📍قناة | هنا متكأ 📓✒️
الذهاب إلى القناة على Telegram
1 620
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
-67 أيام
-1230 أيام
أرشيف المشاركات
1 620
سمعتُ قصةَ رجلٍ وقع في فعلٍ مشين، فبلغ أمره السلطات وافتُضِح بين أهله، فما بين قائل أنه يستحق الفضيحة وآخر يرى أن الستر كان أولى، جاء تعليقا واحدا كالصاعقة أوجز الواقعة وأنهى الجدل: "لقد نفد رصيده من ستر الله".
يحيط بنا ستر الله من كل جانب، ليس لأننا معصومون، ولا لأن خطايانا أقلّ من خطايا غيرنا، بل لأن الله -جل وعلا- حليم، يمهل العبد، ويمنحه الفرص، ويستر زلته مرة بعد مرة، علّه يستحي، أو يرجع، أو يستغفر. هذا الستر المتراكم هو بمثابة "رصيد" تُسجّل فيه التوبات، وتقال فيه العثرات عن عيون الخلق..
الفاجعة الحقيقية التي تفزع القلب ليس سقوط الإنسان في الخطيئة فحسب—فكل بني آدم خطاء—بل هي تلك اللحظة التي ينفد فيها الستر الإلهي. لحظة الانكشاف الكامل التي تجعل الإنسان واقفاً بلا غطاء، بلا درع، مواجهاً شؤم معصيته.
اللهم إنّا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.. اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك..
1 620
+3
عشر دقائق تحت الهجير..
خرجتُ إلى حوش المنزل قبل العصر بساعة، لم تكن الشمس وحدها هي التي تسكب جمرها، بل كانت الريح الحارة تعصف بقوة، اضطررت للبقاء هناك عشر دقائق فقط.. عشر دقائق كانت كفيلة بأن تجعلني أدرك، ولأول مرة في حياتي، المعنى الحقيقي لأثر الريح السموم على الجسد.
لم تكن مجرد حرارة تمرّ، بل كانت هجوماً صامتاً ينفذ إلى العمق؛ ألمٌ مفاجئ يعتصر البطن، صداعٌ يثقل الرأس، وحرقانٌ يلتهم العينين حتى يغدو مدى الرؤية جحيماً. شعرتُ وكأن وجهي يحترق، ينكمش ويستغيث.
وفي هذه اللحظة بالذات، مرتْ بي هذه الصور.. صورة طفلٍ يرفع قطعة قماش ليصنع ظلّه بنفسه، وأخرى لطفلٍ يتكور في بقعة ظل ضيقة بجانب جدار مكسور ومعه كوب ماء، وعائلة كاملة تتزاحم في مساحة ظل لا تتسع إلا لأجسادهم المنهكة هرباً من جحيم الخيام.
يا الله.. كيف لهذه العقول والأجساد أن تحتمل؟
هناك في غزة، يتضاءل العالم حتى يصبح رقعة ظل يتزاحم عليها أب وأم وأطفالهم، يقتسمون الهجير كما يقتسمون وجع النزوح.
اللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم و تولَ أمرهم وأنزل عليهم وابل السكينة والرحمة والفرج القريب.
1 620
من أشكال التفاوت بين البشر:
اختلاف معايير عَتبة threshold تحسّسهم للوجود.
والعتبة مفهوم مفتاحي ومُفرَدَة مُهمّة كي تفهم نفسك من خلالها، وهي مُصطلح مُستعار من علم النفس الفيزيائي Psychophysics تعني:
الحدّ الأدنى من شدّة المُؤثّر، اللازم لكي يُدركه الإنسان أو يستجيب له.
وهناك مستويات عدّة لهذه العتبات، منها على سبيل المثال:
• عتبة تحسّس الجَمَال
(ما مدى دهشتي من المألوف والعادي؟)
• عتبة السلوك الذوقي
(ما هو الأكثر/الأقلّ ذوقًا؟)
• عتبة الإيذاء
(متى يكون ما أفعله/أقوله مُؤذيًا؟)
• عتبة المعصية
(ما هو أصغر حجم للخطيئة التي تدفعني للهرع لإصلاح علاقتي مع الله؟)
• عتبة العلم
(كم يكفيني من البحث لأبلغَ حدّ الفهم؟)
وهذه الفروقات دقيقة، لكنّها تجعلني أنا وتجعلُكَ أنت، في نهاية المَطاف.
وهو ما نرصده في الآخرين، فيجذبنا إليهم، أو يُنفِّرُنا منهم.
فحين تتقارب عتباتنا مع عتبات أحدهم، نشعر أنّه يفهمنا بلا عناء، وحين تتباعد، نشعر أنّه غريبٌ عنّا، وإن جمعتنا به كلّ الظروف الأخرى.
وفكرة العتبة دقيقة ولطيفة، ويُمكِن التعبير عنها بمُعادلة رياضية:
كَم يلزمني من X حتّى أشعر بـ Y؟
مثلًا:
كَم يلزم من مُدّة لانقطاع تواصلي مَع مَن أُحبّ، حتّى اعتبر أنّي قد جَفيتُه أو نَأيتُ عَنه؟
دقائق
ساعات
أيّام
أسابيع
بهذا يفترق النّاس
وهذا طبعًا، يتحدّد بالتنشئة (التربية) والخبرة المعيشية (التجارب والخبرات التي أخوضها).
أيّ أنّه يتناوب بين عوامل قَبلية، وعوامل أملك تحديدها، بانتقاء الأوساط التي أريد أن أتواجد فيها، وبانتقاء علاقاتي وخبراتي.
وقد عبّر أهل الذوق عن حساسيات مختلفة للزهد والتزكية والتوبة، توسّعوا فيها عن نظام صارم من الصغائر غير المعتبرة، بالنطر إلى قصدية الفعل وموقفه من نفسه وربّه، فقالوا أمورًا من مثل:
ومن تطبيقات هذه الحساسية الذوقية على المستوى الاجتماعيّ، إجابة العبّاس، ما يُروى عن عمّ النبيّ ﷺ، حين سُئل:
أنتَ أكبر، أم رسول الله؟
فأجاب:
هو أكبر منّي.. ولكنّي وُلِدتُ قَبلَه
محمود أبو عادي
1 620
كيف يتحوّل الألم إلى إثارة؟!
من المفترض في الفطرة الإنسانية السليمة أن يكون مشهد العنف والنكال سبباً تلقائياً لاستفزاز المشاعر، أو الشعور بالألم والغضب الإنساني الأخلاقي. غير أن الملاحظة الدقيقة لسلوك الإنسان المعاصر تكشف عن ظاهرةٍ عجيبة ومقلقة في آنٍ واحد؛ فمع كثرة التعرض لمشاهد الدم والعدوان، يمر العقل والقلب بتحولٍ تدريجي خطير، حيث تتلاشى مشاعر الاستهجان والاشمئزاز، ليحل محلها تطلع متزايد لمطالعة المزيد وشغف محفوف بالإثارة، مما يجعل العقل يتعامل مع الضحايا كـ "أرقام" أو "مشاهد سينمائية"، خصوصاً أن المشاهدة من خلف الشاشات تمنح العقل إحساساً بالأمان والسيطرة دون خطر حقيقي، فيتحول الأمر إلى ما يشبه الإدمان السلوكي الذي يطلب جرعاتٍ أشد عنفاً لتحقيق المستوى ذاته من الاستثارة.
ومن الناحية الشرعية، نجد توصيفاً متطابقاً وعميقاً لهذه الحالة النفسية تحت مفاهيم تزكية النفس، وحفظ الجوارح، وأمراض القلوب. لقد لخص النبي ﷺ هذه الآلية العصبية بدقة متناهية في قوله: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ... حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضَ... وَالْآخَرُ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».
هذا الحديث يشرح كيف يفقد القلب قدرته على الإنكار والتأثر الفطري بالتدريج حتى يقع في "إشراب الهوى" والاستمتاع بما كان يستكرهه. وتأكيداً لهذا المعنى، بين الإمام ابن القيم في كتاب الداء والدواء أن العين هي باب القلب، فقال:"والناظر يرمي من نظره بسهامٍ غرضُها قلبُه وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه".
فالتكرار هو الذي يُبدل المشاعر؛ وما كان يبدو قبيحاً في البداية، يصبح بفعل المداومة مألوفاً يطلبه القلب ويستمتع به لأن الصورة غلبت عليه. إنها "قسوة القلوب" وموت الفطرة الناجمان عن فضول النظر واعتياد المنكر، حيث يفقد الإنسان قدرته الطبيعية على الانفعال بالخير أو الشر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
التوافق بين التفسير النفسي والرؤية الشرعية ينتهي إلى حقيقة واحدة: الإنسان ابنُ ما يعتاده، والعين منافذ ومداخل تشكل وجدان الفرد، وما يراه اليوم وهو مشمئزٌ منه، قد يطلبه غداً بشغف إذا لم يضع لنفسه حدوداً وحماية.
إنّ استعادة الحساسية الفطرية والتخلص من هذا التبلد الوجداني ليسا أمراً مستحيلاً، بل يتطلبان مساراً متكاملاً يعيد ضبط الجهاز العصبي ويُزكي الروح في الوقت ذاته. يبدأ هذا المسار بسلوكيات حازمة؛ على رأسها إحداث قطيعة رقمية مع مصادر العنف والأخبار الصادمة، وممارسة "صيام الدوبامين" بخفض مستوى الإثارة الرقمية والعودة للأنشطة الهادئة كالقراءة والمشي لتقليل حساسية المستقبلات العصبية، مع التعمد الواعي لإعادة تفعيل التعاطف من خلال استحضار البعد الإنساني والشخصي خلف كل مأساة. وتكتمل هذه الخطوات بالجانب الروحي الذي يركز على كف البصر عن فضول النظر، وإلانة القلب بأعمال البر المباشرة؛ فللتلامس الإنساني الحقيقي أثر بالغ السرعة في كسر الجمود العاطفي.
إن العقل البشري يمتلك مرونة عالية للتغيير، وكما اعتاد على الجرعات العالية من القسوة والإثارة، فإنه قادر خلال أسابيع قليلة في بيئة نُظيفة على استعادة توازنه، وتطهير قلبه، والعودة إلى نقاء الفطرة التي فطره الله عليها.
1 620
Repost from قناة طلال الحسّان.
فإذا طالَ وقوفُكَ على البابِ، فلا تَبْرَحْه، وإذا تأخَّرَ عنكَ المطلوبُ، فلا يَضْعُفْ يقينُكَ؛ ولكن تَحَسَّسْ زوايا قلبِكَ، واستخرجْ منها عبوديةَ الافتقارِ، وحُسْنَ الظنِّ، والرضا، والتسليمِ، وأَحْسِنِ الظنَّ بمن أَذِنَ لكَ أن تَدْعُوَه، ووَعَدَكَ أن يَسْتَجِيبَ لكَ. فإنَّكَ تَدْعُو كريمًا، والكريمُ إذا دَبَّرَ لعبدِه أمرًا، فقد يَحْجُبُ عنه صورةَ العطاءِ ليَهَبَ له حقيقتَه، ويَمْنَعُ عنه ما أحبَّ ليَسُوقَ إليه ما هو أحبُّ وأنفعُ.
فإذا دَعَوْتَ، فاجْمَعْ قلبَكَ على اللهِ، وأَخْرِجْ منه حساباتِ العجزِ، وأَسْكِتْ فيه أصواتَ اليأسِ، وانْظُرْ إلى فقرِكَ لتَنْكَسِرَ، وإلى ذنبِكَ لتَسْتَغْفِرَ، ثم انْظُرْ إلى ربِّكَ لتَرْجُوَ.
فما أضيقَ الأشياءَ إذا نَظَرْتَ إليها بعينِ الأسبابِ، وما أوسعَها إذا نَظَرْتَ إليها بعينِ الثقةِ بربِّ الأسبابِ.
1 620
Repost from قناة طلال الحسّان.
من حبائلِ الشيطانِ على بابِ الدعاء🌿
من أعظمِ أسباب استجابة الدعاء؛ حُسْنُ الظنِّ باللهِ، وصدقُ اليقينِ به، وامتلاءُ القلبِ ثقةً بقدرتِه وكرمِه؛ ولهذا كانَ من خفيِّ مداخلِ الشيطانِ على الداعي؛ العملَ على إضعافِ هذا اليقينِ في قلبِه؛ لأنَّه إذا أفسدَ ظنَّه بربِّه، فقد أفسدَ عليه روحَ الدعاءِ وأعظمَ معانيه. وفي الحديثِ القدسيِّ يقولُ اللهُ تعالى: «أنا عندَ ظنِّ عبدي بي».
وللشيطانِ في إفسادِ حُسْنِ الظنِّ باللهِ حبائلُ دقيقةٌ، قد لا يَشْعُرُ بها العبدُ، ومن أهمِّها:
◉ أن يَشْغَلَ قلبَكَ بصعوبةِ الواقعِ، وتعقُّدِ الأسبابِ، وبُعْدِ المطلوبِ، ويُكَبِّرَ أمامَ عينيكَ العوائقَ حتى يَضِيقَ أفقُ الرجاءِ في نفسِكَ، وتَنْظُرَ إلى حاجتِكَ بميزانِ قدرتِكَ أنتَ، لا بميزانِ قدرةِ اللهِ.
وهنا يَظْهَرُ فقهُ العبدِ عن ربِّه؛ فإنَّ المؤمنَ إذا دَعَا لم يَنْظُرْ إلى ضخامةِ حاجتِه، ولكن إلى عظمةِ مَنْ يَسْأَلُه، ولم يَحْسِبْ إمكاناتِه هو، ولكن يَسْتَحْضِرُ قدرةَ ربِّه. فما تَرَاهُ أنتَ مستحيلًا؛ تَرَاهُ بعينِ عجزِكَ، أمَّا اللهُ سبحانه فلا يَعْجِزُه شيءٌ، وإذا أرادَ أمرًا فإنما يقولُ له: كن فيكونُ، فالمؤمنُ يَعْلَمُ أنَّ فوقَ الأبوابِ المغلقةِ ربًّا ما يفْتحُ للناسِ من رحمةٍ؛ فلا مُمْسَكَ لها.
فإذا أحاطَتْ بكَ الأسبابُ المعقَّدةُ، وضاقَتْ عليكَ المخارجُ، فلا تُطِلِ النظرَ إليها؛ فإنَّ كثرةَ التأملِ في العوائقِ قد تُورِثُ القلبَ يأسًا وهو لا يَشْعُرُ. ولكن انْقُلْ بصرَ قلبِكَ إلى عظيمِ قدرةِ اللهِ، وسعةِ ملكِه، وكمالِ غناه، وجزيلِ فضلِه؛ فهو سبحانه الذي بيدِه خزائنُ السماواتِ والأرضِ، ولا يَعْجِزُه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ. وما أهونَ حاجتَكَ على مَنْ بيدِه ملكوتُ كلِّ شيءٍ!
◉ ومن حبائلِه كذلك أنَّه إذا رَفَعْتَ يديكَ إلى اللهِ ذَكَّرَكَ بذنوبِكَ، ونَشَرَ أمامَكَ صحيفةَ تقصيرِكَ، ووَضَعَ خطاياكَ أمامَ عينيكَ، لا ليَقُودَكَ بها إلى توبةٍ وانكسارٍ، ولكن ليَقْطَعَكَ بها عن الرجاءِ، فيُحَوِّلَ الذنبَ من بابٍ إلى الانكسارِ والتوبةِ إلى بابٍ من اليأسِ والقنوطِ. ويقولَ لكَ في خفاءٍ: بأيِّ وجهٍ تَسْأَلُ؟ وكيفَ تَرْجُو الإجابةَ وأنتَ على ما أنتَ عليه؟
وهذه من أدقِّ حِيَلِه؛ فإنَّ الذنبَ الذي ينبغي أن يَدْفَعَكَ إلى بابِ اللهِ يَجْعَلُه الشيطانُ سببًا لهروبِكَ منه، والتقصيرَ الذي ينبغي أن يَزيدَكَ افتقارًا إليه يَجْعَلُه سببًا ليأسِكَ من رحمتِه.
وعلاجُ ذلك أن تَعْلَمَ أنَّكَ حين تَسْأَلُ اللهَ لا تَسْأَلُه بثمنِ عملِكَ، وإنما تَسْأَلُه بفضلِه، ولا تَقِفُ على بابِه لأنَّكَ أهلٌ للعطاءِ، ولكن لأنَّه سبحانه أهلُ الجودِ والكرمِ. ولو عاملَنا اللهُ بما نحنُ أهلُه لهَلَكْنا، ولكنَّه يَعْفُو ويَغْفِرُ ويَرْحَمُ ويَتَفَضَّلُ.
فإذا ذَكَّرَكَ بذنوبِكَ، فاذْكُرْ أنتَ رحمةَ اللهِ؛ وإذا قالَ لكَ: إنَّكَ لا تَسْتَحِقُّ، فقلْ لقلبِكَ: وأنا لا أَسْأَلُ باستحقاقي، وإنما أَسْأَلُ بكرمِه. فإنَّكَ ما وَقَفْتَ ببابِ اللهِ لأنَّ عملَكَ بَلَّغَكَ، ولكن لأنَّ فقرَكَ ساقَكَ إلى غناه، وعجزَكَ ساقَكَ إلى قدرتِه، وذنبَكَ ساقَكَ إلى مغفرتِه.
ومن علاماتِ الاتكالِ على العملِ أن يَنْقُصَ رجاؤُكَ إذا وَقَعَ منك الزللُ؛ فإنْ كانَ رجاؤُكَ باللهِ يَقْوَى حين تَكْثُرُ طاعتُكَ، ثم يضعُفُ إذا أذنبتَ، فاخْشَ أن يكونَ في قلبِكَ اعتمادٌ خفيٌّ على العملِ. والعبدُ الصادقُ يَفْرَحُ بالطاعةِ لأنَّها فضلُ اللهِ عليه، ويَنْكَسِرُ بالمعصيةِ لأنَّها تقصيرٌ منه، ولكنه في الحالين يَعْلَمُ أنَّه لا غنى له عن رحمةِ ربِّه طرفةَ عين.
فلا تَجْعَلْ ذنوبَكَ حجابًا بينكَ وبين الدعاءِ، بل اجعلْها سببًا لمزيدٍ من الانكسارِ والافتقارِ والتوبةِ.
ادْعُ ربَّكَ وأنتَ ترى تقصيرَكَ، ولكن انْظُرْ مع ذلك إلى سعةِ مغفرتِه؛ واعْرِفْ قدرَ ذنبِكَ، ولكن لا تَنْسَ عظمةَ رحمتِه؛ فإنَّ الذنوبَ مهما عَظُمَتْ محدودةٌ، ورحمةُ اللهِ لا حدَّ لها.
وإذا أَلْهَمَكَ اللهُ الدعاءَ، وفَتَحَ لكَ بابَ الافتقارِ إليه، وأطالَ وقوفَكَ بين يديهِ، فهذه في ذاتِها نعمةٌ عظيمةٌ تَسْتَوْجِبُ حُسْنَ الظنِّ به. فلا تَجْعَلْ تأخُّرَ المطلوبِ دليلًا على الحرمانِ؛ فربما كانَ طولُ الوقوفِ نفسُه عطاءً، وربما أرادَ اللهُ أن يُعْطِيَ قلبَكَ قبلَ أن يُعْطِيَ يدَكَ، وأن يَهَبَكَ من الافتقارِ واليقينِ والأنسِ به ما هو أعظمُ من الشيءِ الذي جئتَ تَطْلُبُه. فلا تَظُنَّ بربِّكَ إلا خيرًا، ولا تَسْتَبْطِئْ تدبيرَه، ولا تَحْصُرِ الإجابةَ في الصورةِ التي رَسَمْتَها أنتَ؛ فقد يَأتيكَ عطاءُ اللهِ من طريقٍ لم يَخْطُرْ لكَ على بالٍ، وقد يَدَّخِرُ لكَ من الخيرِ فوقَ ما سَأَلْتَ.
1 620
كثيراً ما نرهق أنفسنا برسم الخرائط، وحساب الخطوات، وضمان النهايات، وننسى أن الأرض بأسرها بما فيها ومن فيها تحكمها مشيئة لا تقاس بمدى فهمنا لها. هناك لحظات في العمر لا تنفع معها إلا الاستراحة من التفكير، وترك القلم، والتوقف عن الحسابات، لتفسح المجال ليقين أعمق بأن رحمة الله أقرب إلينا من أنفاسنا..
ليس كل ما يغلق في وجهك هو نهاية الطريق؛ قد يكون مجرد إشارة لتلتفت إلى السعة التي نسييتها وسط انشغالك بضيق الأسباب..
الفرج ليس مجرد حل للمشكلة، بل هو السكينة التي تنزل على قلبك لتدرك أنك في ولاية الله حتى وإن لم ترَ مخرجاً بعد..
اطمئن، وسلم أمرك لمن يعلم السر وأخفى، فمن خلق لك الشدة قدر لك معها اللطف، ومن أوجد الضيق وسّع لك بالدعاء.
1 620
أعظم الأدب؛ الأدب في سير الصحابة..
الأمام الذهبي لما ترجم لـ مسطح بن أثاثة رضي الله عنه، قال: (المذكور في قصة الإفك) .
ثم قال بعدها: (إياك يا جري - يعني جريء - أن تنظر إلى هذا البدري شزرا لهفوة بدت منه؛ فإنها قد غفرت له وهو من اهل الجنة ) .
[ سير أعلام النبلاء | الذهبي:١٢٠/٣ ]
1 620
هناك من ابتلي بضعف الإيمان، وسلاطة اللسان، فصرف همته، ووجَّه طاقته، وضيع أوقاته، سبًّا وتجريحًا، وتنقيصًا وتسفيهًا لعلماء الأمة ورجالها المخلصين، الذين نذروا أنفسهم لحماية حوزة الدين، وإرشاد المسلمين، وتنبيه الغافلين؛ فالجناية على العلماء خرق في الدين.
يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: "واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم"
ويقول أبو سنان الأسدي رحمه الله تعالى:
"إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟!"
يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: "... ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب"
ويقول العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله تعالى: "بادرة ملعونة... وهي تكفير العلماء، والحط من أقدارهم، فهذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جرح شهود الشرع جرح المشهود به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يثبتون"
1 620
خزائن الله أوسع من أن تُقاس بما فقدت، وعطاؤه لا يحدُّه بابٌ أُغلق ولا دربٌ تعثّر..
"فعند الله مغانمُ كثيرة"..يردُّ الغائبات بأفضل منها، ويداري مرارة الفوت بجميل العوض..
فقط كن موقنا بالله..
1 620
طاقتك ووقتك موارد محدودة؛ استثمارها في تغيير شخص لا يملك الرغبة في التغيير هو استنزافٌ محض وتضحية في غير محلها.
المساعدة تكون لمن يطلبها ويقبض على يدك ليعلو، أما فرض "النجاة" على من يتشبث ببيئته السلبية فهو محاولة فاشلة تجعلك أنت الضحية في النهاية.
كل إنسان مسؤول عن نمط حياته وخياراته، مهما بلغت قوتك ومهما بلغت نيتك الطيبة، لن تستطيع تحريكه بغير إرادته.
1 620
الصلاة والعفاف..
تُبنى البيوت على مقومات شتى، منها العاطفي والمالي والاجتماعي، غير أن ثمة ركائز تُعد بمثابة الخطوط الحمراء التي يُحرم المساس بها؛ فإن اهتزت اضطرب الكيان بأكمله، وإن سقطت تداعى البنيان ولو كان مكسواً بأفخر مظاهر الحياة. ولم يكن التوجيه النبوي الخالد ليغفل عن حقيقة أن بناء الإنسان ينطلق من نعومة أظفاره، ولا أن الصلاة والعفاف هما الحصنان اللذان يلوذ بهما هذا البناء ويستقر؛ ففي التوجيه النبوي الشريف: «مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» قرن الشارع الحكيم بين أداء الصلاة والتربية عليها، وبين غرس العفاف من خلال الأمر بالتفريق في المضاجع في السن ذاتها. هذا الاقتران اللفظي والزماني ليس تشريعاً عابراً، بل هو إعلان صريح بأن هذين الأمرين هما أصل التربية وركيزتاها اللتان لا تفترقان، وأن أي فرجة تُترك في أحدهما ستُحدث خرقاً لا يُرتق في الآخر.
ينشأ الخلل في ركيزة الصلاة داخل الأسرة غالباً من ثغر القدوة؛ فعندما يكون أحد الوالدين تاركاً للصلاة، أو متهاوناً في أدائها، أو جاهلاً بأركانها وصفة أدائها الصحيحة، فإنه يضعف مكانة العبادة في نفوس أبنائه دون أن يشعر. فالوالد الذي لا يفزع إلى الصلاة عند سماع النداء ينفث في شعور الأبناء رسالة صامتة مفادها أن هذا الركن مجرد أمر ثانوي. ثم تتفاقم الكارثة حين يستيقظ الضمير التربوي لدى الوالدين متأخراً، بعد أن يتجاوز الأبناء سنين الطفولة دون غرس أو تعويد، فيشرع الآباء في الحث الشديد والإلزام الصارم بعد فوات الأوان. وهنا تتولد الصدمة وتندلع النزاعات؛ فالنفس التي لم تُعطف على العبادة وهي غضة طرية، يعسر قيادها بعد أن يشتد عودها وتستحكم فيها العادة، ليتحول التوجيه إلى صدام يومي عقيم..
أما الركيزة الثانية التي توازيها خطراً وشأناً، فهي العفاف الذي يُشكل السياج الواقي لحرمات البيت. والتهاون فيه يخضع لقانون تربوي صارم يمكن تسميته بـ «متوالية الشرخ المتسع»؛ فالوالدان اللذان يتساهلان في حشمة اللباس، أو انضباط القول، أو ممارسات التواصل، أو ما يدخل بيتهما من وسائل وإعلام، لا يدركان أن التفريط الخفيف لديهما سيعاد إنتاجه بتجاوزٍ أوسع وأشد جرأة لدى الأبناء. فالشرخ الصغير في جدار عفاف الوالدين يستحيل انكساراً عظيماً في سلوك الأبناء؛ وما يعقب هذا التهاون من تناقض صارخ حين يمارس الوالدان تساهلاً جلياً، ثم يستنكران بفجيعة وذهول إذا ما كبر الأبناء على انحرافات أخلاقية حادة، غافلين عن أنهما من بذرا التساهل الأول.
إن استنقاذ الأسرة المسلمة من هذا التآكل لا يتطلب نظريات معقدة، بل يتطلب عودة صادقة إلى ذلكم الأصل النبوي الجامع. فالتربية المبكرة على الصلاة تُرسخ في نفوس الأبناء مراقبة الله جل وعلا، والتفريق في المضاجع والغرس المبكر لآداب الحشمة والاستئذان يُنمي في ذواتهم الحياء وحرمة الجسد، ليتشكل بذلك الدرع الأقوى ضد فتن العصر ومغرياته.
1 620
Repost from قناة مَسَار | محمود أبو عادي
يعتقد البعض أن الحبّ يُصلح كلّ شيء.. لكنّه في واقع الحال، لا يفعل ذلك تمامًا.. قد يشفي الحُبّ بعض الندوب وقد يُساعد في تخثير بعض الجروح النازفة.
لكنّ ما العمل مع مشكلات ذاتية وعميقة في جوهرها؟ مشكلات لم يستطع المرء التعامل معها قبل الحبّ ولا استيعابها ولا إدارتها أو تجاوزها.. غالبًا سنرى الحبّ عاجزًا وأحيانًا متورّطًا.. وغالبًا ما تتحوّل طاقة الحبّ إلى طاقة كراهية بنفس المقدار (وهذه ظاهرة شائعة في العلاقات.. إذ بمقدار تعاظم الحب.. يزداد حجم السخط والإحباط الناجم حين يفشل الحب).
قد تعتقد أنّك ستكون أقلّ قلقًا إذا كان لديك شريك مناسب، لكنك لن تكون كذلك بالضرورة، خاصّة إن لم تكن قد اكتشفت كيف تفعل ذلك بنفسك.
لأنّ الحبّ قد يساعدك على فهم نفسك، لكنّه لن يحوّلك إلى شخصٍ آخر بالمُطلَق، إلّا في حالات نادرة للغاية..
شيء ما يُشبه ما قاله درويش من قبل:
لا حلولَ جماعيَّةَ لهواجسَ شخصيَّة
لم يكن كافيًا أَن نكونَ معًا
1 620
حين يكسرُ يقيننا صنمُ الأسباب، تنزاحُ الغمامة..تتنزلُ الألطافُ كقطراتِ ندى على قلبٍ احترقَ بالانتظار، لتخبره أن الذي أجرى "سنن الكون" هو وحده سبحانه من يملكُ أمر سلبها وخلقِ المعجزات من رحمها.
ليس المطلوب منك أن تخترق جدار العوائق بجهدك، بل أن تسلّم أمرك لمن يملك مفاتح المغالق.
فإذا صمَتَّ بعد "يا رب"، لا تقلق.. فالله يعلم ما في الصمت من ثقل، وما خلف التأتأة من حكاية.
ادعُ وأنت تتخفف من حسابات البشر، فربك أعظم من أن تحده أسباب، وأرحم من أن يردّ يداً ارتفعت إليه وهي موقنةٌ بأنه خير.
#الدعاء
1 620
جلستُ بجانبها وهي تمسك المصحف بشغفٍ وصبر.كانت تقرأ الآيات بصوتٍ متأنٍ وحروفٍ صحيحة، غير أن عينيها كانتا تقولان شيء آخر..هي تتلو الكلمات، ولكن لا تفقه منها شيئ..!
وقع ذلك في نفسي موقعاً هزّ أركاني. تنبهتُ فجأةً لنعمةٍ عظيمة نرفل فيها حتى نألفها؛ كيف أكرمني الله بهذه العربية، فتنساب المعاني في قلبي بيُسر، أدرك مغزى الكلمة، وأشعر بوقع الآية، وتصلني رسائل السماء غَضّةً طريةً دون جهدٍ أو مشقة.
وهي، برغم النور الذي بين يديها، تقف خلف جدارٍ صامت. تُردد الرحمة ولا تدري كيف تشعرُ بها، وتتلو الوعيد والوعد دون أن يمرّ بقلبها جلال الصورة ودفء الخطاب. غابت عنها تلك المعاني العظيمة، ورقة الإشارات ولطائف الحديث الإلهي.
سبحان مَن يُعطي بفضله، ومَن جعل هذا القرآن نوراً للجميع، وإن تفاوتت في نيله الأسباب.
خرجتُ من ذلك اللقاء وفي قلبي أثرٌ لا يُمحى، يهمس لي: إنّ فهمك لكلام ربك ليس مجرد أسبقية لسان، بل هو اصطفاءٌ ورعايةٌ تستوجبُ دوام الشكر.
1 620
قد يملك الإنسان أعلى الشهادات وأعمق المعارف، لكنه أمام شهوات النفس، أو الطمع، أو الخوف، يتهاوى إن لم يكن له حظ وافر من العبادة.
العبادة تمنح العالِم قوة الإرادة ليقول "لا" عندما يخالف الهوى حقيقة ما يعلمه.
لا يكتمل ثبات الإنسان حتى يجتمع لديه نور العلم وقوة العبادة.
