أليستر كروك: الحروب الحالية جزء من مشروع واحد لفرض نظام عالمي تقوده "الحضارة الغربية"
يرى الدبلوماسي البريطاني السابق والمحلل السياسي المخضرم أليستر كروك أن
الحروب والأزمات التي يشهدها العالم اليوم لا يمكن قراءتها باعتبارها نزاعات منفصلة، بل بوصفها حلقات مترابطة في مشروع سياسي وفكري طويل الأمد يهدف إلى إقامة نظام عالمي واحد تقوده الحضارة الغربية.
وفي حديثه إلى القاضي الأميركي السابق والإعلامي الحالي أندرو نابوليتانو، قال كروك إن الفكرة الأساسية لهذا المشروع تقوم على تصور عالم تُحدد فيه القوة الغربية القواعد والقيم والمعايير التي يجب أن تسير عليها الدول الأخرى. وربط كروك هذه الرؤية بما اعتبره خطاباً غربياً متكرراً يؤكد ضرورة استمرار الغرب في موقع القيادة ووضع قواعد النظام الدولي.
وبحسب كروك، فإن جوهر هذا التصور يقوم على رفض فكرة وجود عالم متعدد المراكز الحضارية والسياسية، إذ يرى أن جزءاً من النخب الغربية ما زال يعتبر من غير المقبول أن ينشأ نظام دولي لا تكون فيه الولايات المتحدة والدول الغربية هي الطرف الذي يحدد اتجاهاته الأساسية.
ويذهب كروك في تفسيره إلى جذور أبعد،
إذ يربط هذا المشروع بتاريخ فكري طويل بدأ مع بعض تيارات عصر التنوير، ثم امتد إلى مجموعات وحركات سياسية وفكرية مختلفة ظهرت في أوروبا. ويعتبر أن القاسم المشترك بين هذه الحركات كان السعي إلى
بناء نظام سياسي واجتماعي يتجاوز الانتماءات التقليدية القائمة على الأسرة والمجتمع والدين والدولة القومية.
ويرى كروك أن هذا التحول الفكري استهدف، كما يقول، إضعاف الروابط التي تربط الفرد بعائلته ومجتمعه ودولته، لمصلحة هوية أوسع وأكثر ارتباطاً بنظام مركزي عالمي. واستشهد في هذا السياق بأفكار جان جاك روسو وبعض تيارات التنوير التي تحدثت عن إعادة صياغة علاقة الفرد بالمؤسسات التقليدية والدينية والاجتماعية.
وبحسب روايته، فإن هذه الأفكار لم تبقَ محصورة في الإطار الفلسفي الأوروبي، بل انتقلت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى مشاريع سياسية أكثر وضوحاً، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط.
ويربط كروك
أحد المسارات الحديثة لهذا المشروع بصعود الحركة المحافظة الجديدة Neocons في الولايات المتحدة، معتبراً أنها حملت تصوراً يقوم على ضرورة الحفاظ على التفوق السياسي والعسكري الأميركي واستخدام القوة عند الحاجة لإعادة تشكيل النظام الدولي.
وفي الوقت نفسه، يربط كروك
مساراً آخر بالصهيونية في الشرق الأوسط، معتبراً أن المشروعين تحولا، كل بطريقته، إلى أدوات سياسية ضمن رؤية أوسع تسعى إلى الحفاظ على قيادة الغرب للنظام الدولي.
وانطلاقاً من هذه الفكرة
، يرفض كروك التعامل مع الحروب في أوكرانيا وإيران واليمن باعتبارها ملفات منفصلة. وبرأيه، فإن هذه الصراعات
تأتي ضمن بنية واحدة تستهدف إضعاف القوى التي تقف في مواجهة النظام الدولي الذي تقوده الدول الغربية.
ويعتبر كروك أن
روسيا وإيران تحتلان موقعاً مهماً في هذه المواجهة بسبب ما يصفه بطبيعتهما بوصفهما «دولتين حضاريتين»، أي دولتين تستندان إلى تاريخ وهوية ومشروع سياسي مستقل، وتعارضان الخضوع الكامل لمعايير النظام الذي يقوده الغرب.
ووفق رؤيته، فإن المواجهة مع هذه الدول ليست مرتبطة فقط بخلافات أمنية أو إقليمية، بل بصراع أعمق على طبيعة النظام الدولي نفسه: هل يبقى قائماً على مركز غربي واحد، أم ينتقل إلى صيغة متعددة الأقطاب والمراكز الحضارية؟
ويقول كروك إن
المشروع الذي يتحدث عنه لم يكن، في تصوره، حكومياً فقط، بل ارتبط أيضاً بصعود شبكات مالية واقتصادية شديدة النفوذ في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.
وخلال الحوار، أشار نابوليتانو إلى مقولة منسوبة إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق بنيامين دزرائيلي
حول وجود «قوى خفية» تؤثر في إدارة العالم، ليرد كروك بأن هذه الفكرة، من وجهة نظره، لا تزال صالحة لفهم بعض التحولات السياسية حتى اليوم.
وأوضح كروك أن القرن التاسع عشر شهد
صعود عائلات وشبكات مالية راكمت ثروات هائلة من تمويل الحروب والصراعات الدولية، معتبراً أن بعض هذه القوى الاقتصادية أصبحت، في مراحل معينة، تمتلك نفوذاً يتجاوز نفوذ بعض الحكومات.
ويشير في هذا السياق إلى الحروب النابليونية، والحرب الأميركية، والحرب الروسية اليابانية، قائلاً إن شبكات مالية أوروبية حققت أرباحاً ضخمة من تمويل الأطراف المتحاربة، ما أدى، بحسب تحليله، إلى زيادة قدرتها على التأثير في السياسات الخارجية للدول.
ويذهب كروك أبعد من ذلك عندما يتحدث عن
«مجموعات المائدة المستديرة» المرتبطة بالسياسي البريطاني لورد ميلنر، ويرى أنها لعبت دوراً مهماً في صياغة توجهات السياسة البريطانية في مطلع القرن العشرين.
(1/2) يتبع👇