2 030
المشتركون
-324 ساعات
+17 أيام
-1730 أيام
أرشيف المشاركات
تقوم الاستدلالية (Evidentialism) على فكرة بسيطة، وهي أن تبرير الاعتقاد يعتمد على الأدلة التي يمتلكها الشخص. فليس المهم أن يكون الاعتقاد صحيحًا أو خاطئًا في ذاته، بل المهم أن يكون متناسبًا مع مقدار الأدلة المتوفرة لصاحبه. فإذا كانت الأدلة تؤيد قضية معينة، كان التصديق بها مبررًا، وإذا كانت الأدلة تعارضها، كان رفضها أو تعليق الحكم فيها هو الموقف المبرر.
ولهذا يعرّف الاستدلاليون التبرير بقولهم: إن الاعتقاد يكون مبررًا إذا، وفقط إذا، كان منسجمًا مع الأدلة التي يمتلكها الشخص في ذلك الوقت. فمثلًا، إذا رأيت دخانًا كثيفًا يتصاعد من منزل، فقد يكون اعتقادك بوجود حريق مبررًا؛ لأن الأدلة المتاحة لك تؤيد هذا الاعتقاد، حتى لو تبين لاحقًا أن الدخان كان ناتجًا عن شيء آخر.
لكن هذا التعريف يثير سؤالًا: ما المقصود بالدليل؟ فمجرد القول إن الاعتقاد مبرر إذا وافق الأدلة لا يكفي، لأننا لا نزال بحاجة إلى تفسير معنى "الدليل" نفسه. فإذا لم نحدد المقصود به، فإن التعريف يبقى ناقصًا.
وتظهر المشكلة عندما يحاول شخص تعريف الدليل بقوله: "الدليل هو ما يبرر الاعتقاد." فهذا التعريف لا يشرح شيئًا، بل يعيد استعمال الفكرة نفسها. وكأنه يقول: الاعتقاد مبرر إذا وافق ما يبرره. وهذه دورانية (Circularity)، لأننا استخدمنا مفهوم التبرير لتعريف الدليل، ثم استخدمنا الدليل لتعريف التبرير، فأصبح كل واحد منهما يعتمد على الآخر دون أن يفسره.
ولهذا يشترط الفلاسفة أن يقدم الاستدلالي تعريفًا مستقلًا للدليل، أي تعريفًا لا يستعمل كلمة "تبرير" أو أي مفهوم يفترضها مسبقًا. فقد يعرف الدليل بأنه الخبرات الإدراكية، أو الذكريات، أو المعطيات الحسية، أو الوقائع التي يملكها الشخص، أو غير ذلك من المفاهيم الأساسية. عندئذ يصبح تعريف التبرير تفسيرًا حقيقيًا، لا مجرد إعادة صياغة للفكرة نفسها.
"يُسأل عن الفوقيّة فإن قال بها فهو سنّي، وإن أنكرها فهو أشعري ملعون"
جزء فيه امتحان السنيّ من البدعي، ألّفه: أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي المقدسي
يتفق أنصار الداخلانية (Internalism) على أن تبرير الاعتقاد يعتمد على أمور داخل الشخص، لكنهم يختلفون في المقصود بكلمة "داخل". ولهذا يميزون بين تصورين رئيسيين: الإتاحية (Accessibilism) والذهنية (Mentalism).
يرى الإتاحيون أن الاعتقاد يكون مبررًا إذا كان ما يبرره متاحًا للشخص بطريقة خاصة. أي أن الإنسان يستطيع، من خلال التأمل في نفسه، أن يصل إلى الأسباب التي تبرر اعتقاده. فالتبرير لا يكفي أن يكون موجودًا، بل يجب أن يكون الشخص قادرًا على الاطلاع عليه والوعي به عند التأمل. ومن أبرز الأمثلة التاريخية على الإتاحية هو ديكارت. فقد كان يرى أن الاعتقاد لا يكون مبررًا إلا إذا استطاع الإنسان الوصول إلى مبرراته عن طريق التأمل العقلي. ولهذا بدأ بالشك المنهجي، ولم يقبل إلا ما يظهر للعقل بوضوح وتمييز، مثل الكوجيتو (أنا أفكر إذن أنا موجود) والحقائق العقلية الواضحة.
أما الذهنيون (Mentalists) فيركزون على فكرة مختلفة قليلًا. فهم لا يشترطون أن يكون الشخص قادرًا على الوصول إلى مبرراته أو استحضارها بوعي، وإنما يشترطون فقط أن يكون كل ما يحدد كون الاعتقاد مبررًا أو غير مبرر موجودًا داخل ذهن الشخص، مثل معتقداته الأخرى، وخبراته الإدراكية، وذكرياته، وحالاته العقلية. فإذا تشابه شخصان في جميع حالاتهما الذهنية، فيجب أن يتشابها أيضًا في درجة تبرير معتقداتهما، حتى لو لم يكن كل منهما واعيًا بكل ما يبرر اعتقاده.
إذن، العلاقة بينهما أن الذهنية أوسع من الإتاحية.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الذهنية تقترب من الخارجانية (Externalism) لأنها لا تشترط أن يكون الشخص واعيًا بمبرراته أو قادرًا على استحضارها. لكن هذا التشابه ظاهري فقط. فالفرق هو أن الذهنية ما تزال تجعل مصدر التبرير محصورًا في الحالات الذهنية الداخلية للشخص، مثل إدراكاته وذكرياته ومعتقداته، حتى لو لم يكن منتبهًا إليها. أما الخارجية فلا تشترط ذلك أصلًا؛ إذ قد يعتمد التبرير على عوامل تقع خارج الذهن، مثل كون العملية المعرفية التي ولّدت الاعتقاد موثوقة، أو وجود علاقة سببية مناسبة بين الاعتقاد والعالم الخارجي، حتى لو لم يكن الشخص مدركًا لهذه العوامل أو قادرًا على الوصول إليها بالتأمل.
يمكن فهم الفرق بين التأسيسية الديكارتية والتأسيسية المعتدلة من خلال السؤال التالي: ما هي المعتقدات التي لا تحتاج إلى تبرير من معتقدات أخرى؟ كلا المدرستين تجيبان بأن هناك معتقدات أساسية (Foundational Beliefs) تشكل نقطة البداية للمعرفة، لكنهما تختلفان في تحديد ماهية هذه المعتقدات.
ترى التأسيسية الديكارتية أن المعتقدات الأساسية يجب أن تكون يقينية ولا يمكن الشك فيها. ولهذا السبب تحصرها في نوعين: أولًا، الحالات الذهنية المباشرة التي يعيشها الإنسان، مثل: "أنا أشعر بالألم" أو "أبدو لي أنني أرى لونًا أحمر"، لأن الشخص يدرك هذه الحالات مباشرة. وثانيًا، القضايا العقلية البديهية مثل المنطق والرياضيات، كقولنا: ٢+٢=٤ أو لا يمكن أن يكون الشيء موجودًا وغير موجود في الوقت نفسه. أما الاعتقادات المتعلقة بالعالم الخارجي، مثل: "هناك شجرة أمامي"، فلا تُعد عندهم معتقدات تأسيسية، لأن الحواس قد تخطئ أو تخدعنا، ولذلك تحتاج هذه الاعتقادات إلى تبرير إضافي.
أما التأسيسية المعتدلة فتتبنى موقفًا أقل تشددًا. فهي توافق على وجود معتقدات تأسيسية، لكنها لا تشترط أن تكون يقينية يقينًا مطلقًا. وبدلًا من ذلك، ترى أن الإدراك الحسي في الظروف العادية يمنحنا مبررًا أوليًا للاعتقاد بالعالم الخارجي. فإذا رأيت شجرة أمامك في وضح النهار، فمن المشروع أن تعتقد مباشرة: "هناك شجرة أمامي"، دون أن تحتاج إلى إقامة استدلال أو برهان على ذلك. صحيح أن هذا الاعتقاد قد يتبين لاحقًا أنه خاطئ إذا اكتشفت مثلًا أنه كان مجرد وهم، لكنه يظل مبررًا ابتداءً ما لم يوجد سبب يدعو إلى الشك.
إذن، لا يكمن الخلاف بين المدرستين في وجود المعتقدات التأسيسية، فكلاهما يقر بها، وإنما في نطاقها. فالتأسيسية الديكارتية تقصرها على الخبرات الذهنية الداخلية والحقائق العقلية البديهية، بينما توسعها التأسيسية المعتدلة لتشمل أيضًا المعتقدات المباشرة عن العالم الخارجي التي تنشأ عن الإدراك الحسي في الظروف الطبيعية.
ولهذا يمكن القول إن التأسيسية الديكارتية تبدأ من الداخل ثم تحاول الوصول إلى العالم الخارجي بالاستدلال، بينما التأسيسية المعتدلة ترى أن إدراكنا للعالم الخارجي يمكن أن يكون نقطة بداية معرفية بحد ذاته، ولا يحتاج دائمًا إلى استدلال سابق.
يمكن فهم الفرق بين التأسيسية الديكارتية والتأسيسية المعتدلة من خلال السؤال التالي: ما هي المعتقدات التي لا تحتاج إلى تبرير من معتقدات أخرى؟ كلا المدرستين تجيبان بأن هناك معتقدات أساسية (Foundational Beliefs) تشكل نقطة البداية للمعرفة، لكنهما تختلفان في تحديد ماهية هذه المعتقدات.
ترى المؤسسية الديكارتية أن المعتقدات الأساسية يجب أن تكون يقينية ولا يمكن الشك فيها. ولهذا السبب تحصرها في نوعين: أولًا، الحالات الذهنية المباشرة التي يعيشها الإنسان، مثل: "أنا أشعر بالألم" أو "أبدو لي أنني أرى لونًا أحمر"، لأن الشخص يدرك هذه الحالات مباشرة. وثانيًا، القضايا العقلية البديهية مثل المنطق والرياضيات، كقولنا: ٢+٢=٤ أو لا يمكن أن يكون الشيء موجودًا وغير موجود في الوقت نفسه. أما الاعتقادات المتعلقة بالعالم الخارجي، مثل: "هناك شجرة أمامي"، فلا تُعد عندهم معتقدات تأسيسية، لأن الحواس قد تخطئ أو تخدعنا، ولذلك تحتاج هذه الاعتقادات إلى تبرير إضافي.
أما المؤسسية المعتدلة فتتبنى موقفًا أقل تشددًا. فهي توافق على وجود معتقدات تأسيسية، لكنها لا تشترط أن تكون يقينية يقينًا مطلقًا. وبدلًا من ذلك، ترى أن الإدراك الحسي في الظروف العادية يمنحنا مبررًا أوليًا للاعتقاد بالعالم الخارجي. فإذا رأيت شجرة أمامك في وضح النهار، فمن المشروع أن تعتقد مباشرة: "هناك شجرة أمامي"، دون أن تحتاج إلى إقامة استدلال أو برهان على ذلك. صحيح أن هذا الاعتقاد قد يتبين لاحقًا أنه خاطئ إذا اكتشفت مثلًا أنه كان مجرد وهم، لكنه يظل مبررًا ابتداءً ما لم يوجد سبب يدعو إلى الشك.
إذن، لا يكمن الخلاف بين المدرستين في وجود المعتقدات التأسيسية، فكلاهما يقر بها، وإنما في نطاقها. فالمؤسسية الديكارتية تقصرها على الخبرات الذهنية الداخلية والحقائق العقلية البديهية، بينما توسعها المؤسسية المعتدلة لتشمل أيضًا المعتقدات المباشرة عن العالم الخارجي التي تنشأ عن الإدراك الحسي في الظروف الطبيعية.
ولهذا يمكن القول إن المؤسسية الديكارتية تبدأ من الداخل ثم تحاول الوصول إلى العالم الخارجي بالاستدلال، بينما المؤسسية المعتدلة ترى أن إدراكنا للعالم الخارجي يمكن أن يكون نقطة بداية معرفية بحد ذاته، ولا يحتاج دائمًا إلى استدلال سابق.
الاسمية البيولوجية عند بيتر سيمونز: قراءة نقدية في مسألة الأصل المشترك والاشتراك الخارجي
يقترح بيتر سيمونز في مقاله Vague Kinds and Biological Nominalism تصورًا اسميًا للتصنيف البيولوجي، ينطلق من ملاحظة أن الحدود بين الأنواع البيولوجية ليست حادة ولا ثابتة، بل يكتنفها قدر كبير من الغموض بسبب ظواهر التهجين والتدرج التطوري واستمرار السلالات عبر الزمن. ولهذا يرفض التصور التقليدي الذي ينظر إلى الأنواع بوصفها ماهيات أو جواهر ثابتة تسبق أفرادها، ويرى أن الواقع البيولوجي يتكون في الأساس من كائنات فردية متعينة، وأن ما نسميه "الأنواع" ليس إلا تجمعات من هذه الأفراد مرتبطة بعلاقات نسب وتكاثر وتحدر مشترك. فالنوع عنده ليس كليًا، وليس جوهرًا مشتركًا، وليس فردًا واحدًا ضخمًا يمتد عبر التاريخ، بل هو مجموعة واقعية من أفراد موجودين في الزمان والمكان.
ويرى سيمونز أن الطبيعة لا تعرض علينا حدودًا قاطعة بين الأنواع، بل تقدم سلسلة متصلة من التحولات التدريجية، بحيث يصبح من المتعذر أحيانًا تحديد اللحظة الدقيقة التي ينشأ فيها نوع جديد أو يختفي فيها نوع قديم. ومن هنا يخلص إلى أن الغموض الذي يحيط بالأنواع ليس مجرد جهل بشري، وإنما يرجع جزئيًا إلى طبيعة التصنيف نفسه؛ إذ إن المصطلحات التصنيفية لا تمتلك امتدادًا محددًا بدقة كاملة. ومع ذلك فهو لا يعتبر الأنواع مجرد أوهام لغوية، بل يرى أن التصنيف البيولوجي يستند إلى علاقات واقعية في الطبيعة، كعلاقات القرابة الجينية والتحدر من أسلاف مشتركة.
غير أن هذا الموقف يثير إشكالًا يتعلق بحقيقة الاشتراك الذي يفترضه سيمونز نفسه. فهو يصرح بأن ما يجمع أفراد النوع الواحد ليس ماهية مشتركة، بل شبكة من العلاقات الجينيالوجية (النسبية) والتكاثرية الواقعية. وهنا يبرز السؤال: ما طبيعة هذا الاشتراك؟ فإذا كانت هذه العلاقات مجرد أفراد متفرقة لا جامع بينها، فما الذي يبرر اعتبارها كلها من صنف واحد يسمى "علاقة نسب" أو "أصلًا مشتركًا"؟ أما إذا كان بينها قدر مشترك حقيقي، فقد اعترفنا بشيء يتجاوز الأفراد الجزئية، وهو ما يبدو أقرب إلى الواقعية منه إلى الاسمية.
إن جوهر المشكلة يكمن في أن سيمونز يحاول رفض الكليات مع الإبقاء على نوع من الوحدة الموضوعية بين الأفراد. فهو يرفض أن تكون هناك "إنسانية" واحدة يشترك فيها جميع البشر، لكنه في الوقت نفسه يثبت وجود علاقات نسب مشتركة تجمعهم في سلالة واحدة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن الحديث عن "اشتراك" حقيقي من دون التسليم بوجود معنى مشترك؟ فإذا كان جميع أفراد البشر منحدرين من أصل مشترك، وكان هذا الوصف يصدق عليهم جميعًا، فما الذي يجعل هذه الحالات المختلفة حالاتٍ لشيء واحد ما لم يكن هناك قدر مشترك بينها؟
ومن منظور اسمي صارم، يبدو أن مجرد الاعتراف بوجود اشتراك خارجي حقيقي يهدد المشروع الاسمي نفسه؛ لأن الاسمية في أصلها التاريخي جاءت لإنكار وجود أي كلي أو وحدة مشتركة وراء الأفراد. فإذا قيل إن هناك علاقة مشتركة موجودة في الخارج بين أفراد متعددين، فقد عاد مفهوم الكلي إلى الساحة وإن تغير اسمه. فالفرق بين أن نقول "توجد إنسانية مشتركة" وأن نقول "توجد علاقة نسب مشتركة" قد يكون فرقًا في العبارة لا في الجوهر، ما دام كلا القولين يثبت عنصرًا واحدًا يتكرر في أفراد كثيرين.
وقد يحاول المدافع عن سيمونز الرد بأن العلاقة ليست كليًا بل هي وقائع جزئية متعددة: هذه علاقة نسب بين فردين، وتلك علاقة نسب بين فردين آخرين، وهكذا. لكن هذا الجواب لا يزيل الإشكال بل ينقله إلى مستوى آخر. إذ يبقى السؤال: ما الذي يجعل جميع هذه الوقائع وقائعَ نسبٍ أصلًا؟ وإذا لم يوجد أي معنى مشترك بينها، فلماذا نجمعها تحت مفهوم واحد؟ أما إذا كان ثمة معنى مشترك، فقد عاد الكلي من جديد، سواء سُمّي ماهية أو طبيعة أو علاقة عامة.
وبناءً على ذلك يمكن القول إن مشروع سيمونز ينجح إلى حد بعيد في نقد الماهوية البيولوجية التقليدية، وفي بيان أن الأنواع ليست جواهر ثابتة ذات حدود صارمة، لكنه يواجه صعوبة فلسفية في تفسير الاشتراك والوحدة من دون اللجوء إلى أي صورة من صور الكلي. فإما أن تكون العلاقات المشتركة مجرد أفراد متفرقة لا يجمعها شيء، وعندئذ يصبح التصنيف نفسه غير مفهوم، وإما أن يكون بينها قدر مشترك حقيقي، وعندئذ تقترب الاسمية من الواقعية التي أرادت الهروب منها.
