ar
Feedback
أُفق المعرفة | صناعة الوعي

أُفق المعرفة | صناعة الوعي

الذهاب إلى القناة على Telegram

قناة فكرية ثقافية تخاطب العقل الإنساني الواعي / د. يحيى عبد الحسن هاشم @yahyahashim

إظهار المزيد
842
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
-17 أيام
لا توجد بيانات30 أيام
جذب المشتركين
سبتمبر '26
سبتمبر '26
+15
في 1 قنوات
أغسطس '26
+10
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '26
+21
في 1 قنوات
Get PRO
يونيو '26
+10
في 2 قنوات
Get PRO
مايو '26
+8
في 1 قنوات
Get PRO
أبريل '26
+5
في 0 قنوات
Get PRO
مارس '26
+14
في 2 قنوات
Get PRO
فبراير '26
+14
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '26
+23
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '25
+60
في 0 قنوات
Get PRO
نوفمبر '25
+47
في 1 قنوات
Get PRO
أكتوبر '25
+18
في 0 قنوات
Get PRO
سبتمبر '25
+28
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '25
+9
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '25
+14
في 0 قنوات
Get PRO
يونيو '25
+22
في 0 قنوات
Get PRO
مايو '25
+15
في 0 قنوات
Get PRO
أبريل '25
+51
في 1 قنوات
Get PRO
مارس '25
+31
في 1 قنوات
Get PRO
فبراير '25
+15
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '25
+17
في 2 قنوات
Get PRO
ديسمبر '24
+26
في 1 قنوات
Get PRO
نوفمبر '24
+18
في 0 قنوات
Get PRO
أكتوبر '24
+29
في 1 قنوات
Get PRO
سبتمبر '24
+70
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '24
+15
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '24
+20
في 0 قنوات
Get PRO
يونيو '24
+18
في 0 قنوات
Get PRO
مايو '24
+37
في 0 قنوات
Get PRO
أبريل '24
+29
في 0 قنوات
Get PRO
مارس '24
+29
في 0 قنوات
Get PRO
فبراير '24
+56
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '24
+118
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '23
+108
في 0 قنوات
Get PRO
نوفمبر '23
+7
في 1 قنوات
Get PRO
أكتوبر '23
+19
في 0 قنوات
Get PRO
سبتمبر '23
+41
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '23
+75
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '230
في 0 قنوات
Get PRO
يونيو '23
+1
في 0 قنوات
Get PRO
مايو '23
+1
في 0 قنوات
Get PRO
أبريل '23
+5
في 0 قنوات
Get PRO
مارس '23
+24
في 0 قنوات
Get PRO
فبراير '23
+11
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '23
+6
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '22
+1
في 0 قنوات
Get PRO
نوفمبر '22
+12
في 0 قنوات
Get PRO
أكتوبر '22
+4
في 0 قنوات
Get PRO
سبتمبر '22
+4
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '220
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '22
+1
في 0 قنوات
Get PRO
يونيو '22
+1
في 0 قنوات
Get PRO
مايو '22
+2
في 0 قنوات
Get PRO
أبريل '22
+2
في 0 قنوات
Get PRO
مارس '22
+1
في 0 قنوات
Get PRO
فبراير '22
+1
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '22
+7
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '21
+3
في 0 قنوات
Get PRO
نوفمبر '21
+3
في 0 قنوات
Get PRO
أكتوبر '21
+6
في 0 قنوات
Get PRO
سبتمبر '21
+6
في 0 قنوات
Get PRO
أغسطس '21
+1
في 0 قنوات
Get PRO
يوليو '21
+1
في 0 قنوات
Get PRO
يونيو '21
+1
في 0 قنوات
Get PRO
مايو '21
+10
في 0 قنوات
Get PRO
أبريل '21
+7
في 0 قنوات
Get PRO
مارس '21
+4
في 0 قنوات
Get PRO
فبراير '21
+2
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '21
+4
في 0 قنوات
Get PRO
ديسمبر '20
+416
في 0 قنوات
التاريخ
نمو المشتركين
الإشارات
القنوات
28 سبتمبر0
27 سبتمبر+1
26 سبتمبر+2
25 سبتمبر0
24 سبتمبر0
23 سبتمبر+1
22 سبتمبر0
21 سبتمبر0
20 سبتمبر+1
19 سبتمبر0
18 سبتمبر0
17 سبتمبر0
16 سبتمبر0
15 سبتمبر0
14 سبتمبر0
13 سبتمبر0
12 سبتمبر0
11 سبتمبر+2
10 سبتمبر+1
09 سبتمبر0
08 سبتمبر0
07 سبتمبر0
06 سبتمبر0
05 سبتمبر+2
04 سبتمبر0
03 سبتمبر0
02 سبتمبر+2
01 سبتمبر+3
منشورات القناة
إقامة ندوة فكرية بعنوان: «المخيال والولادة الثانية للدين»
Anonymous voting

2
لا يوجد نص...
31
3
فكم من بيت بدأ بقليلٍ من المال، ثم امتلأ كثيرًا من السكينة. وكم من بيت امتلأ بالمال، وظلّ فقيرًا إلى المودة. الزواج ليس أن تملك كل شيء قبل أن تبدأ؛ الزواج أن تجد الإنسان الذي تستطيع أن تبني معه كل شيء.
50
4
♦️الزواج في المنظور القرآني سكنٌ ومسؤولية وبركة… فلا تُعَسِّروا الزواج على بناتكم ▫️د. يحيى عبدالحسن هاشم ليس الزواج في الرؤية الإسلامية حفلاً يُستعرض فيه المال، ولا منافسةً اجتماعيةً لإثبات القدرة أمام الناس، وإنما هو ميثاقٌ لبناء الإنسان والأسرة والحياة. والقرآن حين يتحدث عن الزواج لا يقدّمه بوصفه صفقةً مالية، وإنما يضع له غايةً إنسانيةً عميقة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فالأصل هو السكن والمودة والرحمة، لا كثرة الأثاث، ولا ضخامة المهر، ولا الإسراف في حفلات الزواج. وقد خاطب القرآن المجتمع بقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]. وهذه الآية شديدة الدلالة؛ لأنها تمنع أن يتحول الفقر إلى حاجز نفسي واجتماعي أمام الزواج، وتفتح باب الرجاء بالله تعالى. لكن الدقة تقتضي ألا نفهم الآية بمعنى: «تزوجوا مهما كانت الظروف ولو عجزتم عن الحقوق». فالقرآن نفسه يقول بعدها: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: 33]. إذن الرسالة القرآنية متوازنة: لا تجعلوا الثراء شرطًا للزواج، ولا تجعلوا العجز عن القيام بالمسؤوليات أمرًا يُستهان به. #الزواج ليس مشروعًا استهلاكيًا من أجمل ما ورد في تراث أهل البيت عليهم السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: «ما بُني بناءٌ في الإسلام أحبُّ إلى الله عز وجل من التزويج». وقد رواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 383، ح 4343، ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة، ج 20، ص 14، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث. وقال صلى الله عليه وآله: «مَن تزوّج أحرز نصف دينه، فليتقِ الله في النصف الباقي». رواه الشيخ الكليني في الكافي، ج 5، ص 328، ح 2 . ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة، ج 20، ص 16. والمعنى هنا ليس أن الزواج وحده يكمل الدين، وإنما أن الزواج يعين الإنسان على العفة والاستقرار، ثم تبقى عليه مسؤولية التقوى وحسن المعاشرة وسائر تكاليف الدين. #ومن أجمل النماذج: زواج علي وفاطمة عليهما السلام حين نقرأ المصادر الروائية عن زواج أمير المؤمنين علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام، نجد صورة بعيدة عن مظاهر الترف. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن عليًّا تزوّج فاطمة على جرد برد، ودرع، وفراش كان من إهاب كبش». وروي أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وآله زوّجهما على درع، وأن فراشهما كان من إهاب كبش. انظر: الكافي، الشيخ الكليني، ج 5، ص 77، ح 1، وبحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 43، ص 143-144. فلم تكن البساطة نقصًا في قيمة الزواج، كما أن قلة الأثاث لم تمنع أن يكون ذلك البيت من أعظم البيوت أثرًا في تاريخ الإسلام. #والرزق لا ينبغي أن يكون هاجسًا يمنع تكوين الأسرة ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم». وقد ورد في الكافي، ج 5، ص 329، ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 383، ونقله الحر العاملي في وسائل الشيعة، ج 20، ص 20. وهذا المعنى ينسجم مع الأصل القرآني: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]. فالإنسان لا ينبغي أن يعيش أسير الخوف من المستقبل، وكأن عليه أن يمتلك كل شيء قبل أن يبدأ حياته. لكن الثقة بالله لا تعني إلغاء التخطيط؛ فالإسلام يجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب، وبين الرجاء وتحمل المسؤولية. #البركة ليست في كثرة التكاليف ورد في التراث الإمامي: «من بركة المرأة قلة مهرها، ومن شؤمها كثرة مهرها». وقد أورده الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة في أبواب المهور، مع نسبته إلى الشيخ الصدوق. وهنا ينبغي التفريق بين المهر المشروع الذي هو حق للمرأة، وبين تحويل الزواج إلى منظومة من الشروط والتكاليف التي تثقل كاهل الزوجين والأسرتين. فالمطلوب ليس إلغاء المهر، ولا إهدار حق المرأة، وإنما رفع المبالغة التي تجعل المال شرطًا اجتماعيًا للقبول بالزواج. لذلك... تزوّجوا حين تجدون الدين والخلق والمسؤولية والقبول، ولا تجعلوا السيارة الفاخرة شرطًا، ولا البيت الكبير شرطًا، ولا الحفل الباذخ شرطًا، ولا أن تكون الحياة مكتملة من يومها الأول. ابدؤوا بما تستطيعون. ابنوا بيتكم خطوةً خطوة. فالبيت الناجح لا يصنعه حجم الأثاث، وإنما تصنعه المودة والرحمة والعقل والوفاء وحسن العشرة. ولا تجعلوا حسابات الناس أقوى من ثقتكم بالله، ولا تجعلوا الثقة بالله ذريعةً لترك التخطيط والمسؤولية. تزوّجوا ببساطة، وخطّطوا بعقل، وتوكّلوا على الله، وابنوا الحياة معًا.
46
5
ياسيد الجنوب ... يحيى (1).wav
54
6
♦️رثاء في ذكراه الثانية يا سيدَ الجنوب… يحيى عبدالحسن هاشم ياسيد الجنوب .. قتلوك، لكنهم قتلوا أنفسهم قبل أن يقتلوك أطنانُ المتفجراتِ التي أمطروها عليك لم تكن تخيفك، فقد كان في قلبك من الإيمان ما هو أثقل منها، وفي روحك من الثبات ما لا تهزّه الجبال. كان صوتُك يُرعبهم، لا لأنه صوتُ رجلٍ يهدد، وإنما لأنه صوتُ رجلٍ لا يخاف. كنتَ تقف هادئاً حين تضطرب الدنيا، وتتحدث بثقةٍ حين يكثر الخوف، وتحمل وجع الناس في قلبك، كأنك أبٌ يضم أبناءه جميعاً. يا سيد الجنوب… غاب الجسد، لكن الصوت بقي، والموقف بقي، والكلمة بقيت، والسيرة بقيت، وبقيت في القلوب صورةُ رجلٍ عرف طريقه، فلم تَكسره العواصف، ولم تُسقطه التهديدات، ولم تُطفئ يقينه أطنانُ المتفجرات. رحمك الله يا سيد حسن، يا من كان الجنوبُ في قلبه، وكان الناسُ في قلبه، وكان الإيمانُ سرَّ ثباته. نم قرير العين… فقد مضيتَ كما أردتَ: ثابتاً، مؤمناً، صابراً، مرفوعَ الرأس. ارسمها ملصقا
56
7
كون أحراراً
كون أحراراً
59
8
♦️الدوائر الوجودية الثلاث.. تجليات سعة رحمة الله د. يحيى عبدالحسن هاشم لعلنا لم ندرك بعد فلسفة الموت وحقيقة الانتقال من نشأة إلى أخرى؛ فالإنسان يمر بثلاث دوائر وجودية، يتعلق بكل واحدة منها، ويحسب أنها عالمه الأسمى، وهو غافل عما أعده الله له في النشأة التالية من سعة الحياة والرحمة. الدائرة الأولى: عالم الرحم يعيش الإنسان في ظلمات الرحم، في عالم محدود، لا يدرك ما وراءه، ولو افترضنا امتلاكه الوعي والإدراك في تلك المرحلة، لتصور أن عالمه هو غاية وجوده، ولتعلق به وخشي مفارقته، وهو غافل عما ينتظره من سعة الدنيا وجمالها. الدائرة الثانية: عالم الدنيا ينتقل الإنسان بالولادة إلى عالم أوسع، فيتعلق بجماله وأحبتِه، ويرى فيه وجوده الأسمى، ويخشى مفارقته بالموت، وهو غافل عن حقيقة الحياة الباقية وما أعده الله لعباده المؤمنين من رحمة ونعيم يفوقان تصوره. الدائرة الثالثة: عالم الآخرة ينتقل الإنسان بالموت إلى نشأة أخرى، هي الحياة الحقيقية الباقية، التي وصفها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]. وهنا تتجلى المفارقة الوجودية؛ فالإنسان الذي كان يخشى فراق الدنيا، إذا أكرمه الله بالجنة، يجد حياة لا يريد مفارقتها أبدًا! قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 108]. فلماذا نخشى الانتقال من هذه الدنيا، ونحن نؤمن برب رحيم أعد لعباده المؤمنين حياة خيرًا منها وأبقى؟ إن الموت ليس انقطاعًا عن رحمة الله، وإنما انتقال إلى نشأة أخرى نرجو أن تشملنا فيها رحمته ولطفه ورضوانه. فلنحسن الظن بربنا، ولنجعل رجاءنا برحمته أوسع من خوفنا من الموت. أفق المعرفة | صناعة الوعي [https://t.me/yahya755](https://t.me/yahya755)
81
9
♦️فلسفة الموت.. في رحاب رحمة الله ولطفه ▫️ د. يحيى عبدالحسن هاشم الموت حق، وهو مفردة من مفردات حياتنا، ولعلنا لم ندرك بعد فلسفته إدراكًا كافيًا؛ فنحن ننظر إليه غالبًا من زاوية الفراق والفقد ونهاية الحياة، مع أن القرآن الكريم يفتح أمامنا أفقًا أوسع، ويكشف لنا أن الموت ليس فناءً للإنسان، وإنما انتقال من نشأة إلى نشأة أخرى، ومن حياة محدودة إلى حياة تتكشف فيها حقائق الوجود والمصير. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]. إن التعبير القرآني بـ«ذائقة الموت» يلفت أنظارنا إلى أن الموت حقيقة تمر بها النفس، ولا يعني انعدامها؛ فالإنسان الذي يذوق الموت هو نفسه الذي يلقى جزاء عمله في الحياة الأخرى. ولعل أجمل ما في فلسفة الموت أنه لا يخرجنا من رحمة الله، وإنما ينقلنا من طور من أطوار تدبيره إلى طور آخر. فالله الذي أحاطنا برحمته ونحن في هذه الدنيا، وأسبغ علينا نعمه، وستر عيوبنا، وفتح لنا أبواب التوبة والمغفرة، هو ربنا نفسه الذي نرجع إليه بعد الموت. قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [ الأنعام: 54]. فلماذا يعيش المؤمن أسير الخوف من الموت، وهو يعلم أن مصيره إلى رب رحيم، وأن رحمته أوسع من ذنوبه، وأن لطفه لا ينقطع بانقطاع حياته الدنيا؟ إن الإيمان بسعة رحمة الله لا يعني الغفلة عن الحساب أو التهاون في العمل، وإنما يحرر الإنسان من اليأس والخوف الذي يسلبه الطمأنينة، ويجعله يعيش بين مسؤولية العمل وحسن الظن بالله. الموت.. بين الرحمة والحياة الأخرى قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11]. تؤسس هذه الآية لحقيقة جوهرية في فلسفة الموت؛ فالوفاة ليست إعدامًا لحقيقة الإنسان، وإنما انتقال من الحياة الدنيا إلى نشأة أخرى، يكون فيها الرجوع إلى الله تعالى، وتنكشف للإنسان حقائق لم يكن يدركها في حياته الأولى. وإذا كان الموت انتقالًا إلى الله، فإن المؤمن يستحضر مع هذه الحقيقة سعة رحمة ربه ولطفه؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾[الأعراف: 156\]. فالموت في الرؤية الإيمانية ليس انقطاعًا عن رحمة الله، وإنما انتقال من حياة أحاطها الله بلطفه إلى حياة نرجو أن تشملنا فيها رحمته ومغفرته ورضوانه. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل عن وصف الموت، فقال: «هو للمؤمن كأطيب ريح يشمه، فينعس لطيبه، فينقطع التعب والألم كله عنه». المصدر: الشيخ الصدوق، الاعتقادات في دين الإمامية، باب الاعتقاد في الموت، وقد ورد الخبر أيضًا في عيون أخبار الرضا، ج 1، الباب 28، الحديث 9. إن هذا النص يفتح أمامنا أفقًا وجدانيًا عميقًا؛ فالموت الذي نخشاه قد يكون للمؤمن راحة من عناء الدنيا، وبداية حياة يلقى فيها من رحمة الله ما تقر به عينه ويطمئن به قلبه. الموت.. حين يتحول الخوف إلى رجاء لا ينبغي للمؤمن أن يستسلم للخوف من الموت، أو أن يتصور لقاء الله لقاءً مجردًا من الرحمة واللطف؛ فإن الذي خلقنا ورزقنا، وستر عيوبنا، وأمهلنا، وفتح لنا أبواب التوبة، هو الذي نرجع إليه. قال تعالى: ﴿ ...ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27–30]. تأملوا هذا النداء الإلهي، وما يحمله من معاني الطمأنينة والرضا والقرب؛ فالغاية التي يتطلع إليها المؤمن ليست مجرد النجاة من الموت، وإنما أن تكون عاقبته الرجوع إلى ربه راضيًا مرضيًا. وهذا الرجاء لا يلغي الخوف المسؤول الذي يدفع الإنسان إلى إصلاح نفسه، وإنما يمنع أن يتحول الخوف إلى يأس من رحمة الله. الموت.. درس في الحياة إننا نحزن حين نفقد أحبتنا، وتدمع أعيننا لفراقهم، غير أن إيماننا برحمة الله يجعل حزننا ممتزجًا بالرجاء، فلا نحكم على مصائرهم، ولا نغلق في وجوههم أبواب الرحمة التي فتحها الله لعباده. ولعل أعظم ما نتعلمه من الموت أن حياتنا قصيرة، وأن ما يستحق أن نحمله معنا هو ما قدمناه من خير ومحبة وعمل صالح. فلنكن أكثر رحمة بالناس، وأقرب إلى الله، وأحرص على إصلاح ما بيننا وبين الآخرين، ولنجعل ذكرى الراحلين باعثًا على الدعاء لهم والاعتبار بحياتهم. إن فلسفة الموت لا تدعونا إلى كراهية الحياة، وإنما تعلمنا كيف نحيا بوعي، وكيف نستقبل نهايتها بقلوب مطمئنة إلى رحمة الله ولطفه. اللهم ارحم أحبتنا الذين سبقونا إليك، واجعل قبورهم روضة من رياض رحمتك، وآنس وحشتهم، واغفر ذنوبهم، واجمعنا بهم في دار كرامتك ورضوانك. أفق المعرفة | صناعة الوعي
76
10
لا يوجد نص...
50
11
♦️المخيال الديني وإشكالية الولادة الثانية للدين دراسة نقدية في حدود التخييل وثبات الحقيقة الدينية ▫️د. يحيى عبدالحسن هاشم تمهيد | بين المخيال والحقيقة الدينية تتناول هذه الورقة البحثية إشكالية المخيال الديني وما يرتبط بها من مقولات حول «الولادة الثانية للدين»، في ضوء التمييز بين الدين بوصفه منظومة معرفية وعقدية وتشريعية، وبين التصورات البشرية التي تتشكل حوله بفعل العوامل التاريخية والاجتماعية والثقافية. إننا لا ننكر وجود المخيال في التجربة الدينية؛ فقد يضيف بعض الرواة إلى الوقائع التاريخية عناصر متخيلة، وقد تتشكل حول الشخصيات والأحداث والطقوس صور شعبية لا تستند إلى دليل معتبر. غير أن الاعتراف بوجود المخيال في بعض عناصر الموروث الديني لا يستلزم القول بأن الدين في أصوله وثوابته نتاج لهذا المخيال. وتكمن الإشكالية في انتقال بعض المقاربات من دراسة المخيال بوصفه ظاهرة إنسانية تستحق التحليل والنقد، إلى توظيفه في تفسير حقيقة الدين نفسه، دون التمييز بين منشأ التصورات البشرية وصدق ما تتعلق به من معتقدات. ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين المخيال في الإبستمولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، وبين الخيال في الشعر والقصة والسرد والسيميائيات؛ إذ تختلف وظائفه وحدود اشتغاله باختلاف الحقول المعرفية، ولا يصح نقل النتائج المتحصلة في أحدها إلى المجال العقدي دون برهنة مستقلة. كما ينبغي تحرير المقصود بمقولة «الولادة الثانية للدين»: فإن أُريد بها تجدد الفهم الديني، وإعادة قراءة التراث وتنقيته من العناصر الدخيلة، فهي عملية معرفية مشروعة في حدود ضوابطها. أما إذا أُريد بها إعادة إنتاج الدين نفسه، وجعل أصوله ومعتقداته الثابتة خاضعة للتحولات المستمرة للمخيال الإنساني، فإن هذه الدعوى تحتاج إلى دليل مستقل؛ إذ يترتب على إطلاقها إلغاء الحدود المعرفية الفاصلة بين الوحي والتصور البشري عنه، حتى لا يبقى للثابت الديني معنى محدد. أما مفاصل هذه الدراسة ومحاورها فتابع ذلك على قناة؛ افق المعرفة، صناعة الوعي https://t.me/yahya755
69
12
♦️بين الموبايل والسهر والكتاب.. أيُّ إنسان نصنع؟ 🍂د. يحيى عبدالحسن هاشم لم يعد الموبايل مجرد وسيلة للتواصل، فقد أصبح عند كثير من الشباب رفيق السهر، ومصدر التسلية، والنافذة التي يطلّون منها على العالم، حتى أخذ من أوقاتهم ما كان يمكن أن يُستثمر في القراءة والتعلّم وبناء الذات. إنّ المشكلة ليست في الموبايل بوصفه أداةً تقنية، وإنما في طبيعة استخدامه، حين يتحول إلى استهلاك متواصل للمحتوى، وسهر طويل، وتنقّل بين المنصات دون هدف معرفي واضح. وفي المقابل، يتراجع حضور الكتاب في حياة بعض الشباب، مع أنه يمنح العقل فرصة للتأمل والتحليل، ويُنمّي القدرة على التركيز والتفكير النقدي، ويُسهم في بناء شخصية أكثر وعيًا واستقلالًا. والنتائج التي ينبغي أن نتوقف عندها: 1. تراجع القدرة على التركيز نتيجة التشتت المستمر والتنقل السريع بين المحتويات. 2. اضطراب النوم والإرهاق الذهني حين يمتد استخدام الموبايل إلى ساعات متأخرة من الليل. 3. ضعف الاهتمام بالقراءة المتأنية، والاعتياد على المعلومات المختصرة والسريعة. 4. استنزاف الوقت الذي يمكن استثماره في التحصيل العلمي وتنمية المهارات والعلاقات الاجتماعية. 5. اتساع الفجوة بين كثرة المعلومات التي يتلقاها الإنسان وعمق المعرفة التي يمتلكها. إننا لا ندعو إلى هجر التكنولوجيا، وإنما إلى إعادة تنظيم علاقتنا بها؛ فالموبايل يمكن أن يكون مكتبةً معرفيةً واسعة، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لاستنزاف الوقت والعمر. وحين نعيد للكتاب مكانته، وللنوم انتظامه، وللتكنولوجيا وظيفتها الصحيحة، فإننا نؤسس لعقل أكثر تركيزًا، ووعي أكثر عمقًا، وإنسان أقدر على صناعة مستقبله. فالوقت الذي نمنحه للموبايل دون وعي، قد يكون هو الوقت الذي نحتاج إليه لبناء وعينا.
75
13
لا يوجد نص...
68
14
♦️السيد موسى الشبيري الزنجاني.. مسيرة علمية وتراث معرفي ▫️د. يحيى عبدالحسن هاشم يُعدّ آية الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني من أبرز أعلام الحوزة العلمية المعاصرة، وقد تميّز بمسيرته العلمية الحافلة بالبحث والتدريس والتحقيق، وعنايته الخاصة بعلم الرجال والدراسات الحديثية، إلى جانب بحوثه المعمّقة في الفقه والأصول. وقد اتسم منهجه العلمي بالدقة في تحقيق الأسانيد، واستقراء القرائن التاريخية والرجالية، والمقارنة بين الروايات، والتثبت من مصادرها، مما جعل لبحوثه أهمية خاصة في الدراسات الرجالية والحديثية. ومن أبرز آثاره العلمية موسوعة «الجامع في الرجال» في اثني عشر جزءًا، وتحقيقاته على كتاب «رجال النجاشي»، وبحوثه الفقهية والاصولية الاستدلالية، فضلًا عن دراساته في القواعد الرجالية والأصولية. إن تراثه العلمي يمثّل تجربة معرفية تستحق الدراسة والعناية، لما يتضمنه من منهج تحقيقي رصين، وما يقدّمه من إسهامات في خدمة الموروث الحديثي والفقهي، وتطوير أدوات البحث والاجتهاد. وفي الختام، ببالغ الحزن والأسى، ننعى رحيل هذا العالم الجليل، سائلين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ورضوانه، وأن يحشره مع محمد وآله الطاهرين. إنا لله وإنا إليه راجعون. [للاطلاع على مجموعة مؤلفاته وآثاره العلمية](https://www.noorshop.ir/ar/pr
80
15
لا يوجد نص...
103
16
إن جمال الإنسان لا يكمن في ادعائه الكمال، وإنما في أن يعرف حدوده، ويعترف بخطئه، ويحفظ إنسانيته، ويظل قادرًا على العودة إلى الحق. المصادر والمراجع 1. القرآن الكريم 2. العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم. 3. الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة، 1407هـ. 4. الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي (الصدوق)، دار الحديث، قم.
95
17
(الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، تفسير سورة البقرة، الآية 48، بحث الشفاعة؛ وج4، تفسير الآية 255). ويمكن أن نستخلص من هذا التأسيس أن الشفاعة من مظاهر الرحمة الإلهية التي تفتح باب الرجاء أمام الإنسان، من غير أن تمنحه ضمانًا مسبقًا بالنجاة، أو تبيح له الاستهانة بالتكاليف الشرعية وحقوق الناس. فالشفاعة لا تلغي المسؤولية، والرحمة لا تعني إباحة الظلم، والرجاء لا يصح أن يتحول إلى غرور. وفي الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام، ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «لَا يَنَالُ شَفَاعَتَنَا مَنِ اسْتَخَفَّ بِالصَّلَاةِ». (الصدوق، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، باب عقاب من استخف بصلاته). وتؤكد الرواية أن الاعتقاد بالشفاعة لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة للاستخفاف بالفرائض أو التهاون في المسؤوليات الدينية. ثانيًا: آثار مخيال التقديس على الفرد والمجتمع إن تحويل الإنسان غير المعصوم إلى صورة مثالية لا تقبل النقد أو المراجعة يترك آثارًا معرفية ونفسية واجتماعية خطيرة. 1. تعطيل التفكير النقدي: حين يُربط الحق بشخص بعينه، يصبح الاعتراض على رأيه اعتراضًا على مكانته، ويُستبدل البحث عن الدليل بالدفاع عن الأشخاص. 2. صناعة ازدواجية في التعامل مع الأخطاء: فقد يُبرَّر الخطأ إذا صدر من شخص محبوب، بينما يُضخَّم الخطأ نفسه إذا صدر من شخص مختلف معه. 3. الخوف من الاعتراف بالخطأ: قد يعتقد الإنسان أن اعترافه بخطئه يسقط مكانته، فيلجأ إلى المكابرة والتبرير، بدلًا من المراجعة والتصحيح. 4. القسوة في الحكم على الآخرين: حين يتوقع الإنسان من غيره كمالًا لا يملكه هو، قد يتحول الخطأ العابر إلى سبب للإهانة والتشهير وإلغاء ما لدى الآخر من فضائل. 5. إضعاف ثقافة التوبة والإصلاح: قد يؤدي النظر إلى المخطئ بوصفه إنسانًا فقد قيمته نهائيًا إلى إغلاق أبواب الإصلاح الاجتماعي أمامه، مع أن القرآن يدعو إلى التوبة والرجوع إلى الحق. وتتفاوت هذه الآثار بحسب طبيعة التقديس وحدّته والبيئة التي ينشأ فيها، ولا يصح تعميمها على كل أشكال المحبة أو الاحترام أو الالتزام الديني. ثالثًا: تنبيه إلى أصحاب الفهم السطحي ومخيال العصمة ينبغي أن ننتبه إلى بعض التصورات الساذجة التي تجعل الإنسان أسيرًا لصورة متخيَّلة عن نفسه أو عن الآخرين. فقد يظن بعض الناس أن العالم الذي يحبه لا يخطئ، وأن الإنسان الذي يثق به لا يجوز أن يخالفه، وأن من صدر منه خطأ واحد فقد سقطت جميع فضائله. وقد نجد من يعتقد بنفسه أن التدين يعني عدم التعرض للضعف أو النسيان أو الخطأ، فيطالب الآخرين بما لا يطالب به نفسه. إن هذه التصورات تحتاج إلى مراجعة علمية هادئة؛ لأنها لا تنسجم مع حقيقة الإنسان غير المعصوم، ولا مع المنهج القرآني في التوبة والإصلاح والمحاسبة. احترام الإنسان لا يقتضي تقديسه، والاعتراف بفضله لا يمنع نقد خطئه، ومحاسبته لا تعني إهدار كرامته. وليس من العدل أن نطالب الآخرين بكمال لا ندّعيه لأنفسنا، أو أن نجعل أخطاءهم سببًا لإلغاء تاريخهم كله. وفي المقابل، لا يصح اتخاذ البشرية ذريعة لتبرير الخطأ المتكرر، أو الاعتداء على حقوق الناس، أو التهرب من المسؤولية. إن الفهم الصحيح يوازن بين الرحمة والعدل، وبين الاعتراف بالخطأ ووجوب إصلاحه. رابعًا: نتائج البحث تؤدي القراءة المتكاملة للآيات القرآنية إلى مجموعة من النتائج: 1. الإنسان غير المعصوم مخلوق محدود، قابل للخطأ والنسيان والضعف، لكنه يمتلك العقل والإرادة والقدرة على التعلم والتوبة والإصلاح. 2. لا يصح إضفاء العصمة على الأشخاص لمجرد المحبة أو المكانة العلمية أو الاجتماعية؛ فالعصمة مقام مخصوص يحتاج إلى دليل معتبر. 3. التوبة والمغفرة والشفاعة مظاهر من الرحمة الإلهية، وهي لا تلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله ولا تسقط حقوق الآخرين. 4. الرحمة النبوية تقدم منهجًا في التعامل مع الإنسان، يجمع بين الهداية والإصلاح والعفو والمحاسبة. 5. إن الاعتراف بالطبيعة البشرية للإنسان لا ينتقص من كرامته، وإنما يساعد على بناء علاقات أكثر وعيًا وعدلًا، بعيدًا عن التقديس غير المبرر والقسوة في الأحكام. الخلاصة | نحن بشر.. فلنحفظ إنسانيتنا نحن بشر، خلقنا الله تعالى نحب ونكره، ونفرح ونحزن، ونصيب ونخطئ، ونتعلم من تجاربنا، وقد نكتشف بعد سنوات أن بعض ما كنا نعتقده حقًا لم يكن كذلك. ولذلك ينبغي ألّا نصنع لأنفسنا أو لغيرنا صورًا متخيَّلة من العصمة والكمال، ثم نحاكم الناس على أساسها. لقد فتح الله تعالى لنا باب التوبة، ووعد بالمغفرة، وأثبت الشفاعة بإذنه، وأرسل إلينا نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله رحمةً للعالمين. فلنكن رحماء بالناس من دون أن نبرر أخطاءهم، وعادلين في محاسبتهم من دون أن نهدر كرامتهم، وشجعانًا في الاعتراف بأخطائنا من دون أن نفقد الثقة بقدرتنا على الإصلاح.
74
18
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53). تأملوا هذا الخطاب الإلهي! إنه يتوجه إلى الذين أسرفوا على أنفسهم، ومع ذلك لم يغلق الله أمامهم باب الرجوع إليه. ويقول تعالى في الآية التالية: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (الزمر: 54). فالقرآن يجمع بين سعة الرحمة والدعوة إلى التوبة والإنابة، ولا يجعل الرجاء في المغفرة مبررًا للاستمرار في المعصية. قراءة في تفسير العلّامة الطباطبائي يفسّر العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي آية الزمر في سياق الدعوة إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى، ويبيّن أن سعة المغفرة لا تعني إلغاء الشروط التي قررها القرآن للتوبة والمغفرة. وهذا التفريق مهم؛ ففتح باب الرحمة لا يعني التسوية بين التائب والمصرّ على الذنب، ولا يعني سقوط حقوق الآخرين بمجرد ادعاء التوبة. (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، تفسير سورة الزمر، الآيات 53–55). ويقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الشورى: 25). فلو كان المطلوب من عموم البشر ألّا يقع منهم خطأ أصلًا، لما كان لهذا التأكيد المتكرر على التوبة والمغفرة والإنابة هذا الموقع الواسع في الخطاب القرآني. إن الله تعالى يريد من الإنسان أن يسعى إلى الاستقامة، وأن يتحمل مسؤولية أفعاله، وأن يعود إلى الحق إذا أخطأ. وفي تراث أهل البيت عليهم السلام، ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ أَفْضَلَ». والمفتَّن هنا هو من يُبتلى بالذنب ثم يرجع إلى التوبة. وتكشف الرواية عن أهمية الرجوع إلى الله بعد الوقوع في الخطأ، مع التصريح بأن من لم يقع في الذنب أفضل. (الكليني، الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب التوبة، طبعة دار الكتب الإسلامية، طهران). 4. الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107). لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله رحمةً للناس، وهدايةً لهم، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلّمهم طريق الإصلاح والتزكية والرجوع إلى الله. ومن مظاهر هذه الرحمة أن الخطاب النبوي يراعي طبيعة الإنسان وضعفه، ويفتح أمامه طريق التوبة والإصلاح، ولا يحوّل كل خطأ إلى حكم نهائي على صاحبه. ويقول تعالى مخاطبًا نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159). تأملوا كيف يجمع النص بين اللين والعفو والاستغفار والمشاورة. إن هذه الآية تقدم منهجًا في التعامل مع الإنسان، يقوم على مراعاة حاله، وإصلاح خطئه، والمحافظة على كرامته. وفي الحديث النبوي المروي في مصادر الإمامية: «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ وَمَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَالطِّيَرَةُ وَالْوَسْوَسَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ وَالْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ». (الكليني، الكافي، ج2، ص463، كتاب الإيمان والكفر، باب ما رفع عن الأمة، ح2، طبعة دار الكتب الإسلامية، طهران). وتكشف هذه الرواية عن مراعاة الشريعة لحالات الإنسان التي تخرج عن اختياره أو تتجاوز قدرته، مع ضرورة التفريق بين رفع المؤاخذة في موارد الحديث وبين الأحكام الوضعية وحقوق الآخرين التي قد تبقى ثابتة. وهذا لا ينفي وجوب محاسبة الإنسان على أفعاله الاختيارية، ولا يجعل بشريته عذرًا للظلم أو الاعتداء على حقوق الآخرين. 5. الشفاعة مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية يقول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: 255). ويقول سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: 28). إن الشفاعة في التصور القرآني ليست سلطة مستقلة عن الله تعالى، ولا طريقًا للالتفاف على عدله، وإنما هي أمر خاضع لإذنه ومشيئته ورضاه. رؤية العلّامة الطباطبائي في الشفاعة يبحث العلّامة الطباطبائي الشفاعة في تفسيره لسورة البقرة، ويميّز بين الشفاعة التكوينية والشفاعة التشريعية، ويؤكد أن تأثير الشفيع لا يكون مستقلًا عن سلطان الله تعالى وإذنه. وفي حديثه عن الشفاعة التشريعية، يقرر أنها تتصل بمرحلة الجزاء، وأنها ثابتة في الكتاب والسنة ضمن الضوابط الإلهية.
63
19
♦️نحن بشر.. بين وهم التقديس وسعة الرحمة الإلهية قراءة تأصيلية في الطبيعة الإنسانية، والعصمة، والتوبة، والشفاعة ▫️د. يحيى عبدالحسن هاشم مهيد | حين يتحول الإنسان إلى صورة متخيَّلة يعيش بعض الناس في مخيال غريب، يصنعون فيه صورة مثالية لأنفسهم أو لغيرهم، حتى يكادوا يُخرجون الإنسان من طبيعته البشرية، فيتصورون أن من أحبّوه أو عظّموه لا يخطئ، ولا يسهو، ولا يضعف، ولا يجوز أن يُناقَش أو يُراجَع في قول أو موقف. وقد يبلغ هذا التصور حدًّا يجعل الإنسان يقدّس ذاته، فلا يرى في آرائه إلا الصواب، ولا في مواقفه إلا الحق، ويعدّ كل من يختلف معه جاهلًا أو منحرفًا عن الحقيقة. وهنا تبدأ مشكلة معرفية وأخلاقية خطيرة؛ إذ يتحول التقدير إلى تقديس، والمحبة إلى تعطيل للعقل، والثقة بالنفس إلى ادعاء ضمني بامتلاك الحقيقة المطلقة. نحن بشر، خلقنا الله تعالى بطبيعة إنسانية نمتلك فيها العقل والعاطفة، ونحب ونكره، ونفرح ونحزن، ونصيب ونخطئ، وننسى ونسهو. ولذلك لم يأتِ القرآن الكريم ليخاطب الإنسان بوصفه كائنًا لا يضعف ولا يخطئ، وإنما خاطبه في واقعه الإنساني، وبيّن له طريق الهداية، وحذّره من الغرور، وفتح أمامه أبواب التوبة والمغفرة والرحمة والشفاعة بإذن الله تعالى. ومن الضروري أن نؤصّل لهذه الحقيقة؛ حتى لا يتحول التدين إلى صناعة صور مثالية متخيَّلة، ولا تتحول المحبة إلى تقديس للأشخاص، ولا يصبح الخطأ البشري سببًا لإسقاط الإنسان أو إغلاق أبواب الرحمة في وجهه. أولًا: التأصيل العلمي والقرآني 1. الإنسان مخلوق محدود، وليس كائنًا مطلقًا يقول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28). ويقول سبحانه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: 11). ويقول أيضًا: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78). هذه الآيات تؤسس لفهم الإنسان في حدود طبيعته؛ فهو مخلوق يبدأ حياته من دون معرفة مكتسبة، ثم يتعلم ويكتسب الخبرة، ويتعرض للضعف والعجلة والنسيان والخطأ. ولا يعني ذلك أن الإنسان محكوم عليه بالبقاء في ضعفه؛ فقد منحه الله العقل والإرادة والقدرة على التعلم والتزكية والارتقاء. إن إدراك محدودية الإنسان هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي صحيح بالذات والآخرين. فمن عرف حدود نفسه لم يدّعِ امتلاك الحقيقة المطلقة، ومن أدرك بشرية الآخرين لم يطالبهم بما يتجاوز طاقتهم، ولم يجعل أخطاءهم دليلًا على سقوط كل فضيلة فيهم. ويؤكد العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي، في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، ارتباط التخفيف التشريعي بمراعاة طبيعة الإنسان وحاجاته وضعفه. فالتشريع الإلهي يراعي حقيقة الإنسان وطاقته، ولا يقوم على افتراض أنه كائن منزّه عن جميع دواعي الضعف. (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، تفسير سورة النساء، الآيات 26–28). 2. وهم تقديس الذات والآخرين يقول تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: 32). هذه الآية تضع حدًّا لنزعة الإنسان إلى تزكية ذاته، وادعاء الطهارة المعنوية، والتعامل مع أحكامه ومواقفه بوصفها حقائق لا تقبل المراجعة. ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة أمور: أ. احترام الإنسان وتقدير فضله وعلمه ومكانته. ب. الاعتقاد بعصمة من ثبتت عصمته بدليل معتبر. ج. إضفاء العصمة على النفس أو على أشخاص آخرين من دون دليل. فاحترام العالم لا يعني أن كل آرائه صائبة، ومحبة الإنسان لا تعني أنه منزّه عن الخطأ، كما أن الاعتراف بخطئه لا يستلزم إنكار فضله أو إسقاط مكانته. وينبغي التنبيه إلى أن العصمة في البحث الكلامي الإمامي مقام مخصوص يثبت بالدليل، وليست صفة تُمنح للأشخاص بمقتضى المحبة أو الشهرة أو المكانة الاجتماعية. أما من لم تثبت عصمته، فيُنظر إلى أقواله وأفعاله بميزان الدليل، مع حفظ كرامته والاعتراف بما له من فضل. وفي هذا السياق، ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصف من يتصدّى للعلم والقضاء من غير أهلية: «لا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ». ويصف حاله أيضًا بقوله: «لَا يَعْتَذِرُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ فَيَسْلَمَ». (الكليني، الكافي، ج1، ص55، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقاييس، ح6، طبعة دار الكتب الإسلامية، طهران). وإن كان مورد الرواية يتناول المتصدّي للعلم والقضاء من غير أهلية، فإنها تكشف عن خطورة ادعاء العلم والامتناع عن الاعتراف بحدود المعرفة. إن الإنسان الذي يعتقد أن كل ما يصدر عنه حق، قد يغلق على نفسه باب التعلم والمراجعة، حتى يصبح أسيرًا للصورة التي صنعها عن ذاته. 3. القرآن يفتح باب التوبة لأنه يخاطب الإنسان في واقعه يقول الله تعالى:
57
20
لا يوجد نص...
56