ar
Feedback
السبيل

السبيل

الذهاب إلى القناة على Telegram

مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabeel.net

إظهار المزيد

📈 نظرة تحليلية على قناة تيليجرام السبيل

تُعد قناة السبيل (@al_sabeel) في القطاع اللغوي العربية لاعباً نشطاً. يضم المجتمع حالياً 24 021 مشتركاً، محتلاً المرتبة 3 104 في فئة الدين والقيم الروحية والمرتبة 2 858 في منطقة المملكة العربية السعودية.

📊 مؤشرات الجمهور والحراك

منذ تأسيسه في невідомо، حقق المشروع نمواً سريعاً وجمع 24 021 مشتركاً.

بحسب آخر البيانات بتاريخ 26 أغسطس, 2026، تحافظ القناة على نشاط مستقر. خلال آخر 30 يوماً تغيّر عدد الأعضاء بمقدار 480، وفي آخر 24 ساعة بمقدار -12، مع بقاء الوصول العام مرتفعاً.

  • حالة التحقق: غير موثّقة
  • معدل التفاعل (ER): يبلغ متوسط تفاعل الجمهور 5.56‎%. وخلال أول 24 ساعة من النشر يحصد المحتوى عادةً 3.01‎% من ردود الفعل نسبةً إلى إجمالي المشتركين.
  • وصول المنشورات: يحصل كل منشور على متوسط 1 335 مشاهدة. وخلال اليوم الأول يجمع عادةً 723 مشاهدة.
  • التفاعلات والاستجابة: يتفاعل الجمهور بانتظام؛ متوسط التفاعلات لكل منشور يبلغ 27.
  • الاهتمامات الموضوعية: يركز المحتوى على مواضيع رئيسية مثل إِنسَان, دِين, كِتَاب, نَفس, اِبن.

📝 الوصف وسياسة المحتوى

يصف المؤلف القناة بأنها مساحة للتعبير عن الآراء الذاتية:
مشروع ثقافي إسلامي وسطيّ، هدفه التوعية ومواجهة التفاهة والتضليل والاستبداد. نفتح ملفات دينية وفكرية وسياسية، ونقدم مراجعات للكتب والشخصيات، ونصنع برامج كرتونية هادفة لليافعين. لا نتبع دولة ولا تنظيمًا ونعتمد على التمويل الذاتي والإعلانات www.al-sabee...

بفضل وتيرة التحديث المرتفعة (أحدث البيانات بتاريخ 27 أغسطس, 2026) تحافظ القناة على حداثتها ومستوى وصول مرتفع. وتُظهر التحليلات تفاعلاً نشطاً من الجمهور، ما يجعلها نقطة تأثير مهمة ضمن فئة الدين والقيم الروحية.

24 021
المشتركون
-1224 ساعات
-347 أيام
+48030 أيام
أرشيف المشاركات
الدعاء الذي رفعته إلى الله طويلًا ولم ترَ إجابته بعد، لن تندم عليه، فلا تظن أنه ضاع؛ فما ضاع شيء أودعته عند الله. قد تتعلق نفسك بصورة محددة للإجابة، وفي وقت محدد، بينما يعلم الله من عواقب الأمور ما لا تعلم. فيؤخر عنك ما سألت، أو يصرف به عنك من السوء مثله، أو يدخر لك ثوابه؛ وأنت لا ترى الآن إلا أن حاجتك لم تتحقق. قال النبي ﷺ: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي» متفق عليه. وجاء في الحديث: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» رواه أحمد. لا تجعل تأخر الإجابة سببا للقطيعة عن الدعاء؛ فقد يكون طول وقوفك على الباب نفسه من العطايا. كم من حاجةٍ بدأت تسأل الله إياها، ثم وجدت بعد زمن أن الدعاء بها أصلح قلبك، وزاد افتقارك، وعلّمك حسن الظن، وردّك إلى الله مرات لم تكن لتعودها لولا تلك الحاجة. ولا تجزم بأن ما سألت سيأتيك بعينه في الدنيا؛ فالله وعد بالإجابة، لكنه سبحانه يختار لعبده صورتها ووقتها بما تقتضيه حكمته. فادعُ ولا تستعجل، واسأل ولا تيأس، واترك لله اختيار الصورة والموعد، فقد يكون العطاء الأكبر فيما صرفه الله عنك، أو فيما ادّخره لك حيث لا يضيع عنده شيء.

قبل أن تدخل علاقةً لا ترضي الله، وقبل أن تخطو إلى علاقة محرمة، فعليك أن تفكر بما بعد لذة البداية؛ انظر إلى الطريق كله، وإلى ما يمكن أن تتركه تلك الخطوة في قلبك ودينك وحياتك. تذكّر أنك ستستعمل في المعصية نعمًا وهبها الله لك: عينًا ترى، وأذنًا تسمع، ولسانًا يتكلم، وهذه الجوارح التي تستمتع بها اليوم هي نفسها التي قال الله عنها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. وتذكّر أن العلاقات المحرمة تتطور دومًا، فقد تبدأ بنظرة، ثم فضول، ثم اعتياد، ثم تعلق، حتى يصبح القلب مشغولًا بإنسان أكثر مما ينبغي، ينتظر حضوره، ويتألم لغيابه، ويستهلك في مراقبته من الفكر والوقت والمشاعر ما كان أولى أن يُصرف فيما ينفع. ولهذا جاء الشرع بسياج يقطع الطريق بداية، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. فلم يقل: لا تزنوا فحسب، بل نهى عن القرب من الطريق؛ لأن بعض الطرق إذا توغل الإنسان فيها صَعُب عليه الرجوع. قد يتلوث الخيال، ويضعف الحياء، ويعتاد القلب ما كان يستنكره، ثم يفقد شيئًا من حريته؛ لأن كل تعلق لا يضبطه شرع الله يمكن أن يتحول من لذة يختارها الإنسان إلى قيد يجرّه حيث لا يريد. رغم ذلك، إن وقعت، فلا تجعل الذنب قدرًا دائمًا. اقطع الطريق، وامحُ أسبابه، وتب إلى الله، ولا تلتفت إلى طول ما مضى؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

مع اشتداد الاضطراب، وتسارع الأحداث، وكثرة الأخبار التي تملأ النفوس قلقًا وعجزًا؛ يصبح من أهم ما يحتاجه الإنسان أن يميّز بين مساحة يملك فيها فعلًا، ومساحة لا يملك فيها إلا المتابعة والانفعال. فاستغراقك فيما لا تملك تغييره يستنزف قلبك، أما اشتغالك بما تستطيع فعله فيحوّل القلق إلى عمل، والخوف إلى استعداد، والحيرة إلى بصيرة. وأمامك اليوم مساحات واسعة للعمل: أولًا: احفظ إيمانك وإيمان من حولك. في أزمنة الفتن لا تكون المعركة على الأرض وحدها؛ بل تمتد إلى التصورات والقلوب والموازين. فارجع إلى القرآن، واستحضر آيات السنن والابتلاء والتدافع والعاقبة، واربط أهلك وأبناءك بالله، واجعل الأحداث بابًا لزيادة اليقين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. ثانيًا: ابنِ وعيك من خلال الأحداث، فالأزمات الكبرى تكشف ما تستره أزمنة الاستقرار؛ تكشف حقيقة المصالح، وحدود الشعارات، وتناقض الخطابات، وطبيعة القوة، ومقدار المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. فلا تجعل نصيبك من الحدث كثرة الأخبار والانفعال بها؛ وإنما عليك أن تتعلّم منه. اقرأ التاريخ، وافهم السياسة، وتثبت من الأخبار، وقارن الخطاب بالفعل، وابنِ تصورك على المعرفة والعدل لا على الاندفاع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. ثالثًا: أعدّ نفسك للمستقبل بدل أن تستهلكها في توقعه، فالمرء لا يعرف ما تحمله السنوات المقبلة، ولذلك فإن خير استعداد لها هو أن تصبح أصلب إيمانًا، وأوسع علمًا، وأنضج وعيًا، وأقدر على النفع. ابنِ نفسك علميًا ومهنيًا، وربِّ أبناءك، وقوِّ روابطك بأهل الخير والعلم والصلاح، وأكثر من دعاء الله أن يستعملك في مرضاته، وأن يجعلك نافعًا حيث يضعك. رابعًا: الزم الثغر المتاح أمامكؤ فلا يمكن تكليف كل الناس بمهمة واحدة وإنجاز العمل نفسه، وإنما يُسأل كل واحد عما آتاه الله من قدرة ومسؤولية. وثغور الخير كثيرة: تعليم، ودعوة، وتربية، وإغاثة، وبذل مال، وإصلاح اجتماعي، ونصح، ورعاية أسرة، وإتقان تخصص، ودفاع مشروع عن الناس والحقوق بالوسائل المشروعة. ولا تنتظر دائمًا "المهمة الكبرى"؛ فالذي يضيّع واجب الساعة انتظارًا لدور استثنائي قد لا يحسن القيام به إذا جاء. والأعمال الصغيرة المتراكمة هي التي تبني الرجال والمؤسسات والمجتمعات القادرة على حمل الأعمال الكبيرة. وفي خضم ذلك كله، يبقى المؤمن مستحضرًا أن حركة التاريخ أكبر من اللحظة التي يراها، وأن سلطان الله نافذ فوق تدبير البشر: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]. لا تخرج من موقع العبودية إلى أسر القلق؛ أصلح قلبك، وابنِ وعيك، وأعدّ نفسك، واعمل في ثغرك، وأحسن فيما تستطيع، واستودع عند الله ما لا تستطيع.

منطق الفسيلة اغرس فسيلةً ولو كانت القيامة تقوم.. فقد قال النبي ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، رواه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد. تأمل المشهد: الساعة تقوم، والدنيا تبلغ نهايتها، ولا مستقبل تنتظره الشجرة، ولا ثمر سيدركه غارسها، ولا أجيال ستجلس في ظلها. وبحساب المنفعة المجردة، يبدو الغرس بلا جدوى. ومع ذلك قال النبي: اغرسها، ليعطينا درسًا في معنى العمل حين تنعدم في أعيننا فرص النتائج. المؤمن لا يستمد قيمة العمل الصالح من نتائجه وحدها، وإنما من كونه العمل الذي ينبغي أن يقوم به بين يدي الله. عليه أن يبذل، أما الثمرة فليست إليه. وهذا معنى نحتاجه حين تضطرب الأحوال، وتتراكم النكسات، ويشيع خطاب اليأس: ما جدوى التربية وسط هذا الفساد؟ وما جدوى التعليم مع هذا الجهل؟ وما جدوى الإصلاح إذا كان الخراب أسرع؟ وما جدوى الكلمة إذا غلب الضجيج؟ الجواب: اغرس فسيلتك. ربِّ طفلًا واحدًا، وعلّم طالبًا، وأصلح فكرة، واكتب كلمةً نافعة، وأغث محتاجًا، وابنِ ما تستطيع بناءه، ولو بدا لك أثر عملك ضئيلًا أمام اتساع الخلل. فالرسالية الحقة أن تعرف واجبك حين تضطرب النتائج، ثم تظل وفيًّا له، وهذا منطق لا يفهمه اليائس؛ لأن اليائس يسأل دائمًا: ماذا ستغيّر فسيلتي؟، أما صاحب اليقين فيسأل: ماذا يريد الله مني الآن؟

حاول أن تكون واحدًا من ثلاثة: هاديًا، أو مُهديًا، أو مُسلّيًا. اهدِ من يسألك إلى خير ما تعرفه في أمر دينه ودنياه، ولا تحتكر تجربةً قد تختصر عليه طريقًا، ولا علمًا قد يبدد عنه الحيرة. وأهدِ القارئ شيئًا مما وهبك الله: فكرةً ناضجة، أو علمًا نافعًا، أو حكمةً التقطتها من كتاب، أو أدبًا رقّق قلبك، أو تجربةً دفعت ثمنها من عمرك؛ فرب كلمة تنشرها عابرةً تقع في قلب إنسان في موضع حاجته إليها. وسلِّ عن المُثقَلين؛ فقد يكون الإنسان مثقلًا، فيحتاج حكايةً لطيفة، أو طرفةً مؤدبة، أو خبرًا جميلًا يعيد إلى روحه شيئًا من خفتها. ثم احذر أن تتحول هذه المساحات من أبواب للنفع إلى ميادين للخصومة وإثبات الذات؛ فتتعصب لشخص، أو تتكلف الانتصار لجماعة، أو تشتد لتثبت انتماءك، حتى يصبح الطعن بطولةً، والفظاظة صراحةً، والإجحاف غيرةً، وسوء الأدب قوةً في الحق. وقد وضع القرآن ميزانًا بالغ الدقة للكلمة فقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وقال: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. وكم أسقط التعصب أشخاصًا كانت لهم في النفوس منزلة؛ فما إن دخلوا معارك الانتماءات حتى أخرجت الخصومة أسوأ ما في لغتهم، واستبدلوا بالإنصاف التحيز، وبالعلم المهاترة، وبالسكينة ضجيجًا لا ينتهي. فاسأل نفسك قبل أن تنشر أي كلمة على فضائك الرقمي: هل أهدي بهذا إنسانًا، أم أهديه شيئًا، أم أخفف عنه؟ أم أنني أبحث عن انتصار صغير لنفسي وجماعتي؟ فالمنصات تكشف المقاصد مع طول الصحبة؛ ومن جعل غايته نفع الناس رقَّت عبارته واتسع إنصافه، ومن جعل غايته إثبات نفسه أفسدته الخصومات ولو بدأها باسم الحق.

الصلاة دواء القلوب.. كيف ذلك؟ تأمل كيف جمع الله بعد ذكر السهو عن الصلاة مرضين من أمراض القلوب والسلوك: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 5-7]، سترى أن الرياء والشح يتعلقان بنظر الخلق، وبما في اليد. هنا تلمس أن الصلاة، إذا أقامها العبد على حقيقتها، يجد فيها تربيةً يومية على مقاومة هذين الداءين. يكرر المصلي في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ فيتعلم أن العبادة لله وحده، وأن العمل لا يحتاج حتى تكون له قيمة إلى إعجاب الناس ولا ثنائهم. وكلما رسخ معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في القلب، ضعف افتقاره إلى أعين الخلق. ثم يقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فيتعلم أن خزائن الرزق ليست فيما قبضت يداه، وأن بقاء النعمة لا يحفظه الشح، وأن الذي أعطاه قادر على أن يخلف عليه ما أنفق. وكلما قوي افتقار القلب إلى الله، هان عليه البذل مما في يده. ولهذا لا ينبغي أن تمر الصلاة على قلوبنا بلا أثر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. إذا وجدت في نفسك تعلقًا شديدًا بنظر الناس، أو شحًا بما آتاك الله، فلا تنظر إلى الصلاة باعتبارها واجبًا منفصلًا عن هذه الأمراض؛ ارجع إليها لتداوي بها قلبك: أصلح حضورك، وجدّد إخلاصك، وتدبر ما تقوله بين يدي الله. الصلاة إعادة بناء متكررة للقلب: تحرره من عبودية نظر الناس بـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن وهم الاستغناء بما يملك بـ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. الصلاة دواء؛ ولا يظهر أثر الدواء إلا حين يدخل إلى موضع الداء.

من تمام الثقة بالله أن تدعوه بما لا تلوح لك أسبابه، ولا ترى في واقعك مقدماته؛ لأنك حين تدعو الله، فإنك تسأل من بيده الأسباب ومسبباتها جميعًا، وهذا المعنى ظاهر في دعوات الأنبياء عليهم السلام. دعا زكريا عليه السلام بالولد وقد بلغ من الكبر عتيًا، وكانت امرأته عاقرًا، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]. كانت الأسباب الظاهرة تقول: بعيد، لكن معرفته بالله كانت أوسع من معرفته بالأسباب، فجاء الجواب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: 90]. ودعا إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع أن يجعل الله أفئدةً من الناس تهوي إلى أهله، وأن يرزقهم من الثمرات [إبراهيم: 37]؛ دعاءٌ بالرزق في موضع لا ترى العين فيه زرعًا ولا ماءً ولا أسباب عمران. وقال موسى عليه السلام حين أدركه البحر، ورأى أصحابه جيش فرعون وراءهم فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فأجاب بيقين لا تحكمه موازين اللحظة: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62]. من اليقين أن ترى الأسباب، وأن تأخذ بها. وكمال اليقين ألا تجعل حدود الأسباب حدودًا لقدرة الله. خذ بالأسباب حتى تستنفد وسعك، ثم لا تجعل فقرها سببًا لفقر دعائك. ولا تقل: كيف يحدث هذا؟ ومن أين يأتي؟ وما الطريق إليه؟ فهذه أسئلة تحكمها معرفتك المحدودة، أما خزائن الله فلا تحكمها معرفتك. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: 7]. اسأل الله حاجتك وإن لم تر طريقها، واسأله الفرج وإن أُحكمت أبواب أسبابه، واسأله الهداية لمن استبعدت هدايته، والإصلاح لما استعصى عليك إصلاحه، والرزق من حيث لا تحتسب.

إذا كان الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها، فالأصح أن تُقاس نهضة المجتمعات بدقة الإجابة عن سؤال: أيُّ إنسان تصنعه هذه التنمية؟ قد يرتفع الدخل ويزداد الاستهلاك وتتقدم التقنية، بينما يتسع في داخل الإنسان فراغ المعنى، وتضعف روابطه الأسرية والاجتماعية، ويصبح أكثر قلقًا ووحدةً وحيرةً في الغاية التي يعيش من أجلها. عندئذ نكون قد حسّنا شروط الحياة ولكننا لم نجب عن سؤال: لماذا نحيا أصلًا؟ وهنا تظهر قيمة المنظور الأسلامي للإنسان؛ فهو ينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا ذا غاية ومسؤولية ورسالة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. يمنح الدين الإنسان إجاباتٍ للأسئلة التي تعجز مؤشرات التنمية المادية عن الإجابة عنها: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما معيار الخير؟ ولأي شيء أبذل عمري؟ وما قيمة عملي وألمي وعطائي؟ وإلى أين تنتهي الرحلة؟ ومن هنا يصبح إصلاح الإنسان مؤسسًا للتنمية، لأن المجتمع يحمله بشرٌ تحدد أخلاقهم كيف يستخدمون التنمية، فالعلم بلا أمانة قد يتحول إلى أداة ضرر، والمال بلا قيم يتحول إلى جشع، والسلطة بلا ضمير تصبح ظلمًا، والتقنية بلا غاية قد تزيد قدرة الإنسان دون أن تزيد حكمته. قد تستطيع الحضارة أن تمنح الإنسان وسائل العيش، لكن يبقى الدين قادرًا على أن يمنحه شيئًا أعمق: المعنى الذي يستحق أن يعيش من أجله، والميزان الذي يعرف به كيف يعيش.

هذه قاعدة تربوية ونفسية ثمينة جداً: " الشخص الذي يتجنب أغلب المشاق، يصبح أقل استعداداً لتحملها". ويمكن تطبيقها في التربية: 1. إن حرمت طفلك من المشاق اضعفته أمامها مستقبلاً. ٢. وإن قدمت له كل حل أضعفت عقله عن التعامل مع المشاكل. ٣. وإن لم تكلفه بمهام داخل البيت أو خارجه قتلت جسده. وفي الزواج: ١. إن تجنبت النقاشات الحرجة والمشكلة كبرت وتعقدت ، وعجزت عن مواجهتها مستقبلاً. ٢. إن تنزلت دوماً أضعفت قدرة شريكك على تحمل مسؤولية العلاقة. ٣. وإن لم تتحمل مشقة الإدخار والانضباط المالي، ضعفت قدرة الأسرة على مواجهة الازمات الحياتية مستقبلاً. عمار سليمان

هنيئًا لمن جعل الله لنفسه نصيبًا من الدلالة على الخير، وإن لم يكن صاحب المال الذي يُبذل، وهنيئًا لمن يطرق أبواب الأغنياء ليذكّرهم بحق الفقير، ولمن يصل صاحب النعمة بصاحب الحاجة، ولمن يسعى في مشروع نافع حتى يستوي ويؤتي أكله وثمره، وللعاملين الأمناء في الجمعيات والمؤسسات الخيرية الذين يحفظون أموال المتصدقين، ويضعونها في مواضعها، ويبلغون بها مستحقيها. الخير أوسع من أن ينحصر أجره في صاحبه الأول؛ قد تبدأ الصدقة من مال إنسان، ثم يشترك في أجرها من دلّ عليها، ومن أعان عليها، ومن حمل أمانتها وأوصلها إلى موضعها، كلٌّ بحسب عمله ونيته. قال النبي ﷺ: «الخازن المسلم الأمين، الذي ينفذ ما أُمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا، طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمر له به، أحد المتصدقين» متفق عليه. تأمل وصفه ﷺ: الأمين؛ فالعامل في أموال الخير يحتاج الإحسان، ومعه الأمانة التي تحفظ المال، والدقة التي تحفظ الحقوق، والنفس الطيبة التي لا تمنّ على الناس بما ليس من مالها. بيّن ابن تيمية رحمه الله معنى دقيقًا في الحديث: أن الخازن الأمين وافقت إرادته إرادة صاحب الصدقة، ثم فعل ما يقدر عليه من الامتثال وإيصال المال، فكان بذلك "أحد المتصدقين". وهذا يفتح أبوابًا واسعة لمن لم يملك المال: كن سببًا. دلّ غنيًا على حاجة، وعرّف صاحب قدرة بمشروع نافع، وانقل حاجة مستحق بأمانة، وابذل خبرتك ووقتك وعلاقاتك في إقامة أبواب الخير؛ فقد يكتب الله لك من الأجر بسبب مالٍ لم تملكه، لكنك كنت سببًا في وصوله إلى موضعه. وقد قال ﷺ: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم. فلا تستصغر موقعك في سلسلة الخير؛ فقد يكون المال من يد غيرك، ويجري الله على يديك سببه، ويكتب لك من الأجر ما لم تكن تتوقعه.

من أشد مشاهد العقوبة التي قصّها القرآن مشهد قوم لوط؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ۝ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 82-83]. تأمل شدة المشهد: قُلبت القرى حتى صار عاليها سافلها، ثم أُتبعت بحجارة من سجيل، وجاء الوصف المهيب: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي معلَّمة ومعدّة للعذاب، كما ذكر المفسرون. لكن موضع الخوف الأشد يأتي في خاتمة الآية: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. لقد أبقى القرآن العبرة مفتوحة لكل من يأتي بعد الحادثة، وقد نُقل عن قتادة في تفسيرها: "وما هي من ظالمي هذه الأمة ببعيد"، والمقصود أوسع من أن نجزم بأن كل كارثة تقع بالناس عقوبة مخصوصة؛ فهذا من الغيب الذي لا يُقطع به بلا دليل. وإنما المقصود أن سنن الله في الظلم والفساد ليست مادةً للفرجة على أخبار الأمم السابقة، وأن المؤمن حين يقرأ آيات العذاب ينبغي أن يخاف على نفسه، ويتوب من ظلمه ومعصيته. والقرآن حين يعرض مشاهد الهلاك يريد أن يصنع في القلب يقظة: كيف انتهى بهم الطريق إلى هذا المصير؟ وكيف أحمي نفسي وأهلي من أسباب سخط الله؟ قال تعالى بعد ذكر عدد من الأمم المكذبة: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: 101]. فإذا مررت بآيات العقوبات، فاقرأها بقلب الخائف: ماذا تريد هذه الآية أن تغيّر فيَّ أنا؟ والمرعب في قوله تعالى ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أن المسافة بين الإنسان والعقوبة مسافةٌ بينه وبين أسبابها.

تأمل قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]. وانظر كيف وصفهم الله بالسفه، ومع ذلك لم تُترك مقولتهم بلا جواب؛ بل حكاها القرآن، ثم نقضها وأقام في مقابلها الحجة. وفي هذا معنى تربوي وفكري دقيق، وهو أن خطورة الفكرة تقاس بمقدار نفاذها إلى الناس وقدرتها على إحداث الالتباس في عقولهم. فقد تصدر الشبهة عن ضعيف العلم والحجة، ثم تبلغ جمهورًا واسعًا، ويمنحها التكرار والانتشار من القوة ما لم يمنحها إياه الدليل. ولهذا لا يصح أن تكون قاعدة التعامل مع الباطل: قائله سفيه فلا نجيبه. فقد يكون السكوت حكمةً حين تكون المقالة ميتة لا يكاد يسمعها أحد، ويكون الرد ضرورةً حين تنتشر الشبهة ويُخشى أن يلتبس بها الحق. لكن القرآن يعلّمنا كذلك كيف يكون الرد؛ فلم ينشغل بالحديث عن ذات السفيه، وإنما أجاب عن مقالته: ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. فالمقصود هداية المتلقي وكشف الخطأ. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. وقد عرفت الأمة هذا المسلك عبر تاريخها؛ فنشأت كتب الردود والمناظرات ونقض المقالات، حمايةً لأصول الاعتقاد والعلم من الشبه. ولم يكن المقصود أن يُجاب كل متكلم، بل ألا يُترك الباطل المؤثر حتى يستقر في أذهان الناس لغياب من يكشفه. زن الرد بميزان المصلحة: انظر إلى الشبهة وانتشارها وأثرها، لا إلى منزلة قائلها وحدها؛ وردَّ على الفكرة بما يكشف فسادها، ولا تجعل السفيه بخصومته هو محور القضية. فقد يكون تجاهل السفيه حكمة، لكن تجاهل الشبهة النافذة لمجرد سفه صاحبها قد يترك لها من الميدان ما لا تستحقه.

الأمانة أوسع من حفظ الأموال، ولو كانت الأمانة أن تؤدي المال إلى صاحبه وأنت مستغنٍ عنه، أو تنجز العمل وأنت قادر عليه، لهان بلوغ شيء من غايتها على كثير من الناس. لكن حقيقة الأمانة تظهر حين يقع الابتلاء على أضعف موضع فيك، ويطرق الباب الذي تميل نفسك إلى فتحه، ثم يمنعك خوف الله مما تشتهي. الأمانة ليست في الأموال والعقود وحدها، فكل شيء حولك أمانة، حتى الجوارح أمانات أيضًا. العين أمانة، والأذن أمانة، واللسان أمانة، والسر الذي أودعه إنسان عندك أمانة، والمنصب أمانة، والعلم أمانة، والقدرة التي منحك الله إياها أمانة. ولهذا جاء الأمر القرآني بحفظ البصر صريحًا: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]. فقد يكون الرجل أمينًا في ملايين تُودع بين يديه، ثم لا يكون أمينًا على نظرة لا يراه فيها أحد. وقد يتورع عن درهم ليس له، ثم يطلق عينه فيما حرّم الله، كأن الأمانة تنتهي عند حدود المال. والميزان الأدق للأمانة هو: ماذا تفعل بحق الله حين تنفرد، وتتهيأ المعصية، وتقدر عليها، ولا يقف بينك وبينها إلا علمك بأن الله يراك؟ قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. وهنا يبلغ معنى الأمانة ذروته: أن تكون أمينًا حين تستطيع الخيانة، عفيفًا حين تتاح الشهوة، صادقًا حين ينجيك الكذب، منصفًا حين يمكنك الظلم، ومراقبًا لله حين تغيب عيون الخلق. لا تقل عن نفسك: أنا أمين، لأنك رددت المال وأوفيت العقد فحسب؛ وانظر إلى جوارحك حين تخلو، فإن أمانة السر أشد امتحانًا من أمانة العلن، ومن حفظ حدود الله حيث لا يراه الناس فقد عرف من الأمانة معناها الأعمق.

تأمل كيف جمعت سورة الماعون بين فسادين متلازمين: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 5-7]. اختل ما بينهم وبين الله، فظهر الخلل فيما بينهم وبين الناس. ﴿يُرَاءُونَ﴾ أي أنهم: يعملون العمل وأعينهم متعلقة بنظر الخلق؛ يطلبون منزلتهم في القلوب بدل أن يخلصوا العمل لرب القلوب. ثم ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فهم يضنون عن الخلق بالمعروف اليسير، فلا أصلحوا باطنهم، ولا رحموا الناس بإحسان معاملتهم. والصلاة في أصل معناها أعظم صلة متكررة بالله؛ يعود العبد إليها خمس مرات في يومه، فينخلع من زحام الخلق، ويقف بين يدي ربه، ويكرر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فإذا صلحت هذه الصلة أورثت القلب إخلاصًا، وأثمرت في السلوك إحسانًا. تأمل دقة التعبير: فقد قال: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وقد فسر السلف ذلك بالتضييع والتفريط عنها وعن أوقاتها، لا مجرد السهو العارض داخل الصلاة. ومن لطيف التدبر أن القلب إذا لم يطلب منزلته عند الله، اشتد طلبه لمنزلته عند الناس؛ ومن لم يستغنِ بنظر الله إليه، أتعب نفسه باستجلاب أنظار الخلق إليه. فاحرس صلاتك؛ باعتبارها الموعد الذي تُصلح فيه كل يوم أصل العلاقة بالله. فإذا استقامت صلة القلب بالله، هان عليه أن يراه الناس أو يغفلوا عنه، وأقبل على الخلق محسنًا لا مستجديًا إعجابهم؛ وإذا فسدت الصلة، فقد يبحث القلب بين الناس عما لا يجده إلا عند الله.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. ارفع يديك وادع الله، ولا تنتظر حتى تصبح كما تتمنى أن تكون، وادع الله وإن أثقلتك الذنوب؛ فلا تجعل تقصيرك حجابًا يمنعك من باب من يغفر التقصير. وادع الله وإن ضعفت طاعتك، واضطرب قلبك، وقلّ خشوعك؛ فإنك تدعوه لأنك عبده ومحتاج وفقير إليه. وادع الله وإن رأيت في نفسك من موانع الإجابة ما رأيت؛ فتب منها، واستغفر، وأصلح ما استطعت، لكن لا تقل: سأصلح نفسي أولًا ثم أدعو. بل ادعه أن يصلحك، واستعن به على الطريق. قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]. والاضطرار موقف خارجي، ومقام قلبي يبلغ فيه الإنسان حقيقة معرفته بنفسه: لا حول لي يا رب دونك، ولا قوة لي إلا بك، ولا أملك لنفسي هدايةً ولا رزقًا ولا فرجًا ولا ثباتًا إلا أن تهبني إياه. قد يملك الإنسان المال والأسباب والناس من حوله، ثم يكون مضطرًا إلى الله؛ لأنه أدرك أن الأسباب كلها فقيرة مثله، وأن الله وحده هو الغني. فإذا دعوت، فلا تنظر كثيرًا إلى أهليتك للعطاء؛ انظر إلى سعة رحمة الله. ولا تجعل معرفتك بذنوبك أقوى في قلبك من معرفتك بمغفرته، فادع الله دعاء من انقطعت من قلبه الحبال إلا حبله، وأُغلقت في نفسه الأبواب إلا بابه، وعلم أن فقره إلى الله حقيقة وجوده كلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

إنكار التلبس | لماذا وافق فقهاء معاصرون المعتزلة؟ عرض ونقد تناقش هذه الحلقة التأصيل العقدي لمسألة "المس والتلبس" في ضوء القرآ
إنكار التلبس | لماذا وافق فقهاء معاصرون المعتزلة؟ عرض ونقد تناقش هذه الحلقة التأصيل العقدي لمسألة "المس والتلبس" في ضوء القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة، وتستعرض الموقف التاريخي لجمهور علماء الإسلام عبر العصور، مع بيان الآراء المخالفة كالمعتزلة وابن حزم. كما تتناول الحلقة بالقراءة والتحليل العلمي الموقف الفكري للشيخين الراحلين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي رحمهما الله، وموقف بعض المفكرين المعاصرين من هذه المسألة، مع الرد العلمي والمنهجي عليها. 📌 تنويه وإخلاء مسؤولية: الطرح في هذه الحلقة هو مناقشة فقهية وعقدية وتاريخية بحتة، ولا يُغني عن الاستشارات الطبية المتخصصة. إعداد وتقديم أحمد دعدوش https://youtu.be/Gv8vBol0EAU?is=2WqUZ1nJ_U-z23ji

أيامنا تمر سراعًا كمرور السحاب، أسبوعٌ يطوي أسبوعًا، وشهرٌ يسبق شهرًا، وعامٌ يمضي وكأننا استقبلناه بالأمس ثم نراه مودِّعًا. إن المخيف في سرعة الزمن أن الذي ينقضي معها أعمارنا وأوقاتنا المهدورة فننقضي معها؛ فكل يوم يمضي يأخذ معه جزءًا من أعمارنا لا يعود، ويقرّبنا خطوةً من موعد لقاء الله الذي لا نعرف متى يكون، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: 37]، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. وهنا موضع الخوف: أن يمضي العمر ونحن في خضم التأجيل؛ نقول: سنحفظ القرآن لاحقًا، ونتوب لاحقًا، ونصل أرحامنا لاحقًا، ونصلح قلوبنا لاحقًا، ونبدأ ذلك الخير حين تستقر الحياة... والحياة لا تستقر، وإنما تنقضي. لا تجعل ملاحظة سرعة الأيام سببًا للفزع المجرد، وإنما اجعلها باعثًا على العمل. أصلح اليوم شيئًا أفسدته بالأمس، وردّ مظلمة، واترك ذنبًا، وافتح مصحفًا، وصل رحمًا، وأكثر من عمل خفي بينك وبين الله. قال النبي ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" [أخرجه البخاري] فتأمل، إن سرعة انقضاء العمر لموعظة تكفي وحدها لمن عقلها؛ وانظر لكل صباح تستيقظ فيه كأنك أُعطيت فيه قطعةً جديدة من عمرك، تُسترد منك عند المساء إلى الأبد. اللهم بارك لنا فيما بقي من أعمارنا، واغفر ما مضى منها، وثبّتنا حتى نلقاك، وارزقنا حسن العمل وحسن الختام.

وأنتم الفقراء إلى الله، تأمل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. لو تدبّر المزهِّد في علوم الشريعة هذه الآية حق التدبر، لعلم أن فقر الإنسان لا يقتصر على الرزق المادي الذي يطلبه، أو التعافي من مرض يرجو شفاءه، أو زوال الشدة التي ينتظر كشفها؛ بل إن أعظم فقره إلى الله فقر قلبه إلى معرفته وهدايته. ما أعظم أن فقر المرء إلى أن يعرف ربَّه وأسماءه وصفاته، وما يحبه ويرضاه، وما يقرب إليه وما يبعد عنه. ويفتقر إلى أن يعرف كيف يعبده، وكيف يصلح قلبه، وكيف يميز الحق عند اشتباه السبل، وكيف يسير إليه على بصيرة. قد يشبع البدن ويبقى القلب فارغًا من أي غذاء روحي، ويستغني الإنسان بالمال ولكنه من أفقر الناس إلى الهدى، وقد يحوز من علوم الدنيا ما يرفع منزلته بين الخلق، لكنه يجهل أقل الأمور التي قد تصلح أمره مع خالقه. ومن هنا يظهر شرف العلم بالدين؛ فهو علم بحقيقة الفقر الإنساني، وبالطريق إلى الغني الجليل سبحانه. وكلما ازداد العبد معرفةً بالله، ازداد إدراكًا لفقره إليه؛ فلا تورثه المعرفة استغناءً، وإنما افتقارًا وعبودية. ولهذا قال النبي ﷺ: "مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهه في الدين" [متفق عليه]. فجعل التفقه في الدين من علامات إرادة الخير بالعبد، ولم يجعل المعيار كثرة حظه من الدنيا؛ فقد تُبسط الدنيا لمن يحب الله ولمن لا يحب. أيها الإنسان، لا تزهد في علم يعرّفك بالله وإن امتلكت العلم الذي يعينك على الدنيا؛ فحاجتك إلى ما يقيم قلبك أشد من حاجتك إلى ما يقيم جسدك، لأن العلم بالله وشرعه، إذا أورث إيمانًا وعملًا، دلّك على الطريق الذي تلقى الله به.

حقيقة التحصيل عند طالب العلم لا تظهر إلا بأربعة أحوال كبرى: يدرس، أو يدرّس، أو يتدارس، أو يمارس. وما وراء ذلك من اقتناء الكتب، وجمع الفوائد، ومتابعة الدروس، وكثرة الحديث عن العلم؛ إن لم يُفضِ إلى واحد من هذه المسالك، بقي في دائرة الوسائل والتحسينات، وربما تحول إلى صورة علمية بلا ثمرة. ادرس؛ وأقم دراستك على مسارين: الحفظ لكي يثبت أصول العلم، وفهم يكشف معانيه وروابطه. فلا يغني حفظ بلا فقه، ولا يستقيم فهم لا يملك صاحبه مادةً علمية راسخة يرجع إليها. ودرّس إذا تأهلت؛ فإن التعليم طريق إلى استكماله. وما أكثر مسألة ظننت أنك أحكمتها، حتى حاولت شرحها لغيرك، فانكشفت لك فجوات لم تكن تراها. ودارس أهل العلم وأقرانك؛ ذاكرهم، وباحثهم، واعرض عليهم فهمك. فالعلم الذي يبقى حبيس الذهن قد يوهم صاحبه بالإتقان، فإذا دخل ميدان السؤال والاعتراض والمناقشة ظهر مقدار رسوخه. ثم مارس العلم؛ ابحث، وحقق، واكتب، وصنّف، وحل المشكلات العلمية بأدوات تخصصك. فالمعرفة تبلغ طورًا آخر حين تنتقل من التلقي إلى الإنتاج، ومن فهم أجوبة السابقين إلى القدرة على بناء السؤال وتحليل الأدلة وإضافة شيء يستحق البقاء. ومن هنا كانت المذاكرة والتعليم والكتابة من وسائل تثبيت العلم عند العلماء، وجاء في القرآن أصل التعليم بعد التعلم: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]. لا تقِس حياتك العلمية بعدد الكتب التي اشتريتها، ولا بالساعات التي قضيتها بين المقاطع والمحاضرات، ولا بكثرة ما حفظت في أجهزتك. اسأل عن الأثر: ماذا درست ففهمت؟ ماذا درّست فثبّتَّ؟ ماذا دارست فنضج؟ وماذا مارست فأضفت؟ فالعلم ينمو بكثرة مدارسته وتدريسه ومباشرته

للقلوب وحشة، لكنها على أنواع.. فقد يجد المؤمن الحي في قلبه وحشةً بعد ذنب أو غفلة؛ فيستثقل البعد، ويفتقد لذة المناجاة، ويشعر أن شيئًا انكسر بينه وبين ربه. وهذه الوحشة، على ألمها، غالبا ما تكون علامة حياة في القلب؛ لأن القلب الذي يحب الله يتألم إذا ابتعد عنه، كما يستوحش المحب إذا جفا محبوبه. فتراه لا يطيق المقام طويلًا في موضع البعد؛ يستغفر، ويتوب، ويستدرك ما فاته، ويطرق باب ربه خائفًا راجيًا، وكأن لسان حاله قول موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84]. وهناك وحشة أخرى خطيرة: وحشة القلب الذي طال عليه البعد حتى ألفه. يذنب فلا يتألم، وتفوته الصلاة فلا يحزن، وتمر الأيام دون طاعة أو تلاوة للقرآن فلا يشتاق، ويخلو بمعصيته فلا تستيقظ في داخله مراقبة، ثم يستمر حتى تصبح الغربة عن الله حاله المألوفة. أي نعم، كل بني آدم يخطئ، ولكن المصيبة في فقدان الألم والندم بعد الذنب، وفي أن يستقر الإنسان بعيدًا فلا يشتاق الرجوع إلى رب العالمين. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22]. فإذا وجدت في قلبك وحشةً بسبب تقصيرك، فقد تكون هذه الوحشة رحمةً جاءت توقظك. اسأل نفسك: ما الذي تغير؟ أي ذنب أظلم القلب؟ أي ورد تركته؟ أي باب بينك وبين الله أوصدته بيدك؟ ثم ارجع سريعًا؛ بركعتين، واستغفار، وتلاوة للقرآن، وصدقة خفية، وترك ذنب تعرفه بينك وبين الله. وخف على قلبك، من أن يعصي فلا يستوحش؛ فبقاء ألم البعد دليل على أن في القلب بقيةً من الشوق، وأشد الغربة أن يبتعد الإنسان عن الله ثم لا يشعر أنه غريب.