ar
Feedback
قناة مَسَار | محمود أبو عادي

قناة مَسَار | محمود أبو عادي

الذهاب إلى القناة على Telegram

أشارك هنا تحليلات شخصية من علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع الثقافي والنقدي | هذه القناة هي محاولة لتأسيس أرضية معرفية لفهم الذات في العالَم المعاصر وتجريدها من هيمنة خطابات شائعة تُرهِق الذات بأعباء متوهّمة واستدخال مفاهيم التزكية والتربية الروحية

إظهار المزيد

📈 نظرة تحليلية على قناة تيليجرام قناة مَسَار | محمود أبو عادي

تُعد قناة قناة مَسَار | محمود أبو عادي (@masarchannel) في القطاع اللغوي العربية لاعباً نشطاً. يضم المجتمع حالياً 22 301 مشتركاً، محتلاً المرتبة 823 في فئة علم النفس والمرتبة 3 110 في منطقة المملكة العربية السعودية.

📊 مؤشرات الجمهور والحراك

منذ تأسيسه في невідомо، حقق المشروع نمواً سريعاً وجمع 22 301 مشتركاً.

بحسب آخر البيانات بتاريخ 28 أغسطس, 2026، تحافظ القناة على نشاط مستقر. خلال آخر 30 يوماً تغيّر عدد الأعضاء بمقدار 162، وفي آخر 24 ساعة بمقدار 9، مع بقاء الوصول العام مرتفعاً.

  • حالة التحقق: غير موثّقة
  • معدل التفاعل (ER): يبلغ متوسط تفاعل الجمهور 29.94‎%. وخلال أول 24 ساعة من النشر يحصد المحتوى عادةً 8.58‎% من ردود الفعل نسبةً إلى إجمالي المشتركين.
  • وصول المنشورات: يحصل كل منشور على متوسط 6 676 مشاهدة. وخلال اليوم الأول يجمع عادةً 1 914 مشاهدة.
  • التفاعلات والاستجابة: يتفاعل الجمهور بانتظام؛ متوسط التفاعلات لكل منشور يبلغ 0.

📝 الوصف وسياسة المحتوى

يصف المؤلف القناة بأنها مساحة للتعبير عن الآراء الذاتية:
أشارك هنا تحليلات شخصية من علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع الثقافي والنقدي | هذه القناة هي محاولة لتأسيس أرضية معرفية لفهم الذات في العالَم المعاصر وتجريدها من هيمنة خطابات شائعة تُرهِق الذات بأعباء متوهّمة واستدخال مفاهيم التزكية والتربية ال...

بفضل وتيرة التحديث المرتفعة (أحدث البيانات بتاريخ 29 أغسطس, 2026) تحافظ القناة على حداثتها ومستوى وصول مرتفع. وتُظهر التحليلات تفاعلاً نشطاً من الجمهور، ما يجعلها نقطة تأثير مهمة ضمن فئة علم النفس.

22 301
المشتركون
+924 ساعات
+297 أيام
+16230 أيام
أرشيف المشاركات
Repost from N/a
مكثتُ مدّةً مع كتاب النبوات لابن تيمية، فبدا لي أن مقولةً واحدةً عليها مدار الكتاب، وإن لم يجمعها المؤلف في فصلٍ واحد، ولم يسقها بهذا اللفظ؛ تراها مبثوثةً في تضاعيفه، ويردّ إليها الكلام كلما تشعّبت مسالكه: أن برهان النبوّة لا يُحبس في خرق العادة، ولا يُقصر على عصًا تنقلب حيّةً، أو بحرٍ ينفلق فِرَقًا؛ بل النبيُّ نفسه من أعظم براهين نبوّته: صفاته وأفعاله، وأمره وخبره، وسيرته في خاصته وعامته. يقول ابن تيمية: "وسيرة الرسول ﷺ من آياته، وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته". وبعبارةٍ أخرى، لعلّ المألوف المتصل أبلغُ دلالةً من المعجز المنفرد؛ فالمعجزة تقع مرةً، فيشهدها قوم، ثم تستحيل خبرًا لمن وراءهم؛ أما السيرة فآيةٌ مقيمة، ومعجزةٌ مستأنفة في كل يوم: يشهد بعضُها لبعض، ويصدّق آخرُها أولَها، وتتساند دقائقها حتى ينتظم العمر كلُّه في برهانٍ واحد؛ فلا تعود الدلالة حادثةً خارجةً عنه، بل يغدو هو نفسه دليلًا على ما جاء به… صدقته خديجة قبل انشقاق القمر؛ لم تستدل بحادثة غريبة، بل استدلت بمحمد على محمد: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"...يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويكون في مِهنة أهله؛ ويركب الحمار، ويُردف خلفه؛ ويمشي في الأسواق كما يمشي الناس؛ ويأكل مما يأكلون، ويجوع حتى يمر الشهر ولا توقد في بيته نار… يخدمه أنس عشر سنين، وهي مدةٌ كافية لأن يسقط فيها تكلّف المتكلّف، ثم قال: ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟  وتأخذ الأَمَة بيده، فتمضي به في سكك المدينة حيث شاءت، فلا يستعلي عليها بقدره، ولا يستعجلها لشغله؛ وتستوقفه امرأة "في عقلها شيء"، فيهب لها من وقته، ويمضي معها في بعض الطرق حتى تنقضي حاجتها، ويجذبه الأعرابي من ردائه جذبةً تؤثر في عنقه، ثم يغلظ في المسألة، فيلتفت إليه ضاحكًا، ويأمر له بعطاء، ويبول آخر في المسجد، فيثور إليه الناس، فيكفّهم عنه، ثم يطهّر الموضع بدلو من ماء، ويمر بالصبيان فيبدأهم بالسلام، ويموت طائر أبي عمير، فيواسيه، ويحفظ للصغير حزنه، ويدخل الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء صبي فيخففها، وتغيب المرأة السوداء التي كانت تقمّ المسجد، فيفتقدها ويسأل عنها، ويصلي عليها؛ وينسى الناس جليبيبًا بين القتلى، فلا ينساه، ويقول: "لكني أفقد جليبيبًا"، ويمرض غلام يهودي كان يخدمه، فيذهب إليه عائدًا، ويجلس عند رأسه؛ وتمر به جنازة يهودي فيقوم لها، فلما عجبوا قال: "أليست نفسًا؟"، ويشفع لمغيث عند بريرة، فتقول: أتأمرني يا رسول الله؟ فيقول: "إنما أنا أشفع". فتأبى الرجوع، فلا يغضب لردّها، ولا يستعير سلطان النبوّة ليقهر امرأةً على اختيارها، ويمازح زاهرًا، وكان دميم الخِلقة، فيقول زاهر: تجدني كاسدًا، فيجيبه: "لكنك عند الله لست بكاسد"، ويغلظ عليه صاحب دَين، فيهمّ به أصحابه، فيقول: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالًا"، ويؤتى بشارب الخمر، فتقام عليه العقوبة، ثم يلعنه بعض القوم، فيقول: "لا تعينوا عليه الشيطان"، ويوم الطائف يأتيه الانتقام طائعًا، فيأبى مطاوعة الملك أن يطبق على القوم بجبلين، ويرجو الخير في أبناء من آذوه، ويوم حنين يجد الأنصار في أنفسهم، فلا يسفّه عتبهم، ولا يجبههم بفضل النبوّة عليهم؛ بل يخلو بهم دون الناس، ويسمع منهم، ويذكر فضلهم، ثم يملأ قلوبهم حتى يبكوا، ويوم الفتح يدخل مكة مطأطئ الرأس، حتى تكاد لحيته تمسّ رحله، ويموت ابنه إبراهيم، وتنكسف الشمس، فيقول الناس: كسفت لموته؛ قيرد قولهم، ويقول: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، وتُرمى عائشة في حادثة الإفك، ويتأخر الوحي، فلا يخترع خبرًا يريح قلبه، ولا ينسب إلى السماء ما لم تقله؛ بل يسأل ويستشير وينتظر حتى يحكم الله. فهذه الأحوال ليست رقائقَ تُلحق بدلائل النبوّة، ولا أخبارًا يُستملح بها؛ إنما هي من صميم الدليل ولُباب البرهان: فالخارق يشهد للنبي مرة، وأخلاقه تشهد له في كل ساعة، حتى يغدو مجموع عمره آيةً على ما جاء به.

من أشكال التفاوت بين البشر: اختلاف معايير عَتبة threshold تحسّسهم للوجود. والعتبة مفهوم مفتاحي ومُفرَدَة مُهمّة كي تفهم نفسك من خلالها، وهي مُصطلح مُستعار من علم النفس الفيزيائي Psychophysics تعني: الحدّ الأدنى من شدّة المؤثّر، اللازم لكي يُدركه الإنسان أو يستجيب له. • عتبة تحسّس الجَمَال (ما مدى دهشتي من المألوف والعادي؟) • عتبة السلوك الذوقي (ما هو الأكثر/الأقلّ ذوقًا؟) • عتبة الإيذاء (متى يكون ما أفعله/أقوله مُؤذيًا؟) • عتبة المعصية (ما هو أصغر حجم للخطيئة التي تدفعني للهرع لإصلاح علاقتي مع الله؟) • عتبة العلم (كم يكفيني من البحث لأبلغَ حدّ الفهم؟) وهذه الفروقات دقيقة، لكنّها تجعلني أنا وتجعلُكَ أنت، في نهاية المَطاف. وهو ما نرصده في الآخرين، فيجذبنا إليهم، أو يُنفِّرُنا منهم. فحين تتقارب عتباتنا مع عتبات أحدهم، نشعر أنّه يفهمنا بلا عناء، وحين تتباعد، نشعر أنّه غريبٌ عنّا، وإن جمعتنا به كلّ الظروف الأخرى. وفكرة العتبة دقيقة ولطيفة، ويُمكِن التعبير عنها بمُعادلة رياضية: كَم يلزمني من X حتّى أشعر بـ Y؟ مثلًا: كَم يلزم من مُدّة لانقطاع تواصلي مَع مَن أُحبّ، حتّى اعتبر أنّي قد جَفيتُه أو نَأيتُ عَنه؟ دقائق ساعات أيّام أسابيع بهذا يفترق النّاس وهذا طبعًا، يتحدّد بالتنشئة (التربية) والخبرة المعيشية (التجارب والخبرات التي أخوضها). أيّ أنّه يتناوب بين عوامل قَبلية، وعوامل أملك تحديدها، بانتقاء الأوساط التي أريد أن أتواجد فيها، وبانتقاء علاقاتي وخبراتي. وقد عبّر أهل الذوق عن حساسيات مختلفة للزهد والتزكية والتوبة، توسّعوا فيها عن نظام صارم من الصغائر غير المعتبرة، بالنطر إلى قصدية الفعل وموقفه من نفسه وربّه، فقالوا أمورًا من مثل: ومن تطبيقات هذه الحساسية الذوقية على المستوى الاجتماعيّ، إجابة العبّاس، ما يُروى عن عمّ النبيّ ﷺ، حين سُئل: أنتَ أكبر، أم رسول الله؟ فأجاب: هو أكبر منّي.. ولكنّي وُلِدتُ قَبلَه

عندما نرى أزواجًا يُفرطون في النشر على فيسبوك، فإنّنا نميل تلقائيًا للاعتقاد بأنّهم أزواجًا سُعداء يعيشون علاقة مليئة بالحُبّ والالتزام. لكنّ "السرّ غير اللطيف" هنا، هو ما تكشفه دراسات علم النفس الاجتماعي حول (الإفراط بالنشر) وتحديدًا دراسة للباحثة ليديا إيميري وزملائها، وهي أستاذة في علم النفس في جامعة شيكاغو، وقد وجدت في دراساتها أنّ: الأزواج الذين يبذلون جُهدًا كبيرًا لبناء صورة رقمية خالية من العيوب لعلاقاتهم يعيشون في الحقيقة ضمن علاقات أقلّ جودة وأقلّ رضا ومليئة بالمشكلات مقارنة بأولئك الذين يُفضّلون عدم استعراض تفاصيل حياتهم الخاصّة. الحقيقة أنّ النشر المُكثّف هنا.. ليس مُؤشّرًا على السعادة، بقدر ما هو محاولة للتعويض عن فجوة داخل العلاقة، محاولة لإظهار استقرار شكلانيّ، لا يُصادِق عليه الواقع. من المهم أن ننتبه هنا أنّ الدراسة تتحدّث عن (المُشاركة المُفرِطة) Oversharing وليس عن مُجرّد المُشاركة أو أي مشاركة عفوية وموسمية ومُتباعدة حول العلاقة الزوجية وما يُحيط بها من حُبّ ومودّة وتعبير عن الامتنان المتبادل. لكن لماذا نندفع للنشر عندما تهتزّ ثقتنا في شريك حياتنا؟ أثبتت أبحاث ليديا إيمري أنّ الأفراد يلجؤون إلى جعل علاقاتهم مرئية للغاية عير الإنترنت (من خلال وضع صور الشريك كصورة شخصية، أو النشر المستمر للصور المُشتركة selfie، أو كتابة منشورات عديدة حول الشريك في التحديثات اليومية)، أقول.. تُشير الدراسات أنّ البشر يفعلون هذا، تحديدًا في الأوقات التي يشعرون فيها بقلق مرتفع وانعدام الأمان حول مشاعر شركائهم تجاههم، وفي الأحوال التي تجتاحهم لديهم شكوك عمّا إذا كانت هذه العلاقة ستستمرّ أم لا، بالمستوى الّلاواعي أو شبه الواعي. وقد توسّعت الباحثة تشين تشانغ C. Chang عام 2019 برصد هذه الظاهرة، حيث وجدت أنّ الأشخاص الذين يُعانون من هواجسَ مستمرّة حول شريكهم ومدى التزامه يكونون الأكثر استخدامًا لفيسبوك كأداة "لصيانة العلاقة" وأكثر سعيًا لاستدرار الاهتمام وتحصيل التوكيد والمُبارَكة والثناء من الآخرين، أي أنّهم يبحثون عن توكيد حول سلامة هذه العلاقة، من أشخاص هُم بالأساس خارج العلاقة نفسها. وبالعودة لدراسة ليديا إيمري، فقد قامت وبطريقة لافتة بمنهجية الدراسة بتتبّع سلوك المشاركين يومًا بيوم، حيث تبيّن وبشكلٍ ملحوظ، أنّه في الأيام التي يشعر فيها الشخص بالتوجّس وانعدام الأمان والشكّ المتزايد في حبّ الطرف الآخر له، يرتفع مُعدّل نشره العاطفي عن علاقته على منصات التواصل بشكلٍ حادّ في ذلك اليوم تحديدًا. بهذا المَعنى، يعمَل المنشور هنا يعمل كـ "مُسكّن مَوضعي" فالحصول على إعجابات وتعليقات إيجابية من الأصدقاء يمنح الشخص طمأنينة خارجية مُؤقّتة تُخمِد صوت القلق الداخليّ الذي يهمس له بأنّ علاقته الحالية مُهدّدة بالانهيار. أخيرًا، ثمّة وجه آخر ترصده الدراسات، لظاهرة الإفراط بالنشر على منصّات التواصل الاجتماعي، حول العلاقة الزوجية أو العاطفية، تتعلّق أكثر بالغيرة، غيرة أحد الأزواج، وحاجته لإظهار نفسه بجانب زوجته أو زوجه، كعملية (تقارب قسريّ) في محاولة لإبعاد أيّة مُعجبين أو مُعجبات مُحتملات.. وللأسف هؤلاء الأزواج غالبًا ما يكونون الأكثر ميلًا لممارسة المراقبة المُستمرّة بطريقة مَرَضية وعُصابية لصفحة الشريك على منصات التواصل أو ما يُعرف شعبيًا بـ Stalking وهي لعبة عاطفية خطرة، تنتهي في الغالب بإحباط الشريك الآخر تمامًا وإنزعاجه، مما يُعطي نتيجة عكسية تمامًا للتقارب المنشود.

إنّ احمرار الوجه (بفعل الخجل) يُعدّ أكثر التعبيرات الانفعالية غرابةً وأكثرها إنسانيةً على الإطلاق “Blushing is the most peculiar and most human of all expressions” من الملاحظات الجوهرية التي التقطها تشارلز داروين في كتابه (التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان) إذ على عكس ردود الفعل الانفعالية والجسدية الأخرى، فإنّ احمرار الوجه، لا إرادي تمامًا ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخليط الإدراكي الفجائي الناجم عن التقاء الوعي الذاتي بالوعي الاجتماعي. من اللافت أنّ الإسلام يضع وزن نوعي مختلف لـ (الحياء) في مدوّناته الحديثية بإزاء فضائل عديدة أخرى، فالحياء عند شريحة غير قليلة من العلماء يُعتبر رأس الفضائل، وأصل لكلّ خير، محمودٌ بذاته، بل أنّه ممدوح على ما قد يأتي به من علّات ذاتية مُدركة لدى صاحبه، فقال صلّى الله عليه وسلّم: الحياء خيرٌ كلّه، وفي رواية: لا يأتي إلّا بالخير. وهو مُتمّمٌ للإيمان وأحد شُعَبه. وبإمكان المرء أن يعقد مقاربة فلسفية مُوسّعة بكل سلاسة يعقد فيها الرابط بين الحياء والانضباط الخُلقي أو السلوكي للمرء.

أوقن أنّ البشر، تحت أقصى طبقات هشاشتهم الظاهرة، يريدون أن يكونوا أخيارًا وصالحين، ويُريدون في نهاية المطاف أن يكونوا مَحبوبين. بل إنّ معظم رذائل البشر ليست سوى محاولات لأن يسلُكوا طُرُقًا مختصرة نحو الحب. وحين يدنو الإنسان من الموت، مهما بلغت مواهبه ونفوذه وعبقريته، فإن مات دون أن يكون مَحبوبًا، فلا بدّ أنّ حياتَه كلّها ستبدو له كإخفاق وفشل وسيكون احتضاره رُعبًا مُوحِشًا وباردًا. وأيًّا كانت خياراتنا في هذه الحياة، سواء أكانت فكرية أم سلوكية، فينبغي علينا أن نستحضر أنّنا سنموت في نهاية المطاف، وعلينا أن نُحاول العَيش بطريقة لا يجلب فيها مَوتُنا أو رحيلُنا عن هذا العالَم السرورَ والسعادة لأيّ أحد. يخطر ببالي أنّ الشرّ لا بُدّ وأن يُعيد إنتاج نفسه على الدوام، يحتاج إلى التجديد.. فالرذيلة دائمًا ما تبحث لنفسها عن وَجهٍ جديد! أمّا الفضيلة والخَير فكليهما ضاربان بِالقِدَم، أزليان وخالدان، لهما هَيبة ووقار ووضوح على نحوٍ لا يُضاهيهما فيه شيءٌ آخر في هذا العالَم. - جون ستاينبيك، شرق عدن

يعتقد البعض أن الحبّ يُصلح كلّ شيء.. لكنّه في واقع الحال، لا يفعل ذلك تمامًا.. قد يشفي الحُبّ بعض الندوب وقد يُساعد في تخثير بعض الجروح النازفة. لكنّ ما العمل مع مشكلات ذاتية وعميقة في جوهرها؟ مشكلات لم يستطع المرء التعامل معها قبل الحبّ ولا استيعابها ولا إدارتها أو تجاوزها.. غالبًا سنرى الحبّ عاجزًا وأحيانًا متورّطًا.. وغالبًا ما تتحوّل طاقة الحبّ إلى طاقة كراهية بنفس المقدار (وهذه ظاهرة شائعة في العلاقات.. إذ بمقدار تعاظم الحب.. يزداد حجم السخط والإحباط الناجم حين يفشل الحب) قد تعتقد أنّك ستكون أقلّ قلقًا إذا كان لديك شريك مناسب، لكنك لن تكون كذلك بالضرورة، خاصّة إن لم تكن قد اكتشفت كيف تفعل ذلك بنفسك. لأنّ الحبّ قد يساعدك على فهم نفسك، لكنّه لن يحوّلك إلى شخصٍ آخر بالمُطلَق، إلّا في حالات نادرة للغاية..

رصد المحلّلون النفسيون، وبشكلٍ مُؤثّر ظاهرة الأشخاص الذين وُصفوا بأنّهم “دمّرهم النجاح”. أولئك الذين تحطّموا، عندما وصلوا أخيرًا لقد كان الأمر مُحيّرًا بالنسبة لفرويد ولكثيرٍ من المُحلّلين النفسيين، ولكنّها مُشاهَدة حقيقية تتكرّر كثيرًا: أنّ الناس يمرضون أحيانًا -وعلى وجه التحديد- لأنّ أُمنية عميقة الجذور وطويلة الأمد قد تحقّقت أخيرًا بعد طول انتظار. إذ يبدو الأمر حينها وكأنّهم لا يستطيعون تحمّل نعيمهم، أو أنّهم فجأة تمّ إفراغهم بالكامل من أحلامهم.. فجأة -وفقط عندما يتحقّق ما كنت طوال عمرك تقاتل من أجله، وتسعى جاهدًا من أجل تحقيقه- يتحوّل كل شيء في الداخل لخواء مُوحش وفراغ مُرعِب! المُعتاد هو أن نمرض بسبب الفشل أو الخسارة، لكن المفارقة هنا هي أنّ بعض الأشخاص يمرضون حرفيًا (أو يصابون بالاكتئاب أو العُصاب) بمُجرّد حصولهم على ما تمنّوه طوال حياتهم. تقوم المُقاربة التحليلية على مستوى الّلاوعي بتفسير ما يحصل هنا، بالقول بأنّ النجاح قد يُوقظ شعورًا دفينًا بالذنب (مثلًا الشعور بالذنب لتفوّقك على والديك، أو لحصولك على امتيازات حُرم منها إخوتك). فيُصبح المرض أو الانهيار هو الوسيلة الّلاواعية لمُعاقبة الذات على هذا "النعيم" الذي لا تستطيع النفس احتماله، وللتطهّر من ذنب التفوّق على إخوتك. على مستوى التفسيرات الإجرائية الأخرى، يبدو أنّ البشر يُعلّقون آمالهم المُبالَغ بها على أهداف حياتية إجرائية، مثل أن يظنّوا أنّهم سيجدون معنى حياتهم النهائيّ عند بلوغ نقطة مُعيّنة، أو أنّ هنالك حلول لمشكلاتهم الوجودية ستبددها وظيفة أو أموال مُعيّنة. أن تصل فتنهار.. هل يمكن لهذا أن يحصل هذا في سياق أخطر؟ للأسف، يلفت القرآن النظر إلى صورة فنّية خطيرة، أن يكونَ الإنسان ظمآنًا، ويرى ما أمامه ماءً.. يسير متوهّمًا أنّه سيصل، يصل، ثمّ لا يجده شيئًا والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بَقيعة يحسبه الظمآن ماءً.. حتى إذا جاءه (لم يجده شيئًا) حتّى إذا جاءَه.. لَم يجده شيئًا

عندما رصدت شركة جوجل عمليات البحث الأكثر شيوعًا في السنوات العشر الأخيرة.. وتحديدًا في أعوام محدّدة، تصدّرت أسئلة مثل: • كيف أعرف أنّ زواجي قد انتهى؟ • كيف تبدو العلاقة الصحية؟ • كيف أنقذ علاقتي؟ ضمن قائمة أكثر عشرة مدخلات مبحوثة، ولا تزال أسئلة العلاقات العاطفية والزوجية مهيمنة ضمن محركات البحث في السنوات اللاحقة. من الواضح أنّ الكثيرين لديهم هواجس وشكوك وحيرة حيال علاقاتهم! ومن الواضح كذلك أنّ النّاس تدخل العلاقات العاطفية اليوم، بدون فهرس ثقافي أو مدوّنة سلوك معروفة تشرح للنّاس ما يعنيه أن تكون في علاقة عاطفية كما جرت العادة بالعلاقات التقليدية قديمًا. يموت إرث ثقافي كامل مع أفول وتراجع الزيجات التقليدية، هذا يشمل أمثال شعبية، وحِكَم واستعارات ونكات، وتقاليد اجتماعية كان يجري فيها فحص الزوج والزوجة ضمن طقوس عبور معقّدة تضمن زيادة الآصرة الزوجية وتقليل فُرَص الانفصال. من اللافت أنّ الحبّ في عصرنا، يتحوّل إلى (مشكلة) أكثر من كونه (حلّ) لمشكلات وجودية، كما كان يفعل الزواج بالنسبة للكثيرين، إذ يبدو أنّ الحبّ يضع ذواتنا تحت اختبار صعب. يَصعُب إنكار الاختبار الذي تحمله العلاقات الزوجية العاطفية والحُبّ في طيّاتها. عندما تزوّج الشاعر الإيرلندي ويليام بتلر ييتس عام ١٩١٧، كتب له والده رسالة تهنئة حارة. قال فيها: "اعتقد أنّ الزواج سيُساعدك في تطوير قريحتك الشعرية" ثم قال شيئًا مثيرًا للاهتمام في رسالته: "لا أحد يعرف الطبيعة البشرية حقًّا، رجالًا ونساءً، إلّا مَن عاش في كنف الزواج، فالزواج بطريقة أو بأخرى أشبه بدراسة قسرية للطبيعة البشرية" ففي الزواج، يُجبَر الزوجان على معرفة المزيد عن بعضهما البعض أكثر مما كانا يتوقّعان وأحيانًا أكثر بكثير ممّا يرغبان هُما في معرفته عن كل منهما. تلعب أنماط التربية الحالية دورًا أساسيًا في تشكيل هذه الحالة، فالأهالي اليوم يربّون أبناءهم ويعلمونهم كيف يتلقّون الحبّ ولماذا يستحقّونه؟ أكثر ممّا يعلمونهم كيف يمنحون الحبّ؟ وكيف يكونون حسنوا العشرة ومخلصين لمَن حولهم وكيف يديرون خصوماتهم بنزاهة ومروءة. ففي كتابه الشهير (رسائل إلى شاعر شاب) كتب ريلكه نصّ بديع يقول فيه: أن نُحبّ إنسان آخر، فهذا من بين جميع مهامنا البشرية، هو الاختبار الأصعب والأهم، كل الخبرات والجهود والتحدّيات الأخرى في حياة المرء، ليست سوى تحضير لهذه المهمّة الكبرى

هناك حديث آخذ بالتضخّم بالأوساط العلمية حول أثر التقنية على تراجع قدرتنا على احتمال المجهول وكيفية التعامل مع (اللايقين)، مثلًا: • جوجل يُجيبَك عن أسئلة (لم تكن تعرف) إجاباتها • خرائط جوجل أو Maps يجعلك تتجنّب التوهان ويُساعدك بالخروج من أماكن (لا تعرفها) • شازام Shazam يُعرّفك على أغاني (لم تكن تعرفها) • تشات جي بي تي، سيجيبك عمّا ينبغي عليك فعله أو قوله حين تكون تائهًا، مذعورًا أو مشوّشًا. كل هذا كي لا تُقيم ولو لثوانٍ معدودة في براثن المجهول، كي لا تستشعر ضآلتك ومحدوديتك وحجمك الطبيعي بالوجود. طبعًا ثمّة تطبيقات أكبر اليوم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن يُجيبك بشكل فوري عن كلّ ما يشغل بالك، بصرف النظر إذا كانت هذه الإجابة دقيقة أو مفيدة أم لا، لكنّ الشعور الذي تمنحك إيّاه هذه التقنية هو الأهم، إنّه الشعور بالاطمئنان الكاذب بأنّه (ليس هناك ما لا يمكنك معرفته). هناك مقياس في علم نفس الشخصية، يُسمّى (القدرة على احتمال اللايقين) UT وهو مقياس هامّ جدًّا لتحديد الفروقات بين البشر في سلوكهم، وكذلك في اضطراباتهم وأمراضهم. وقد كان المحلّل النفسيّ فرويد يرى أن أمراض النفس العُصابية هي تجلّي لخوف عميق من مواجهة المجهول. "Neurosis is the inability to tolerate ambiguity" بالمقابل، فإنّ البقاء الواعي في مُواجهة وضع غير مريح ومقلق، سبب أساسي لنماء الذات واتّساعها ونضوجها. إن احتراف احتمال المجهول، وتنظيم الانفعالات في ظلّ اللايقين، وإبقاء قدر من التماسك الداخلي وعدم الهرع لأخذ قرارات اندفاعية ومتهورة هربًا من المجهول.. هذه المهارة تحديدًا ستكون أحد أهمّ المهارات للسنوات القادمة بحسب تقارير المنتدى العالمي الاقتصادي. يُشير العلماء بطبيعة الحال، أنّ تجاوز الخوف من الضبابية مُمكن فعلًا بالتعلّم والتعرّض لخبرات حياتية أكثر، وعن طريق اعتمادنا أكثر على خوض تجارب جديدة، والذهاب بأنفسنا للمناطق المجهولة في خرائطنا الإدراكية، ومواجهة المخاطر المترتّبة على ذلك. اِصبِر على ريبِ الزمانِ فإِنّهُ بِالصبرِ تُدرِكُ كُلَّ ما تتطَلَبُ - أبو فراس الحمداني

بالزيجات التعيسة، هل يجد النّاس السعادة بعد طلاقهم وانفصالهم؟ Does Divorce Make People Happy? Findings from a Study of Unhappy Marriages أحد البحوث الممتازة والتي تناولت عيّنة إحصائية كبيرة، حيث استند الباحثون إلى بيانات المسح الوطني للأُسرَة في الولايات المتحدّة، والذي ضمّ 5232 شخصًا متزوجًا، واختاروا منه عيّنة مكوّنة من 645 فردًا صنّفوا زيجاتهم بأنّها زيجات «غير سعيدة». ثمّ جرى متابعتهم على مدى خمسة أعوام. تخلص الدراسة إلى نتائج خطيرة تتطلّب منّا قدرًا من التأمّل: الدراسة وجدت أنّ 43% من الأزواج غير السعداء الذين تطلّقوا، بسبب شعورهم بالتعاسة خلال الزواج، كانوا هُم أنفسهم (غير سعداء) بعد خمس سنوات من الطلاق. نتيجة لافتة أخرى، نسبة جيدة من المُطلّقين حديثًا وتحديدًا 60% منهم يُظهرون مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب بعد عامين من الطلاق. وتشير النتائج إلى أنّ 19% فقط من المُطلّقين، يجدون أنفسهم في زيجات سعيدة ثانية خلال خمس سنوات بعد الطلاق. خلاصة أخرى هامّة، نسبة تصل إلى النصف وتفوقها أحيانًا (46% إلى 66% بحسب الولاية) من المُطلّقين، عبّروا لاحقًا عن ندمهم وتمنّوا لو أنّهم وأزواجهم السابقين كانوا قد بذلوا جُهدًا أكبر لحلّ خلافاتهم بطريقة جادّة، قبل المسارعة إلى قرار الطلاق والانفصال. وتُشير البيانات والتحليل البحثي إلى أنّ الأسباب التي تدفع الناس للبقاء في زيجات غير سعيدة مُتعدّدة ومُعقّدة، منها على سبيل التعداد: 1. الالتزام تجاه الأطفال -حيث اعتبر 67% أن انفصال الأبوين يضرّ بالأطفال- 2. الاعتبارات المالية والكفاءة المالية للفرد بعد الانفصال – خاصة للنساء اللواتي قد يواجهن انخفاضًا حادًا بالمستوى المعيشي 3. عدم الثقة بإمكانية تحقيق سعادة أكبر بعد الطلاق. 4. الالتزامات الدينية والأخلاقية تجاه العهود الزوجية. 5. الخوف من الوحدة والرفض الاجتماعي. 6. وجود شبكة اجتماعية متينة للأسرة تجعل من الانفصال فعلًا مُحرِجًا. لا يبدو أنّ الطلاق والانفصال حلّ واعد كما يبدو للوهلة الأولى.. بالنسبة للكثير من المشكلات الزوجية، الّلهم إذا استثنينا بعض الحالات الزوجية التي يتعثّر فيها المرء فعلًا مع شخص سامّ أو مُعتلّ نفسيًا أو إنسان مُؤذٍ وضارّ لا يعرف الرأفة ولا الذوق ولم يتلقّ أي تربية حقيقية في حياته، وهو تعثّر وارد إحصائيًا ويحصل واقعيًا، وحينها يكون الطلاق والانفصال حلًّا جذريًا وذا فائدة. في المقابل، لا يبدو الزواج أيضًا كمَهمّة سهلة ويسيرة ولا تجربة زاخرة بالسعادة المتتالية، ومع هذا تظلّ الأسرة بُنية صلبة لمواجهة تحدّيات الوجود ونكباته الحادّة، وقد وصفها الناقد الأمريكي كريستوفر لاش بتعبير بديع ذات مرّة، حين وصفها بقوله: العائلة هي المَلاذ.. في عالَمٍ لا يرحَمُ أحدًا! لا تدوم المودّة ولا ينجح الزواج بدون صبر، وقد تنبّه المُحلّل النفسي النمساوي سيجموند فرويد لمفارقة التعاسة النسبية التي تفرضها الحياة الزوجية، لكنّها في المُقابل توفّر قدرًا من الاستقرار العاطفي وتمنح صفاءً ذهنيًا وموقعية أكثر وضوحًا تجاه الذات والعالَم، حين قال بتصرّف طفيف: إنّ أفضل خطوط الدفاع التي نملكها ضد أهوال الوجود ومخاوف الحياة هي: الحُبّ والعمل والحياة الأُسَريّة. وهي الطريقة الوحيدة كي نحيا في عالَمٍ لا يعبأ بكامل رغباتنا.. ولكنّه قد يُلبّي بعضًا من احتياجاتنا! إذا لا مناص من الألم والتعب في هذا العالَم.. المهم أن نستبدل الصراعات العاطفية الحادّة بالاستقرار المعقول الذي تُمثّله التعاسة العادية للحياة اليومية.

لا يُوجَد شخص “مُناسب” تمامًا منذ البداية.. في الحقيقة، نحنُ نجعل بعضنا مناسبين من خلال (الالتزام) الجادّ بالعلاقة. Nobody is completely "right" for anyone. Actually, what makes somebody right is "true commitment". - فيليبيا بيري

خلف أسوار العيادة النفسية، يلتقط المحلّلون النفسيون سلوك إنساني شائع بين البشر، نمط من التصرّفات أو القرارات غير الواعية في حياتهم اليومية، يقوم بها الإنسان بمُعاقبة نفسه بنفسه، دون أن يُدرِك نزعته لعقاب نفسه، ويحدث هذا بسبب شعور عميق بالذنب، وحاجة غير واعية بالتطهّر والتطهير والرغبة بالانعتاق من الشعور بالذنب. مثلًا قد يتعمّد الفرد الوقوع بمنزلقات وأخطاء واضحة، أيّ إنسان آخر -يقف من بعيد- بإمكانه أن يرى أنّها ستعود عليه بالألم والخسارة، مع هذا، يُصرّ ذاك الإنسان على ارتكابها. بحسب التحليل النفسي، الإنسان لا يُدرِك أنّه مدفوع بالإحساس بالذنب (جذر المشكلة)، لكنّه يُدرِك فشله ومعاناته (النتيجة الظاهرة على السطح). وغالبًا ما يستوعب هؤلاء الأشخاص فشلهم أو معاناتهم ضمن قناعة غير واعية للفرد بأنّه يستحقّ بؤسه ويستحق معاناته، بسبب ذنب كبير سابق ودفين يشعر به. ثمّة مشهد غريب في مسلسل Billions حيث يُقدِم أحد الشخصيات (بوب) في قاعة التداول على الاستثمار في صفقة من الواضح أنّها خاسرة، ستكلّفه خسارة ما يصل إلى مليار دولار. مع هذا أصرّ (بوب) على إتمام هذه الصفقة دون تردّد. لم يفعل إكسيلورد هذا الفعل بدافع الهيمنة أو السُلطة أو ليُثبت قدرته وأهليته وقدرته على التفريط بالمال، لذلك يذهب ليسأل معالجته النفسية: لماذا أردتُ (احتجتُ) أن أرتكب هذا الخطأ؟ why did I want or need to make this mistake? بطبيعة الحال تُجيبه (ويندي) أنتَ شخص اعتاد على أن يفهم نفسه في خضمّ الفوضى، شخص لا يستطيع أن يتواجد إلّا من خلال المشكلات، فالمشكلات طريقة لفهم الذات الصاخبة التي لا تهدأ، والتي يربكها الهدوء واستقرار الأمور، ويحتاجون إلى الفوضى والمشكلات كتحدٍ جديد كي يحافظوا على تركيزهم وكي يُمارسوا ذواتهم كما اعتادوا دائمًا، حتّى لو كان ذلك يعني خسارة فادحة بملايين الدولارات. ثمّة احتياج غير واعي للإنسان لتدمير نفسه، يظهر على السطح بين الحين والآخر، تحدّث المحُلّل النفسي إريك فروم، بشكل بارع ودقيق عن ذلك في كتابه الهامّ والممتاز جدًّا (تشريح التدميرية البشرية). يعاقب الإنسان نفسه بنفسه دون أن يشعر، بأشكال عدّة: - التعطيل الذاتي Self-Sabotage: مثل التسويف، رفض الفرص الواعدة. - الارتياح للمعاناة: إبعاد الأشخاص الذين يُحاولون مساعدته، تمجيد الألم والمعاناة والمرافعة الأدبية عنه. - ارتكاب الأخطاء غير المقصودة: التأخّر عن المواعيد، نسيان تناول الأدوية، التعثّر المتهوّر وإيذاء الجسد عن غير قصد. لذلك أهمّ خطوة لأي مُعالِج نفسي أمام حالة ترفض الخروج من معاناتها أو ترتاح لبقائها في مكان مُدمِّر، هو أن يبحث عن الشعور بالذنب لدى الفرد وأسبابه التي تقنعه باستحقاقه لهذا الانحطاط، وإصراره على البقاء في حالة الحزن والاكتئاب وعدم النشاط. فالشعور بالذنب، سواء كان واعيًا أم غير واعي، له طاقة امتصاصية عالية، يشدّك نحو الأسفل، يجعلكَ ثقيلًا، ويجعل حركتك صعبة للغاية.. المحلّل النفسي النفسي دونالد كارفيث يصطلح على هذه الحالة: الحاجة غير الواعية للعقاب The Unconscious Need for Punishment

ترجم لي النص للعربية

تحميل شخص واحد مسؤولية أن يكون "كل شيء" بالنسبة لك، هو الطريق الحتميّ نحو خيبة أمل كُبرى. الناضجون عاطفيًا يُوزّعون احتياجاتهم على شبكة من العلاقات الاجتماعية الآمنة (أب، أم، أخ، أخت، زوج، زوجة، صديق، صديقة..).

يُقال أنّ "الحِداد هو الحبّ حين يصبح بلا مأوى" إذ يبدو أنّ ألم الحِداد هو الثمن الذي ندفعه لقاء اضطرارنا لمواصلة العَيش بدون مَن نُحبّ. أي أنّ الحِداد هو أشبه بتسوية نعقدها مع الحياة بعد رحيل مَن نُحبّ، إن كان لا بُد أن أعيش بدون وجود تلك الذات التي كنت أحبّها، فـ حينها سيكون هذا الحُبّ مُشرّدًا وهذه الحالة من تشريد الحبّ وبقائه هائمًا دون وجود الشخص الذي رحل كي يتلقّاه ويتلقّفه من هيامه، يُؤويه ويُبادلنا إيّاه، هذه الحالة تحديدًا هي ما صرنا نُسمّيه حِدادًا وشعورًا بالفقد. يُعد هذا الشكل البياني أحد أبرز المنحنيات الكلاسيكية في علم النفس الاجتماعي، والذي رصدته سلسلة من الدراسات والأبحاث المرجعية (مثل دراسات إد دينر ومارتن سليجمان). ويعكش هذا المنحنى عدّة خلاصات جوهرية حول: كيفية تفاعل الإنسان مع الخسارة والفقد في سياق العلاقات العاطفية والزوجية، وتحديدًا: كيف ينتكس الإنسان عندما يفقد شريك حياته، سواء كان ذلك نتيجة للطلاق والانفصال، أو نتيجة للوفاة والترمّل؟ وكيف يتألّم وكيف يتعافى؟ يُلاحَظ في المنحنى 3 مراحل أساسية، مرحلة ما قبل وقوع حادثة الانفصال أو الوفاة، ومرحلة لحظة وقوع هذه الأحوال الكبرى في حياة المرء (السنة صفر) وأخيرًا مرحلة ما بعد حصول الطلاق أو وفاة شريك العمر. المرحلة الأولى: ما قبل وقوع الحدث في حالة الطلاق: يُظهر المنحنى أنّ (الرضا عن الحياة) يبدأ بالانحدار بشكلٍ تدريجيّ ومستمرّ منذ السنة الخامسة قبل حدوث الطلاق (نقطة 0). يُؤكّد هذا التحليل أنّ الطلاق نادرًا ما يكون حدثًا مُفاجئًا، بل هو نتيجة لتراكمات وصراعات زوجية مُزمنة تُؤدّي إلى تدهور مستمرّ في جودة الحياة لسنوات قبل الانفصال الرسمي. في حالة الترمّل ووفاة شريك العمر: يكون الانحدار هنا حادًا جدًّا في السنة أو السنتين الّلتين تسبقان الوفاة. يُعزى هذا التدهور السريع غالبًا إلى ما يُعرف بالحزن الاستباقي Anticipatory Grief، والذي ينتج عن العبء النفسي والجسدي لمُعايشة تدهور صحة الشريك بسبب مرض عضال، وتقديم الرعاية المستمرّة له قبل وفاته. المرحلة الثانية: نقطة الصدمة والحضيض النفسي (السنة 0) تُمثّل هذه النقطة لحظة الصدمة والحضيض النفسي لكلا المجموعتين، حيث يُمثّل الحدث بحدّ ذاته (فقدان الشريك) ضربة قاسية جداً لُمؤشّر الرضا عن الحياة. من اللافت للنظر أنّ الانخفاض في حالة الترمّل يكون أعمق وأكثر حدّة مقارنة بالطلاق، وذلك لأن الترمّل غالبًا ما ينطوي على فقدان مُفجِع لعلاقة كانت مستقرّة ومُرضية للغاية (كما يظهر بوضوح من مستوى الرضا المرتفع جداً للأرامل قبل 5 سنوات من وقوع حادثة الوفاة). المرحلة الثالثة: التعافي والتكيّف يُبرز المنحنى قدرة الإنسان الهائلة على التعافي وإظهار المرونة النفسية خلال السنوات الخمسة الأولى بعد وقوع الحادثة، وهذا يُشبه التأثير المعروف في علم النفس المعروف باسم التعوّد النفسيّ أو ظاهرة Hedonic Treadmill إذ يبدأ الرضا عن الحياة بالارتفاع والتعافي تدريجيًا. ويُظهر هذا الشكل الارتدادي في المُنحنَى أنّنا كبشر بطريقة أو بأخرى كائنات شديدة التكيّف، ونملك في داخلنا جاهزية عالية لتقبّل الواقع الجديد، التكيّف مع الألم، والمُضي قدمًا في الحياة، بعد الخسارة والفقد. ملاحظة أخيرة، يمكن التقاطها من المنحنى كذلك: يدحض هذا المنحنى -جزئيًا على الأقلّ- الادّعاء النفسي القديم الذي يفترض عودة الإنسان التامّة إلى نقطة سعادته الأساسية بعد انتهاء الأزمات. إذ حتى بعد مرور 5 سنوات كاملة على الحدث، لم تعُد أي من المجموعتين (المطلّقين أو الأرامل) إلى مستوى الرضا عن الحياة الذي كانوا عليه قبل 5 سنوات من الحدث. من الواضح أنّ الخسارة أو موت الأحبّاء وفقدهم يترك فينا "ندبة" نفسية، جِراح دائمة تظلّ آثارها عالقة ببُنية النفس البشرية، وهذه مسألة قد تُقرَأ بطريقة سلبية، لكنّي أراها إنسانية للغاية، أنّنا لا نتخلّص من تجاربنا بالمطلق كما لو أنّها لم تكن، فالإنسان في نهاية المطاف حصيلة تجاربه، وكتلة من الجراح التي تعلّم أن يسير وهو يحملها، تنزف أحيانًا، يُداوي ما يستطيع منها، تندمل بعض جراحه، فيما يُسعفه مَن يُحبّ ممّن ظلّ على قيد الحياة في دربه على لملمة جراحه وإبقائه متماسكًا كي يختبر ما تبقّى من سنوات عيشه بأسمى طريقة ممكنة. إنّ العيش بدون مَن نُحبّ، تشرّد، وقد قال أبو حيّان التوحيديّ في البصائر والذخائر: أحسنُ كلمةٍ قالتها العرب: فقدُ الأحبّةِ.. غُربَة

إنَّ الرغبة القهرية بتفكيك نفسك وفهمها ومعرفتها وتشريحها تشريحًا كاملًا، هذا كلّه قد يتحوّل إلى نوع من أنواع المَرَض النفسيّ. كإنسان، أنتَ لا تشفى حين تفهم نفسك فهمًا كاملًا، بل حين لا تعود نفسك هي محور اهتمامك بالمُطلَق. إنَّك تبدأ بالتشافي عندما تُدرك أنَّ عليك أن تناضل من أجل شيء أكبر منك: من أجل عائلتك، أو الحب، أو الفن، أو المعنى. وربُّما أن تناضل من أجل تغيير سياسي، أو تكرّس نفسك للكتابة أو للعلم بشغف يكاد يبلغ حدّ الهوس. إنَّ الغاية الحقيقية للتحليل النفسي وللمفارقة.. ليست أن تعيش داخل رأسك، بل غاية التحليل النفسي أن يُحرّرك من نفسك.. أن يُوصلك إلى النقطة التي تستطيع عندها، أخيرًا، أن تنسى ذاتك وتنصرف إلى العمل في سبيل قضية أسمى. - المُحلِّل النفسي البارِع: آدم فيليبس يُذكّرنا هذا بالمشهد الشهير في مُسلسل The Sopranos حين انفجر توني سوبرانو، في لحظة سخط وغضب على معالجته النفسية، حين قال:
"كل هذه المعرفة اللعينة بالذات، ما الذي جلبتْه لي بحق الجحيم؟"
إنّ العلاج النفسي الذي لا يُعينك على تجاوز ذاتك، يتحوّل إلى لعنة، هذا تحديدًا ما يحدث حين يمنحك العلاج النفسي الوعي المُفرِط والإدراك الحادّ لفهم عيوبك، دون أن يمنحك أدنى مُمكنات عاطفية تُعينك على تغيير هذه العيوب، فيتركك دون أي توجيه حقيقيّ كي تتجاوز ذاتك والحدود الضيّقة لعالمك الداخليّ. بالتصوّر الإسلامي وعلم القلوب والتزكية، فإنّ فهم الذات وألاعيبها لا تحدث في فضاء (تأمّلي) مُجرّد، التزكية في الإسلام ليست نشاطًا ترفيهيًا أو رياضة روحية بلا غاية، التزكية الروحانية للذات في الإسلام ينبغي أن تهدف غاية أكبر (التقوى) أن تجعلك أكثر قُربًا من ربّك، وأكثر صدقًا مع نفسك وأكثر استعدادًا لآخرتك. بل إنّ وضوح الغاية وصدق النيّة في تجريد الذات، يهب المؤمن بصيرة، وليس العكس كما هو شائع في النموذج العلاجي المهيمن حاليًا، من أنّ الاستبصار الذاتي هو الغاية، بل المُنطَلَق بالتصوّر التزكوي مقلوب تمامًا، فالاتّجاه يكون من باعث (التقوى) وقصد السبيل، وهذا السعي هو الذي يخلق في النّفس نورًا، وهذا النور هو ما يجعل النفس أكثر استبصارًا بذاتها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾ وقد ذكر الإمام الحارث المُحاسبيّ في رسالته البليغة (رسالة المسُترشدين) كلمات رائقة: واصدق في الطلب.. ترث علم البصائر، وتَبْدُ لك عيون المعارف فإنّما السبق لمن عمِل والخشية لمن علِم والتوكّل لمن وثِق والخوفُ لمن أيقن والمزيدُ لمن شَكَر

من الشائع أن يتحدّث الناس عن خطوات التغيير، وسيكولوجية التطوير الذاتي، والتغيير التدريجي عبر سلسلة من الخطوات المقصودة وتحسين الذات كمسألة واعية وكتب عديدة شهيرة مثل كتاب (العادات الذرية). لكنّ باحثان اثنان، في حقل علم النفس الديني، أستاذان جامعيان في علم النفس، هُما: جون سكالسكي و سام هاردي، قاما بدراسة مثيرة جدًا للاهتمام، حين أجروا دراسة على مجموعة من الأشخاص الذين مرّوا بتجارب مفاجئة في مرحلة ما من أعمارهم، ثوانٍ معدودة غيّرت حياتهم بشكل جذري، أشبه بلحظة فارقة من عمرهم بعدها انقلبت أحوالهم 180 درجة. هذه الظاهرة الفريدة شبهّها الباحثان بكونها (إعصار، أو عاصفة..) وهي تجربة أو حالة يمرّ بها المرء تُحدِث تغيير دراماتيكي في شخصياتهم وبسرعة هائلة جدًا يصعب التنبؤ به أو تفسيره علميًا بشكلٍ كامل. ولذلك أطلق الباحثان على هذه الظاهرة اسم التغيير الكمّي Quantum Change وتستمدّ الظاهرة اسمها من قفزة "الكم" في الفيزياء، حيث يقفز الإلكترون فجأة من مدار إلى مدار أعلى بمجرد اكتسابه لطاقة خارجية. لا أدري حتّى قراءتك لهذه السطور إن كنت ترى ما أراه، ولكن ثمّة تفاصيل مدهشة للغاية بالدراسة، تلتقط ظاهرة (التوبة) الفُجائية، و(النكسة) الفُجائية، لأنّ الدراسة كما سأروي بالتفاصيل، ترصد ظاهرة التحولات النفسية المفاجئة والجذرية، التي تحدث بدون مُقدّمات مُسبقة، وأبرز خصائص هذه الظاهرة: أولًا: جميع مَن تعرّضوا لهذه التجربة، يصفونها بأنّها حالة (استبصار فُجائي) أو (وَعي فُجائي) وكثير منهم شبّهوا ما حدث بأنّه أشبه بـ (مصباح أضاء) فجأة أو (نور) اجتاحهم بالكامل. ثانيًا: جميع من مرّوا بهذه التجربة، لم يكونوا يبحثون عن التغيير، أو لم يتعمّدوا حصول ما حصل لهم، بدون تخطيط بل حالة وجدانية تُباغتهم فجأة في سياقات حياتية عادية جدًا. جزء كبير من الأشخاص الذي عاشوا هذه التجربة، كانوا قبلها يشعرون بأنّ حياتهم أو طريقتهم في رؤية العالم "تنهار" أو تتداعى وأنّهم يُسرفون في أنماطهم السابقة حتى يصل الفرد منهم إلى نقطة حرجة تُشبه "الوصول إلى القاع" Hitting bottom التغيير الفُجائي قد يكون للأفضل بشكل جذري (التوقّف عن الإدمان، الانتقال من الإلحاد للإيمان، التخلّي عن سلوك قبيح وعادة سيئة مزمنة، اليأس من الحياة، إدمان الجنس..). شخصيًا، كل ما سبق قد يكون معقول بالنسبة لي، لكن الظاهرة التالية التي رصدتها الدراسة، هي المدهشة حقًّا: رصدت الدراسة ظاهرة أخرى على النقيض تمامًا، إذ يُمكن لـ (التغيير الكمّي) أن يكون سلبيًا ومُدمّرًا، ويترك الشخص في حالة "أسوأ مما كان عليه قبلها، سمّاها الباحثون (الرؤى المُظلمة) Dark Visions وهي ما يحدث للمرء حين يحدث له (استبصار فُجائي) لسلوكه السابق ومدى قبحه ومدى شناعته وبشاعته وسوئه، ويستقرّ في وجدان هذا الشخص فرصة التغيير والانعتاق أمامه، ولكنّه فجأة يشعر بأنّ هذه التجربة تفرض عليه "مطلبًا مُخيفًا" أشبه بعبء كبير يفوق طاقته، يجعله يرتعد من هول التغيير فلا يستطيع تقبّله أو التكيف معه، ففجأة يشعر بالظلام والانتكاسة والعجز وانعدام الحيلة وتتحوّل هذه التجربة لانتكاسة شديدة في وجدانه وسلوكه. لكن السؤال الرئيسي هنا: ما الذي يُحدّد أن تكون تجربة (الاستبصار الفُجائي) هذه إيجابيًا فتُحدث توبة جذرية، وما الذي يجعلها تتحوّل لانتكاسة ورؤية مُظلمة؟ تُجيب الدراسة أنّ هناك عاملين اثنين: الأوّل: عامل داخلي مُتعلّق بمدى استعداد المرء الداخلي وانفتاحه على التغيير، ومدى جاهزيته وصدقه مع نفسه بحاجته للتغيير. ولا يسع المرء المؤمن خلال قراءته لهذا العامل إلّا أن يتذكّر قول علماء التزكية: ورود الإمداد بحسب الإستعداد وشروق الأنوار على قدر صفاء الأسرار أمّا العامل الثاني: فتتحدّث الدراسة عن (الآخر الموثوق) ويُقصد بها وجود شخص داعم -زوجة، أخ، صديق..- يمكن الاعتماد عليه وقت المرور بهذه الجربة الوجدانية (الاستبصار الفُجائي) وهذا العامل يلعب دورًا حاسمًا في توجيه التجربة نحو النمو بدلًا من الانتكاس. ولعلّك الآن ستدرك أهمّية التوصية القرآنية لك بأن تُحيط نفسك على الدوام بالأشخاص المناسبين (وكونوا مع الصادقين) حتّى إن لم تكن أنت الشخص الأنسب بالوقت الحالي. وأذكر أنّ مالكوم إكس قد تحدّث في سيرته الذاتية البديعة، عن هذه التحوّلات الفجائية في حياته حين كان في قاع الممارسات الرذيلة، ووحل الأخطاء والمعاصي، وكيف اختبر النور الفُجائي في سجنه وفي حجّه. ظاهرة مُرعبة، تُذكّرنا بأنّ كثير من التغييرات تحدث فُجاءة، بدون حولٍ منّا ولا قُوّة (ثُمّ تابَ عليهم ليتوبوا) وقد ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن انشراح الصدر: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح" فلا تنسَ أثناء سعيك المحموم وجهدك المبذول لإصلاح نفسك، أن تسأل الهداية من الهادي، وأن تتجرّد من حولك وقوّتك إلى حوله وقوّته (وكان الله على كلّ شيءٍ مقتدرًا)

كثير يحدّثونك عن علم النفس، وقلّة قليلة من "علماء النفس" بإمكانهم أن يُحذّروك من مزالق هيمنة لغة علم النفس على الحياة اليومية. يلتقط عالم النفس النقديّ، الأستاذ ستيفان برينكمان ظاهرة شائعة وخطيرة على مستوى التواصل اليوميّ للنّاس، أقصد تحديدًا بالطريقة التي يتحدّث بها النّاس عن أنفسهم وعن علاقاتهم وعن الآخرين من حولهم، وهو يُشير وأقتبس إلى ظاهرة، يقول فيها: " لقد أدّى هَوَس المجتمع الحديث بالعاطفة والشفافية الشعورية، إلى حدوث ظاهرة أطلق عليها ريتشارد سينيت: طُغيان الحميمية Tyranny of Intimacy حيث صار الشكل الوحيد المقبول للعلاقات الإنسانية هو (العلاقات القائمة على العاطفة) والمشاعر والانفعالات سواء أكان ذلك في المدرسة أو الحياة الخاصّة أو العمل! وهذا التعريف للعلاقات الإنسانية وللأسف، لا يُؤدّي إلّا إلى إيذاء الناس لبعضهم البعض باستمرار " هذه فكرة هامّة وخطيرة للغاية فعلاقتي مع الآخرين لا تُبنى على (العاطفة) وحدها! ثمّة مُبرّرات كثيرة لما يجمعني بشخص آخر أكثر بكثير من مُجرّد لُغة العاطفة، هناك على سبيل المثال: لُغة القِيَم (المسؤولية الاجتماعية، الواجب الأخلاقي..) وهناك مثلًا لُغات بدائية للعلاقات، أو ما يُبرّر ما يجمعني بشخصٍ آخر، منها على سبيل المثال: لُغة الدمّ (القرابة والنسل) هذا نطاق مهم للتفكير، خاصّة حين ننظر للتشريع الإسلاميّ، الذي لا يعبأ كثيرًا بمشاعرك مثلًا في أحوال الميراث، هو لا يقول لك ما طبيعة علاقتك بشقيقتك أو ولا يقول لكِ ما طبيعة علاقتِك بأعمامِك؟ وإن كنتم على وفاق أو تحبّون بعضكم بعضًا. طُغيان الحميمية هذا، وطغيان لغة العواطف والمشاعر، يشمل حتّى فهم الإنسان لنفسه، فمثلًا يقول لك الشخص، أنّ من طبعي أنّي شديد القلق، ينبغي عليك تحمّلي، فأنا شخص قَلِق وهذا شيء مثبت بالتشخيص وله أساس بيولوجيّ وجيني. مثلًا أفكّر أحيانًا، بصحابيٍّ جليل، قيس بن سعد، خُلِق ذكيًا، داهية بمعنى الكلمة، لديه كل المقوّمات الإدراكية والذهنية للتلاعب بالأشخاص الآخرين والإيقاع بهم، أورد عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أنّه قال: "لولا الإسلام، لمكرتُُ مكرًا لا تطيقه العرب" الآن هذه عبارة مذهلة، تحتاج إلى توقّف، إذ تخيّل معي لو كان سيدنا قيس، يعرف في زمانه علم الوراثة والجينات، أو كان يُراجع أخصائيًا نفسيًا يُخبره أنّ على النّاس أن يتحمّلوا مكرك، ودهاءك، ومَن لا يسعه ذلك، فلا حاجة لك بوصاله! ثمّ أخذ سيدنا قيس يقول: آه من جيناتي! آه من عقلي.. وُلدتُ هكذا، ولا يسعني إلّا أن أكونَ ماكرًا، هذه طِباعي، هذا أنا، ولا أستطيع إلّا أن أكون داهية! لا أحد يفهمني! ومَن لا يفهمني لا يستحقّ أن أتحدّث إليه أساساً. المفارقة المهمّة هنا، هي أنّ سيدنا قيس، لم يعش معنا ومع لغتنا العاطفية وهيمنة اللغة السيكولوجية لفهم الذات، ولذا فهو لم يتورّط بالتذرّع لنفسه باسم تشخيصات عديدة ستكون لاحقًا شمّاعة للعاجزين عن التحرّر من طباعهم الدنيّة. العبارة التي استخدمها سيدنا قيس ذكية وهامّة، هو يقول "لولا الإسلام" وكأنّه وبصرف النظر عن طباعي الشخصية، ونزعاتي السيكولوجية، وقدراتي العقلية، وميولي التلقائي للتفكير بدهاء، كل هذا، كل تلك العوامل والمقوّمات، ليست سببًا يمنعني من تقويم نفسي! هناك لغة أعلى، لغة (الدّين) لغة القِيَم الأخلاقية، التي ينبغي أن تُهذّبني وتُهذّب طباعي، ووظيفتها أن تحميني من شرور نفسي، ومن ألاعيب الهوى! ذاك أنّي إنسان حُر، لدي إرادة حرّة، مسؤول عن أفعالي، مُحاسبٌ عليها. ولاستيعاب ظاهرة (طغيان الحميمية) بشكلٍ أعمق، أشير أعلاه لمقطع لطيف من فيلم Fences وحوار هامّ بين ابنٍ وأبيه (يمثّله دينزل واشنطن) ببراعة، يسأل فيه الابن أباه مُحبطًا: لماذا لا تُحبُّني؟ ينفجر الأب، وبعيدًا عن تحفّظات عديدة يمكن عقدها حول قسوة الأب، تبقى الإجابة التي يُقدّمها له هامّة جدًا: ما يجمعك بالنّاس الآخرين من حولك، ليس دائمًا الحُبّ! الحياة لا تُعطيك ما تُعطيك لأنّها تُحبّك! لا تقضي حياتك وأنت قَلِق عمّا إذا كان النّاس يحبونكَ أو يكرهونك! ينبغي أن تحرص على أن تقوم بواجباتك تجاههم وأن يُعطوك حقوقك، هذا هو الأهم!