شهد| أنا قادمة ايها الضوء
رفتن به کانال در Telegram
715
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
-27 روز
-330 روز
آرشیو پست ها
للتخلّص من الضبابية الذهنية… لا تحتاج إلى بودكاست ولا إلى موسيقى، أو إلى حديث مع شخص آخر برفقتك، ولا إلى تصفّح الهاتف.
عالم الأعصاب الياباني كينيتشيرو موغي (Kenichiro Mogi) يقدّم وصفة بسيطة ومبنية على آلية دماغية معروفة:
امشِ فقط.
دون سماعات.
دون محتوى.
دون هدف محدد.
دون أي إدخال لمعلومات جديدة إلى الذهن.
عندما تمشي بهذه الطريقة، ينشط الدماغ ما يُعرف بـ شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network – DMN).
تعمل هذه الشبكة بشكل أساسي عندما لا يكون الدماغ منشغلًا بمهمة خارجية، فتقوم بـ:
- ترتيب الذكريات والمعلومات المتراكمة.
- معالجة المشاعر.
- إعادة تنظيم الأفكار.
- استعادة التوازن الداخلي.
الاستماع إلى الموسيقى أو البودكاست أو الحديث أثناء المشي يحوّل النشاط إلى «مهمة معرفية»، فيبقى الدماغ في حالة من المعالجة المستمرة، ويمنع شبكة الوضع الافتراضي من العمل بكفاءة.
المشي الصامت، من دون مدخلات، هو أقرب إلى «إعادة تشغيل» طبيعية للدماغ.
إنه ليس مجرد تمرين بدني، بل آلية عصبية تساعد الدماغ على استعادة انتظامه بعد الإفراط في التعرّض للمعلومات.
جرّبها.
امشِ لمدة 20–40 دقيقة دون سماعات أو فعل أي شيء، وراقب كيف يتغيّر وضوح ذهنك.
دَمٌ رَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ عَلَى أَرْضِ شقَّتِنا في مَدِينَةِ آخِن، وَجُرْحٌ عِشْتُ أَثَرَهُ فِي أَبِي، وَنَزْفٌ أَقْرَؤُهُ فِي حُرُوفِهِ وَدُمُوعِهِ وَقَوَافِيهِ… وَ… «عَزْمٌ حَدِيدٌ»، و«أَنْفُسٌ قَدْ شَرَاهَا اللهُ صَادِقَةٌ، أَقْوَى مِنَ الْمَوْتِ وَالتَّشْرِيدِ وَالْأَلَمِ».
«بَنانُ لَقَدْ طالَ الفِراقُ وَأوْحَشَتْ ... دُروبي وَلكِنّي الْمُهَنَّدُ ماضِيا»
«أُوَاجِهُ أَلْوَانَ الشَّدَائِدِ صَابِرًا... وَأَمْضِي عَلَى دَرْبِ الشَّهَادَةِ رَاضِيَا»
«أَمْشِي إِلَى الْغُرْبَةِ الْحَمْرَاءِ مِنْ دَمِنَا.. مَشْيَ الشَّهَادَةِ فَوْقَ الْخَوْفِ وَالْأَلَمِ»
فَارَقَتْ بَنَانُ، وَمَا فَارَقَتْ:
«وَمَضَى الصَّوْتُ إِلَى بَارِئِهِ... وَصَدَاهُ خَافِقٌ فِي كُلِّ قَلْبْ
وَبَنَانٌ رَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ... وَبَنَانٌ شُعْلَةٌ فِي كُلِّ دَرْبْ
وَبَنَانٌ مَثَلٌ نَضْرِبُهُ... وَبَنَانٌ قُدْوَةٌ فِي كُلِّ صَعْبْ»
كَانَتْ حَيَاةً قَصِيرَةَ الْأَمَدِ، عَمِيقَةَ الْأَثَرِ؛ قِمَّةً فِي الْإِيمَانِ وَالثَّبَاتِ، وَالْحُبِّ وَالْعَطَاءِ، وَالْبَذْلِ وَالْوَفَاءِ، وَالْعِزَّةِ وَالْإِبَاءِ.
حَيَاةً حَافِلَةً بِالرَّحِيلِ وَالتَّرْحَالِ، وَالْغُرْبَةِ وَالْمِحَنِ، وَالْعَوَاصِفِ وَالنَّوَازِلِ. وَكَانَتْ كُلُّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الطَّرِيقِ دَرْسًا وَعِبْرَةً، وَروحًا وَنَبْضًا، تَحْمِلُ حِكَايَةً، وَتُسَجِّلُ مَوْقِفًا، وَتَتْرُكُ فِي الْقَلْبِ وَالْحَيَاةِ أَبْلَغَ الْأَثَرِ.
قِصَّةُ أُمِّي وَأَبِي، وَقِصَّتُنَا مَعَهُمَا، تَمْلَأُ ذَاكِرَتِي وَقَلْبِي؛ قِصَّةٌ مَلِيئَةٌ بِالْحُبِّ وَالْأُلْفَةِ، وَالْعَطَاءِ وَالْوَفَاءِ.
وَكَانَ الْإِيمَانُ مَعَنَا فِي الطَّرِيقِ كُلِّهِ؛ بِهِ عَاشَ أَبِي وَأُمِّي الْغُرْبَةَ وَالْمِحَنَ وَالْأَخْطَارَ:
«لَكِنَّنَا وَعُيُونُ اللهِ تَلْحَظُنَا.. نَمْضِي عَلَى الدَّرْبِ وَالْإِيمَانُ حَادِينَا»
«رَاضِينَ رَاضِينَ مَا يَخْتَارُ رَاضِينَا…»
وَبِهَذَا الْإِيمَانِ نَفْسِهِ حَمَلَ أَبِي، بَعْدَ اسْتِشْهَادِ أُمِّي، جُرْحَهُ وَمُصَابَهُ، وَمَضَى فِي الدَّرْبِ:
«أُتَابِعُ الدَّرْبَ لَا شَكْوَى وَلَا خَوَرٌ.. وَلَوْ نَزَفْتُ عَلَى دَرْبِ الْإِبَاءِ دَمِي»
لَمْ يَلْتَئِمِ الْجُرْحُ، وَلَمْ يَسْكُنِ الْوَجْدُ…
«أُناجيكِ مِنْ دُنْيا الفَناءِ وقَدْ مَضَتْ.. سِنونَ وَوَجْدي ما عَلِمْتِ وَحالِيا»
وَيَبْقَى الْإِيمَانُ وَالْيَقِينُ وَالرَّجَاءُ بِاللِّقَاءِ فِي دَارِ الْبَقَاءِ:
«وَلُقْيَاكِ فِي عَدْنٍ عَزَائِيَ وَالرَّجَا... فَلَا خَيَّبَ الرَّحْمَنُ مِنِّي رَجَائِيَا
وَرَحْمَةُ رَبِّي عُدَّتِي وَمَفَازَتِي... وَدَارُ الَّتِي أَحْبَبْتُ ـ لَا شَكَّ ـ دَارِيَا»
هادية عصام العطار
#Issam El-Attar عصام العطار
#Banan Tantawi بنان علي الطنطاوي
وَوَاجَهَا مَعًا مَلَاحِمَ الْمِحَنِ:
«نَلْقَى النَّوازِلَ تَنْهَدُّ الجبالُ لَها... شُمَّ الأُنوفِ بِعَزْمٍ غيرِ مُنْهَدِمِ»
كَانَ لِرِفْقَتِهِمَا وِجْهَةٌ، وَلِدَرْبِهِمَا قَصْدٌ:
«وقَصْدُنا اللهُ لمْ نُشْرِكْ بهِ أَحَدًا... ونَهْجُنا الْحَقُّ لَمْ نَرْتَبْ ولَمْ نَرِمِ»
«دَرْبٌ سَــلَكْناهُ والرَّحْمـنُ غايَتُنـا... مَا مَسَّـنَا قَـطُّ في لَأْوائِـهِ نَـدَمُ»
«بِنَا»… «عِشْنَا»… «نَلْقَى»… «قَصْدُنَا»… «نَهْجُنَا»…
جَمَعَهُمَا الْحُبُّ، وَجَمَعَهُمَا الدَّرْبُ، وَجَمَعَهُمَا الْقَصْدُ.
وَفِي أُمِّي رَأَى أَبِي الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ:
«في سَبيلِ اللهِ ما أصْبَرَها ... إنْ طَغَا الباطِلُ أَوْ إِنْ جَلَّ خَطْبْ»
كانَ طَرِيقُ الدَّعَةِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ أَمَامَهُمَا مَفْتُوحًا مُمَهَّدًا، لَوْ رَضِيَا بِالتَّنَازُلَاتِ وَالْمُسَاوَمَاتِ؛ وَلَكِنَّهُمَا اخْتَارَا مَعًا طَرِيقَ اللهِ، وَالْعَيْشَ لِلَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ.
وَمَا نَسِيَ أَبِي قَطُّ مَا تَرَكَتْهُ أُمِّي وَراءَهَا مِنْ أَجْلِ هَذَا الطَّرِيقِ:
«فَارَقْتِ في صُحْبَتي الأيَّامَ وادِعَةً... وآمِنَ العَيْشِ في رِفْهٍ وفي رَحِمِ»
وَآثَرَا الْمُضِيَّ مَعًا…
«أَلْوانُ حَرْبٍ تَقَلَّبْنَا بِجاحِمِها... ما بَيْنَ مُسْتَعْلِنٍ مِنْها ومُنْكَتِمِ
الْكَيْدُ يَرْصُدُنا في كُلِّ مُنْعَطَفٍ... والمَوْتُ يَرْقُبُنا في كُلِّ مُقْتَحَمِ
والجُرْحُ في الصَّدْرِ مِنْ أَعْدائِنا نَفَذٌ.. والجُرْحُ في الظَّهْرِ من صُدْقانِنا القُدُمِ
وَمُدْنَفُ الْجِسْمِ في تَرْحَالِنا مِزَقٌ...على الطَّريقِ وأَلْوانٌ مِنَ السَّقَمِ
حَتَّى سَقَطْتِ على دَرْبِ الْجِهادِ، وقَدْ...عَزَّ النَّصيرُ، بلا شكْوَى ولا نَدَمِ»
فِي صَبَاحِ الثُّلَاثَاءِ، السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ آذَارَ 1981، وَقَعَ الْخَبَرُ…
وَأَيُّ خَبَرٍ…
خَبَرٌ صَاعِقٌ…
خَبَرٌ مُزَلْزِلٌ…
خَبَرٌ فَاجِعٌ…
قَتَلُوهَا.
أُمِّي.
«وَاحَةَ الْأَمْنِ»،
وَ«بَهْجَةَ الْحُبِّ»،
وَ«قَلْبَ الْمُرُوءَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالذِّمَمِ»،
وَ«مِثَالَ الْفِدَى وَالنُّبْلِ وَالْكَرَمِ».
قَتَلُوهَا…
اقْتَحَمُوا بَيْتَنَا… شَقَّتَنَا…
وَبِخَمْسِ رَصَاصَاتٍ قَتَلُوهَا.
«صَرِيعَةً بِرَصاصِ الغَدْرِ، خالِدَةً... في مِسْمَعِ الدَّهْرِ، تَرْتيلاً بكُلِّ فَمِ
وَبِتُّ وَحْدي على الدَّرْبِ العَتيدِ، وقدْ.. غابَ الرَّفيقُ، بجُرْحٍ غيرِ مُلْتَئِمِ
تَبَّ الْجُنَاةُ لَقَدْ أَصْمَوْا بِخِسَّتِهِمْ... قَلْبَ الْمُروءَةِ والأَخْلاقِ والذِّمَمِ»
وَفِي هَوْلِ فَاجِعَتِنَا وَعِظَمِ مُصَابِنَا، وَانْفِطَارِ قَلْبِي عَلَى فَقْدِ أُمِّي، كَانَ قَلَقِي عَلَى أَبِي يَعْتَصِرُ قَلْبِي. كُنْتُ أَعْرِفُ مَا كَانَتْ أُمِّي لَنَا، وَمَا كَانَتْ لِأَبِي؛ عِشْتُ حُبَّهُمَا، وَرَافَقْتُ أُلْفَتَهُمَا، وَعَرَفْتُ رِفْقَتَهُمَا، وَرَأَيْتُهُمَا يَمْضِيَانِ فِي الدَّرْبِ يَدًا بِيَدٍ، قَلْبًا وَرُوحًا وَفِكْرًا.
كَيْفَ سَنَعِيشُ؟ وَكَيْفَ سَيَعِيشُ أَبِي بِلَا أُمِّي؟
وَدَمُ أُمِّي الَّذِي رَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ مُنْسَكِبًا عَلَى أَرْضِ بَيْتِنَا، رَأَيْتُهُ جُرْحًا نَافِذًا نَازِفًا فِي قَلْبِ أَبِي إِلَى آخِرِ رَمَقٍ مِنْ حَيَاتِهِ:
«بَنَانُ يا جَبْهَةَ الإسلامِ دَامِيَةً... ما زالَ جُرْحُكِ في قَلْبي نَزيفَ دَمِ»
«تَمُرُّ بنا الأيّامُ يا „أمَّ أيْمَنٍ“ ... بأحْداثِها الكُبْرَى سِراعاً جَوارِيا
فَلا تَلأمُ الأيّامُ جُرْحَكِ دامِيًا ... ولا تَلْأمُ الأيّامُ جُرْحِيَ دامِيا»
بَقِيَ الْجُرْحُ نَازِفًا، وَبَقِيَ أَبِي عَلى الدَّرْبِ مَاضِيًا:
«يَظَلُّ لِيَوْمِ الْحَشْرِ يَنْزِفُ داعِيًا ... فَيَبْعَثُ نُوّامًا وَيَجْلُو مَواضِيا
وَيَسْطَعُ في لَيْلِ الْهَزائِمِ شُعْلَةً ... وَيَمْشي مَعَ الأجْيالِ نورًا وَحادِيا»
فَيَبْقَى الْجُرْحُ جُرْحًا، وَيَبْقَى النَّزْفُ نَزْفًا؛ «يَنْزِفُ دَاعِيًا»، وَ«يَسْطَعُ شُعْلَةً»، وَ«يَمْشِي مَعَ الْأَجْيَالِ نُورًا وَحَادِيًا».
طَالَ الْفِرَاقُ، وَبَقِيَ الْوَجْدُ وَالْوَفَاءُ:
«أُناجيكِ مِنْ دُنْيا الفَناءِ وقَدْ مَضَتْ.. سِنونَ وَوَجْدي ما عَلِمْتِ وَحالِيا
وَحيدٌ فَما أخْتارُ بَعْدَكِ خُلَّةً ... عَليلٌ وما أرْضَى بغَيْرِكِ آسِيا»
«بنانُ يا أُنْسَ أَيّامي التي انْصَرَمَتْ... ولَيْسَ يومُكِ في قلبي بِمُنْصَرِمِ»
«تَسيلُ حُروفي إذْ أُناجيكِ رِقَّةً ... وَيَنْزِفُ قَلْبي أدْمُعاً وَقَوافِيا»
آهٍ يَا أَبِي… مَا أَبْلَغَ نَزِيفَ قَلْبِكَ!
«إِنَّنَا لَا نَكْتُبُ بِالمِداد، وَلَكِنْ بِدَمِ الْقَلْب؛ فَمَعْذِرَةً إذا ظَهَرَ في سُطورِنا أَثَرُ الجِراح»
شَهِدَ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ بَهَاء، ابْنُ الشَّاعِرِ عُمَرَ بَهَاءِ الدِّينِ الْأَمِيرِيِّ، إِذْ كَانَ يَزُورُ أَبَاهُ الْمُعْتَقَلَ مَعَ أَبِي، فَحَفِظَهُ وَوَثَّقَهُ.
وَتَمْضِي بِنَا الْأَيَّامُ، وَنُغَادِرُ بِلَادَنَا الْعَرَبِيَّةَ وَأهلَنا وأحِبَّتَنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، وَيَمْضِي بِنَا طَرِيقُ الْحُرِّيَّةِ وَالِاسْتِقْلَالِ، وَرَفْضُ الْمُسَاوَمَاتِ وَالتَّبَعِيَّاتِ، إِلَى غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ نَسْكُنُهَا مَعًا فِي سُوِيسْرَا.
وَفِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ قَالَتْ لِي أُمِّي يَوْمًا:
«هَادِيَةُ حَبِيبَتِي، مُمْكِنْ تَخْرُجِي مِنَ الْغُرْفَةِ دَقِيقَتَيْنِ؟ أَتَحَدَّثُ مَعَ بَابَا كَلِمَتَيْنِ.»
فَخَرَجْتُ مِنَ الْغُرْفَةِ، وَوَصَلَنِي صَوْتُهَا مِنْ دَاخِلِهَا وَهِيَ تَقُولُ لِأَبِي:
«يَا عِصَام، وَاصِلْ طَرِيقَكَ الْإِسْلَامِيَّ الْحُرَّ الْمُسْتَقِلَّ الْمُتَمَيِّز، وَنَحْنُ مَعَكَ. خُبْزَةٌ يَابِسَةٌ نَأْكُلُهَا مَعَكَ، وَفِي كُوخٍ صَغِيرٍ أَوْ تَحْتَ خَيْمَةٍ نَعِيشُ مَعَكَ، رَاضِينَ سُعَدَاءَ مَعَكَ.»
فَلَمَّا عُدْتُ إِلَى الْغُرْفَةِ قُلْتُ لَهَا:
«مَامَا، أَنَا سَمِعْتُ مَا قُلْتِ لِبَابَا.»
فَقَالَتْ لِي:
«مَاذَا قُلْتُ؟»
فَأَعَدْتُ عَلَيْهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، وَكَانَتِ ابْتِسَامَتُهَا قِطْعَةً مِنْها، لَا تُفَارِقُهَا.
وَتَمْضِي الْأَيَّامُ، وَتَتَعَدَّدُ الْمَوَاقِفُ، وَأَذْكُرُ مَرَضَ أَبِي الشَّدِيدَ فِي بَلْجِيكَا، وَأَسْمَعُ كَلِمَاتِ أُمِّي لَهُ، بِرِقَّتِهَا وَقُوَّتِهَا الْمَعْهُودَةِ:
لَا تَحْزَنْ يَا عِصَام؛ إِنَّكَ إِنْ عَجَزْتَ عَنِ السَّيْرِ سِرْتَ بِأَقْدَامِنَا، وَإِنْ عَجَزْتَ عَنِ الْكِتَابَةِ كَتَبْتَ بِأَيْدِينَا.
وَهَكَذَا كَانَا فِي حَيَاتِنَا؛ فِي إِقَامَةٍ أَوْ رَحِيلٍ، فِي هُدُوءِ الْأَيَّامِ وَفِي شِدَّتِهَا. مَهْمَا أَرْعَدَتِ الدُّنْيَا مِنْ حَوْلِنَا وَأَبْرَقَتْ، وَمَهْمَا اشْتَدَّتْ عَوَاصِفُهَا وَمَخَاطِرُهَا، كُنَّا فِي حِضْنِ حُبِّهِمَا وَحِصْنِهِ، نَنْعَمُ بِالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَبِالدِّفْءِ وَالْأُنْسِ، وَبِالثِّقَةِ التَّامَّةِ بِهِمَا.
وَكَانَ فِي أَصْلِ هَذِهِ السَّكِينَةِ إِيمَانٌ عَمِيقٌ، وَرِضًا بِمَا يَكْتُبُهُ اللهُ. كُنَّا نَعْرِفُ مِنْهُمَا أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ اللهُ هُوَ الْخَيْرُ لَنَا، وَأَنَّ مَا يَخْتَارُهُ هُوَ الْأَنْسَبُ وَالْأَجْمَلُ لَنَا. هَكَذَا عَرَفْتُ أُمِّي وَأَبِي، وَهَكَذَا عِشْتُ حُبَّهُمَا.
«لَقَدِ امْتَزَجَتْ حَيَاتُهَا بِحَيَاتِي قَلْبًا وَفِكْرًا، وَرُؤْيَةً وَأَمَلًا، وَإِرَادَةً وَعَمَلًا… فَكَأَنَّنَا فِي مُعْظَمِ أُمُورِنَا شَخْصٌ وَاحِدٌ.»
وَحِينَ أَقْرَأُ الْيَوْمَ شِعْرَ أَبِي فِي أُمِّي، أَرَاهُمَا أَمَامِي؛ أَرَى الْبَيْتَ، وَأَرَى الطَّرِيقَ، وَأَرَى اللَّحَظَاتِ الَّتِي جَمَعَتْنَا، وَأَسْمَعُ صَوْتَيْهِمَا، وَأَسْتَعِيدُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ حُبٍّ وَمَوَدَّةٍ وَأُلْفَةٍ. تَعُودُ إِلَيَّ الْمَشَاهِدُ وَالْمَشَاعِرُ وَالذِّكْرَيَاتُ حَيَّةً؛ فَأَبْيَاتُ أَبِي عِنْدِي حَيَاةٌ عِشْتُهَا، وَوَقَائِعُ عَايَنْتُهَا، وَمَشَاعِرُ سَكَنَتْ قَلْبِي، وَذِكْرَيَاتٌ هِيَ جُزْءٌ مِنْ كِياني، وَمِنْ تَارِيخِي مَعَ أُمِّي وَأَبِي. وَكُلَّمَا قَرَأْتُ شِعْرَ أَبِي فِيهَا، عَادَتْ إِلَيَّ أُمِّي، وَعَادَ أَبِي، وَعَادَتْ مَعَهُمَا تِلْكَ الْحَيَاةُ الْعَذْبَةُ الَّتِي عِشْتُهَا بَيْنَهُمَا.
وَفِي شِعْرِ أَبِي أَسْتَحْضِرُ وَجْهَ أُمِّي، وَوَجْهَ أَبِي، وَحُبَّهُمَا، وَحَيَاتَهُمَا، وَحَيَاتِي مَعَهُمَا؛ وَتَتَجَلَّى لِي وَرَاءَ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَكُلِّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ، صُورَةٌ حَيَّةٌ وَذِكْرَى جَمِيلَةٌ تَتَحَرَّكُ أَمَامَ عَيْنَيَّ. أَقْرَأُ وَصْفَ أَبِي لِأُمِّي، فَأَرَاهَا فِيهِ، وَأَرَاهُ مَعَهَا:
«بنانُ يا صُورَةَ الإخلاصِ رائِعَةً»، «بنانُ يا مُقْلَةً للبِرِّ ساهِرَةً»، «بنانُ يا مُنْتَهَى الإيثارِ»، «بنانُ يا أُنْسَ أَيّامي»، «ويا رفيقَةَ دَرْبي»، «ويا ثَباتَ فُؤادي»، «ويا وِقَائي إذا ما كُنْتُ في خَطَرٍ»، «يا واحَةَ الأَمْنِ في ظِلِّ الوَفاءِ»، «يا بَهْجَةَ الحُبِّ يا نُعْماهُ في كَبِدي»…
كُلُّ كَلِمَةٍ وَرَاءَهَا حِكَايَاتٌ وَحِكَايَاتٌ، وَصُوَرٌ وَذِكْرَيَاتٌ. وَأَمْضِي مَعَ أَبِي، وَمَشَاعِرِهِ وَشِعْرِهِ:
«ويا جَنَاحِي إذا حَلَّقْتُ مُنْطَلِقًا... يَسْمُو بنا العَزْمُ فَوْقَ النَّجْمِ والسُّدُمِ»
«بِنَا»
كَلِمَةٌ صَغِيرَةٌ؛ أَرَى فِيهَا مَا عِشْتُهُ مَعَهُمَا. كَانَا مَعًا، يَسْمُو بِهِمَا الْعَزْمُ مَعًا، وَيَمْضِيَانِ فِي الدَّرْبِ مَعًا.
عَاشَا مَعًا الْغُرْبَةَ وَالْمِحْنَةَ وَالتَّشَرُّدَ:
«عِشْنا شَريدَيْنِ عَنْ أَهْلٍ وعن وطَنٍ... مَلاحِمًا من صِراعِ النُّورِ والقَتَمِ»
[بَنَانُ: الْحُبُّ وَالرِّفْقَةُ وَالْوَفَاءُ وَالدَّرْبُ]
عِشْتُ مُنْذُ طُفُولَتِي قِصَّةَ حُبٍّ عَمِيقَةً بَيْنَ أَبِي وَأُمِّي. عِشْتُ فِي رِحَابِ مَحَبَّتِهِمَا وَمَوَدَّتِهِمَا، وَأَحْسَسْتُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَفَاهُمٍ وَانْسِجَامٍ، وَنَعِمْتُ بِمَا كَانَ يَجْمَعُهُمَا مِنْ تَعَاوُنٍ وَتَكَاتُفٍ وَإِخْلَاصٍ وَوَفَاءٍ.
كَانَتْ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ حَاضِرَةً فِي جَمِيعِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا؛ فِي الْبَيْتِ وَالطَّرِيقِ، فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، فِي الرَّاحَةِ وَالتَّعَبِ. كَانَتْ تَمْلَأُ بَيْتَنَا دِفْئًا وَأُنْسًا وَطُمَأْنِينَةً، وَكَانَ دِفْؤُهَا يَمْتَدُّ إِلَى مَنْ حَوْلَنَا وَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنَّا.
وَكَانَ لِحَدِيثِ أُمِّي وَأَبِي مَعًا وَقْعٌ خَاصٌّ عَزِيزٌ عَلَى نَفْسِي. أَسْمَعُ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى أُمِّي، وَأَسْمَعُ أُمِّي تَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ، فَأَجِدُ فِي حَدِيثِهِمَا مَوَدَّةً وَأُلْفَةً وَاهْتِمَامًا وَقُرْبًا، وَأَجِدُ فِي الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمَا مَا يُغَذِّي الْقَلْبَ وَالرُّوحَ، وَيَشْرَحُ الصَّدْرَ وَالنَّفْسَ.
لَقَدْ كَانَتْ أُمِّي صَغِيرَةَ السِّنِّ حِينَ تَزَوَّجَتْ أَبِي، وَحَدَّثَتْنِي أُمِّي، وَحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ بِدَايَاتِ حَيَاتِهِمَا مَعًا. كَانَ أَبِي يُحِبُّ أَنْ يَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ أُمِّي الْكُتُبَ وَالْمَرَاجِعَ، وَكَانَا يَقْرَآنِ مَعًا، وَيَنْسَجِمَانِ وَيَسْتَغْرِقَانِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَتَذَوَّقَانِ مَعًا الشِّعْرَ وَالْأَدَبَ. كَانَ عِنْدَ أُمِّي الِاسْتِعْدَادُ وَالشَّغَفُ وَالِاهْتِمَامُ، وَكَانَ أَبِي يُقَدِّرُ مَا فِيهَا مِنْ مَوَاهِبَ وَإِمْكَانَاتٍ، وَيَدْعَمُهَا وَيُشَجِّعُهَا.
َتَتَوَالَى فِي ذَاكِرَتِي مَشَاهِدُ كَثِيرَةٌ ـ وَمَضَاتٌ جَمِيلَةٌ ـ يَشِعُّ فِيهَا مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ حُبٍّ وَأُنْسٍ وَتَآلُفٍ.
وَمِمَّا أَذْكُرُهُ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ فِي الْمُؤْتَمَرَاتِ وَاللِّقَاءَاتِ. كُنَّا صِغَارًا، وَكَانَ لِأَبِي مُحَاضَرَاتُهُ، وَلِأُمِّي مُحَاضَرَاتُهَا. وَبَيْنَ مُحَاضَرَةٍ وَأُخْرَى كُنَّا نَلْتَقِي، وَنَخْرُجُ مَعًا، وَنَمْشِي خُطُواتٍ. أَمْشِي مَعَ أُمِّي وَأَبِي، وَأَسْمَعُهُمَا يَتَحَدَّثَانِ وَيَتَبَادَلَانِ الْأَفْكَارَ وَالِانْطِبَاعَاتِ. كَانَ حَدِيثُهُمَا بَسِيطًا عَفْوِيًّا، وَكَانَ فِيهِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالتَّفَاهُمِ وَالِانْسِجَامِ مَا يَجْعَلُ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ رَاحَةً وَزَادًا لِلنَّفْسِ وَالْقَلْبِ.
كَانَ أَبِي زَوْجًا مُحِبًّا، وَرَفِيقًا مُحِبًّا، وَصَاحِبًا مُحِبًّا؛ لَا يَكَادُ يَدَعُ فُرْصَةً أَوْ مُنَاسَبَةً، فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، إِلَّا وَيُعَبِّرُ لِأُمِّي عَنْ حُبِّهِ وَتَقْدِيرِهِ لَهَا، وَحِرْصِهِ عَلَيْهَا، وَمَكَانَتِهَا فِي نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ.
وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْرَأُ فِي عَيْنَيِ الْآخَرِ مَا يُحِبُّ وَمَا يَتَمَنَّى، قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ، وَيُسَارِعُ إِلَى إِيثَارِهِ وَإِسْعَادِهِ؛ حَتَّى كَأَنَّ مَا يُحِبُّهُ أَحَدُهُمَا يُصْبِحُ مَا يُحِبُّهُ وَيُؤْثِرُهُ الْآخَرُ.
تَتَوَالَى فِي ذَاكِرَتِي مَشَاهِدُ كَثِيرَةٌ مِنْ مَواقِفِ أُمِّي مَعَ أَبِي، أَذْكُرُ مِنْهَا هُنَا ثَلَاثَ لَمَحَاتٍ.
أَرْجِعُ إِلَى أَيَّامِنَا فِي لُبْنَانَ. كَانَتْ أُمِّي قَدْ غَادَرَتْ دِمَشْقَ، وَتَرَكَتْ وَرَاءَهَا وَطَنَهَا وَأَهْلَهَا وَأَحِبَّتَهَا، وَمَضَتْ مَعَ أَبِي، رَاضِيَةً مُبْتَسِمَةً، إِلَى لُبْنَانَ.
وَفِي لُبْنَانَ اقْتُحِمَ بَيْتُنَا وَاعْتُقِلَ أَبِي، لِرَفْضِهِ الْمُسَاوَمَاتِ عَلَى اسْتِقْلَالِيَّتِهِ وَمَا آمَنَ بِهِ. وَكَانَتْ أُمِّي يَوْمَئِذٍ فِي مَطْلَعِ الْعِشْرِينَاتِ، وَلَهَا طِفْلَانِ صَغِيرَانِ: هَادِيَة وَأَيْمَن. وَأَخَذَتْ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَتَبْذُلُ مَا تَسْتَطِيعُ، تَبْحَثُ عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ تُقَدِّمَهُ مِنْ عَوْنٍ لِأَبِي وَلِمَنْ أَوْصَاهَا بِهِمْ أَبِي.
وَلَمَّا سُمِحَ لَهَا بِزِيَارَتِهِ بَعْدَ سَعْيٍ طَوِيلٍ، وَقَفَتْ تُحَدِّثُهُ وَتُطَمْئِنُهُ مِنْ وَرَاءِ حَاجِزٍ سَمِيكٍ مِنَ الْقُضْبَانِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا:
«لَا تُفَكِّرْ بِي، وَلَا تُفَكِّرْ بِأَوْلَادِكَ وَأَهْلِكَ، وَلَكِنْ فَكِّرْ، كَمَا تَعَوَّدْتَ دَائِمًا، بِبِلَادِكَ وَدَعْوَتِكَ وَوَاجِبِكَ. فَنَحْنُ لَا نَحْتَاجُ مِنْكَ إِلَى شَيْءٍ خَاصٍّ بِنَا، وَلَا نُطَالِبُكَ إِلَّا بِالْمَوْقِفِ السَّلِيمِ الْكَرِيمِ الَّذِي يُرْضِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ. تَابِعْ طَرِيقَكَ الْإِسْلَامِيَّ الْحُرَّ الْمُسْتَقِلَّ الْمُتَمَيِّز، حَيْثُمَا كُنْتَ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كُنْتَ. وَاللهُ مَعَكَ وَمَعَنَا يَا عِصَام، وَمَا يَكْتُبُهُ اللهُ لَكَ وَلَنَا هُوَ الْخَيْر.»
تزوج والدى وهو فى الخامسة والأربعين من عمره وأنجبنى وهو فى التاسعة والأربعين
لذلك كنت أشعر دوما بأن هناك اختلاف بينى وبين أقرانى فى المدرسة ، فوالدى شعره أبيض وفى عمر أجدادهم
لكن الشعور المؤلم كان خوفى أن أفقده وأنا صغير فى السن .. أن أصبح يتيما
كنت أقلق بشدة عندما أسمع كريمة مختار تقول لإبنتها منى جبر فى فيلم الحفيد : "أولاد الشيبة يتامى يا أحلام"
أتذكر وأنا فى التاسعة قلت لأبى وأنا أرتجف من البكاء : "أنا خايف تموت"
أحتضننى وقال : "مقدرش أوعدك إنى ماموتش .. بس اللى أقدر أوعدك به .. إنى أربيك تقدر تعتمد على نفسك"
.
رغم ذلك كان هاجس الخوف من أن يموت دائما يطاردنى .. كنت أشعر دوما بأننى سأفقده قبل أن أتخرج من الجامعة .. ويزداد هذا الشعور ويشتد قلقى لما كان يمر بأزمات صحية
.
كنت أخاف من أن يصاب بمرض السرطان وأن يصارع هذا المرض اللعين لفترة طويلة
وكنت أخاف أيضا من أن يتألم أمامى ولا أستطيع أن أفعل من أجله شيئا .. أو أن أكون عاجزا عن دفع تكاليف علاجه
.
مشهد عمى كمال الشايب وهو نائم على السرير يتوجع من الألم كان دائما ما يطارد مخيلتى
وأبى نفسه كان يطلب من ربنا فى صلاته أن يموت بصحته واقفا على قدميه .. ويحزن جدا لما يقرأ فى الأهرام خبر وفاة فنان أو شخصية مشهورة بعد صراع طويل مع المرض .. فكنت أقص تلك الأخبار من الجريدة قبل أن يقرأها
.
وظللت أعانى من هذه المخاوف والهواجس لأكثر من 25 سنة ..
.
وفى النهاية توفى والدى وهو فى الرابعة والثمانين من عمره .. وكنت فى الخامسة والثلاثين ..
ولم يصارع المرض ، مر بأزمة صحية بسيطة قبل أن يموت بثلاثة أيام فحسب .. ولم أشعر أبدا أنها أزمة خطيرة .. وفى يوم وفاته تناولت معه الإفطار كما نفعل عادة فى أيام العطلات .. ومات بعدها بساعتين
.
بفضل تلك التجربة المؤلمة وتجارب أخرى غيرها .. اكتشفت أن الكثير من الأشياء التى نقلق بشأنها فى حياتنا لا تحدث أبدا
وأن الكثير من قلق فترة المراهقة والشباب ليس حقيقيا .. وأننا يمكن أن نطرد تلك المخاوف بالتوقف عن التفكير فيها ..
وتعلمت أيضا ألا أقلق من شىء ليس فى استطاعتى تغييره
.
بقلم : جلال الشايب
خالد الشافعي
عامان يا يحيى ما تنفلت بصيام وشق علي، إلا ذكرت نفسي أن تقرير الوفاة ذكر أنك لم تأكل شيء 3 أيام قبل رفعك العصا
عامان كلما سبحت بعد صلاة مصطحبا ابني، الذي يلح علي الخروج سريعا من المسجد ليحظى بمكافأة مرافقته لي، إلا تذكرت مطوية الأذكار التي احتفظت بها، وأنك وقفت ووعيت جيدا بالتأكيد آية "يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا لَقيتُم فِئَةً فَاثبُتوا وَاذكُرُوا اللَّهَ كَثيرًا لَعَلَّكُم تُفلِحونَ"
عامان ما أصابني جهد في عمل أو مع ولد إلا وتذكرت حركتك وقد تجاوزت الستين حاملا بندقيتك متخفيا بغطاء يصعب رصدك/حركتك، وأنك - غالبا - ضاق بك التنفس تحت لثامك خلال لحظاتك الأخيرة، فلم تخلعه
عامان ما شعرت بإرهاق فكرت معه في تأجيل أي من بنود النظافة الشخصية إلا وتذكرت قصافتك والمينتوس ليظل فمك معطرا، وحملك لهم في لفك واشتباكاتك
عامان ما مررت بابتلاء إلا تذكرت تعافيك من سرطان دماغ وخروجك من سجن قضيت فيه ثلث عمرك (23 عاماً) أسدا مغوارا تعرف فضل الله عليك، ويعرف حق شعبه في لحظة إذلال للعدو
عامان من تذكر أن الدنيا أتتك راكعة. إمارة (حبها آخر ما يخرج من قلوب الصالحين)، وزوجة وولد (بعد الـ50 من عمرك)، فكنت، بما تركت، حقاً تعبيراً عن وصف رب العزة "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"
عامان طال فيهما تفكيرنا جميعا، هل نحظى يوما بلحظة صدق مع الله كالتي حظيت بها يوم ألقيت عليهم أخر سلاح معك "عصاك"، أم تخوننا مع العمر أنفسنا ونرتبط ونغرق أكثر بالدنيا. وماذا قد نفعل لنكون وأولادنا مثل عباده الربانيين الذين سبقونا على هذه البقعة الطاهرة
3 أعوام أحاجج من يتهمني بالتغير بـ "كيف لعاقل يمر عليه كل هذا فلا يتغير؟". 3 أعوام على ثاني أعظم يوم، من الله علي أن أشهدها، بعد يناير المصرية، متأملا في قدر شجاعة من أتخذ قرار غيرنا وغير العالم
عامان لا تكاد تذهب عن بالي يوما
حسن عادل
أَما في هَذِهِ الدُنيا كَريمُ
تَزولُ بِهِ عَنِ القَلبِ الهُمومُ
أَما في هَذِهِ الدُنيا مَكانٌ
يُسَرُّ بِأَهلِهِ الجارُ المُقيمُ
أن أعيش المسرّات حتى أقول مثلما قال غازي القصيبي: «كانت الحياة رائعة، وكان الشباب أروع منها، وكان الحب أروع منهما، وكنا نحن أروع الرائعين»
"هؤلاء البطيئون في الصلاة، الذين تراهم وكأن على رؤوسهم الطير يسبقون الناس في الدخول ويسبقهم الناس في الخروج، يتبِعون صلاتهم بالنوافل، هم ليسوا بأقل منك انشغالًا، لكنهم علِموا أين تُقضى الحوائج، ومن يُدبّر الأمر، فطال مكوثهم ليقينهم أن الله قد تولى قضاء حوائجهم.. فعلام تستعجلون؟"
"متى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت"
- ابن القيّم
«فمن أرادَ عِزَّ الدنيا، والرزقَ الحلالَ فيها، والنعيمَ في الآخرة، فعليه بالتقوى».
— ابْنً باز.
"يا عُمَر.. إنَّهُ شَهدَ بَدْرًا"
"إذا زلَّت قدم أخيك ففتّش عن معروفٍ سابقٍ له، ففي حياة كلِّ واحدٍ منّا -بدر- تغفر له".
وقد تتوارى عليك السنوات، ثم يفتح الله عليك بالعطايا، ويكتب لك الأرزاق من جميع الاتجاهات، وتلتفت إلى الخلف، وتتذكر حالك قديمًا ورجاءك إلى الله السابق الذي لم ينقطع، ولعلك تدرك أن الله قد هذبك في تلك الفترات، وعلمك ما لم تعلم، وجعل مفاتيح الفهم معك، وهذه من أبواب الفهم التي يفتحها على عباده الصابرين الأخيار بعد الفرج وتغير الحال.
ثم اعلم أن الله لايوفق عبدًا ليدعوه ويسأله ثم يحرمه سؤاله إنّما أجرى عليك صنوف الابتلاء ليرقيك من حضيض الأنس بهم، إلى عَلياء الأنس به سبحانه
الله تعالى أكرم من أن يراك تفتّش عن محابّه ثم يخذلك، أكرم من أن يراك تسعى إليه ثم يقصيك، أكرم من أن يراك تجاهد تقلّب قلبك فلا يولّيه شطره فكلّما كان العبد حسن الظَّن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه، فإن الله لايخيّب أمله فيه البتة؛ إنّه سبحانه لايخيب أمل آمل، ولايضيع عمل عامل
فلاتتوقف عن الدعاء، مهما ضعفت الأسباب لتحقيق ماتتمناه..
في يوم ما سترى أثر كل دعوة كُنت تلح بها على الله، فـلا تيأس ثم أبشر
