ar
Feedback
يَافَا الضَّاد.

يَافَا الضَّاد.

الذهاب إلى القناة على Telegram

متعلِّمٌ على سبيلِ النجاة.

إظهار المزيد
1 069
المشتركون
-224 ساعات
-47 أيام
-2130 أيام
أرشيف المشاركات
يُعَذّبني أحيانًا أنّي طَموح يُطَمئنني دائمًا أنّ الله يعلم.

إنَّ من أشدِّ حقائق الدنيا إيلامًا أنَّها لا تقف على أحد، وأنَّها، في أبلغ صور قسوتها، لا تتلبَّث عند غياب راحل، ولا يختلُّ نظامُها لموت عزيز. تمضي الأيّام كأنَّ شيئًا لم يكن، وتدور الحياة على مَن بقي، كأنَّ الذين مضوا لم يخلّفوا إلا فراغًا يتعلَّم الأحياء كيف يسدّونه، ووجعًا يتربَّبون على احتماله. حين استُشهِدت صديقتي، وكانت آخر رسائلها إليَّ: «نفسي بقهوة»، انقطعتُ عن القهوة زمنًا؛ نبذتُها كأنَّ بيننا عهدًا انفسخ، وهي التي ما عرفتُ في المألوفات أشدَّ التصاقًا بي منها. ثم عادت تتسلَّل إليَّ؛ لا لأنَّ محبتها في نفسي قد غلبت ما علق بها من ذكرى فحسب، بل لأنَّ الدراسة في وطأتها، والسهر في امتداده، والضغط في ثقله، تجعل للإنسان أحيانًا حاجاتٍ لا يملك معها ترفَ الاجتناب طويلًا. ثم كانت أيّام المجاعة التي ضربت الشمال؛ أظلُّ ثلاثة أيّام لا أجد للطعام سبيلًا، مأخوذةً بهول المشهد. وإلى اليوم، ما زال شيءٌ من تلك الأيّام مقيمًا في جسدي، فما عادت معدتي تتَّسع إلا للقليل. ​غير أنَّ الذي استثار ذلك كلَّه كان الزيتون؛ وهو الذي لا يستقيم عيشي بدونه. كان مشهده مغموسًا بالدم أثقل من أن يمرَّ عابرًا، فانقطعتُ عنه عجزًا عن الفصل بين طعمه وما انطبع في الذاكرة؛ إذ إنَّ للحزن سلطانًا عجيبًا، يفسد طعم ما لا يفسده شيء، ويُلبس الأشياء المألوفة وجوهًا لم نكن نعرفها لها. ثم عدت إليه في آخر الأمر... وما أعجبَ أن يعود المرء إلى الشيء الذي هجره، فيحسب أنَّه قد غلب ذكراه، ثم تكفي حركةٌ عابرة لتهدم ما توهَّمه نسيانًا! كنت أجمع بُذور الزيتون من الصينيّة لأغسلها، فإذا بدموعي تنحدر دون استئذان. وعندها تذكَّرت. تذكَّرت الخبز، والفراولة، والقهوة، والزيتون، والطحين؛ تذكَّرت أشياء صغيرة كنت أعدُّها من بدهيّات النعمة، وأحمد الله عليها كما يحمد المرء ربَّه على ما ألفه حتى كاد لا يراه من فرط أُلفته. فإذا بهذه الأشياء نفسها، بعد كل ما جرى، تنقلب في النفس من نِعَمٍ مألوفة إلى شواهد موجعة؛ كأنَّ كلَّ ما أحببناه يومًا صار يحمل اسمَ مجزرة. ما أقسى أن تنقلب النعمة في قلب الناجي إلى تُهمة! أن ترفع الخبز إلى فمك فتتذكَّر مَن راح في سبيل رغيفٍ واحد، وأن تشرب قهوتك فتعود إليك آخر رسالة ممَّن غاب، وأن ترى الزيتون في صحنك فتستحضر زيتونًا آخر لم يكن مغموسًا إلا بالدم! وهكذا لا يعود الناجي يعيش الأشياء كما كان يعيشها؛ يأكل، نعم، لكنَّه يأكل ومعه ذاكرته؛ يشرب، ويشرب معها غياب مَن لم يبقَ لهم من الدنيا إلا الذكرى؛ ويستقبل النعمة بيد، ثم يستشعر في اليد الأخرى ثِقَل السؤال. ولا أدري متى تنقضي عُقدة الناجي، ولا متى يخبو هذا الشعور الخفيُّ بالذنب؛ ذلك الشعور الذي لا يقول لك صراحةً إنَّك مذنب، ولكنَّه يظلُّ رابضًا في ناحيةٍ من روحك، يسألك في صمت: لِمَ بقيت؟ ولعلَّ السؤال الأشدَّ مرارةً ليس: لماذا ماتوا؟ بل: هل نحن الذين نجونا حقًّا؟ أشكُّ في ذلك. فلعلَّ النجاة أن يخرج الإنسان من الموت حيًّا، أمّا أن يخرج منه سالمًا، فتلك منزلةٌ أخرى، لا أدري أكانت لنا. لقد بقيت أجسادنا هنا، نعم؛ أمّا أشياء كثيرةٌ منّا، فقد مضت مع الذين مضوا. ومن ثمَّ، فما كلُّ مَن بقي ناجيًا، ولا كلُّ مَن مات هو وحده الذي فقد الحياة؛ فثمّة موتٌ آخر يتوارى في أحشاء الناجين: أن تبقى قادرًا على الضحك، ثم يؤلمك ضحكك؛ وأن تأكل، ثم يؤنِّبك الطعام؛ وأن تحمد الله على النعمة، ثم تستحي من فرحك بها. ولعلَّ هذه هي عُقدة النجاة كلُّها: أنَّك لا تنجو وحدك؛ بل تنجو محمَّلًا بمن لم ينجوا. وتبقى الحياةُ حياةً... لكنَّها لن تكون الحياة نفسها، ولن تتوقَّف على أحد.

إنَّ من أشدِّ حقائق الدنيا إيلامًا أن تعلم أنَّها لا تقف على أحد؛ وأنَّها، في أبلغ صور قسوتها، لا تكاد تتلبَّث طويلًا عند غياب أحد، ولا يختلُّ نظامُها لموت أحد. تمضي الأيّام كأنَّما لم يكن، وتدور الحياة على مَن بقي، كأنَّ الذين مضوا لم يخلّفوا وراءهم إلا فراغًا يتعلَّم الأحياء كيف يسدّونه، ووجعًا يتعلَّمون كيف يحتملونه. حين استُشهِدت صديقتي، وكانت آخر رسائلها إليَّ: «نفسي بقهوة»، انقطعت عن القهوة زمنًا؛ نبذتُها عن يدي ووجداني، كأنَّ بيني وبينها عهدًا قد انفسخ، مع أنَّني ما عرفت في المألوفات شيئًا أشدَّ التصاقًا بي منها، ولا كنت أتصوَّر يومًا يمضي عليَّ بغير فنجانها. ثم عادت القهوة تتسلَّل إليَّ على مهل؛ لا لأنَّ محبتها في نفسي قد غلبت ما علق بها من ذكرى فحسب، بل لأنَّ الدراسة في وطأتها، والسهر في امتداده، والضغط في ثقله، تجعل للإنسان أحيانًا حاجاتٍ لا يملك معها ترفَ الاجتناب طويلًا. ثم كانت أيّام المجاعة التي ضربت الشمال؛ كنت أمضي ثلاثة أيّام لا أجد في نفسي إلى الطعام سبيلًا، ولا أتناول لقمةً واحدة؛ مأخوذةً بما يحدث، مستغرقةً في هول المشهد. وإلى اليوم، ما زال شيءٌ من تلك الأيّام مقيمًا في جسدي؛ فما عادت معدتي تتَّسع إلا للقليل. غير أنَّ الذي استثار ذلك كلَّه في ذاكرتي كان الزيتون. أنا التي لا يكاد الطعام يستقيم في فمي من دونه؛ كان مشهد الزيتون مغموسًا بالدم أثقل عليَّ من أن يمرَّ عابرًا. فانقطعت عنه طويلًا، عجزًا عن أن أفصل بين طعمه وبين ما انطبع في الذاكرة من ذلك المشهد؛ إذ إنَّ للحزن سلطانًا عجيبًا، يفسد طعم ما لا يفسده شيء، ويُلبس الأشياء المألوفة وجوهًا لم نكن نعرفها لها. ثم عدت إليه في آخر الأمر... وما أعجبَ أن يعود المرء إلى الشيء الذي هجره، فيحسب أنَّه قد غلب ذكراه، ثم تكفي حركةٌ عابرة لتهدم ما توهَّمه نسيانًا! كنت أجمع بُذور الزيتون من الصينيّة لأغسلها، فإذا بدموعي تنحدر دون استئذان. وعندها تذكَّرت. تذكَّرت الخبز، والفراولة، والقهوة، والزيتون، والطحين؛ تذكَّرت أشياء صغيرة كنت أعدُّها من بدهيّات النعمة، وأحمد الله عليها كما يحمد المرء ربَّه على ما ألفه حتى كاد لا يراه من فرط أُلفته. فإذا بهذه الأشياء نفسها، بعد كل ما جرى، تنقلب في النفس من نِعَمٍ مألوفة إلى شواهد موجعة؛ كأنَّ كلَّ ما أحببناه يومًا صار يحمل اسمَ مجزرة. ما أقسى أن تنقلب النعمة في قلب الناجي إلى تُهمة! أن ترفع الخبز إلى فمك فتتذكَّر مَن راح في سبيل رغيفٍ واحد، وأن تشرب قهوتك فتعود إليك آخر رسالة ممَّن غاب، وأن ترى الزيتون في صحنك فتستحضر زيتونًا آخر لم يكن مغموسًا إلا بالدم! وهكذا لا يعود الناجي يعيش الأشياء كما كان يعيشها؛ يأكل، نعم، لكنَّه يأكل ومعه ذاكرته؛ يشرب، ويشرب معها غياب مَن لم يبقَ لهم من الدنيا إلا الذكرى؛ ويستقبل النعمة بيد، ثم يستشعر في اليد الأخرى ثِقَل السؤال. ولا أدري متى تنقضي عُقدة الناجي، ولا متى يخبو هذا الشعور الخفيُّ بالذنب؛ ذلك الشعور الذي لا يقول لك صراحةً إنَّك مذنب، ولكنَّه يظلُّ رابضًا في ناحيةٍ من روحك، يسألك في صمت: لِمَ بقيت؟ ولعلَّ السؤال الأشدَّ مرارةً ليس: لماذا ماتوا؟ بل: هل نحن الذين نجونا حقًّا؟ أشكُّ في ذلك. فلعلَّ النجاة أن يخرج الإنسان من الموت حيًّا، أمّا أن يخرج منه سالمًا، فتلك منزلةٌ أخرى، لا أدري أكانت لنا. لقد بقيت أجسادنا هنا، نعم؛ أمّا أشياء كثيرةٌ منّا، فقد مضت مع الذين مضوا. ومن ثمَّ، فما كلُّ مَن بقي ناجيًا، ولا كلُّ مَن مات هو وحده الذي فقد الحياة؛ فثمّة موتٌ آخر يتوارى في أحشاء الناجين: أن تبقى قادرًا على الضحك، ثم يؤلمك ضحكك؛ وأن تأكل، ثم يؤنِّبك الطعام؛ وأن تحمد الله على النعمة، ثم تستحي من فرحك بها. ولعلَّ هذه هي عُقدة النجاة كلُّها: أنَّك لا تنجو وحدك؛ بل تنجو محمَّلًا بمن لم ينجوا. فتبقى النعمة نعمةً في يدك، ووجعًا في قلبك؛ وتبقى الحياة حياةً، ولكنَّها لا تعود الحياة نفسها.. لكنّها لن تتوقّف على أحد!

«مَن عاش يقرأُ شعرَ الأعشى، وشعرَ امرِئِ القيسِ؛ ليُحْسنَ فهمَ كلامِ المصطفى ﷺ؛ فهو في جهادٍ وعبادةٍ، ولا يقِلُّ قدرًا عن من عاش يقرأُ التفسيرَ والحديثَ». • من كلامِ د.محمود أبو موسَى

في خضمّ ما يعتري الإنسان في هذه الأيام من تشتّت واضطراب، يحضر قول الجاحظ: «ولا يمكن تمامُ الفهمِ إلا مع تمامِ فراغ البال.» الله يرزقنا سكينة البال، وطمأنينة النفس، وصَفو الخاطر، والفهم! : )

في خضمّ ما يعتري الإنسان في هذه الأيام من تشتّت واضطراب، يحضر قول الجاحظ: «ولا يمكن تمامُ الفهمِ إلا مع تمامِ فراغ البال.» الله يرزقنا سكينة البال، وطمأنينة النفس، وصَفو الخاطر : )

المُؤلِمُ أنَّ الأبجديّةَ استُهلِكَت بالكامِل، ولا طارِئٌ يَمَزِّقُ هذا الصَّمتَ، سوى أسماءِ الضَّحايا وتواريخِ المَرثيّات.

وللآخرة خير 🌱

من الغريب أننا نشرح هذا !

الجميع يتحدّث عن الطفل "الإسرائيلي" الذي أُعيد تداول قصة موته منذ عام 2014، والجميع، فجأة، قرّر أن يشرح لنا معنى الإنسانية والتّعاليم الإسلامية كذلك؛ مع أنّ القصة نفسها عادت إلى الواجهة بالتزامن مع قرار الاحتلال قتل أطفال غزة الذين كانوا يلعبون بطائراتهم الورقية. لكن لا؛ الإنسانية ليست هنا..وكذلك العقيدة السليمة! ملعونٌ أبو إنسانيتكم إذن. خلّوها لكم. أما أنا، فلي من هذا كله أكثر من 21 ألف طفل فلسطيني قُتلوا في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023؛ وهو الرقم الذي أورده جهاز الإحصاء الفلسطيني ونقلته الجزيرة، حتى أبريل 2026. ثم استمر قتل الأطفال بعد ذلك، حتى بعد وقف إطلاق النار المزعوم. أما حصيلة الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا على امتداد تاريخ الاحتلال منذ 1948، فلا أريد أن أضع لها رقمًا لا تستند إليه إحصائية فلسطينية موحّدة يمكن الوثوق بها؛ وإن كان جهاز الإحصاء الفلسطيني قد وثّق أكثر من 156 ألف شهيد فلسطيني وعربي منذ النكبة، من دون تفصيلٍ موحّد لعدد الأطفال. وأنا لا أحتاج إلى رقم كي أعرف ما تعنيه هذه الأرقام. وأعرفه في يونس، ابن حبيبتي خديجة، يوم لم تجد أمّه إلا أن تجمع أجزاء طفلها المتناثرة، قطعةً قطعة. وأعرف أمل، تلميذتي وصديقتي الصغيرة التي لم تتجاوز العاشرة، والتي ذاب لحمها في مجزرة المعمداني. وأعرف رحاب، وأعرف باسل، وأعرف، وأعرف... ولا أخجل أبدًا من قولها: ملعون أبوكم وأبو إنسانيتكم.

«تعداد من خذلوكِ غزّةَ أو نسوا صلّىٰ الإلـٰه على النبيّ وسلّمَ.»ﷺ

في الصلاةِ على سيِّدِ البشرية، صلى الله عليه وسلم، مفتاح كل قُفل، وانحلال كل عقدة، وانبلاج كل ليل، والإسفار عن كلِّ شيء حسن.

باتَ المرءُ ممتنًّا لكلِّ ما كابَدَهُ من المراراتِ المُمْقِرة، وما نكَأَهُ الفقدُ وصَلَتْهُ الحربُ؛ وما كان يخطُرُ ببالي يومًا أن أبلغَ هذا الشأو! ​فَعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، إنِّي لأَذْكُرُ كَمْ كُنْتُ أُكْبِرُ صَنِيعَ «سِيرَانُو»، وأرى في مسلكِهِ الشجاعةَ والنبلَ الصُّراح، حين كتمَ صبابَتَهُ مؤثرًا سعادةَ محبوبتِهِ—وهو مرتقًى صعبٌ—بل ويشدُّ أزرَ غيرِهِ لِيُمكِّنَهُ من وصلِها! فظللتُ أمتدحُ فعلَهُ، وأطمحُ لبلوغِ هذا الأوجِ من التجرُّد. ​ولَكَم صدقَ القائلُ: ​«حَنَانَيْكَ لا تَلْعَنْ جِراحَكَ إنَّها ... أَفادَتْكَ لَمّا لَمْ تُفِدْكَ نَصائِحُ!»

لا أدري أيُّ سارحةٍ من الفكر انتظمتني الساعة لأخطَّ عن هذه الرواية، وقد تراخى العهد بيني وبين طيِّ حواشيها؛ غير أن من الأسفار ما لا ينقضي مأرب القارئ منها بمجرد إغلاق صفحاتها، بل تودِع في سويداء النفس وديعةً مستكنَّة، ثم لا تلبث لواعج الخواطر أن تستنطقها كلما ألمَّ بالقلب شبيهٌ بها. ​أهدتني والدتي رواية «الشاعر» حين حزتُ قَصَبَ السبق في إحدى المراحل التأهيلية؛ علمًا منها بما علِق بخلدي من شغفٍ بأسلوب المنفلوطي وديباجته المجيدة، وما كان لبيانه من سطوةٍ نافذة على قريحتي. فمضيت أرتقب الولوج في عالم ذلك الصنديد الذي طالما ذاع في الآفاق ذكرُ بسالته وعلو همته، مشرئبةً لشهود بطلٍ لا تُفلُّ له قناة، ولا تُوهِن عزمه صروف النوازل. ​لم تُخلف الرواية ظني في جانب النجدة؛ فسيرانو أنموذج للفرسان الذين لا يُشقُّ لهم غبار: رجلٌ أبيُّ النفس، رابط الجأش، وثيق العزيمة، لا يبتاع السلامة بالذلة، ولا يستجدي العطف على عيبٍ في خَلقته. غير أنني انتهيت من سبر غوره إلى ما يباين الشائع؛ إذ أبصرت فيه شجاعًا يقتحم غمار الأهوال غير هيّابٍ للمنية، ثم يفرُّ مقهورًا من حربٍ زَبون لم تُضرم إلا في مطاوي صدره! يستخفُّ بالموت الصريح، ثم يستكين لوهمٍ استبدَّ بعقله حتى استحال عنده يقينًا لا يُدفع. ​فما كان الأنف إلا أهون خصومه، وإنما النازلة في الصحيفة السوداء التي خطَّها بيده ثم أمضاها على نفسه؛ إذ أقنعها منذ الصغر بأنه امرؤٌ يتعذَّر أن يُحب، وأن جمال الروح لا ينهض إذا شانها قبح المحيّا، وأن فؤاد المرأة رهين الصورة قبل أن ينحاز إلى الجوهر. فاستحكم فيه هذا الوهم حتى غدا غِلًّا في جيده، لا يجسر على الفكاك منه، ولا يتجشَّم عناء امتحان حقيقته. ما كان سيرانو مُعوز الوصال، وإنما كان مُعوز اليقين بأنه جديرٌ به. ​وإن روكسان لهي أحقُّهم بالإعجاب، وأولادهم بنَعْت الشجاعة؛ لا لبراءتها فحسب، بل لأنها كانت أصدقهم سريرةً وأقومهم موقفًا؛ أحبت فجهرت، وحين انسلخ الحب في وجدانها عن قشر الصورة واستقر في لُبِّ الروح، أعلنت ذلك غير متلجلجة. فبأي حق صادر سيرانو إرادتها، واستلبها حق الاختيار؟ قد تبدو تضحيته في ظاهرها غايةً في النبل، لكنها في جوهرها جُبنٌ صُراح وهروبٌ من المواجهة، لا شجاعةٌ ولا إيثار؛ إذ قضى عنها قبل أن تسأله، ونَصَّب نفسه الغريم والقاضي في آن، ثم احتمى بفرارٍ مُلَفَّعٍ بكبرياء المستسلم. ​«ومن تكن النفس الأبية همَّهُ ... يمت كمدًا بين الرجاء وبين اليأس» ​تكمن جائحة سيرانو في أن المهلكة لم تأته من دمامة الخِلقة، ولا ألسنة الساخرين، ولا صليل السيوف؛ بل أوردته إياها عقيدةٌ واطَّن عليها نفسه: أنه امرؤٌ لا يستحق أن يُحب. والفاجعة الحقيقية ليست في رجلٍ جَهْم المحيّا حُرم الوصال، بل فيمن ادّخر من أسباب الجَلَد ما يناهز به العالم قاطبة، ثم عجز عن أيسر ضروب الشجاعة: أن يصدِّق أن به ما يُعشَق. ​ولعلَّ أوجع ما في الأمر أن سوادنا الأعظم ليس إلا «سيرانو» آخر؛ نختلف عنه في السمت والظروف، لكننا نشترك في البليّة، فتراه يُغالب كلَّ شجاعٍ فينا حتّى يصرعه؛ نصاول الخُطوب أعتى ما نكون، فإذا صرنا إلى مواجهة نفوسنا، لم نملك لدفعها درعًا ولا حيلة :)

إنني لا أحفل يا سيدي بالصُّور والرسوم والأزياء والألوان، ولا يعنيني جمال الصورة وحسنها، ولا برقشة الثياب ونمنمتها. وحسبي من الجمال أنني رجلٌ شريفٌ مستقيم، لا أكذب ولا أتلوَّن، ولا أداهن ولا أتملق، وأن نفسي نقيةٌ بيضاء غير ملوثةٍ بأدران الرذائل والمفاسد. فلئن فاتني الوجه الجميل، والثوب الْمُفَوَّف، والوسام اللامع، والجوهر الساطع، فلم يفتني شرف المبدأ، ولا عزة النفس، ولا إباء الضيم، ولا نقاء الضمير! [الشاعر]

مُقتَبَسٌ مِن كِتاب: «زادُ المَعاد.»

«أَتاكَ كَعبٌ وَقَدْ جَلَّت جِنايَتُهُ وَكادَ يَغتالُهُ مِن ذَنبِهِ غولُ وَقامَ ينشدُ لَم تملل مَدائحهُ غيرُ الكَريمِ لَديهِ المدحُ مَملولُ فآبَ بالبُردةِ الحَسناءِ مُشتمِلًا وَعادَ وهو بِبردِ العفوِ مَشمولُ وَلستُ مِثلًا لَهُ لكنَّ حالَتَهُ لَها بحالةِ هذا العبدِ تَمثيلُ إِنْ كانَ مَتبولَ قلبٍ يومَ أَنشدَكُم بانَت سُعادُ؛ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ!».

لا أَمَلُّ قصيدةَ «بانت سعاد»، ولا أروى من سماعِها أبدًا! ​وعلى وجهِ العموم، فإنّ سيّدَنا وحبيبَنا كعبَ بنَ زهيرٍ هو من أثيرِ الشعراءِ إلى نفسي، غيرَ أنّ لهذه القصيدةِ في قلبي منزلةً مكينةً ومقامًا خاصًّا؛ لا لفرائدِ كلماتها فحسب، بل لقصّتِها وما انطوت عليه من مشهدٍ جليلٍ بديع. حين وَفَد كعبُ بنُ زهيرٍ متخفّيًا إلى النبيِّ ﷺ، مُعلنًا توبتَه، فأنشده لاميّتَه الخالدة: «بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ»، مادحًا رسولَ الهدى ﷺ، فما كان من الحبيبِ إلا أن عفا عنه، وأسبغ عليه من كريمِ جُودِه بأن خلعَ بردتَه الشريفةَ وكساها إيّاه ! كلّما استحضرت ذلك المشهدَ المهيبَ تستبقُ إليَّ عَبَراتي وتغلبني دُموعي! ​إنّ هذه اللاميّةَ لَتتضوّعُ بعبيرِ المسجدِ النبويّ؛ وهذه القصيدةُ مُلتفّةٌ ببُردةِ حبيبي رسولِ اللهِ ﷺ؛ وهذه أوبةُ الشاعرِ الفذّ، سيّدي كعب!! ​نُبِّئتُ أنَّ رسولَ اللهِ أوعَدَني والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ !! :) ​فحيّا اللهُ شعراءَ العربِ المُخضرمين، وسقى عهودَهم! https://on.soundcloud.com/cvtBkPsxHiAifddNeA