثير أو الطبري يكتبان التاريخ من الأعلى، مدوّنين أخبار الخلفاء والفتوحات الكبرى من منظور السلطة، وذامّيْن العامة الذين أطلق عليهم اسم الدهماء والسواد والعامة. وهنا ظهر القاص ملبيًا حاجات هذه الجموع لذاكرة تخصّها وأحلام تتمنّاها، فتصدّت له السلطة بحجج كثيرة، ليس أولها اتهام القصّاص بالابتداع في الدين. لكن الحقيقة أنّ هؤلاء القصّاص كسروا مركزيات كانت السلطة تتشدّد بها، فالمرأة على الرغم من أنّ الإسلام رفعها مقامات، إلا أنّ هؤلاء عادوا وأصمتوها، فكانت شهرزاد في مواجهتهم كامرأة حرّة، وكانت الجارية تودّد التي هزمت الفقهاء والعلماء واللغويين والنحويين والبلاغيين، وكانت ذات الهمّة قائدة في مواجهة البيزنطيين عندما انكفأ خلفاء بني أمية والعباس، وكان علي الزيبق ذلك الشاطر من قاع المجتمع روبن هود العرب وموحّدهم قبل أضغاث الأحزاب القومية العربية الخلّبية. إنّ السير الشعبية في التراث العربي؛ هي تاريخ المستعبدين؛ فالبطل الشعبي ينطلق من ذروة التهميش والاضطهاد كعنترة الهجين الأسود، والظاهر بيبرس المملوك المستعبد، وذات الهمّة المرأة في الفضاء البطريركي، ليقلبوا بالخيال ما عجز المركز عن تحقيقه. ولم تكتف تلك السير بالخيال، فلقد نزلت إلى ميدان المركزية؛ أي اللغة العربية الفصحى لتضع في مواجهتها اللغة العامية غير عابئة بصرامة القواعد، وإنّما منحازة إلى مشاعر وانفعالات الإنسان العادي الذي أخرسته المدونة الرسمية.
الآن، وبعدما قاربنا علاقة المركز بالهامش في التراث العربي، نقول، لولا الصعاليك لاندثرت أسماء تلك القبائل التي ثاروا عليها، ولولا الصوفية لاجتاح المدّ الديني المتزمّت رحابة الإسلام، ولولا خيال السير الشعبية؛ هل كانت بغداد بغداد ودمشق دمشق والقاهرة القاهرة؟
برميل ديوجين
يقال إنّ الفلسفة أم العلوم، هكذا طرحت نفسها في العالم القديم كمركز لا يعترف بهوامش أخرى. وإذا أردنا أن نقارب علاقة المركز بالهامش في مهد الفلسفة في اليونان لا بد أن تحضر رؤية أرسطو الذي كان يرى مركز الوجود الإنساني العاقل ينقسم إلى البوليس/ المدينة والعقل/ اللوغوس/ الكلام العقلاني، فأصبح الهامش لأرسطو كل ما هو خارج المدينة اليونانية المعروفة بتنظيمها وتراتبيتها وكانت درّتها أثينا التي يسكنها المواطنون الأحرار. وفي المقابل كانت هناك شعوب أخرى اعتُقد بأنّها تفتقد إلى العقل والكلام المنطقي، حيث عدّهم أرسطو برابرة، عبر نحت هذه الصفة للمهمشين، من سماع اليونانيين لكلامهم الذي كان أشبه بالبربرة في آذانهم، لقد اشتقوا منه صوت: "بر- بر" اسمًا لهذه الشعوب التي لا تبين لفظًا ولتصبح البربرة تعني اللغط وليس اللغة العقلية المفهومة.
هذا التقسيم النابذ بين مركز وهامش طاول حتى سكان اليونان، فالعبيد والنساء لا يملكون من حقوق المواطن الذكر الأثيني أي شيء، فلا يحق لهم الانتخاب والحضور في الأغورا/ الساحة العامة... في مقابل هذه المركزية العقلية الذكورية المدنية ظهرت الفلسفة الكلبية بقيادة ديوجين كحالة نقدية فلسفية سخرت من كبيرهم الإسكندر وناهضت فلاسفتهم، فمن خلال برميل في الشارع عرّى ديوجين مركزية العقل الفلسفي اليوناني وزيف المركز وسخف عاداته وتقاليده. وأمام تغوّل الفلسفة الأفلوطونية كان أبيقور صاحب فلسفة متعة الاكتفاء، ناقضًا مركزية المدينة منسحبًا إلى مشاعية الحديقة ومهدمًا عالم المثل والمحاكاة؛ طارحًا وجودية لا تعترف بآلهة ولا برهبة الموت ولا بالألم، حيث جعل السعادة في متناول الإنسان، وليس في حياة أخرى أو تسام خلّبي.
إن الخوارزميات لك بالمرصاد، فهي تقطع حبال صوتك وتمنع وصولك إلى الآخرين من دون أن تدري | 19 |
| 18 | حين نتأمّل بنية الثقافة العربية التراثية نجد أنّ المتن يكاد أن يمحو الهامش، فالقبيلة في العصر الجاهلي كانت كل شيء، ولا شيء سواها، ومن يشذّ عن نسقها يُقذف إلى الصحراء مخلوعًا، لكن هؤلاء المنبوذين إلى الهامش الجغرافي الميت، حيث لا حماية ولا نسب؛ أصبحوا الصعاليك الذين رفضوا العيش على فتات المركز القبلي، وقرروا أنّ السيف والإغارة هما الوسائل المشروعة لأخذ الحقوق المسلوبة؛ حتى أنّهم سبقوا البيان الشيوعي بإعادة تقسيم قسرية للثروة، والأخذ من تخمة المركز لإطعام جوع الهوامش. لم يكن عروة بن الورد لصًا، ولم يكن الشنفرى الذي وجه سهامه إلى بني قومه جاحدًا، وليس الشنفرى من يتأبط الشرّ بل الخير، ولم يكن السليك بن السلكة مجرد عبد آبق، ولم يكن عنترة مجرد انتحاري يكرّ ويفرّ تحت إمرة القبيلة؛ وإنّما عصبة أعلنت رفضها لاستبداد المركز، فعروة نافس حاتم الطائي في كرمه، والشنفرى لم تأخذه بإحقاق العدل قرابة أو نسب حتى أنّه نقض الانتماء الإنساني الظالم واستبدل به عالم الحيوان قائلًا: وَلي دونَكُم أَهلَونَ سيدٌ عَمَلَّسٌ/ وَأَرقَطُ زُهلولٌ وَعَرفاءُ جَيأَلُ.
بينما تأبط شرّا قطع حبل سرّته عندما تنكّرت له أمّه بعد زواجها، فجعل من يتمه وفقره أصلًا ونسبًا وعلا بشعره على كبار شعراء القبائل المكرّسين. أمّا عنترة فأصبح صاحب سيرة تحكى على كل لسان. ونقض السليك بن السلكة نسبة الأبوة وأصبح لأمّه ينتسب؛ تلك العبدة السوداء التي لو قرأت هيريت بيتشر ستو سيرته لكان عنوان روايتها: السليك بن السلكة. لقد ثار الصعاليك على المركز القبلي لكن أثرهم الأكبر كان لغويًا، فهؤلاء الهامشيون الملعونون المطرودون من قبائلهم أنتجوا أرقى نصوص الفصاحة والبيان العربية، حتى عاد إليهم اللغويون والنحويون العرب ليجعلوا من شعر الخلعاء مرجعية للاحتجاج اللغوي. لقد تحوّل لسان الهامش إلى حامٍ للغة القبيلة العربية من الهجنة واللحن.
كان الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس عبدًا أعرج قادمًا من الهامش الجغرافي، لكنه التقى مع الإمبراطور ماركوس أوريليوس ومعهما تلاشت الحدود بين مركز وهامش
لقد بدأ الإسلام مع فقراء مكة وفي ليلة الهجرة اجتمعت القبائل/ المركز على قتل الرسول، لكن الإسلام الذي بدأ هامشيًا انتصر، ولم تمض فترة الخلفاء الراشدين حتى عادت مركزية القبائل بلبوس جديد عبر صراع بيوتات العرب، وأصبح الإسلام مركزية أخرى بعدما كان ثورة الهامش على صنمية قبائل العرب. وفي خضم هذا التمركز الجديد بين السياسة والدين أصبح فقه كرسي الخلافة هو السائد يدعمه فقه الجماعة مهمشًا تجربة الفرد الخاصة. أظهر هذا التجاذب الجديد بين الجماعة والفرد الصوفية، فأعلنت هامشًا جديدًا بعيدًا عن هامش الصعاليك لتغير الواقع والزمن، وانسحب معتنقوها إلى دواخلهم بالخلوة والزهد والسياحة في أرض الله، رافضين يقين الجماعة ومدوناتها منحازين إلى التجربة الفردية الذاتية في الكشف والتذوّق وشطّوا عن صريح العبارة للتحرّر من متن المركز إلى لغة الإشارة والتأويل؛ ليفكّوا شيفرات الوجود الخفيّة. لم تكن رابعة العدوية إلا امتدادًا لميسون بنت بحدل التي رفضت مركزية قصر الخليفة قائلة:
لَبَيْتٌ تَخْفِقُ الْأَرْواحُ فِيهِ/ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ.
ولم يكن أبو يزيد البسطامي إلا أبا ذر آخر. ولم يكن أبو بكر الشبلي إلا شاهدًا على سطوع شمس الفرد الهامشي في مواجهة كل الجماعات وهو يمر بالحلاج مصلوبًا، فيرميه بوردة. أليس هذا ما سعت إليه الفلسفات الغربية الحديثة لتأكيد أولوية الفرد في مواجهة مركزية السلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد قلب الصوفي الأدوار في وجه فقيه السلطان، فغدت لغة الباطن الهامشية الشطحية هي المتن الروحي الحقيقي الذي يلوذ به الوجدان الشعبي هربًا من جفاف فقه السلطان.
"طرحت الفلسفة نفسها في العالم القديم كمركز لا يعترف بهوامش أخرى" | 19 |
| 19 | إنّ رحلة جلجامش إلى الهامش أو المجيء منه ستكون ثيمة تقوم عليها الأديان السماوية في بنائها. وهذا ما نراه في هجرة النبي إبراهيم رفضًا لمركزية الأصنام التي حطّمها وحتى لمركزية العقل السببي عبر نقضه مفهوم "الأكبر من" متدرّجًا من النجم إلى القمر إلى الشمس، مستبدلًا إياه بمفهوم الوحي والإيمان، فلقد أسقط المركزيات المعروفة في زمنه إلى أن انتهى إلى غير المدرك/ الغيب؛ والذي من الممكن مع بعض التجوّز عدّه هامشًا، لعدم قدرتنا على تنظيمه واستيعابه. وبالمثل قذف زوجته هاجر وابنها إسماعيل في الصحراء/ هامش المعمورة؛ ومن هذا التهميش الذي طاول النبي وأمّه خرجت أمّة أخرى ونبوّة أخرى. كذلك موسى عاد إلى فرعون من الإسفت لينذره، وكان قبل ذلك قد قذفته أمّه في النهر ليجرفه إلى الهامش، لكن النهر قاده إلى بيت الفرعون/ المركز. كذلك النبي محمد، الذي كان يتعبّد في غار حراء على هامش مكة، وهناك جاءه الوحي أول مرّة خارج مركزية مكة وأصنامها.
إنّ الخروج إلى الهامش من قبل الأنبياء هو من أعاد تأسيس المركز على نظم جديدة، بعدما تهالكت قواعده القديمة، وكأنّ إعادة الحياة للمركز لا تكون إلا بهجرته إلى هامش منبوذ والعودة منه كما فعل المسيح، فالموت قبل ذلك كان في الديانة اليهودية عدمًا لا عودة منه، وما سفر الجامعة إلا رثاء للحياة التي تنتهي بالموت الذي ليس من بعده حياة، لذلك كان الصلب والموت في العقيدة المسيحية جوهريًا لإعادة مركزية الحياة بالحياة الأخرى، لذلك قيل عن السيد المسيح بأنّه: "وطئ الموت بالموت" وبفعلته هذه، وبذهابه إلى الهامش العدمي منح الحياة لمن في القبور.
إنّ ثيمة الرحلة إلى الهامش والمجيء منه ستكون ضرورية لصناعة الأبطال وتغيير المجتمعات، فكما ذهب جلجامش تاه عوليس بعد طروادة في هوامش المعمورة وصولًا إلى مملكة الموتى، وبعد اختبارات عديدة اكتسب معارف وتجارب جديدة عاد إلى بيته وزوجته بينلوبي؛ المركز الذي كان على وشك أن يتم تقويضه، وكأن الهامش هو الحيوان المنوي، والبويضة هي المركز وبواسطة تلقيح الهامش لمركزية البويضة غدت خلقًا آخر ومركزًا جديدًا هو الإنسان.
"من الأسطورة إلى الدين يظهر الهامش بوصفه مجال السيولة والإمكان والتغيير والاختلاف"
كما ظهر الخلق في الأسطورة من الهامش، بدأت الأديان من الهامش المجتمعي، فالنبي موسى العائد من الهامش لم يستطع جعل اليهود أمّة إلا عبر تجربة الهامش، فلقد تاه اليهود أربعين سنة في صحراء سيناء كما يقول التراث، ولم يستطيعوا دخول المركز المشتهى/ فلسطين إلا بعد هذا التوهان/ التهميش، لينتجوا مركزيتهم الخاصة القومية القائمة على الدم. وعندما أصبحت أورشليم كمركزية الفرعون جاء المسيح من الهامش ليقلب العقيدة اليهودية رأسًا على عقب محوّلًا شريعة اليهود الصارمة إلى تسامح، ومبدّلًا عصبية الدم إلى الانتماء بالحب. ولم يختلف النبي محمد عن ذلك، فمن هامشية غار حراء توجّه بدعوته إلى الهامشيين في قريش، بينما عارضه الأغنياء أصحاب المركز. وبعد أن وطّد الإسلام قواعده انطلق من هامش الجزيرة العربية إلى مراكز الحضارات القديمة؛ سورية وفارس ومصر؛ واستولى عليها، لينتج مركزية ستقابلها هوامش سنتطرق إليها لاحقًا.
يتبيّن لنا من المسار الأسطوري والديني كونهما من المركزيات المؤثرة جدًا بحضارة الإنسان، بأنّ الهامش ليس مجرد نقيض سلبي للمركز، وليس فضاء فارغًا يقع خارجه، وإنّما هو الشرط اللازم للمركز كي يستمر ويتجدّد. فمن الأسطورة إلى الدين يظهر الهامش بوصفه مجال السيولة والإمكان والتغيير والاختلاف. بينما يمثل المركز مجال التنظيم والاستقرار. غير أنّ كل مركز متى انغلق على ذاته وتصلّب، يصبح عاجزًا عن تجديد شرعيته إلا عبر ما يستبعده ويقصيه. لذلك لم يكن الهامش في الأسطورة أو الدين بالمعنى السلبي الذي يحمله الآن؛ وإنّما خزّانًا للمعاني والقوى القادرة على إعادة تشكيل المراكز القائمة. هذا المعنى للهامش ينقله من معنى التضاد إلى معنى الجدل الديالكتيكي القادر على إعادة إنعاش المجتمع.
الصعلوك، الصوفي، القاص | 19 |
| 20 | في البدء كان الهامش
تكاد معظم أساطير الخلق تُجمع على حالة بدئية من اللاتمايز واللاتنظيم والفوضى وهي أقرب لتنميطنا للهامش حاليًا، كانت تسبق الشكل الذي عدّته الأساطير منظمًا. ومن خضم هذا الحساء البدئي غير المتمايز ظهر إله وقام بطبخه؛ وكأنّنا مع تقسيم كلود ليفي ستراوس للحالة الوجودية للإنسان بين النيء والمطبوخ، حيث بدأ الإنسان ترقّيه في سلّم الحضارة عندما انتقل من أكل الطعام غير المطهو إلى المطهو الذي أنضجته نار بروميثيوس؛ وبذلك انتقل الإنسان من الطبيعة الخام إلى الثقافة. وهذا ما نراه في الأسطورة البابلية التي تحدثنا كيف واجه مردوك الإلهة تعامة "الحساء البدئي" وهزمها وقام بطبخها عبر شقّها نصفين؛ واحد صنع منه السماء، والثاني الأرض، وجعل مركز حكمه السماء يدير منه تنظيم الكون عبر تحديد ما هو مركزي وما هو هامشي. وبالمثل قسمت الأسطورة الفرعونية الكون إلى "كيمت/ Kemet" الأرض السوداء الخصبة والتي تمثل مفهوم "الماعت/Ma'at" الذي يعني الحق والعدالة والاستقرار؛ وكان تمثيله الأرضي نهر النيل وما يحيط به من أراض خصبة، في مقابل الهامش أو "الدشرت" والتي تم تمثيلها بالصحراء التي تحيط بالنيل حيث مفهوم "الإسفت/Isfet" وهو النقيض الوجودي للماعت ويعني الفوضى والاضطراب والعدم. لكن قبل هذا التقسيم كان الحساء البدئي المتمثل بالإله "نون/Nun" عبارة عن مياه أزلية سحيقة مظلمة لا نهائية لا تعرف التمايز أو الزمان إلى أن ظهر الإله "رع" وأخرج من هذا المحيط البدئي جبل الخلق المركز "بن بن" وانتهاء بتقسيم الكون إلى كيمت وإسفت، مركز يمثل النور وهامش يمثل الظلام. ولا تبتعد أسطورة الخلق في التوراة عن هذا السياق، فهي تقول: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ"، وعندما أراد يهوه تنظيم الكون قال: "ليكن نور".
لكن ما الذي يعنينا في هذا التقسيم بين مركز وهامش في بحثنا؟ إنّ الغاية تكمن في أنّ الهامش المنبوذ الذي رأيناه في الأسطورة وأول تجلّيات الدين التوحيدي، كان الدواء الناجع لاستعصاء المركز وتكلّسه. فعندما تجبّر جلجامش، الحاكم المركزي المستبد، أرسلت له الآلهة إنكيدو الهامشي الحيواني ليعيد له الاتزان والتنظيم، فبمقدار أهمية المركز في تلك الأساطير لكن تقوقعه على ذاته ينتج هامشية أخرى هي الجمود وتختلف عن هامشية السيولة التي تم منها الخلق. هكذا استطاع الهامشي إنكيدو إعادة الانفتاح والحياة إلى جلجامش، وعندما احتاج جلجامش خبيرًا بالأرض الهامشية/ الغابة ووحشها "خمبابا" لاستصلاحها وضمّها إلى مركزية التنظيم استعان بإنكيدو الهامشي. وأكثر من ذلك، عندما صدمه موت صديقه إنكيدو كان لا بد له ليحصل على الحكمة التي خلق لأجلها البشر أن يخوض الهامش ليصل إلى أتونفشتيم في أرض الخلود، ومن ثم يغوص في الإبسو/ المياه المالحة والتي كانت تعدّ من ضمن عناصر الهامش ليحصل على نبتة الخلود ومن بعدها الحكمة.
إنّ رحلة جلجامش إلى الهامش أو المجيء منه ستكون ثيمة تقوم عليها الأديان السماوية في بنائها | 23 |
