fa
Feedback
قناة مَسَار | محمود أبو عادي

قناة مَسَار | محمود أبو عادي

رفتن به کانال در Telegram

أشارك هنا تحليلات شخصية من علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع الثقافي والنقدي | هذه القناة هي محاولة لتأسيس أرضية معرفية لفهم الذات في العالَم المعاصر وتجريدها من هيمنة خطابات شائعة تُرهِق الذات بأعباء متوهّمة واستدخال مفاهيم التزكية والتربية الروحية

نمایش بیشتر

📈 تحلیل کانال تلگرام قناة مَسَار | محمود أبو عادي

کانال قناة مَسَار | محمود أبو عادي (@masarchannel) در بخش زبانی عربی بازیگری فعال است. در حال حاضر جامعه شامل 21 518 مشترک است و جایگاه 899 را در دسته روان‌شناسی و رتبه 3 346 را در منطقه المملكة العربية السعودية دارد.

📊 شاخص‌های مخاطب و پویایی

از زمان ایجاد در невідомо، پروژه رشد سریعی داشته و 21 518 مشترک جذب کرده است.

بر اساس آخرین داده‌ها در تاریخ 14 ژوئن, 2026، کانال فعالیت پایداری دارد. در ۳۰ روز گذشته تغییر اعضا برابر -52 و در ۲۴ ساعت گذشته برابر -1 بوده و همچنان دسترسی گسترده‌ای حفظ شده است.

  • وضعیت تأیید: تأیید نشده
  • نرخ تعامل (ER): میانگین تعامل مخاطب 38.95% است و در ۲۴ ساعت نخست پس از انتشار، محتوا معمولاً N/A% واکنش نسبت به کل مشترکان کسب می‌کند.
  • دسترسی پست‌ها: هر پست به طور میانگین 0 بازدید دریافت می‌کند. در اولین روز معمولاً 0 بازدید جمع‌آوری می‌شود.
  • واکنش‌ها و تعامل: مخاطبان به‌طور فعال حمایت می‌کنند؛ میانگین واکنش به هر پست 0 است.

📝 توضیح و سیاست محتوایی

نویسنده این فضا را محل بیان دیدگاه‌های شخصی توصیف می‌کند:
أشارك هنا تحليلات شخصية من علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع الثقافي والنقدي | هذه القناة هي محاولة لتأسيس أرضية معرفية لفهم الذات في العالَم المعاصر وتجريدها من هيمنة خطابات شائعة تُرهِق الذات بأعباء متوهّمة واستدخال مفاهيم التزكية والتربية ال...

به لطف به‌روزرسانی‌های پرتکرار (آخرین داده در تاریخ 15 ژوئن, 2026)، کانال همواره به‌روز و دارای دسترسی بالاست. تحلیل‌ها نشان می‌دهد مخاطبان به‌طور فعال با محتوا تعامل دارند و آن را به نقطه اثرگذاری مهم در دسته روان‌شناسی تبدیل کرده‌اند.

21 518
مشترکین
-124 ساعت
-207 روز
-5230 روز
آرشیو پست ها
كثير يحدّثونك عن علم النفس، وقلّة قليلة من "علماء النفس" بإمكانهم أن يُحذّروك من مزالق هيمنة لغة علم النفس على الحياة اليومية. يلتقط عالم النفس النقديّ، الأستاذ ستيفان برينكمان ظاهرة شائعة وخطيرة على مستوى التواصل اليوميّ للنّاس، أقصد تحديدًا بالطريقة التي يتحدّث بها النّاس عن أنفسهم وعن علاقاتهم وعن الآخرين من حولهم، وهو يُشير وأقتبس إلى ظاهرة، يقول فيها: " لقد أدّى هَوَس المجتمع الحديث بالعاطفة والشفافية الشعورية، إلى حدوث ظاهرة أطلق عليها ريتشارد سينيت: طُغيان الحميمية Tyranny of Intimacy حيث صار الشكل الوحيد المقبول للعلاقات الإنسانية هو (العلاقات القائمة على العاطفة) والمشاعر والانفعالات سواء أكان ذلك في المدرسة أو الحياة الخاصّة أو العمل! وهذا التعريف للعلاقات الإنسانية وللأسف، لا يُؤدّي إلّا إلى إيذاء الناس لبعضهم البعض باستمرار " هذه فكرة هامّة وخطيرة للغاية فعلاقتي مع الآخرين لا تُبنى على (العاطفة) وحدها! ثمّة مُبرّرات كثيرة لما يجمعني بشخص آخر أكثر بكثير من مُجرّد لُغة العاطفة، هناك على سبيل المثال: لُغة القِيَم (المسؤولية الاجتماعية، الواجب الأخلاقي..) وهناك مثلًا لُغات بدائية للعلاقات، أو ما يُبرّر ما يجمعني بشخصٍ آخر، منها على سبيل المثال: لُغة الدمّ (القرابة والنسل) هذا نطاق مهم للتفكير، خاصّة حين ننظر للتشريع الإسلاميّ، الذي لا يعبأ كثيرًا بمشاعرك مثلًا في أحوال الميراث، هو لا يقول لك ما طبيعة علاقتك بشقيقتك أو ولا يقول لكِ ما طبيعة علاقتِك بأعمامِك؟ وإن كنتم على وفاق أو تحبّون بعضكم بعضًا. طُغيان الحميمية هذا، وطغيان لغة العواطف والمشاعر، يشمل حتّى فهم الإنسان لنفسه، فمثلًا يقول لك الشخص، أنّ من طبعي أنّي شديد القلق، ينبغي عليك تحمّلي، فأنا شخص قَلِق وهذا شيء مثبت بالتشخيص وله أساس بيولوجيّ وجيني. مثلًا أفكّر أحيانًا، بصحابيٍّ جليل، قيس بن سعد، خُلِق ذكيًا، داهية بمعنى الكلمة، لديه كل المقوّمات الإدراكية والذهنية للتلاعب بالأشخاص الآخرين والإيقاع بهم، أورد عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أنّه قال: "لولا الإسلام، لمكرتُُ مكرًا لا تطيقه العرب" الآن هذه عبارة مذهلة، تحتاج إلى توقّف، إذ تخيّل معي لو كان سيدنا قيس، يعرف في زمانه علم الوراثة والجينات، أو كان يُراجع أخصائيًا نفسيًا يُخبره أنّ على النّاس أن يتحمّلوا مكرك، ودهاءك، ومَن لا يسعه ذلك، فلا حاجة لك بوصاله! ثمّ أخذ سيدنا قيس يقول: آه من جيناتي! آه من عقلي.. وُلدتُ هكذا، ولا يسعني إلّا أن أكونَ ماكرًا، هذه طِباعي، هذا أنا، ولا أستطيع إلّا أن أكون داهية! لا أحد يفهمني! ومَن لا يفهمني لا يستحقّ أن أتحدّث إليه أساساً. المفارقة المهمّة هنا، هي أنّ سيدنا قيس، لم يعش معنا ومع لغتنا العاطفية وهيمنة اللغة السيكولوجية لفهم الذات، ولذا فهو لم يتورّط بالتذرّع لنفسه باسم تشخيصات عديدة ستكون لاحقًا شمّاعة للعاجزين عن التحرّر من طباعهم الدنيّة. العبارة التي استخدمها سيدنا قيس ذكية وهامّة، هو يقول "لولا الإسلام" وكأنّه وبصرف النظر عن طباعي الشخصية، ونزعاتي السيكولوجية، وقدراتي العقلية، وميولي التلقائي للتفكير بدهاء، كل هذا، كل تلك العوامل والمقوّمات، ليست سببًا يمنعني من تقويم نفسي! هناك لغة أعلى، لغة (الدّين) لغة القِيَم الأخلاقية، التي ينبغي أن تُهذّبني وتُهذّب طباعي، ووظيفتها أن تحميني من شرور نفسي، ومن ألاعيب الهوى! ذاك أنّي إنسان حُر، لدي إرادة حرّة، مسؤول عن أفعالي، مُحاسبٌ عليها. ولاستيعاب ظاهرة (طغيان الحميمية) بشكلٍ أعمق، أشير أعلاه لمقطع لطيف من فيلم Fences وحوار هامّ بين ابنٍ وأبيه (يمثّله دينزل واشنطن) ببراعة، يسأل فيه الابن أباه مُحبطًا: لماذا لا تُحبُّني؟ ينفجر الأب، وبعيدًا عن تحفّظات عديدة يمكن عقدها حول قسوة الأب، تبقى الإجابة التي يُقدّمها له هامّة جدًا: ما يجمعك بالنّاس الآخرين من حولك، ليس دائمًا الحُبّ! الحياة لا تُعطيك ما تُعطيك لأنّها تُحبّك! لا تقضي حياتك وأنت قَلِق عمّا إذا كان النّاس يحبونكَ أو يكرهونك! ينبغي أن تحرص على أن تقوم بواجباتك تجاههم وأن يُعطوك حقوقك، هذا هو الأهم!

سابقًا كانت تأتي امرأة تتجنّب العلاقات الاجتماعية إلى العلاج النفسي وهي تقول شيئًا من قبيل: «أنا شديدة الخجل، وأحتاج إلى مساعدة كي أتعامل مع الناس بصورة أفضل في المواقف الاجتماعية». أمّا اليوم، فالأرجح أن تصف نفسها بأنّها مُصابة «بالرهاب الاجتماعي» وكأنّ شيئًا غريبًا ودخيلًا قد اقتحم حياتها الذاتية التي كانت، لولا ذلك، خالية من المشكلات! لقد صار الناس يتحدثون عن أنفسهم من خلال اختصارات لغوية OCD, BPD.. ويقومون بعنونة أنفسهم عبر تشخيصات منفصلة على نحو غريب عن خبرتهم المُعاشة: «الوسواس القهري الخاص بي»، «اضطراب الأكل» لديّ، «ثنائي القطب» عندي. وفي هذا ، اغتراب لافت عن الإحساس بالذات الفاعلة.. ومن ثمّ اغتراب أيضًا عن الإحساس بإمكان حلّ المشكلة! - المحلّلة النفسية نانسي ماك ويليامز، وهي أحد روّاد ومنظّري التحليل النفسي المعاصر في ورقتها البحثية المُثيرة للغاية: McWilliams, N. (2O21). Diagnosis and its discontents: Reflections on our current

من بديع التفسير القرآنيّ، ما ذكره العلّامة السعديّ في تفسيره لآية: أَلَم تَرَ إِلى الَّذينَ بَدَّلُوا نعمَةَ اللَّهِ كُفرًا أنّه ذهب إلى أنّ تفسير (نعمة الله) = محمّد صلّى الله عليه وسلّم! وأنّه نعمة الله، ونعمة من الله، وأن بعثته أعظم نعمة، لأنّه جاء يدعو للخير ويدلّ عليه ويُعرّف الناس عليه، ويحذّرهم من أهواء أنفسهم ومهلكاتها. من الممارسات التي أحبّها شخصيًا هي أن أبحث عن أثر رسول الله في كل معروف بشري أراه، إذ أتحدّى نفسي أن أجد له أصلًا في السيرة أو في حديث هنا أو هناك. وإنّك تجدُ مقاطع مرئية في أوروبا والولايات المتحدة، يقوم غير المسلمين بتجارب اجتماعية وهُم يتجوّلون ويسألون الناس أن يشتروا لهم شيئًا، أو يطلبون إغاثتهم أو إطعامهم، فيرفض طيفٌ كبيرٌ من الناس، حتّى يُصادفوا شخصًا مسلمًا، فتجده يُرحّب بالمساعدة ويهبُ من ماله بحُب وصدق، وترى الأجانب بالتعليقات يقولون: Always go to a Muslim إذا احتجتَ شيئًا فالجأ دائمًا إلى شخصٍ مُسلِم وثمّة شواهد عديدة لا حصر لها عن أثر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والبركة التي أحاط بها أمّته ببعثته وبهَديه، وما علّمهم من الذوق والكياسة وإغاثة الملهوف والانحياز للحق، وآداب الطريق وذمّ التناجي وافتراق القوم، وحثّ على الصدق، وأنكر على المسلم أن يكذب أو أن يُبرّر كذبه، ونهى عن النميمة والغيبة والتنابز بالألقاب. وعلّم أبو القاسم أصحابه أن يتذوّقوا الجَمَال وكره قبيح الأسماء، وسمّى ما يُحبّ من فرسه وسيفه بأجمل الألقاب، وقال إنّ الله جميل يُحبّ الجمال، فرفع ذائقة العربيّ، وجعله أكثر حساسية وحرص على المخلوقات أجمعها وقال حين رأى حمارًا وُسِم في وجهه: "لعن الله من فعل هذا". ووصّى الرسول بأن يرفع المسلم عن نفسه الجهل، وكره للمسلم أن يُجيب بغير علم (أن يهبد) فزجر ولعن مَن يُجيب بجهالة، فقال في حادثة الذي شُجّ رأسه: قتلوه قتلَهُم الله، ألَا سألوا إذ لم يَعلموا، فإنَّما شِفاء العِيِّ السّؤال، إنَّما كان يكفيه أن يتيَمَّم! وإنّك حيثما ولّيت وجهك فقرأت في كتب التاريخ والحِكَم والعِبَر، وتابعت معاجم الحكمة لدى الشعوب، فإنّك لن تجد معروفًا أو خيرًا أوجمالًا، إلّا وجدتَ له أثر عند رسول الله وهو الذي قال: "ما تركتُ شيئًا يقرّبكم إلى الجنة ويباعدكم عن النار إلا وأمرتُكم به، وما تركتُ شيئًا يقرّبكم إلى النار ويباعدكم عن الله إلا ونهيتُكم عنه". وقد شاهدت منذ زمن مسلسلًا من حلقاتٍ معدودة اسمه The Night Of في تلك الليلة، وفيه تدور الأحداث حول شاب مسلم يأخذ مركبة أبيه ليلًا وهي "سيّارة أجرة Taxi" فيتورّط مع راكبة، تقوم بتخديره، ثم يستيقظ باليوم التالي، ليجد نفسه في مسرح جريمة، وتلك الفتاة مقتولة وملقاة على الأرض. وحين يتمّ اعتقاله، ويذهب به المحقّق إلى المدّعي العام، يرفض المُدّعي العام أن يعرضه على هيئة المحلّفين موبّخًا المحقّق: أتريد منّي أن أقدّم شاب مسلم لهيئة المحلّفين، وأقول لهم إنّ هذا الشاب قد شرب الكحول، وتعاطى المخدّرات ونام مع مُومس أو عاهرة، ومن ثمّ قتلها وقطّعها إربًا؟ حتمًا سنخسر القضية، لن يصدّق أحد هذا.. اذهب فأتني بدليلٍ قطعيّ، غير أنّه تصادف وجوده في مسرح الجريمة. ولا يعني هذا أنّه ليس هناك من مسلم يفعل هذا، أو أنّ المسلمين معصومين من الخطأ، وأنّهم ليس من بينهم عددٌ كبير من العصاة والمجرمين، ولكنّ ما يتشكّل في أذهان الغربيين والأقوام الآخرين، أنّ المسلمين عمومًا كجماعة، ما هُم إلّا جماعة من المنضبطين سلوكيًا وذوي السلوك الحسن، وأنّهم يتّبعون ما أوصاهم به نبيّهم وما دلّهم به على الخير، في غالبيتهم وأكثريتهم. وقد ذكر لي صديق يُقيم في الولايات المتحدة، أنّ بعض أسواق العقار في بعض الولايات، يرتفع أسعارها أضعافًا مضاعفة لمجرد شراء مجموعة من المسلمين لمجمّع سكنيّ فيه، إذ احتمالات الجريمة تقلّ في هذا الحي، واحتمالات الصخب والسهر والمخدرات أقل إحصائيًا بغيرهم من الجماعات، كما أنهم أقوام تُحب أن تجاورهم وأن يحيى أولادك بالقرب منهم وبجيرتهم فإنهم يُحسنون الجوار وسيعتنون بأولادك كما لو أنهم أولادهم. وقد مررت بدراسة للباحثة مونيكا م. جاوديوسي، أستاذة القانون والباحثة في التاريخ، أشارت فيها إلى أن نظام (مجلس الأمناء) المعتمد بالجامعات حول العالم هو في الأصل استلهام من مجلس النظارة الوقفي الذي طوّره المسلمون لإدارة الأصول الوقفية، كما أشارت إلى أن تأسيس جامعة أكسفورد وتحديدًا كلية ميرتون عام 1274 كنظام كليات جامعي، هو استلهام مباشر ومحاكاة لمجالس الإدارة الوقفية عند المسلمين، وتقول: "لم يُعبّر والتر دي ميرتون علنًا عن نيته بتقليد الوقف، لأنّ الكلية تأسست خلال الحروب الصليبية، ولن يكون من الحكمة أن يُعلن رجل دين مسيحي بارز وموظف حكومي، عن تبنّيه لنظام مؤسسة إسلامية بشكلٍ صريح" وكل ما في هذا العالم من خيرٍ ومعروف ما هو إلّا امتداد لبركة النبوة وهديه ووصاياه، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

يحدث كثيرًا أنّ يندم النّاس على قراراتهم بعد مُضي سنوات قليلة من حياتهم، وذلك لعدم قدرتهم على تخيّل أثر هذا القرار على حياتهم بعد عدّة سنوات، ولذات السبب تحديدًا نرى مثلًا شبّان وشابات يدفعون أو يدفعنَ مبالغ طائلة للحصول على وشم Tattoo، ثم يدفعون مبالغ أضخم لإزالته بعد بلوغهم منتصف العمر، كما يهرع كثير من البالغين للطلاق من أشخاصٍ كانوا يلهثون ويهرعون للزواج منهم في شبابهم. يعود ارتكاب هذه الحماقات والندم على كثير من القرارات الشخصية، إلى انحياز نفسيّ، يُسمّيه عالم النفس دانييل غيلبرت وزملائه بـ (وَهم نهاية التاريخ) وهو اعتقاد ضمني موجود لدى البشر، في الّلحظة التي يعيشونها الآن، أنّهم يعيشون النسخة الأمثل من أعمارهم، النسخة الأفضل من حياتهم، بأنّ ما وصلوا إليه الآن هو أقصى ما يمكن أن يصلوا إليه كتغيير شخصيّ، وأنّ تفضيلاتهم الحالية وذوقهم الحالي في طعامهم وملبسهم وذوقهم وأصدقائهم وعلاقاتهم، هي هي نفسها ما سيظلّ يعجبهم ويفضّلونه ويبحثون عنه، بعد 10 سنين أو 20 سنة أو حتّى آخر يوم في أعمارهم. ونتيجة هذا المنزلق الإدراكي، نبني قراراتنا المصيرية -من مهنة وزواج واستثمار- بناءً على تفضيلاتنا الحالية، متجاهلين أنّ “الذات المستقبلية” قد لا تُشاطرنا نفس الذوق أو القناعات، بل وحتّى الاحتياجات، إذ حينما تكبر، ستحتاج أمور مختلفة تمامًا عمّا تحتاجه الآن في شبابك، ليس أقلّها صحّتك الجسدية وإحاطة نفسك بشبكة من العلاقات النوعية ذات الجودة العالية، التي ستمنحك النفوذ والأمان والرعاية والدعم وتحلّ لك المشكلات الشائعة في عمرك ذاك، وليس في عمرك الحاليّ. الإنسان الذي أنت عليه الآن هو كائن عابر ومُؤقّت وزائل.. تمامًا مثل كلّ تلك النسخ التي كُنتها في الماضي، ومن المهم أن تفكّر (فيما ستكون عليه، أو ما تأمّل أن تكونه) وأن تبدأ بتعقّل احتياجات هذا الكائن المستقبلي والموارد التي ستحتاجها في هذا السنّ أو ذاك وأن تبدأ بتغيير (أسلوب حياتك وتفاصيل يومك) كي تخدم هذا المَسعى الاستراتيجيّ وطويل المدى. وليس هناك ما هو أكثر استراتيجية من إعداد صحّتك البدنية لفترة الهرم، كي لا تكون بها عالَة على مَن حولِك، وبطبيعة الحال ليس هناك ما هو أكثر استراتيجية من أن تعمل لآخرتك، من سنّ مبكّرة وقد أحسن سيّدي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ حين قال وهو يَعِظُه: اغتنِم خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك. ولذا أقول دائمًا أنّ أفضل المُعالجين النفسيين، هُم أولئك الذين يُحضّرون مُراجعيهم وعُملائهم ليس للتعامل مع مشكلاتهم الطارئة (والحالية) فحسب، بل أولئك الذين يوقظونهم على أهمّية التحضّر والاستعداد لمتطلّبات المرحلة العمرية القادمة من أعمارهم. وقد كتبت بشكلٍ موسّع حول هذه الظاهرة وكيفية إصلاح حاضرنا عبر التخيّل المستمرّ لذواتنا المستقبلية، تجدونها وتجدون توصيات عملية للتحرّر من هذا المنزلق، على الرابط أدناه. https://almanfa.com/2026/02/13/%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d9%85%d8%a7-%d8%a3%d9%86%d8%aa%d9%8e-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87%d8%9f-%d8%b1%d8%a8%d9%91%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d9%86%d8%a8%d8%ba%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%83-%d8%a3%d9%86/

لاحظ هيغل أنّ الصُحُف ومتابعة الأخبار في الصباح الباكر، كطقس منتظم للإنسان الحديث هو بمثابة صلاة الصباح التي كان يقوم بها الإنسان في الماضي. Reading the morning paper is a kind of realistic morning prayer كان الإنسان المُتدّين يبدأ يومه قديمًا بتلقّي مَعنى هذا العالَم وموقعه الشخصيّ فيه من خلال الصلاة والعلاقة مع السماء، ولكنّه بات اليوم يسارع ليتناول هاتفه حين يستيقظ ليتلقّى صورة هذا العالَم من خلال الأخبار وأحداث العالَم اليومية. الملمَح الأساسي الذي يلتقطه هيجل -في زمانه-، هو أنّ الإنسان الحديث حين يتابع الأخبار يبدو كما لو أنّه يقوم بفعل فردي وخاصّ، ولكنّه في قرارة نفسه يعرف أنّ آلافًا بل ملايينًا غيره يقرؤون النسخة ذاتها تقريبًا بالوقت نفسه في جميع أنحاء العالَم، وهذا أشبه بطقوس جماهيرية مُعلمَنة، وكأنّنا جميعًا عند استيقاظنا، نقرأ من كتاب مُقدّس واحد، اسمه: السوشال ميديا (الجريدة في زمان هيغل). من المهم هنا أن نميّز ما قصده هيغل على وجه الخصوص، فهو لا يعني أنّ الأخبار أو الصحيفة باتت مقدّسة، لا أحد يُقدّس الأخبار، كما أنّه لا أحد يقول لك أنّني أعبد متابعة الأحداث، فالمسألة ليست بهذه البساطة الساذجة أو المُخلّة. التحوّل المقصود هنا، هو تحوّل عميق في بُنية الحياة الحديثة، عن الفجوة التي حدثت بين عالَم مُعلمَن كالذي نعيش فيه اليوم، وبين عالَمٍ تقليدي سابق كان فيه الدّين القاموس الرئيسيّ كي يفهم الإنسان نفسه وعالَمه ومصيره. بالماضي كان الإنسان يبدأ يومه من الأعلى، من السماء: من الدعاء، ومن استحضار الله، ومن رؤية الإنسان لموقعه الكونيّ بحسب قرآنه ممّا يمنحه السكينة ووضوح الغاية وهدف السعي والكدّ والتعب. اليوم، يبدأ الإنسان يومه من الأسفل، من الدنيا: من العناوين، من أخبار الدول والأسواق والحروب والفضائح والوفيات والتعيينات، أي من ذلك التدفق اليوميّ، من الإغراق في الزمان الدّنيوي ودنائته وعوالقه. إنّه الفرق الضمنيّ وغير الواعي الذي يحدث في رأسك، بين أن تدرك عند استيقاظك أنّه (الّلهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطيَ لما منعت) وبين أن تقرأ أخبارًا عن تقلّبات أسعار النفط والذهب والأسهم، فيستقرّ في وجدانك أنّ الولايات المتحدّة ستقطع عنك رزقك أو ستضيّق عليك مَعيشك في قابل الأيام. وكثيرًا ما يُستشهد بمقولة هيغل هذه لتوضيح الكيفية التي تغيّرت بها الاهتمامات في العصر الحديث: فقد انصرفت أنظارنا عن العالَم الغيبيّ البعيد واتّجهت نحو الأحداث اليومية والزمان الدنيويّ القريب. من المهم الحذر في تناول الخلاصة السابقة في سياقها، فأنا لا أقصد بأي حال من الأحوال، ولا أشجّع على إحداث قطيعة بين المسلم وواقعه، ولا أن يعتزل المؤمن عالَمه، فهذا بطبيعة الحال مُخلّ بصورة المُؤمن التي أرادها القرآن من أنّ الأمّة وأفرادها شهداء على النّاس، شهداء على أزمانهم، حاضرين في مجتمعاتهم ويبنون تصوّراتهم ويقرّون الصائب أخلاقيًا، ويُدينون الباطل وفاعليه. ومن المهم كذلك أن نستحضر النموذج النبويّ، للرسول صلّى الله عليه وسلّم، الذي اعتنق رسالة السماء، واشتبك أيّما اشتباك مع قبيلته وعشيرته ومجتمعه فكان سيّدًا في خُلقه وعشرته ونعم الزوج ونعم الصديق ونعم التاجر ونعم المقاتل وأرسل وفوده، وعلّم الصحابة لغات الشعوب من حوله، كي يكون على بصيرةٍ وبيّنة من واقعه ومجرياته، وعالَمه وحيثيّاته. لكن أسوق هذا كلّه كي نتنبّه لعلمَنة الطقس اليوميّ، لتشوّهاتنا العميقة المُعتادة وغير المرئية. لما تفعله الحداثة بنا، الحداثة التي لم تُلغِِ حاجة الإنسان إلى الطقس والمعنى والانتظام اليومي، لكنها نقلت هذه الحاجة من المجال الدينيّ إلى المجال الإعلامي-العموميّ. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا نافذة صباحية يُطِلّ منها على العالم، وما حدث فقط هو أنّ النافذة قد تغيّرت.أنّ نتذكّر أن متابعتنا للأخبار هي ليست شهيّة معرفية فقط، ولكنّها طقوس وممارسات تذكّرنا بموقعنا في هذا العالَم وتمنحنا شكلًا من التثبيت النفسيّ والانتماء واليقين، حتى لو كان هذا اليقين مؤقّتًا ومصنوعًا من عناوين عابرة، سننساها في اليوم التالي. وهو تذكير لك كلّما توحّلت في مستنقع الحياة اليومية، وكلّما غرقت وأغرقتك فوضى الأحداث الدنيّة، أن تتذكّر لماذا أنتَ هنا في هذا العالَم؟ وما هو المطلوب منكَ حقًّا؟ وأفضل طريقة كي تجيب بها عن هذين السؤالَين، هو أن تغيّر طقوسك اليومية، أن تبحث في المكان الصحيح، أن تعود للمصدر الكافي والجواب الشافي، لا أن تزيد من تيهك ولا أن تعظّم من حيرتك ولا أن تلهث بعبثية مطاردًا كلّ خبرٍٍ يمرّ أمام عينيك رغبةً في تبديد شعورك بالخوف والّلايقين. وكل ما أقوله هنا، هو أنّك أحيانًا تنسى فيتغيّر ما تُريد.. (تريد العالَم) والقرآن يمتدح أولئك الذين (يريدون وجهه) فحدّد ماذا تريد؟

من أشكال المواساة المُتداولة في السياق الغربي، أن يقول أحدهم لآخر يمرّ بمحنة أو تجربة صعبة: أتمنّى أن تخرج من هذه المحنة وأنتَ متماسك (كقطعة واحدة) I hope you get out of this (in one piece) أليست استعارة بديعة أن نُعبّر كبشر عن (العافية والسلامة) عبر قولنا ودعائنا أن يخرج مَن نُحبّ من ضربات هذه الحياة كـ (قطعة واحدة)؟ لأنّه من السهل أن نتشظّى وأن تنقسم تصوّراتنا عن أنفسنا وعن العالَم عقب التجارب المؤلمة والصادمة من السهل أن نتصدّع، أن تكون أرواحنا ممزّقة، وأن تصبح نفوسنا متناثرة، من شدّة الضربات وتتاليها! لأنّه ثمّة مِحَن ومصائب لا نخرج منها إلّا رُكامًا وفُتاتًا، قِطَعًا وأجزاءً! وقد عبّر امرؤ القيس بأبياتٍ بديعة عن هذه الحالة، حين قال: فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَةً وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسا هذه تغريدة كنت كتبتها قبل أعوام وجرى تداولها على نطاق عريض، وكنت أراجع في حينها دراسات الصدمة النفسية والصدمة المُركّبة.. وقد كنت أراجع مفهوم الذات المُجزّأة fragmented self أو الذات المُتشظّية. ولكن ما يلفت انتباهي بالآونة الأخيرة، هو أنّ حالة العالَم اليوم كفيلة بتشظية الإنسان بطريقة أو بأخرى، لم نعد بحاجة لتجارب صادمة أو مصائب كُبرى كي نتشظى بل إنّ طبيعة العالَم اليوم بصيغته ما بعد الحداثية، بمدخلاته ومقولاته وطرائق تفاعل البشر مع بعضهم البعض تفرض على الإنسان نوعًا من التشظية ونوعًا من التفتيت التدريجي للرّوح. وقد كتب المفكّر الصيني البارع "يي-فو توان" في مطلع الثمانينات وهو أحد روّاد تيّار الجغرافيا الإنسانية كتابه الهامّ Segmented Worlds and Self كيف أنّ العالَم اليوم بفعل الهيمنة الغربية، يفرض مِزاجًا فكريًا يكرّس نشوء الإنسان المعزول، إنسان حسّاس وناقد، وذو وعي عالي بذاته، وهي ظاهرة نتجت عقب تحوّل العالَم الاجتماعي الغربي إلى عالمٍ أكثر تعقيدًا وتخصصًا وتجزؤًا، وقد انعكس ذلك على أنماط العيش الجماعي التي أصبحت تتفكك لصالح خبرةٍ أكثر فردانية. وقد تتبّع توان في كتابه تجليّات هذا “التجزؤ” في تفاصيل الحياة اليومية مثل الطعام وآدابه، البيت والأسرة، وفردنة روتين الحياة اليومية، وتعظيم الخبرة الحسّية للفرد. فالإنسان اليوم تائه، ومُشتّت، لا يعرف ما الذي يجب أن يصير إليه! إنّه يشعر بالتأخّر، حين يرى النّاس في مساراتها المتعدّدة، ويشعر بإلحاحٍ مَرَضيّ، كما لو أنّه يبنغي عليه أن يركض في جميع الاتّجاهات بالوقت نفسه هل هناك إنسان واحد على وجه الأرض يُعجبه ما يقوم به؟ أقصد.. دون شعورٍ جنونيّ بأنّه (كان ينبغي عليه أن يختار تخصّصًا آخرًا أو مهنة أخرى) هل هناك إنسان واحد يُرضيه ما هو عليه؟ ويعتقد أنّه وصل سقف الكفاية، دون أن تنهشه شياطين المقارنة بنجاحات الآخرين وإنجازاتهم ومنشوراتهم! إنّ الطريقة التي يتعرّف بها النّاس إلى العالَم اليوم عبر شاشات هواتفهم بحدّ ذاتها مشتّتة، والتشتّت في الذهن، يؤول بالضرورة إلى تبعثر الهُويّة وتشوّش الذات! وقد استعاذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من (شتات الأمر) وهو دعاء بديع، وانتقاءٌ بليغ لما ينبغي الحذر منه! وشتات الأمر، تفرّقه وعدم انضباطه، وهو حالٌ يؤدّي إلى التخبّط في القرارات، وإهدار الوقت، وتضارب الأولويات، ومراكمة كثير من الأعمال غير المنجزة.. ولو تعلمون أنّ شقًّا غيرَ يسير من اضطرابات النفس مردّها (الأعمال غير المنجزة) والأبواب المفتوحة وغير المغلقة وتراكمها في سراديب الّلاوعي وتزاحمها عند بوابة الوعي، فتبقى الذات مشتّتة، تتنازعها مساراتٍ متعدّدة، دون قرارٍ ولا استقرار. والمخرج الوحيد للإنسان من هذا العالَم المأزوم، أن يسعى الإنسان لتزكية نفسه ومداواة قلبه من مستنقعات الجشع، ووَحل الحسد، وسجون الشهوة ودوائر الطمع، وأن يُذكّر نفسه بحقيقة الدنيا، وبحدود بشريته وفنائه الحتميّ، وأنّ أهمّ ما يستثمر به الإنسان وقته، هو ما يبقى وما يدوم، من الباقيات الصالحات. فأعيذوا أنفسكم وأهليكم وأحبابكم من شتات الأمر ووسواس الصدر، وسَلوه الرضا والقناعة والثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.. فذلك أنجى لكم ولهم!

كثيرًا ما تكشف تجربة الحبّ عن إحباطات عميقة لدينا.. إحباطات، لم نكن نعلَم أساسًا بوجودها! لأنّ الوقوع بالحُبّ مهما بدا رومانسيًا، إلّا أنّه وبالضرورة يُوقِظ ويُلامس ويُداعب احتياجاتنا النفسية العميقة. وهي احتياجات غالبًا ما تكون مكبوتة لفترة طويلة وهو ما يجعلها مناطق مُتوتّرة وحسّاسة! إنّ الشخص الذي تُريده بشدّة، هو الشخص الذي يُعبّر عن الشيء الذي تفتقده بشدّة.. ونادرًا ما نستطيع نحنُ البشر، أن نُشكّل علاقة سليمة وآمنة مع الأشياء التي تنقصنا. نحنُ مسكونون ومَهجوسون بكلّ تلك التي أردناها بشدّة وحُرمنا منها بكُل تلك الأمور التي كنّا نحتاجها ولم نحصل عليها! ولذلك يشيع أن يبدأ كثير من الأفراد مراجعة المعالج النفسي واستكشاف مشكلاتهم الذاتية كنتيجة مباشرة لزواجهم ودخولهم في علاقة زوجية جديدة للمرّة الأولى.. لأنّك سواء أكنتَ مُدرِكًا أنّ هُنالِك شيء ما مفقود في حياتك أم لا.. فستُدرِك مدى جوعك وعطشك وتوتّرك حيال ما تفتقده، حين تقع بالحُبّ بالشخص الذي تُريده لأوّل مرّة وهي ذات الّلحظة التي ستبدأ عندها إحباطاتك بالتفاقم والانفلات والتفلّت والظهور على السطح بوضوح

يستخدم النّاس (القلب) كي يصفوا به: أهواءَهم.. ما يَميلون إليه ما يشعرون به، وما يرغبون به! والأدهى أنّ المِزاج العالَميّ اليوم يعتبر كلّ ما هو (قلبي) = (مشروع) وصحيح بالضرورة! ولتفعل ما يُمليه عليك قلبُك! لكنّ القلب في التصوّر والموروث الإسلامي، أشبه بمنزل أو إناء (الكوز)، يمكنكَ أن تملؤه بالأنوار أو الأهواء! مكان قد يتعرّض للاتّساخ فيُظلِم فلا يُفيد صاحبه بشيء، وقد وصف الرسول ﷺ حالًا مُرعبًا قد يصل إليه القلب: لا يعرفُ مَعروفًا، ولا يُنكرُ مُنكرًا تخيّل هذا الرعب!! فالمسألة لا تقتصر على عدم إنكار المنكر فحسب، ولكنّها حالة من الشلل التامّ، من الإغراق المُطلَق، حتّى المَعروف لا يتعرّف إليه صاحب هذا القلب! وبالمقابل، قد يكون القلب مكانًا تملؤه الأنوار (بالذكر والتقوى والتخلية والتحلية) فيُرشد صاحبه (ويجعل لكم نورًا تمشون به)، ليس نورًا عبثيًا، ولا نورًا للزينة، بل نورًا تمشون به! لكن من منظور سيكولوجيّ بسيط، أوصي: في علاقتك مع قلبك، لا ينبغي أن ترجع له فقط كي تتعرّف على ما تشتهيه وما تميل له وما تهوى إليه بل عليكَ قبل هذا كلّه أن تزرَع وتُنمّي حسّاساتك القلبية، مجسّات لالتقاط ألاعيبك الخاصّة، وتحديدًا خداع الذات وأكاذيب النفس ومنزلقات التبرير الذاتيّ وكُلّ ما أحاول قوله هُنا، أوجزه أهل العلمِ حين قالوا من قبل: مَن لَم يَجِد في قلبه زاجرًا، فَهُو خراب!

هل يُمكننا، في نهاية المطاف، أن نُحبّ شخصًا يبدو لنا كاملًا تمامًا -كما ندّعي-؟ أقصد هل يمكننا كبشر أن نُقدِم على حُبِّ شخصٍ ما، يبدو جليًا أنّه يمتلك كلّ شيء لوحده؟ حتّى وإن كُنّا مفتونين ومغرومين في هذا الشخص الذي يبدو لنا أنّه بلا عيوب، حتّى وإن كُنّا نراه مكتمل وبكامل صفاته الحسنة.. أليس من الشائع أنّ لحظة حبّنا لشخصٍ ما، لا تبدأ إلّا منذ الّلحظة التي نشعر فيها بأنّه شخصٌ تعيس إلى حدٍّ ما؟ أعني.. ليس بالضرورة أن يكون تعيسًا للغاية أو بائسًا بالمُطلَق، لكنّ الحبّ هو المساحة التي تمنحنا إيّاها الّلحظة التي تنكشف لنا في هذا الشخص هفوة أو نقص، كأن يسأل بعفوية سؤالًا ما، فيتبدّى لنا جهله! أو حين يقوم بفعلٍ ما، فيُحرِج فيه نفسه، أو حين يتصرّف كأبله أو حين نراه كشخص عاجز يحتاج إلى مساعدة! أليسَ في عدم إتقان الشخص الذي نُحبّ أو في عدم اكتماله، مساحة ممكنة لنا؟ إنّنا نرى مجالًا لتواجدنا، مكانًا مُحتَمَلًا لأنفسنا في عالَمه، وفي عواطفه. بعبارة أخرى، حين نرى عيب الآخر أو نقصه، فنحن نلمَح إمكانية لكي نقترب، إمكانية أن نفعل له شيئًا، أن نُقدّم له شيئًا، وبالتالي أن نَعني له شيئًا! ربما وأقول ربما، نحن لا نُحب ما يمتلكه الآخر، بل نُحبّ ما يعجز عن امتلاكه، لأنّ ما لا يستطيع الآخر امتلاكه، هو ذاته ما يسمح لنا بالوجود بالقُرب منه، هو ما يمنحنا هذه الشرعية، ويُبرّر علاقتنا معه. - المحلّل النفسي جاك لاكان (بتصرّف)

من الأمور التي رصدها علم النفس الأخلاقي: أنّ البشر حين يرتكبون إثمًا أو حين يقومون بفعلٍ قبيحٍ أخلاقيًا، فإنّهم يشعرون باتّساخهم الجسديّ بالمعنى الحرفيّ للكلمة! وقد قام عالم النفس "سبايك لي" وزميله في عام 2010 بدراسة مثيرة للغاية كي يلتقط أثر ارتكاب الأفعال غير الأخلاقية على اتساخنا الجسديّ أو شعورنا بتلويث أنفسنا بالمعنى المادي والحرفي والكلمة. في التجربة، قيل للمشاركين إنّ الدراسة تهدف إلى تحليل شخصياتهم واختياراتهم الشرائية. ولكنّ الدراسة في حقيقتها ترصد شيء مختلف تمامًا، هذه المعلومة كانت تهدف لتجنّب انحياز المبحوثين الذي قد يحدث إذا ما عرفوا الهدف الحقيقيّ من التجربة. أمّا مُجريات الدراسة فهي مثيرة للغاية فقد طُلب من المبحوثين أولًا أن يتخيّلوا زميلًا لهم اسمه "كريس" أضاع مستندًا مهمًّا للشركة، ثم يرسلوا له رسالة: إمّا عبر بريدٍ إلكتروني مكتوب أو عبر رسالة صوتية. في هذه الرسالة إمّا أن يقولوا الحقيقة (لقد وجدت المستند) وهذا شيءٌ حسنٌ أخلاقيًا، وسينقذ كريس من التعرّض للضرر أو الفصل من العمل، أو أن يقوموا بالكذب (لم أجد المستند) وهُم يعلمون أنّ هذه الكذبة ستضرّ بـ كريس، وستؤدّي لفصله من العمل. من المهم أن نتذكّر أن ارتكاب الفعل غير الأخلاقي (الكذب) قد جرى بطرائق مختلفة: إمّا عبر بريد إلكتروني مكتوب (باستخدام اليدين)، أو عبر رسالة صوتية (الكلام باستخدام الفم). بعد ذلك، سُئلَ الأشخاص المشاركون بالبحث، عن مدى رغبتهم بشراء منتجات مختلفة كـ "استبيان تسويقيّ" ولكي يختاروا وينتقوا من هذه المنتجات ما يُعجبهم وما يرغبون بشرائه بشدّة، وقد كانت النتيجة مثيرة للاهتمام: الأشخاص الذين كذبوا من خلال كلامهم أي باستخدام صوتهم، كانوا أشدّ رغبة من غيرهم بشراء غسول تعقيم الفَمّ! أمّا أولئك الذين كذبوا بواسطة البريد الإلكترونيّ، أي استخدموا أيديهم في ارتكاب الفعل غير الأخلاقي (الكذب)، فقد كانوا أكثر مَيلًا من غيرهم لشراء مُعقّم اليدين! هذه ملاحظة مذهلة في علم النفس، وهي ليست الدراسة الوحيدة التي تتحدّث عن هذا التأثير، إذ يصطلح علماء النفس على هذا التأثير اسم: تأثير ماكبث The Macbeth effect وهي ظاهرة نفسية، تصف رغبة البشر الشديدة العميقة وغير الواعية، بالتنظيف والتعقيم والاغتسال بعد شعورهم بالخزي أو الفشل الأخلاقي! يستخدم البشر استعارات لغوية منذ قِدَم الزمان لتوصيف شعورهم الجسديّ والماديّ بالاتّساخ أو التلوّث، حين يصفون أنفسهم عقب ارتكابهم أفعال غير أخلاقهم، فيقولون عبارات من نوع: أنا شخص "وسخ" أو أنا إنسان "قذر"! مثلًا نقول عن الألفاظ النابية والشتائم: كلام قذر Dirty في إشارة لحصول الاتّساخ والتلطّخ بالقذارة! من نافلة القول أنّ جزء كبير من التشريعات في الإسلام، تربط بين الاغتسال والتوبة، واستعارات كثيرة من التوصيات النبوية تربط بين الماء وإزالة الذنوب، وأنّ التطهّر الوجداني للنفس والرّوح يرتبط بطريقة أو بأخرى بتطهير الجسد. وقد وجدت سلسلة من الدراسات الأخرى بالمناسبة، أحدها على سبيل المثال قام الباحثون باستثارة مشاعر الذنب لدى المبحوثين، ثمّ قاموا بإعطاء مجموعة منهم منديلًا مطهّرًا ومعقّم لغسل أيديهم (مقابل مجموعة أخرى لم تتلقّ هذه المناديل) وقد وجدت الدراسة انخفاض ملحوظ في مشاعر الندم والذنب والخجل تجاه الإثم المُستثار لدى المبحوثين، كل هذا الانخفاض بالشعور بالذنب كان بفضل فعل بسيط كغسل أيديهم! لكن هناك ما هو أكثر إثارة برأيي، في دراسة "سبايك لي" نفسها كان قد طلب من مجموعة أخرى أن يرتكبوا فعلًا أخلاقيًا، تحديدًا (الصدق) بإرسال الرسالة الصحيحة إلى "كريس" وعدم الكذب، وقد وجدت الدراسة أنّ هؤلاء الأشخاص الذين استخدموا أيديهم لإرسال رسالة نصّية وبريدية يصفون بها لكريس واقع الحال، بدون كذب ودون محاولة للإيقاع بزميلهم أو توريطه بأذىً وضرر غير مبرّر.. هؤلاء الأشخاص تحديدًا كانت لديهم أقل رغبة نفسية لشراء "معقّم اليدين" من بين جميع المجموعات. وكأنّ البشر، لا يحبّون أن يغسلوا أثر الفعل الطيّب عن أياديهم ولا أن يسارعون به. وهذا السياق يذكّرني بالحديث الشريف وفيه أنّ رَجُلًا قال يا رسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كثُرت عليَّ فأخبِرني بشيءٍ أتشبَّثُ به! قال: لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ! وهذه إلماح مُبهر من الرسول ﷺ للشعور بالترطيب والطهارة الجسدية، من فعلٍّ أخلاقيٍ معنويّ كالذِكر! وأذكر أنّ أهل الذوق قد أشاروا كثيرًا في توصياتهم في (آداب الذكر) أنّه يُستحَبّ ألّا يشرب الذاكر الماء أثناء الذكر أو بعده مباشرة، حتّى تنعقد حرارة الذكر في قلب الذاكر، وحتّى يتلمّس الجسد بركة ذكر الله عزّ وجلّ. والله أعلم

أحد أبرز علماء الأعصاب في العالَم، طبيب برتغالي يُدعى أنطونيو داماسيو، أفنى حياته ليُجري أبحاثه ودراساته عن البشريّ الوعي والعلاقة بين الدماغ والوعي، كما كانت لأبحاثه في علم أعصاب العواطف شأنًا كبيرًا. كنت أطالع نصًّا له في كتابه الماتع: تكوّن الذات في الدماغ الواعي Self Comes to Mind: Constructing the Conscious Brain ويقول فيما يقول: نستيقظ في كلّ صباح، وتعود عقولنا لوعيها مرّة أخرى، بطريقة مذهلة، وهي تملك إحساسًا كاملًا بذاتها، تُكمل حيث توقّفت الّليلة الفائتة، بدون نقص.. دون أن نتوه عن ذواتنا بعد هذا التخدير العميق.. دون أن نضيع في مسارات وعي مختلفة، ودون أن نفقد جزءًا من ذواتنا في عملية غيبوبة كاملة لا-إرادية! ثمّ يختم داماسيو هذا النقاش بقوله: ومع ذلك، نادرًا ما يتوقّف البشر ليتأمّلوا هذه الأعجوبة المذهلة التي تحصل لهم في كلّ يوم! وحين يقرأ المرء نصًّا كهذا.. بالغ الجمال في فهم فلسفة الوَعي، وتعقيد المسألة العصبية للدماغ والذات ومدى عظمة المبدأ العلمي للنوم والاستيقاظ بعد النوم رغم بداهته واعتيادنا لهذه الظاهرة العظيمة، فإن المؤمن لا يسعه إلّا أن يردّد في قرارة نفسه قول العزيز الحكيم: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (الأنعام:60)

في كتابه (مُعضلة الألم) يطرح الناقد الإيرلندي الشهير سي إس لويس C.S Lewis مفارقة ساخرة يتساءَل فيها: لماذا الإله في التصوّر المَسيحيّ الحالي، أقرب إلى أن يكون (جَد) أكثر من كونه (أب) كما يدّعي المسيحيون؟ غني عن الذكر أنّ العقيدة المسيحية بصيغتها الحالية قائمة على الثالوث، ويشيع أن نسمعهم وهم يردّدون في دعائهم ومناجاتهم: أبانا الذي في السماء! المفارقة التي يطرحها سي إس لويس هُنا، هي أنّ التعاطي مع الإله في الأزمنة الحديثة، يكاد يُصوّر إله مختلف تمامًا عمّا كانت عليه المسيحية في أصلها! الأب بطبعه يشكّل الصرامة، يحاسب على الخطأ، قد يفرض بعض العقوبات، وقد يقوم بفعل بعض الأمور وأخذ بعض القرارات دون أن يوضّح مقصوده، لديه حكمة خفّية، ولديه خطوط حمراء ولديه مُعطى تربوي يسعى جاهدًا لتربية أبنائه. الجَدّ في المقابل متسامح، يمنح أحفاده جميع ما يتمنّون من طلبات، لا يحبّ عقاب الأحفاد ويُفضّل أن يتنازل في كثير من الأحيان عن كثير من الخطوط والمبادئ الحمراء التي يرسمها الوالدان لتربية أولادهم. بهذا المعنى تقريبًا، يتعامل المسيحيون مع إله يُشبه الجد في تعامله معهم، أكثر من إله لديه شريعة صارمة ينبغي العيش وفقها. في عام 2005 انتبه عالم اجتماع يدعى كريستيان سميث إلى أنّ الأجيال الجديدة من المراهقين والشباب المُتديّنين في الغرب، يؤمنون ببعض الأمور التي لا تشبه عقيدتهم الأصلية، وإنّما يُعيدون إنتاج الديانة المسيحية وفق سياق مادي وعلماني، سمّاه: الربوبية العلاجية الأخلاقية Moralistic therapeutic deism (MTD) بحسب مفهوم الربوبية العلاجية، يتحوّل الله عزّ وجل إلى كيان يُقدّم خدمات علاجية تلطيفية للمتدينين، (إله عند الطلب) يُحقّق لهم أمانيهم، ويسهّل لهم حياتهم، ويُشعرهم بالتحسّن إذا ما شعروا بالسوء حيال أنفسهم، وغايته الأساسية أن يجعلهم (سعداء)! هذه "لسعة واضحة" لدى الإنسان المعاصر مسلم كان أو مسيحي أو بوذي أو ملحد، وهي فكرة تقول أنّ هدف الإنسان وهاجسه الأساسي اليوم هو تحويل الحياة الدنيوية إلى مكان فردوسي، مكان يكون فيه سعيد فحسب، وأنّ كل شيء بما فيه الدّين والعمل والأسرة والأصدقاء هدفهم هي أن يجعلونا سعداء، سعداء للغاية، وإلّا فهُم لا يستحقوننا. هذه النزعة نحو (الدين التلطيفي والعلاجي) أشار لها نقّاد كثر، من ضمنهم عالِم لاهوت إتش ريتشارد نيبور، حين قال أنّ البشر في عالَم اليوم، يُريدون: "إلهٌ بلا غضبٍ جاء بأُناسٍ بلا خطيئة إلى مملكةٍ فردوسية بلا دينونة" إله يتمنّاه المتديّنون الجدد كما قال سي إس لويس: إله يُسعِده أن يرى الشباب يستمتعون في حياتهم، وخطّته للكون تهدف فقط لإسعادهم، ويهمّه أن يُقال في نهاية كلّ يوم: “لقد قضى الجميع وقتًا طيبًا”! من نافلة القول أنّ هذه المقاربات لفهم المولى العظيم، ليست من الدّين في شيء، تعالى الله أن يكونَ أبًا أو جدًّا أو ابنًا أو أيًا ممّن نعرفه، فالله عزّ وجلّ ليس كمثله شيء، بعيدًا عن الرغبات البدائية والطفولية للنّاس بإضفاء طابع مادي أو إنساني أو توثينيّ للإله كل يسهّل عليهم معتقداتهم. وبالمقابل نستطيع أن نرصد اتجاهات كثيرة في الخطاب الديني المُعاصر للمسلمين، وخطابات تسعى لإضفاء نوع من التصوير الأحادي لله عزّ وجلّ ، أولئك الذين يُريدون أن يكون الله الرحمن الرحيم، ولكن ليس المتكبّر أو المنتقم! لكن الثابت هو أنّ لله عزّ وجلّ له الأسماء الحسنى، كلّها مجتمعة غير مجتزئة ولا منقوصة، وأنّ الإيمان يكون بكلّ الكتاب وليس ببعضه. يُجمِع علماء المسلمين أن لله صفات الجَمَال والجلال والكمال، فالله عزّ وجلّ رحيم لطيف، لكنّه عظيم ذو انتقام، صاحب البطش الشديد، عزيز لا يقهره شيء، حليم، لكنّه عدل لا يظلم النّاس شيئًا، ولا يُهمِل حقوقهم المسلوبة، ويردّها إليهم في يومٍ لا تفوته فيها مثقال حبّة من خردل. لكن أتحدّث تحديدًا عن نسخة مادية ودُنيوية ورغائبية من الدين، عن تدّين خدماتي وعلاجي (إله عند الطلب) يخدم رغباتنا لكنّه لا يُسائل واجباتنا، ويتحدث عما نستحقه نحن لا عما يريده هو، مثلًا يشيع أن يقول النّاس: ليس بيننا وبين أمانينا إلّا دعوة! دون مُسائلة لطبيعة "الأماني" التي نتمنّاها، ودون تقدير لما ستجبله علينا هذه الأماني لو تحقّقت من الويلات أو الإغواء أو الإفساد أو الإبعاد عن السلامة الأخلاقية والمسار الأسلم لمصائرنا ومساعينا. ودون اعتبار لأشكال الاستجابة المعلومة للأدعية، والتي من ضمنها أن يردّها الله لضررٍ يعلمه في مسألتنا، وأن يكتب لنا أجر الدعاء، وييسّر لنا ما فيه الخير وإن كان خارج ما تمنّيناه. وقد تراكمت في الخبرة البشرية حكمة توارثتها أمثال شعبية قديمة، تقول فيما تقول: احذر ما تتمنّاه! be careful what you wish for باختصار أقول، أنّ أخطر تحوّل يحدث للناس اليوم، هو أنّهم يُريدون: مغفرة دون توبة وعلاجًا دون دواء وجنّة دون عمل ونقاءً دون تطهّر ونجاحًا بدون امتحان وتزكية بدون تضحية وتغييرًا دون أن يتغيّروا

عمّا يفعله الفراغ بنا وكيف يقتات العقل الفارغ على تفاصيل الآخرين وكيف يتسبّب الفراغ في خلق الفضول الرديء نموذج استحضره في ذهني أمام منشورات كثيرة على الفيسبوك ومنصّات التواصل الاجتماعيّ خاطرة كنت كتبتها، وقام صاحب القناة مشكورًا ولا أعرفه، بتحويلها لمنتج صوتي.. https://youtu.be/LZP14YPhzyg?si=_CG4Rfy9t4Ys0OFX

يسأل أحد المتابعين: أريد أن أرتبط بفتاة أعرفها والفتاة من بيئة محافظة.. وأنا أرغب فعلًا بالزواج من فتاة من بيئة محافظة، لكن تأتيني مخاوف أحيانًا من عدم نضجها العاطفي وقد استشرت صديقًا لي وهو مختص في الطب النفسي، وأخبرني أن الفتيات اللواتي لم يختبرن علاقات عاطفية من قبل، لا يستطعن التعبير عن عواطفهن بشكلٍ جيد، ويواجهن صعوبات في فهم مشاعرهم الخاصة، وأخبرني أني قد أواجه صعوبات وتحديات وستكون العلاقة مرهقة ومستنزفة بالنسبة لي، فهو يعرف أنني يهمّني النضوج والذكاء العاطفي. إجابة: سؤال مهم وشخصيًا كنت قد سمعت هذا الادعاء في عدة مناسبات، والحقيقة لا أعرف أساسًا علميًا تستند إليه هذه المقولة وأراها أحيانًا لَوثة مادية، تجعل التجربة والانفتاح الطريق الوحيد للخبرة البشرية. "التجربة الذاتية" ليست الطريقة الوحيدة لتحصيل الحقيقة.. ولا أدري أين قرأت ما مفاده أن الإنسان العاقل لا ينبغي عليه أن يأكل بيضة فاسدة، كي يُدرِك بأنّها فاسدة، هناك مؤشرات في شكلها ورائحتها تجعلك تمتنع عن تناولها بالأساس. وعلى نفس المنوال، لا ينبغي أن أقع في حفرة، كي أعرف أنّها حفرة مُؤذية! يكفيني أن أرى شخصًا آخر أمامي قد تعثر بها وتأذى بسببها كي أعلم ذلك. الآن بما أنك قد ذكرت أن صديقك ينتمي لحقل الطب النفسي، فهذا يجعلني أتوجّس من المعرفة العلمية التي يؤسّس كثير من الأخصائيين عليها معارفهم، حين يعمّمون تجاربهم الخاصة وتجارب مراجعيهم بدون الاستناد لدراسات علمية صلبة وموثوقة عابرة للثقافات أو قد يكون هنالك جانب أجهله وأحبّ أن أعرفه. علميًا، المؤشّر الأفضل للنضوج العاطفي بحسب أكثر النماذج العلمية صلابة في علم النفس والعلاج النفسي، هو علاقة الأنثى بأبيها، وعلاقة الذكر بأمّه وأبيه، وكذلك علاقة الوالدين ببعضهما البعض. باختصار ما يجعل الفتاة ناضجة عاطفيًا: هو مقدار الأمان والإشباع العاطفي الذي تلقّته في أسرتها، من أبيها وأمّها بالدرجة الأولى! قاموسنا العاطفي نكتبه من خلال آبائنا وأمّهاتنا، هُم مَن يُعلّموننا كيف نشعر؟ كيف أعبّر عن حُبّي؟ كيف أعبّر عن إحباطي؟ كيف أتعامل مع مشاعري؟ مصدر مهم آخر للنضوج العاطفي هو: الطريقة التي يُعامل بها الزوج زوجته، والزوجة زوجها في المنزل، ومدى نضج الأب في التعبير عن عواطفه، ومدى نضج الأم في التعبير عن عواطفها، هذه الأساليب التواصلية وطرائق التعبير العاطفي، يتلقّقها الأطفال ويحتفظون بها ويختزنونها في أعمق بقاع الذاكرة عندهم، ثُم حين يكبرون ويدخلون في علاقة عاطفية كالخطبة أو الزواج أو أي علاقة أخرى، فإنهم يستدعون تلك الأنماط التي اختزنوها من أهاليهم، ويقومون بإلقائها وممارستها على الطرف الآخر الذي يحبّون في العلاقة. إن علاقتنا بآبائنا أو أمهاتنا (أو مقدّم الرعاية الأساسي في حالة الأيتام أو غياب الأب أو الأم..) هذه العلاقة هي قاموسنا العاطفي الوحيد، والبروتوكول الأول الذي تعلّمناه في كيفية التعامل مع الآخر، في كيفية قبوله وفهمه وكيفية التعامل مع مشاعره وانفعالاته وإحباطاته. المسألة الأهم دائمًا في نظرية التعلّق هي (الأمان) قاعدة الأمان (أب أو أم) التي نرتكز عليها كي نكتشف هذا العالم ونخاطر بذواتنا، ونحن نعلم أنه سيكون هنالك دومًا مَن سيرمّمنا ويحتضننا حين نتعرّض للأذى، فالمسألة ليست في غياب الأذى، ولكن في الطمأنة الدائمة التي سنحصل عليها عقب كلّ تجربة. وهذا تحديدًا ما يصطلح عليه علماء النفس بنمط التعلّق (الآمن) Secure أمّا الأنماط الأخرى غير الآمنة (القلِقة والتجنّبية والمشوّشة) هذه كلها نتاج طبيعي لعلاقة غير آمنة في الطفولة مع الأب أو الأم أو كليهما. ما أحاول قوله: • البيئات المُحافِظة ليست رديفًا للبيئات منخفضة الذكاء العاطفيّ. • الفتاة قد تكون ناضجة عاطفيًا حتّى وإن لم تختبر أيّ علاقة عاطفية من قبل. • الفتاة المحافظة ليست شخصًا لا يعرف كيف يفهم عواطفه أو كيف يتعامل معها. • كثرة اختبار العلاقات والتجارب السابقة ليست شرطًا للنضوج العاطفي! بالمناسبة، ثمّة دراسات تشير إلى أنّ كثرة التجارب واختبار عدّة علاقات خلال فترة حياة الفرد، ليست مؤشّر على ضرورة حصول نضوج عاطفي بسبب كثرة التمرّس أو حصول الخبرة! الحقيقة قد تكون كثرة هذه التجارب مؤشّر على العكس تمامًا، مؤشّر على عدم القدرة على (الاحتفاظ بالعلاقة) و (عدم القدرة على صيانة وترميم العلاقة) و مؤشّر لوجود أحد اضطرابات الشخصية مثل اضطراب الشخصية الحدّية Borderline وغيرها من المؤشّرات مثل العُصابية Neuroticism، وتشكّل شخصية غير قابلة للعِشرة أو غير آمنة ويصعب تحقّق شعورها بالرضا. وأشجّعكم ألّا تتورّطوا كثيرًا بالمقولات التي تبدو من الخارج "منطقية"، فالشيء المنطقي ليس شيء علمي بالضرورة.

تظهر أنماط التعلّق على تصرّفاتنا وسلوكياتنا اليومية أكثر ممّا نتخيّل أو نتوقّع. إحدى الأبحاث الميدانية الجميلة -وأنا شخصيًا أحبّ الأبحاث القائمة على تصاميم ميدانية أو المراقبة الطبيعية Naturalistic observation- بقيادة أستاذ علم النفس الاجتماعي والشخصية، الأستاذ آر كريس فرالي. قام فيها فريقه البحثي بالتواجد بالمطار، ومراقبة الأزواج الذين يودّعون شركائهم أثناء صعودهم إلى الطائرات أو ذهابهم لآخر نقطة قبل الانفصال، ويراقبوا الطريقة التي يُودّعون بها بعضهم البعض. في الوقت نفسه، وأثناء انتظار رحلاتهم، طُلب من المشاركين والأزواج المشاركة في استبيان قصير، يسألهم عن علاقاتهم بما في ذلك أسئلة لتحديد نمط التعلّق وكيف كانوا يشعرون قبل المغادرة. في هذه الأثناء كان هناك باحثون بالخُفية ينظرون من بعيد ويُراقبون عن بُعد: كيف يتصرّف الأزواج أثناء انتظارهم لرحلاتهم وعند وداعهم وافتراقهم؟ كشفت الدراسة أنّ أولئك الذين يحملون نمط تعلّق تجنّبي أو اجتنابيّ avoidant هؤلاء لم يقوموا بطقوس وداع كافية، (الاحتضان، التقبيل، السلام المُطوّل، النظر في عيون بعضهم البعض) بل إنّ كثيرًا منهم تجنّبوا النظر إلى شركائهم، وحاولوا إنهاء طقوس الوداع بأسرع طريقة ممكنة، مقارنة بأولئك الذين لديهم نمط تعلّق قَلِقَة anxious ونمط تعلّق آمن secure الذين قضوا وقتًا أطول في الوداع وعبّروا عن مشاعرهم بإفصاح وبشكل أوضح وبتأنّي. اكتشف الباحثون كذلك أنّ الزوج المسافر أو الزوجة المسافرة، الّلذين يحملان نمط التعلّق التجنّبي، هُم أوائل النّاس الذي يسارعون للصعود للطائرة والاصطفاف بالدور حين تفتح الأبواب، أي أنّهم يُسارعون بالافتراق عن أزواجهم، لأنّهم يُريدون لهذه الّلحظة أن تنتهي، وأن يُسهّلوا على أنفسهم وعلى الآخر، حَرَج التعامل مع كل هذه المشاعر المُربِكة والمُخيفة والمُؤلمة. يحاول المتجنّبون أن يختصروا الّلحظات الكثيفة شعوريًا، يحاولون ألّا يعالجوا مشاعرهم أساسًا، ألّا يعترفوا بها وألّا يُعطوها وقتها، يُفضّلون كبتها وإخمادها وتهميشها، لأنّها تشعرهم بالضعف أو الارتباك (غير مدرّبين على التعامل الآمن مع مشاعرهم، جرّبوا ذلك سابقًا وتعرّضوا للإيذاء أو التهميش والتجاهل، ففضّلوا أن يصبحوا تجنّبيين،وأن يجنّبوا أنفسهم الجِراح والآلام التي جلبتها لهم تجاربهم الماضية حين كانوا ودودين وضعفاء يُفصحون عن مشاعرهم فاستغلّها الآخرون أو أساؤوا الأمانة أو أهملوا مدى صدقها وجدّيتها. المتجنّبون مخذولون، ولعلّ أوّل خذلان عرفوه كان في طفولتهم حين تلهّفوا، ركضوا نحو الباب بانتظار مجيء الأب أو الأم، مقدّم الرعاية الرئيسيّ، فدخل فلم يلتفت لهم ولا لتلهّفهم، لعلّه كان يعمل بوظيفةٍ سيّئة، يرجع دائمًا غاضب وساخط، ليس لديه وقت للرأفة والّلعب، عقله مهجوس ومشاعره محتقنة. أو قد يختفي فجأة من حياة طفله، يُسافر، أو يقرّر الانفصال والطلاق، فيذهب تعلّق الطفل مع عنصر أمانه المفضّل مهبّ الريح، تخمد عاطفته، يتعلّم أن يُطفئها، يندم على تجربتها، يتعلّم ألا يُهين نفسه مرّة أخرى، ويقرّر أن يصبح مُتجنّب. وقد شرحت أنماط التعلّق في أحد اللقاءات (بودكاست ملاذ) بشكلٍ موسّع، وأحد النقاط التي أحبّ أن أشير إليها دائمًا لأنّها تتكرّر كثيرًا لدى المراجعين في العيادة، ولا يُلتفَت إليها كثيرًا، هي أنّ المشكلة الأساسية لأصحاب التعلّق التجنّبي ليس أنّهم عاجزون عن معالجة مشاعرهم بأمان ونضوج ولا أنّهم يجدون صعوبة في مَنح الحبّ للطرف الآخر.. مشكلة التجنّبي أنّه لا يَسمَح لنفسه بأن يستقبل الحبّ، يتوجّس منه، يخافه، ويتجنّبه ويشعر بأنّه لا يستحقّه، يحرم الآخرين فرصة أن يحبّوه، لا يريد ذلك أساسًا لأنّ ذلك معناه أنّه مَحبوب، وبالتالي عليه أن يُحبّ، والحبّ ضعف، وهشاشة وتعريض الذات لاحتمال الأذى والتألّم. كان الكاتب الإنجليزي نيل جايمان Neil Gaiman في إحدى رواياته قد وصف تجربة الحبّ ذات مرّة ببراعة، وقال: هل وَقعتَ يومًا في الحُبّ؟ فظيع أليس كذلك! إنّه يجعلكَ تشعر بأنّك مُعرّض للهجوم، وأنّك ضعيف، تقف بلا أيّة أسلحة! إنّه يشقّ صدرك، ويفتح أبواب قلبك.. وهذا يعني أنّ بإمكان الشخص الذي فتحتَ له قلبَك، أن يخترقك من الداخل، ويعبث بك!

لقد دفعتنا الحداثة لكي نُصبح مُرهَفي الإحساس تّجاه أنفسنا ولكن وبالمُقابل.. صارَ من المُبرّر أن نكون قُساةً مع الآخرين بشكلٍ فظيع – الفيلسوفة البارعة: جيليان روز

قناة مَسَار | محمود أبو عادي - آمار و تحلیل کانال تلگرام @masarchannel