uz
Feedback
أنابيـش | عَبدالرحمن

أنابيـش | عَبدالرحمن

Kanalga Telegram’da o‘tish

جواهر الحكم، ونفائس الفنون 📚 🖊️

Ko'proq ko'rsatish
6 137
Obunachilar
-224 soatlar
-267 kunlar
-930 kunlar
Postlar arxiv
- • ارتفاع الاستحقاقية، سم العلاقات الاجتماعية . -

من الأبيات التي تعجبني مبناً ومعنى قول الشاطبي في مقدمة منظومته -حرز الأماني- وَلو أَن عَينًا سَاعَدَت لَتَوَكَّفت سَحَائِبُهَا بِالدمعِ دِيمًا وهُطَّلَا وَلَكِنَّهَا عَن قَسْوَةِ القَلبِ قَحطُهَا فَيَا ضَيعَةَ الأعمارِ تَمشِي سَبهللَا والمعنى : أن لو كان قلبي لينًا لبكت عيني كثيرًا على تقصيري، لكن جفاف عيني ناشئ من قسوة قلبي؛ فما أشد حسرتي على عمر يمضي بلا طاعة ولا فائدة. -

دمتم بخير 💐🤍

اللهم إنّا نسألك كلمة الحقّ في الغضب والرضا، وأن تجعل أشدّ ما نكسره في غضبنا كلامنا لا أثاثنا .

فمن جماليّة هذا الدين أنّ السكون والحراك كلّه منضبطٌ بمنهج؛ في الغضب عند غيرنا سيفٌ وثأرٌ وكسرٌ وصراخ، وعندنا ماءٌ يُطفئ، وصمتٌ يحفظ، وكظمٌ يُؤجَر، وعفوٌ يرفع.

وجعل ﷺ لهذا المقام ثوابًا موصوفًا: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفّذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيّره من الحور العين ما شاء» رواه أبو داود

ثم إن فوق مقام الكظم مقامًا أعلى، وهو العفو والصفح؛ فرتّبه الله بعد الكظم في صفة المتّقين: [ والكاظمينَ الغيظَ والعافينَ عن الناس ] فالكظمُ حبسٌ للغضب، والعفوُ تجاوزٌ بعد المقدرة.

وسُئل ابن المبارك أن يجمع حسن الخلق في كلمة فقال: «ترك الغضب» وكان عمر بن عبد العزيز يقول: «إذا غضبتَ فانظر إلى السماء» يستحضر عظمة الخالق فيصغر ما دونه.

وقد فهم السلف هذا المعنى وعاشوه؛ فهذا الأحنف بن قيس، وهو مضرب المثل في الحلم، يقول: «لستُ حليمًا، ولكنّي أتحالَم»أي أنه خُلقٌ يُصطنع بالتمرين حتى يصير طبعًا، فالحلم صنعةٌ تُكتسب لا هبة تُولَد.

وفي الحديث: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه؛ بل في روايةٍ لمسلم أنّه ﷺ سألهم: «ما تعدّون الصُّرَعة فيكم؟» قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: «بل هو الذي يملك نفسه عند الغضب». فنقل القوّة من العضلات إلى النفس

والذي أريد أن أصل إليه في هذا المجلس: أنّ القوّة ليست في الاستجابة للغضب، بل في مقاومته.

= ويُحدّثني أحدهم يقول: صار بيني وبين شخصٍ ملاسنةٌ في الطريق، فاستفزّني بحركةٍ غير لائقةٍ بيده ثم هرب بسيارته وعجزتُ عن اللحاق به، ومن شدّة غضبي فرّغتُه في دوّاسة البنزين، ففقدتُ السيطرة على سيّارتي واصطدمتُ بأربع سياراتٍ متوقّفةٍ على جانب الطريق، والمواقف المأساوية في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا، وكلّها تبدأ بجمرةٍ لم يُطفئها أحد.

وانظروا إلى قضايا القصاص؛ في الغالب كانت وليدة لحظة غضب: اختلفا على موقف سيارة، فتطوّرت إلى ملاسنة، ثمّ عراكٍ باليدين، ثمّ طعنة 🔪

فلو أن المرء استجاب لجمرة الغضب التي في صدره فأصدر بموجبها تصرّفًا، لندم ندمًا لا يُفيده.

ورُوي: «الغضب من الشيطان، والشيطان خُلق من النار، وإنّما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ». فتأمّلوا: ماءٌ يُطفئ، وجلوسٌ يخفض، واستعاذةٌ تصرف كلّها تهدئةٌ للجمرة، لا تفجيرٌ لها وتكسير وصراخ .

قالها لرجلٍ اشتدّ غضبه حتى احمرّ وجهه، وقال: «إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع» رواه أبو داود

ثم أرشد ﷺ إلى الإطفاء عمليًّا؛ فالغضب جمرةٌ تُطفأ لا تُذكى: «إنّي لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» متفق عليه

وجاءت وصيّته الجامعة في أوجز لفظ: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: أوصني، قال: «لا تغضب»، فردّد مرارًا، قال: «لا تغضب» رواه البخاري.

فلما جاء الإسلام لم يجد الغضب خُلقًا يُستأصل، بل طاقةً تُوجَّه؛ فلم يُنكره ولم يتجاهله، إنما صرفه من قناة الثأر والأذى، إلى قناة العفو ورباطة الجأش وكظم الغيظ.

والعرب في الجاهلية لم يكونوا بمنأى عن طريقة التفريغ، غير أنّ أدواتهم كانت أشدّ وطأةً؛ فكانوا يُنفّسون عن غضبهم بالسيف والثأر، فنشأت حروبٌ مديدةٌ وغاراتٌ مستمرة كلّها تنفيسٌ عن غضبٍ محتقن، أو يُفرّغ أحدهم غضبه بهجاءٍ يظلّ وصمةً في جبين الطرف الآخر عقودًا من الزمن.