🕋 #خطب_الجمعة ✍️ مكتوبة وصوتية.. 📢 لصاحبها/ #عبدالحافظ_آل_عبدالرزاق
Ir al canal en Telegram
🎤📚 #خطب_الجمعة📥كتاب+سنة مجتمع واتس https://chat.whatsapp.com/BWHIVXJEhbwLC1moCQZIkd مجموعة واتس١ https://chat.whatsapp.com/GFiincgrVzZK0fahRh9Ks9 (٢) https://chat.whatsapp.com/HdAhwEVtBl5LPG8tE822GY (٤) https://chat.whatsapp.com/FvTK7rcef3XImmtoJ0DcIL
Mostrar más1 062
Suscriptores
-224 horas
-37 días
-430 días
Carga de datos en curso...
Canales Similares
Nube de Etiquetas
Menciones Entrantes y Salientes
---
---
---
---
---
---
Atraer Suscriptores
julio '26
julio '26
+8
en 0 canales
junio '26
+28
en 0 canales
Get PRO
mayo '26
+38
en 0 canales
Get PRO
abril '26
+33
en 0 canales
Get PRO
marzo '26
+25
en 0 canales
Get PRO
febrero '26
+32
en 0 canales
Get PRO
enero '26
+20
en 0 canales
Get PRO
diciembre '25
+21
en 0 canales
Get PRO
noviembre '25
+23
en 0 canales
Get PRO
octubre '25
+25
en 0 canales
Get PRO
septiembre '25
+16
en 0 canales
Get PRO
agosto '25
+14
en 0 canales
Get PRO
julio '25
+21
en 0 canales
Get PRO
junio '25
+21
en 0 canales
Get PRO
mayo '25
+30
en 0 canales
Get PRO
abril '25
+23
en 0 canales
Get PRO
marzo '25
+32
en 2 canales
Get PRO
febrero '25
+29
en 0 canales
Get PRO
enero '25
+36
en 0 canales
Get PRO
diciembre '24
+29
en 0 canales
Get PRO
noviembre '24
+40
en 0 canales
Get PRO
octubre '24
+33
en 0 canales
Get PRO
septiembre '24
+26
en 0 canales
Get PRO
agosto '24
+31
en 0 canales
Get PRO
julio '24
+26
en 0 canales
Get PRO
junio '24
+34
en 0 canales
Get PRO
mayo '24
+23
en 1 canales
Get PRO
abril '24
+26
en 0 canales
Get PRO
marzo '24
+41
en 0 canales
Get PRO
febrero '24
+43
en 0 canales
Get PRO
enero '24
+65
en 1 canales
Get PRO
diciembre '23
+37
en 1 canales
Get PRO
noviembre '23
+56
en 0 canales
Get PRO
octubre '23
+42
en 0 canales
Get PRO
septiembre '23
+34
en 0 canales
Get PRO
agosto '23
+50
en 0 canales
Get PRO
julio '23
+45
en 0 canales
Get PRO
junio '23
+42
en 0 canales
Get PRO
mayo '23
+36
en 0 canales
Get PRO
abril '23
+43
en 0 canales
Get PRO
marzo '23
+43
en 0 canales
Get PRO
febrero '23
+63
en 0 canales
Get PRO
enero '23
+46
en 0 canales
Get PRO
diciembre '22
+43
en 0 canales
Get PRO
noviembre '22
+44
en 0 canales
Get PRO
octubre '22
+58
en 0 canales
Get PRO
septiembre '22
+35
en 0 canales
Get PRO
agosto '22
+14
en 0 canales
Get PRO
julio '22
+47
en 0 canales
Get PRO
junio '22
+38
en 0 canales
Get PRO
mayo '22
+32
en 0 canales
Get PRO
abril '22
+27
en 0 canales
Get PRO
marzo '22
+42
en 0 canales
Get PRO
febrero '22
+42
en 0 canales
Get PRO
enero '22
+47
en 0 canales
Get PRO
diciembre '21
+36
en 0 canales
Get PRO
noviembre '21
+39
en 0 canales
Get PRO
octubre '21
+49
en 0 canales
Get PRO
septiembre '21
+54
en 0 canales
Get PRO
agosto '21
+52
en 0 canales
Get PRO
julio '21
+27
en 0 canales
Get PRO
junio '21
+47
en 0 canales
Get PRO
mayo '21
+301
en 0 canales
| Fecha | Crecimiento de Suscriptores | Menciones | Canales | |
| 10 julio | +1 | |||
| 09 julio | 0 | |||
| 08 julio | +1 | |||
| 07 julio | 0 | |||
| 06 julio | 0 | |||
| 05 julio | +2 | |||
| 04 julio | +1 | |||
| 03 julio | +2 | |||
| 02 julio | 0 | |||
| 01 julio | +1 |
Publicaciones del Canal
عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم وفِّق ولي أمرنا وولي عهده لرضاك، وأعنهما على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفظ جنودنا، واحم حدودنا وثغورنا ، يا رب العالمين، واحفظ رجال أمننا يا رب العالمين
اللهم اشف مرضاهم، وارحم موتاهم، وتقبلهم في الشهداء يا ربَّ العالمينَ
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
| 2 | الْخُطْبَةُ الْثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لله حَمْدَاً طَيِّبَاً كَثِيْرَاً مُبَارَكَاً فِيْه كَمَا يُحِبُ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوُلُهُ، صَلَّى الله وَسَلَّمَ وْبَارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الْدِّيِن.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا الله تَعَالَى وَأَطِيْعُوْهُ، وَعَظِّمُوا حرماته، وأدوا فرائضه؛ فإن بين أيديكم موتاً وقبراً وحساباً وجزاء، فأعدوا لذلك عدته (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ) [آل عمران:30].
أيها المسلمون: كانت عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بصلاة الفجر شديدة جداً، ومما يدل على ذلك أنهم كانوا في سفر فقال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه -رضي الله عنهم-: "من يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدَ عن صَلَاةِ الصُّبْحِ" رواه النسائي.
وكان من حرصه -صلى الله عليه وسلم- على صلاة الفجر أنه يتفقد أصحابه فيها؛ كما في حديث أُبَيِّ بن كَعْبٍ -رضي الله عنه- قال: "صلى بِنَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا الصُّبْحَ فقال: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ قالوا: لَا، قال: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ قالوا: لَا، قال: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ على الْمُنَافِقِينَ وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا على الرُّكَبِ" رواه أبو داود.
وأخذ الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الحرص الشديد على صلاة الفجر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فأبو الدرداء -رضي الله عنه- أبى في مرض موته إلا أن يحمل لحضور الجماعة مع شدة ما يجد فقال -رضي الله عنه-: "ألا احْمِلُونِي، فَحَمَلُوهُ فَأَخْرَجُوهُ فقال: اسْمَعُوا وَبَلِّغُوا من خَلْفَكُمْ، حَافِظُوا على هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لأتيتموهما وَلَوْ حَبْوًا على مَرَافِقِكُمْ وَرُكَبِكُمْ" رواه ابن أبي شيبة. وقال أَبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: "لَوْ يعلم القاعدون مَا للمشائين إلى هاتين الصلاتين: صلاة العشاء والفجر لأتوهما ولو حبواً".
وجاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه كان يوقظ الناس لصلاة الفجر، وينادي: "الصلاة الصلاة".
وعلي -رضي الله عنه- حين قتله الخوارج كان يدور على الناس يوقظهم فيقول: "أيها الناس، الصلاة الصلاة"، قال الراوي: "كذلك كان يصنع في كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس".
وخلفهم التابعون على ذلك فبالغوا في المحافظة على صلاة الفجر وتعظيمها حتى أن سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- اشتكى عينه فقالوا له: "لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة، قال: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح؟!".
وبعد كل هذه النصوص والآثار في العناية بصلاة الفجر وشهودها مع الجماعة نسمع في زمننا هذا من يرفع عقيرته، ويسود صحيفته، يدعو الناس إلى الزهد في حضور الجماعة، ويهون من أمر الصلاة في قلوبهم، ويصدقه ويتبعه من كان له هوى في ذلك، وإلا فكثرة النصوص المشددة في الجماعة تغني عن الاستماع إلى الأفاكين، وما فعلهم هذا إلا من برودة الدين في قلوبهم، وقلة الفقه في أمورهم، والفتنة بالدنيا وزينتها، نعوذ بالله تعالى من الخذلان.
تأملوا -يا عباد الله- قول الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: "وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا على الرُّكَبِ"، فإنه يدل على أن ما في الفجر والعشاء من الأجر والمنفعة عظيم جداً لا يمكن عده، فأبهمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لكثرته وعظمته.
ولو طلب من الناس أن يَحْبُوْا على مرافقهم وركبهم مسافة طويلة مقابل منصب دنيوي، أو مبلغ من المال مجز، أو أراض في موقع مميز لرأينا الناس يحبون لنيل ذلك، وربنا جل جلاله ما أمرنا أن نحبوا للمساجد لنيل الأجر، ومتعنا بأقدام تحملنا إليها، وأنعم علينا بصحة تبلغنا إياها، وأمن طريقنا إليها، وأخبرنا على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن أجرها يستحق لو عجزنا عن المشي أن نحبوا لأدائها مع المسلمين؛ فما بال كثير من الناس يحرمون هذا الخير العظيم، ويفرطون في هذا الأجر الكبير، وهم يسعون جادين في عرض من الدنيا قليل؟! إن هذا لهو الخسران المبين.
ألا فاتقوا الله ربكم، واعمروا بالصلاة مساجدكم، وألزموا بشهود الجماعة من تحت أيديكم من ولد وخدم؛ فإنهم من رعيتكم التي تسألون عنها يوم القيامة، وكلكم راع ومسئول عن رعيته، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه:132]. | 16 |
| 3 | تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ" رواه الشيخان.
فما أعظم مشهد المصلين وهم متراصون في صلاة الفجر، والملائكة يحفون بهم في مساجدهم!!
والمحافظة على صلاة الفجر سبب لحفظ العبد في الدنيا والآخرة؛ لما روى مسلم عن جُنْدَبِ بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى الصُّبْحَ فَهُوَ في ذِمَّةِ الله فلا يَطْلُبَنَّكُمْ الله من ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ في نَارِ جَهَنَّمَ".
قال العلماء: "أي: في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة". والمحافظ على صلاة الفجر،كأنه يقوم الليل؛ لما في حديث عثمان -رضي الله عنه- قال: سمعت رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صلى الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قام نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صلى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صلى اللَّيْلَ كُلَّهُ" رواه مسلم. ولأجل هذا الفضل العظيم كان عمر -رضي الله عنه- يقول: "لأن أشهد الفجر والعشاء فِي جماعة أحب إلي من أن أحيي مَا بَيْنَهُمَا".
والمشي إلى المساجد لأداء صلاة الفجر سبب للنور يوم القيامة؛ كما في حديث بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إلى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يوم الْقِيَامَةِ" رواه أبو داود، وفي حديث آخر: "من مَشَى في ظُلْمَةِ لَيْلٍ إلى صَلَاةٍ آتَاهُ الله نُورًا يوم الْقِيَامَةِ" رواه الدارمي.
والمحافظة على الفجر سبب للنجاة من عذاب النار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صلى قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ" رواه مسلم.
وهي سبب لدخول الجنة كما في حديث أبي مُوسَى -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى الْبَرْدَيْنِ دخل الْجَنَّةَ" رواه الشيخان.
وهي كذلك سبب لنيل أعلى المقامات برؤية الله تبارك وتعالى؛ لما روى جَرِيرُ بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "كنا عِنْدَ النبي -صلى الله عليه وسلم- إِذْ نَظَرَ إلى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فقال: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا لَا تُضَامُّونَ أو لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا على صَلَاةٍ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قال: وسبح بِحَمْدِ رَبِّكَ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" رواه الشيخان.
فذكره -صلى الله عليه وسلم- لرؤية الله تعالى ثم أمره إياهم بصلاتي الفجر والعصر يدل على أن المحافظة عليهما سبب لحصول الرؤية.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين".
ومن حافظ على الفجر والعشاء باعد عن النفاق؛ لأن الصلاة ثقيلة على المنافقين (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) [التوبة:54] وأثقلها عليهم الفجر والعشاء، والفجر أثقل الصلاتين للاستغراق في النوم، فلا يفزع لها من نومه إلا من قوي إيمانه فقهر نفسه على أدائها مع المصلين في المساجد، روى أبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس صَلَاةٌ أَثْقَلَ على الْمُنَافِقِينَ من الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا" رواه الشيخان.
ولذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يعلمون بعض المنافقين بتخلفهم عن الجماعة في العشاء والفجر؛ حتى جاء في مراسيل سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى-: "بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونهما" رواه مالك.
وجاء عَنِ ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: "كنا إذا فَقَدْنَا الرَّجُلَ في الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ" رواه الطبراني.
فليحذر كل مؤمن أن ينظم في سلك المنافقين وهو لا يشعر؛ وذلك بتضييعه صلاة الفجر مع الجماعة، وكل واحد أدرى بنفسه، ولن يحمل عمله غيره (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدَّثر:38]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:142]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
------------------------------------------------- | 11 |
| 4 | صلاة الفجر ... فضلها ، وذم تركها - الشيخ إبراهيم الحقيل
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم؛ يتقرب إلى عباده أكثر من تقرب العباد إليه "إذا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا، وإذا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منه بَاعًا، وإذا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" نحمده على فضله وإحسانه، ونشكره على جزيل عطائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ فتح لعباده أبواب الخيرات، ونوع لهم الطاعات؛ ليكفروا السيئات، ويتزودوا من الحسنات، ويرتقوا في الدرجات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وقدموا في يومكم ما تجدونه في غدكم، واعملوا في دنياكم ما يكون ذخرا لكم في أخراكم، ونافسوا أهل الخير في الخير، وإياكم والانغماس في الدنيا وزينتها (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) [الحديد:21].
أيها الناس: أمر الصلاة عند الله تعالى عظيم، وشأنها في شريعته كبير، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله تعالى، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع، ولا حظ له في الإسلام.
جعلها الله تعالى لعباده زاداً يتكرر معهم في اليوم والليلة خمس مرات، وهذه العناية الربانية بها تدل على عظيم أثرها على العباد، في صلاح قلوبهم، واستقامة أحوالهم (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ) [العنكبوت:45]
وأعظم الصلوات الخمس وأفضلها صلاتي العصر ثم الفجر وجاء في الفجر من الفضل ما لم يأت في غيرها، وكرر التأكيد عليها، وجعلت فرقاناً بين أهل الإيمان وأهل النفاق.
وفي أول الإسلام شرع صلاتان صلاة أول النهار وصلاة آخره، مما يدل على أن المسلمين كانوا يصلون صلاة الفجر قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج.
ثم أكد الأمر بها في القرآن بعد حادثة المعراج (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) [هود:114] (فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [الرُّوم:17] (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:42] (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفتح:9] (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الإنسان:25]
وصلاة الفجر تدخل في كل هذه الآيات، بل جاء في القرآن أنها سبب لذهاب الهموم والغموم، وتقوية العزم والصبر؛ ولذا أمر الله تعالى بالتسبيح الذي تدخل فيه صلاة الفجر، مع الأمر بالصبر في مواجهة أذى المؤذين (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ) [ق:39] وتكرر الأمر به في سور طه.
ووقت صلاة الفجر يسمى غدواً، وقد أثنى الله تعالى على من ارتادوا المساجد فيه (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ) [النور:36-37]
وصلاة الفجر وما فيها من أقوال، وما بعدها من أذكار هي من التسبيح المأمور به في وقت الغدو، بل إن الله تعالى أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يعتني بأهل هذه الصلاة العظيمة (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام:52]
وصلاتهم الفجر هي من دعائهم بالغدو، وفي آية أخرى أمره -عز وجل- أن يصابر معهم (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف:28]
فما أعظم مكانة رواد المساجد في الفجر، يسبحون الله تعالى ويدعونه والناس نيام، فيأمر الله تعالى بصبر النفس معهم ولو كانوا فقراء ضعفاء، وعدم الالتفات إلى من ضيعوا صلاة الفجر وما في وقتها من تسبيح ودعاء ولو كانوا ذوي جاه وقوة ومال.
ويتوج فضل صلاة الفجر في الكتاب العزيز بالإخبار أنها القرآن المشهود (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء:78]
فسميت قرآنا لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها؛ ولفضل القراءة فيها؛ لأن ملائكة الليل والنهار تشهدها في مساجد تعج بالقرآن في وقتها، كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ والعصر ثُمَّ يَعْرُجُ إليه الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهو أَعْلَمُ فيقول: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: | 10 |
| 5 | عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم وفِّق ولي أمرنا وولي عهده لرضاك، وأعنهما على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفظ جنودنا، واحم حدودنا وثغورنا ، يا رب العالمين، واحفظ رجال أمننا يا رب العالمين
اللهم اشف مرضاهم، وارحم موتاهم، وتقبلهم في الشهداء يا ربَّ العالمينَ
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين | 11 |
| 6 | الْخُطْبَةُ الْثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لله حَمْدَاً طَيِّبَاً كَثِيْرَاً مُبَارَكَاً فِيْه كَمَا يُحِبُ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوُلُهُ، صَلَّى الله وَسَلَّمَ وْبَارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الْدِّيِن.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا الله تَعَالَى وَأَطِيْعُوْهُ، وَعَظِّمُوا حرماته، وأدوا فرائضه؛ فإن بين أيديكم موتاً وقبراً وحساباً وجزاء، فأعدوا لذلك عدته (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ) [آل عمران:30].
أيها المسلمون: كانت عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بصلاة الفجر شديدة جداً، ومما يدل على ذلك أنهم كانوا في سفر فقال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه -رضي الله عنهم-: "من يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدَ عن صَلَاةِ الصُّبْحِ" رواه النسائي.
وكان من حرصه -صلى الله عليه وسلم- على صلاة الفجر أنه يتفقد أصحابه فيها؛ كما في حديث أُبَيِّ بن كَعْبٍ -رضي الله عنه- قال: "صلى بِنَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا الصُّبْحَ فقال: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ قالوا: لَا، قال: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ قالوا: لَا، قال: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ على الْمُنَافِقِينَ وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا على الرُّكَبِ" رواه أبو داود.
وأخذ الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الحرص الشديد على صلاة الفجر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فأبو الدرداء -رضي الله عنه- أبى في مرض موته إلا أن يحمل لحضور الجماعة مع شدة ما يجد فقال -رضي الله عنه-: "ألا احْمِلُونِي، فَحَمَلُوهُ فَأَخْرَجُوهُ فقال: اسْمَعُوا وَبَلِّغُوا من خَلْفَكُمْ، حَافِظُوا على هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لأتيتموهما وَلَوْ حَبْوًا على مَرَافِقِكُمْ وَرُكَبِكُمْ" رواه ابن أبي شيبة. وقال أَبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: "لَوْ يعلم القاعدون مَا للمشائين إلى هاتين الصلاتين: صلاة العشاء والفجر لأتوهما ولو حبواً".
وجاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه كان يوقظ الناس لصلاة الفجر، وينادي: "الصلاة الصلاة".
وعلي -رضي الله عنه- حين قتله الخوارج كان يدور على الناس يوقظهم فيقول: "أيها الناس، الصلاة الصلاة"، قال الراوي: "كذلك كان يصنع في كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس".
وخلفهم التابعون على ذلك فبالغوا في المحافظة على صلاة الفجر وتعظيمها حتى أن سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- اشتكى عينه فقالوا له: "لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة، قال: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح؟!".
وبعد كل هذه النصوص والآثار في العناية بصلاة الفجر وشهودها مع الجماعة نسمع في زمننا هذا من يرفع عقيرته، ويسود صحيفته، يدعو الناس إلى الزهد في حضور الجماعة، ويهون من أمر الصلاة في قلوبهم، ويصدقه ويتبعه من كان له هوى في ذلك، وإلا فكثرة النصوص المشددة في الجماعة تغني عن الاستماع إلى الأفاكين، وما فعلهم هذا إلا من برودة الدين في قلوبهم، وقلة الفقه في أمورهم، والفتنة بالدنيا وزينتها، نعوذ بالله تعالى من الخذلان.
تأملوا -يا عباد الله- قول الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: "وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا على الرُّكَبِ"، فإنه يدل على أن ما في الفجر والعشاء من الأجر والمنفعة عظيم جداً لا يمكن عده، فأبهمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لكثرته وعظمته.
ولو طلب من الناس أن يَحْبُوْا على مرافقهم وركبهم مسافة طويلة مقابل منصب دنيوي، أو مبلغ من المال مجز، أو أراض في موقع مميز لرأينا الناس يحبون لنيل ذلك، وربنا جل جلاله ما أمرنا أن نحبوا للمساجد لنيل الأجر، ومتعنا بأقدام تحملنا إليها، وأنعم علينا بصحة تبلغنا إياها، وأمن طريقنا إليها، وأخبرنا على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن أجرها يستحق لو عجزنا عن المشي أن نحبوا لأدائها مع المسلمين؛ فما بال كثير من الناس يحرمون هذا الخير العظيم، ويفرطون في هذا الأجر الكبير، وهم يسعون جادين في عرض من الدنيا قليل؟! إن هذا لهو الخسران المبين.
ألا فاتقوا الله ربكم، واعمروا بالصلاة مساجدكم، وألزموا بشهود الجماعة من تحت أيديكم من ولد وخدم؛ فإنهم من رعيتكم التي تسألون عنها يوم القيامة، وكلكم راع ومسئول عن رعيته، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه:132]. | 11 |
| 7 | تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ" رواه الشيخان.
فما أعظم مشهد المصلين وهم متراصون في صلاة الفجر، والملائكة يحفون بهم في مساجدهم!!
والمحافظة على صلاة الفجر سبب لحفظ العبد في الدنيا والآخرة؛ لما روى مسلم عن جُنْدَبِ بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى الصُّبْحَ فَهُوَ في ذِمَّةِ الله فلا يَطْلُبَنَّكُمْ الله من ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ في نَارِ جَهَنَّمَ".
قال العلماء: "أي: في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة". والمحافظ على صلاة الفجر،كأنه يقوم الليل؛ لما في حديث عثمان -رضي الله عنه- قال: سمعت رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صلى الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قام نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صلى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صلى اللَّيْلَ كُلَّهُ" رواه مسلم. ولأجل هذا الفضل العظيم كان عمر -رضي الله عنه- يقول: "لأن أشهد الفجر والعشاء فِي جماعة أحب إلي من أن أحيي مَا بَيْنَهُمَا".
والمشي إلى المساجد لأداء صلاة الفجر سبب للنور يوم القيامة؛ كما في حديث بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إلى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يوم الْقِيَامَةِ" رواه أبو داود، وفي حديث آخر: "من مَشَى في ظُلْمَةِ لَيْلٍ إلى صَلَاةٍ آتَاهُ الله نُورًا يوم الْقِيَامَةِ" رواه الدارمي.
والمحافظة على الفجر سبب للنجاة من عذاب النار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صلى قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، يَعْنِي: الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ" رواه مسلم.
وهي سبب لدخول الجنة كما في حديث أبي مُوسَى -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى الْبَرْدَيْنِ دخل الْجَنَّةَ" رواه الشيخان.
وهي كذلك سبب لنيل أعلى المقامات برؤية الله تبارك وتعالى؛ لما روى جَرِيرُ بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "كنا عِنْدَ النبي -صلى الله عليه وسلم- إِذْ نَظَرَ إلى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فقال: أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا لَا تُضَامُّونَ أو لَا تُضَاهُونَ في رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا على صَلَاةٍ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قال: وسبح بِحَمْدِ رَبِّكَ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" رواه الشيخان.
فذكره -صلى الله عليه وسلم- لرؤية الله تعالى ثم أمره إياهم بصلاتي الفجر والعصر يدل على أن المحافظة عليهما سبب لحصول الرؤية.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين".
ومن حافظ على الفجر والعشاء باعد عن النفاق؛ لأن الصلاة ثقيلة على المنافقين (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) [التوبة:54] وأثقلها عليهم الفجر والعشاء، والفجر أثقل الصلاتين للاستغراق في النوم، فلا يفزع لها من نومه إلا من قوي إيمانه فقهر نفسه على أدائها مع المصلين في المساجد، روى أبو هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس صَلَاةٌ أَثْقَلَ على الْمُنَافِقِينَ من الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا" رواه الشيخان.
ولذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يعلمون بعض المنافقين بتخلفهم عن الجماعة في العشاء والفجر؛ حتى جاء في مراسيل سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى-: "بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونهما" رواه مالك.
وجاء عَنِ ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: "كنا إذا فَقَدْنَا الرَّجُلَ في الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ" رواه الطبراني.
فليحذر كل مؤمن أن ينظم في سلك المنافقين وهو لا يشعر؛ وذلك بتضييعه صلاة الفجر مع الجماعة، وكل واحد أدرى بنفسه، ولن يحمل عمله غيره (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدَّثر:38]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:142]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
------------------------------------------------- | 11 |
| 8 | صلاة الفجر ... فضلها ، وذم تركها - الشيخ إبراهيم الحقيل
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم؛ يتقرب إلى عباده أكثر من تقرب العباد إليه "إذا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا، وإذا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منه بَاعًا، وإذا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" نحمده على فضله وإحسانه، ونشكره على جزيل عطائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ فتح لعباده أبواب الخيرات، ونوع لهم الطاعات؛ ليكفروا السيئات، ويتزودوا من الحسنات، ويرتقوا في الدرجات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وقدموا في يومكم ما تجدونه في غدكم، واعملوا في دنياكم ما يكون ذخرا لكم في أخراكم، ونافسوا أهل الخير في الخير، وإياكم والانغماس في الدنيا وزينتها (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) [الحديد:21].
أيها الناس: أمر الصلاة عند الله تعالى عظيم، وشأنها في شريعته كبير، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله تعالى، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع، ولا حظ له في الإسلام.
جعلها الله تعالى لعباده زاداً يتكرر معهم في اليوم والليلة خمس مرات، وهذه العناية الربانية بها تدل على عظيم أثرها على العباد، في صلاح قلوبهم، واستقامة أحوالهم (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ) [العنكبوت:45]
وأعظم الصلوات الخمس وأفضلها صلاتي العصر ثم الفجر وجاء في الفجر من الفضل ما لم يأت في غيرها، وكرر التأكيد عليها، وجعلت فرقاناً بين أهل الإيمان وأهل النفاق.
وفي أول الإسلام شرع صلاتان صلاة أول النهار وصلاة آخره، مما يدل على أن المسلمين كانوا يصلون صلاة الفجر قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج.
ثم أكد الأمر بها في القرآن بعد حادثة المعراج (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) [هود:114] (فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [الرُّوم:17] (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:42] (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفتح:9] (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الإنسان:25]
وصلاة الفجر تدخل في كل هذه الآيات، بل جاء في القرآن أنها سبب لذهاب الهموم والغموم، وتقوية العزم والصبر؛ ولذا أمر الله تعالى بالتسبيح الذي تدخل فيه صلاة الفجر، مع الأمر بالصبر في مواجهة أذى المؤذين (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ) [ق:39] وتكرر الأمر به في سور طه.
ووقت صلاة الفجر يسمى غدواً، وقد أثنى الله تعالى على من ارتادوا المساجد فيه (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ) [النور:36-37]
وصلاة الفجر وما فيها من أقوال، وما بعدها من أذكار هي من التسبيح المأمور به في وقت الغدو، بل إن الله تعالى أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يعتني بأهل هذه الصلاة العظيمة (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام:52]
وصلاتهم الفجر هي من دعائهم بالغدو، وفي آية أخرى أمره -عز وجل- أن يصابر معهم (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف:28]
فما أعظم مكانة رواد المساجد في الفجر، يسبحون الله تعالى ويدعونه والناس نيام، فيأمر الله تعالى بصبر النفس معهم ولو كانوا فقراء ضعفاء، وعدم الالتفات إلى من ضيعوا صلاة الفجر وما في وقتها من تسبيح ودعاء ولو كانوا ذوي جاه وقوة ومال.
ويتوج فضل صلاة الفجر في الكتاب العزيز بالإخبار أنها القرآن المشهود (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء:78]
فسميت قرآنا لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها؛ ولفضل القراءة فيها؛ لأن ملائكة الليل والنهار تشهدها في مساجد تعج بالقرآن في وقتها، كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ والعصر ثُمَّ يَعْرُجُ إليه الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهو أَعْلَمُ فيقول: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: | 16 |
| 9 | *صيام الخميس*
يجتمع مع *فضل صيام شهر الله المحرم*
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ *أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ* وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل رواه مسلم 1163
*هنيئا لمن يجمع بين نية صيامه وفضيلة الأشهر الحرم وفضيلة صيام شهر الله المحرم*
*إن لم تكن من الصائمين فكن من المذكرين*🥀 | 35 |
| 10 | 🕋 | 73 |
| 11 | اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ، واحقِن دماءَهم، واجمَع على الحقِّ والهُدى والسنَّةِ كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرَّخاءَ في ديارِهم، وأعِذهم من الشُّرور والفتَن ما ظهَرَ منها وما بَطَن.
اللهم انصُر جنودَنا المُرابِطِين على الحُدود، اللهم سدِّد رأيَهم، وصوِّب رميَهم، وقوِّ عزائِمَهم، وثبِّت أقدامَهم، واربِط على قلوبِهم، وانصُرهم على مَن بغَى عليهم، اللهم أيِّدهم بتأييدِك، وانصُرهم بنصرِك، اللهم وارحَم شُهداءَهم، واشفِ جرحَاهم، واحفَظهم في أهلِهم وذُريَّاتهم، إنك سميعُ الدعاء.
اللهم يا ولِيَّ المُؤمنين، ويا ناصِرَ المُستضعَفين، ويا غِياثَ المُستغِيثين، يا عظيمَ الرجاء، ويا مُجِيرَ الضُّعفاء، اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعَفين مظلُومين في فلسطين، وفي بُورما، وفي إفريقيا الوُسطى، وفي ليبيا، وفي العِراق، وفي اليمَن، وفي سُوريا، قد مسَّهم الضُّرُّ، وحلَّ بهم الكَربُ، واشتَدَّ عليهم الأمرُ، تعرَّضُوا للظُّلم والطُّغيان والتشريدِ والحِصار، اللهم وانصُرهم وانتصِر لهم، وتولَّ أمرَهم، واكشِف كربَهم، وارفَع ضُرَّهم، وعجِّل فرَجَهم، وألِّف بين قُلوبِهم، واجمَع كلمَتَهم، اللهم مُدَّهم بمَدَدِك، وأيِّدهم بجُندِك، وانصُرهم بنصرِك.
اللهم عليك بالطُّغاة الظالِمين ومَن شايعَهم ومَن أعانَهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، ومزِّقهم كلَّ مُمزَّق، اللهم واجعَل تدميرَهم في تدبيرِهم يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين، اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرَأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].
سُبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. | 105 |
| 12 | فلا يحِلُّ لمُؤمنٍ يُؤمِنُ بالله واليوم الآخر أن يُؤذِيَ مُسلمًا، أو يُروِّعَ آمِنًا؛ فهو في حرَمِ الله المُحاطِ بالهَيبَةِ والتعظيمِ الذي لا يُسفَكُ فيه دمٌ، ولا يُنفَّرُ فيه صَيدٌ، ولا يُعضَدُ فيه شجَرٌ، وكَن دخلَه كان آمِنًا.
هذه البلادُ لا تسمَحُ باستِغلالِ الدينِ ومواسِمِ العبادة وتجمُّعات المُسلمين في المشاعِرِ المُقدَّسة لأغراضٍ مُسيَّسة، وصَرفِ الأنظارِ عن مُعاناةٍ يعِيشُها مَن يعِيشُها، ومُشكلاتٍ واقِعٍ فيها صاحِبُها.
فالفريضَةُ المُقدَّسةُ مُبعَدةٌ ومُنزَّهةٌ عن كل هذه الأغراض؛ فتسيِيسُ الشعائِر لن يجلِبَ خيرًا لأمَّتِنا، وأحوالُ الأمة خيرُ شاهِدٍ في ظُروفِها وخِلافاتِها.
المملَكةُ هي المُؤتمَنَةُ - بفضلِ الله - على ضيوفِ الرحمن وخِدمتهم ورِعايتهم، وهي مُلتزِمةٌ كذلك ومسؤولةٌ عن اتِّخاذِ كل التدابِيرِ الحازِمةِ والصارِمةِ للحِفاظِ على أمنِ البلاد وأمنِ الناسِ: المُواطِن، والمُقيم، والعاكِف، والبادِ، والحاجِّ، والزائِر، والمُعتمِر.
أمنُ البلاد وأمنُ المُقدَّسات لا يَسمَحُ بأيِّ عملٍ أو تصرُّفٍ يُعكِّرُ هذه الأجواءَ الإيمانيَّة، أو يضُرُّ بالمصالِحِ الخاصَّة، أو يَمَسُّ احتِرامَ مشاعِرِ المُسلمين.
إن خادِمَ الحرمَين الشريفَين وولِيَّ عهدِه وحُكومتَه ورِجالَ دولتِه وشعبَه يبذُلُون الغالِي والنَّفيسَ في خِدمةِ الحرمَين الشريفَين، وخِدمةِ قاصِدِيهما، حُجَّاجًا وعُمَّارًا وزُوَّارًا؛ قُربةً إلى الله، وشُعورًا بالمسؤوليَّة.
بُرهانُ ذلك: ما تقَرُّ به عينُ كل مُسلمٍ مِن الأعمال والخِدمات والإنجازات والتسهيلات، منذ دُخُول الحُجَّاج والمُعتمِرِين مداخِلِ البلاد ومنافِذها الجويَّة والبريَّة والبحريَّة، مما يراهُ ويُشاهِدُه ضُيُوفُ الرحمن وكلُّ قاصِدٍ لهذه الديارِ المُقدَّسة، ولسَوفَ يرَون المَزيدَ والمَزيدَ - إن شاء الله -.
ومِن ثوابِتِ هذه الدولة ومما تقرَّبُ به إلى الله: تسخِيرُ إمكاناتِها الماديَّة والبشريَّة، ورسم الخُطط والبرامِج لإعمارِ الحرمَين الشريفَين وخِدمتها، وخِدمة قاصِدِيهما، وبذلِ كلِّ السُّبُل مِن أجل راحتِهم وأمنِهم؛ فإن لدَيها - ولله الحمدُ والمِنَّة - الإمكانيات والكفاءات والقُدرات على إدارة هذه المُناسبة الإسلاميَّة العظيمة، وتقديمِ أفضلِ الخدمات وأكمَلها لضُيُوفِ الرحمن مِن غير تمييزٍ، وهي لا ترجُو مِنَّةً ولا جزاءً ولا شُكُورًا؛ بل ترجُو ثوابَ الله، ثم أداءَ مسؤوليَّتِها نحو إخوانِنا المُسلمين.
وهي تطلُبُ مِن الجميع تقديرَ ذلك، والتفرُّغَ للعبادة، واستِغلالَ أوقاتِهم أيامًا وساعاتٍ ودقائِق لينالُوا فضلَ الحرمَين الشريفَين، وبركتَها، لعلَّ الله أن يتقبَّل منهم، ويتجاوَزَ عن سيئاتِهم، ويمنَحَهم قَبُولًا إلى يومِ يلقَونَه.
ألا فاتَّقُوا اللهَ - رحِمَكم الله -، وتأمَّلُوا، واشكُرُوا، ولا تُسرِفُوا، وتفقَّدُوا إخوانَكم، وتعاوَنُوا على البرِّ والتقوَى، ولا تختَلِفُوا فتختَلِفَ قلوبُكم، ولِينُوا في أيدِي إخوانِكم.
فحرُّ الصَّيف كحَدِّ السَّيف، ومَن لم يغْلُ دِماغُه صائِفًا، لم تَغْلُ قُدورُه شاتِيًا.
هذا وصلُّوا وسلِّمُوا على الرحمةِ المُهداة، والنِّعمةِ المُسداة: نبيِّكُم محمدٍ رسولِ الله؛ فقد أمرَكم بذلك ربُّكم في مُحكَم تنزيلِه، فقالَ - وهو الصادِقُ في قِيلِه - قَولًا كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك: نبيِّنا محمدٍ الحَبيبِ المُصطَفى، والنبيِّ المُجتَبَى، وعلى آله الطيبين الطاهِرِين، وعلى أزواجِه أمهاتِ المؤمنين.
وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الأربعةِ الراشدين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وجُودِك وإحسانِك وإكرامِك يا أكرَمَ الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمُشركين، واخذُل الطغاةَ، والملاحِدَة، وسائرَ أعداءِ المِلَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أئمَّتَنا وولاةَ أمُورِنا، واجعَل اللهم ولايتَنَا فيمن خافَك واتَّقاك واتَّبَع رِضاكَ يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامَنا وولِيَّ أمرِنا بتوفيقِك، وأعِزَّه بطاعتِك، وأَعلِ به كلمَتَك، واجعَله نُصرةً للإسلامِ والمسلمين، ووفِّقه ونائبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وتَرضَى، وخُذ بنواصِيهم للبِرِّ والتقوَى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمورِ المسلمين للعملِ بكتابِك، وبسنَّةِ نبيِّك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، واجعَلهم رحمةً لعبادِك المؤمنين، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والهُدَى يا ربَّ العالمين. | 72 |
| 13 | وشِدَّةُ الحرِّ مظِنَّةُ كثرةِ العرَقِ، فمَن يحضُرُ مجامِعَ المُسلمين ومساجِدَهم ينبَغِي أن يُزِيلَ ما يُؤذِي إخوانَه مِن الروائِحِ الكريهَةِ.
وبعدُ .. عباد الله: فالمُؤمنُ يعيشُ حياتَه في تفكُّرٍ واعتِبارٍ، وتبصُّرٍ واتِّعاظٍ؛ فيرَى آياتِ الله فيما حولَه، ويتفقَّدُ مَن حولَه في شُكرِ ربِّه، ورِضًا عن مَولاه، ورِفقٍ بإخوانِه.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [النحل: 81].
نفَعَني اللهُ وإياكم بِالقرآنِ العظيمِ، وبهَديِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-،
وأقولُ قولِي هذا، وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ وخَطيئةٍ، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
-------------------------------------------------
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله، الحمدُ لله جَزيلِ العطايَا، واسِعِ الجُود، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُهُ وهو بكلِّ لِسانٍ محمُود، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادةً مُبرَّأةً مِن الشكِّ والجُحُود، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه صاحِبُ المقامِ المحمُود، والحَوضِ المورُود، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِه أهلِ الكرَمِ والفضلِ والجُود، والتابِعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى اليوم الموعُود.
أما بعد .. فيا أيها المُسلمون: ها هُم حُجَّاج بيتِ الله بدؤُوا بالتوافُدِ على هذه الديارِ المُقدَّسة، فحلَلتُم أهلًا، ووطِئتُم سَهلًا، وحيَّاكُم الله، وكتبَ خطواتِكم حسنات، وتقبَّل الله منَّا ومِنكم.
وفصلُ الصَّيف اللاهِب هو المُهيمِنُ هذه الأيام على المنطِقة، فحقٌّ على الجميعِ أن يجعَلُوا مِن هذه الأجواءِ الحارَّة بابًا واسِعًا للمعروفِ، والتعاوُن، والرِّفقِ. فتأمَّلُوا، واشكُرُوا، وتعاوَنُوا، وارفقُوا، وأحسِنُوا.
والمُسلِمون مِن جميعِ أنحاء الدنيا وهم يتوجَّهُون إلى هذه الديار المُقدَّسة، يتمثَّلُون وِحدتَهم الجامِعة، ويُجسِّدُون قُوّضتَهم الإيمانية، وتظهرُ فيهم قُوَّتُهم، وتتجلَّى فيهم عِزَّتُهم، ويتناسَون خِلافاتِهم، وينبِذُون عصبياتهم وصِراعاتهم ليتفرَّغُوا للعبادة، ويستغِلُّوا ثَمِينَ أوقاتِهم لتحصيلِ فضلِ الله وبركاتِ الحرمَين الشريفَين.
واعلَمُوا - حُجَّاج بيتِ الله - أن مِن ثوابِتِ هذه الدولة المُبارَكة، منذ أن استَرعاها الله على الحرمَين الشريفَين خِدمةً وعنايةً ورعايةً، وتشريفًا وتكريمًا وتكليفًا، مِن ثوابِتِها إبعادُ الحجِّ عن أي تشويشٍ على مظهَر هذه الوِحدة الإسلاميَّة التي تعِيشُونها، أو التَّعكِير على الغاياتِ السامِية التي تنشُدُونَها، والتزوُّد مِن البرِّ والتقوَى، (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: 28].
ومِن ثوابِتِها: أنها لا تمنَعُ أحدًا قصَدَ هذا البيتَ، مهما كان موقِفُه السياسيُّ، أو توجُّهُه المذهبيُّ، ومعاذَ الله أن تصُدَّ أحدًا قصَدَ البيتَ الحرامَ أو مسجِدَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ بل هو محلُّ الترحيبِ والإكرامِ.
ومِن ثوابِتِها: أنها لا تُزايِدُ على أداءِ المُسلمين أيًّا كانت جِنسيَّاتهم ومذاهِبُهم، مِن كل مُسلمٍ يشهَدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمدًا رسولُ الله.
فهي مملَكةٌ استطاعَت عبرَ تاريخِها المجيدِ، وعبرَ كل المواسِمِ أن تتعامَلَ مع كافَّة الانتِماءات الإسلاميَّة، وهم جميعًا ينعَمُون برغَدِ العَيشِ، وجَليلِ الخِدمة، وجَميلِ التِّرحاب.
ولقد علِمَ حُجَّاجُ بيت الله الحرام وزُوَّارُ مسجِدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- موقِفَ المملكَة الحازِمِ في المنعِ الصارِمِ مِن أن يُحوَّلَ الحجُّ إلى منابِرَ سياسيَّة تتصارَعُ فيها الأفكارُ، والأحزابُ، والطوائِفُ، والمذاهِبُ، وأنظِمةُ الحُكم، مما يعنِي - بلا شكٍّ - الانحِرافَ الخطيرَ عن أهدافِ الحجِّ وغاياتِه، (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197].
ومِن ثوابِتِ هذه الدولةِ وسياستها: أن الحجَّ والديارَ المُقدَّسة ليست ميدانًا للخِلافات والعصبيَّات المذهبيَّة، فلا دعوةَ إلا لله وحدَه، ولا شِعارَ إلا شِعارُ التوحيدِ: "لبَّيكَ اللهم لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شَريكَ لك لبَّيكَ". | 58 |
| 14 | يقولُ أُبَيُّ بن كعبٍ -رضي الله عنه-: كان رجُلٌ لا أعلَمُ رجُلًا أبعَدَ مِن المسجدِ مِنه، وكان لا تُخطِئُه صلاةٌ، فقِيلَ له - أو قُلتُ له -: لو اشتَرَيتَ حِمارًا تركَبُه في الظَّلمَاء وفي الرَّمضاء؟ فقال: ما يسُرُّني أن منزِلِي إلى جنبِ المسجِدِ، إنِّي أُريدُ أن يُكتَبَ لي مَمشايَ إلى المسجِدِ ورُجوعِي إذا رجَعتُ إليهم، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «قد جمَعَ الله لك ذلك كلَّه» (رواه مسلم).
والله لا يُتعبَّدُ بالمشاقِّ، ولكن إذا كانت المشقَّة في طريقِ العبادة، فإنه يُثابُ عليها، والأجرُ على قَدرِ النَّصَب.
يا عبدَ الله: إذا اشتدَّ الحرُّ فاسأَل اللهَ أن يَقِيَكَ حرَّ جهنَّم، وإذا كان اليوم بينَك وبينَ الشمسِ هذه المسافات العظيمة ومع هذا لا تُطيقُ حرَّها، فكيف إذا دنَت الشمسُ مِن الرُّؤوسِ يوم القيامة؟! وإذا بلغَ العرقُ مِنك مبلَغَه، فكيف إذا عرِقَ الجَبِينُ مِن سَكَرَات الموت؟! وكيف إذا غرِقَ الناسُ في عرَقِهم يوم القيامة كلٌّ حسَبَ عملِه، أين سيبلُغُ مِنك العرَقُ؟! أإلَى كعبَيك .. أم إلى رُكبتَيك .. أم إلى حِقْوَيك .. أم سيُلجِمُك العرَقُ إلجامًا؟!
وإذا اتَّقَيتَ لَفحَ الشمسِ ولَهِيبَها، ونعِمتَ بظلِّ الدُّور والقُصُور، وظلِّ الأشجار والبساتين، فتحت أيِّ ظلٍّ ستكُون يوم القِيامة؟!
جعلَنا الله وإياكُم مِن الذين يُظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه.
وتذكَّر السبعةَ الذين يُظِلُّهم الله في ظِلِّه، فلعلَّك أن تعملَ بعملِهم؛ لتنعَمَ بنعيمِهم، والمرءُ في ظلِّ صدَقَتِه يوم القيامة، والمُتحابُّون بجلالِ الله يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه.
وإذا ألهَبَ الحرُّ جَوفَك، واشتَدَّ ظمَؤُك، ثم شَرِبتَ ماءً بارِدًا، فهنِيئًا مرِيئًا، ثم سَلْ نفسَك: كيف تُسقَى يوم القيامة؟! فإن أقوامًا يرِدُون حَوضَ المُصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ويشرَبُون منه، وآخرين يُذادُون عنه ذَودًا، (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) [الإنسان: 5]، (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) [المطففين: 25].
وأهلُ النَّار يستَغِيُثون فيُغاثُون (بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: 29]، (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد: 15].
وإذا تخفَّفتَ مِن ملابِسِك مِن شدَّة الحرِّ، فتذكَّر الذين (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) [الحج: 19، 20].
وإذا فتَحتَ نوافِذَ بيتِك؛ ليتجدَّد الهواء، وتنعَمَ بأجهِزة التكييف والتبريد، فاحمَد اللهَ، وتذكَّر أهلَ دارٍ (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ) [ص: 50، 51].
وتذكَّر دارًا أُخرى هي عليهم (مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) [الهمزة: 8، 9].
معاشِرَ الأحِبَّة: كَم هم المُوفَّقُون الذين يجعَلُون مِن هذه الأجواء الحارَّة بابًا عظيمًا واسِعًا للمعروفِ والإحسانِ، فيتوجَّهُون إلى ربِّهم بالدعاء الصادِقِ أن يقِيَهم وإخوانَهم حرَّ جهنَّم، وحرَّ يوم الوُقوفِ.
الصَّيفُ ولَهِيبُه يُذكِّرُهم بإخوانٍ لهم فُقراء مُتعفِّفِين، أو مُهجَّرين ومُشرَّدِين، أو لاجِئِين منكُوبِين، فرَّقَتْهم الحُروبُ، وأنهَكَتْهم النِّزاعات، مُحتاجُون لمَدِّ يدِ العَون والمُساعَدَة في هذه الأجواء الحارَّة الحارِقة، تتفقَّدُ أحوالَهم، وتقضِي حوائِجَهم، وتُعينُهم على تحمُّل ما يُعانُون بتوفيرِ أدواتِ التكييف والتبريد، أو إصلاحِها ودفع تكالِيفِها، وسَقيِ الماءِ البارِدِ، وحَفرِ الآبار؛ ففي كل كبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ مِن الإنسانِ، والحيوان، والطير، واتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمرةٍ.
ومَن كثُرَت ذنُوبُه، فعلَيه بسَقْيِ الماء، والله كتَبَ الإحسانَ على كل شيءٍ.
الصَّيفُ يُذكِّرُ بنِعمةِ الله بالماءِ البارِدِ والهواءِ البارِدِ حيثُما تحِلُّ، وحيثُما ترحَلُ، مما يسَّر الله لأهل هذا الزمان ما يُخفِّفُ عنهم هَجِيرَ الرَّمضاء، ويُطفِئُ لَهِيبَ القَيظِ في المنازِلِ، وفي الأسواق، والمساجِدِ، والمراكِبِ، والمكاتِبِ، والمدارِسِ، وفي كل المرافِقِ. فلله الحمدُ والمنَّة.
فتأمَّلْ، واشكُرْ، واحذَر السَّرَف، والزَم الاقتِصادَ في الاستِهلاك؛ ليصِلَ الخيرُ إلى الجميع.
أيها الإخوة في الله: ومما ينبَغِي مُراعاتُه: حِفظُ الظلِّ وأماكِن الاستِظلالِ للناسِ في المرافِقِ العامَّة؛ فيحرُمُ إفسادُها بتقذيرِها وتنجِيسِها، وإلقاءِ القِمامة والقاذُورات فيها.
وفي الحديث: «اتَّقُوا اللعَّانَين»، قالوا: وما اللعَّانان يا رسولَ الله؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ أو في ظِلِّهم» (رواه مسلم). | 51 |
| 15 | وقفات مع فصل الصيف - الشيخ صالح بن حميد
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله، الحمدُ لله خلقَ الخلقَ على غيرِ مِثالٍ سابِق، لا إله إلا هو يُصرِّفُ الأقدارَ كما يشاءُ تجلَّى الخالِق، أحمدُه - سبحانه - وأشكُرُه مُعتَرِفًا، وبآلائِهِ مُعلِنًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له مُؤمِنًا به ومُوقِنًا، وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه بعَثَه ربُّه مِن أنفُسِنا بعثَه بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، وللشرعِ مُبِينًا، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلهِ الطيبين الطاهِرين الأعلام، وأصحابِه الغُرِّ الميامِين الكِرام، والتابِعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم القِيَام.
أما بعد: فأُوصِيكم - أيها الناس - ونفسِي بتقوَى الله، فاتَّقُوا اللهَ - رحِمَكم الله -؛ فمُظلِمُ القلبِ مَن عرفَ ربَّه فعصاه، والمحرُومُ مَن عقَّ أمَّه وأباهُ.
أثقَلُ الأحمال الذنُوب، وألَذُّ الطيباتِ العافِية، القلبُ يَلِينُ بذِكرِ الله، ويحيَا بتدبُّرِ كتابِ الله، ويسعَدُ بصُحبةِ الأخيار، ويشقَى بمُرافقةِ الأشرار، ومَن اشتغَلَ بعيُوبِ الناسِ تعذَّرَ عليه تركُ عيوبِ نفسِه، (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 18، 19].
أيها المسلمون: الدنيا مِرآةُ الآخرة وضَرَّتُها؛ فكلُّ ما في الدنيا مِن سعادةٍ ولذَّةٍ ونعيمٍ يُذكِّرُ بنعيمِ الجنَّة، ولذِيذِ عيشِها. وما في الدنيا مِن ألَمٍ وشقاءٍ وبُؤسٍ يُذكِّرُ بعذابِ النار، وسُوءِ مَصِيرِ أهلِها - عِياذًا بالله مِن ذلك -.
ولقد كان مِن سُننِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: تذكِيرُ أصحابِه بمَا يرَونَه مِن أحداثِ الدنيا بأحداثِ الآخرة.
ففي "الصحيحين" مِن حديث أبي هُريرة -رضي الله عنه-، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «نارُكم هذه التي يُوقِدُ بنُو آدم جُزءٌ مِن سبعِين جُزءًا مِن جهنَّم»، قالوا: واللهِ إن كانَت لكافِيَة! قال: «إنها فُضِّلَت عليها بتِسعةٍ وتِسعِين جُزءًا كلُّها مِثلُ حرِّها».
بل لقد أخبَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن النارَ اشتَكَت إلى ربِّها فقالت: «يا ربِّ! أكَلَ بعضِي بعضًا، فأذِنَ لها بنفَسَين: نفَسٍ في الشتاءِ، ونفَسٍ في الصَّيفِ؛ فهو أشدّث ما تجِدُون مِن الحرِّ، وأشدّث ما تجِدُون مِن الزَّمهَرِير» (متفق عليه، واللفظُ لمُسلم).
ولقد قال الله - عزَّ وجل - في نارِكم هذه التي عليها تُوقِدُون: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) [الواقعة: 73].
بل إن حرارةَ الحُمَّى مِن أعظَم المُذكِّرات؛ ففي الحديثِ: «الحُمَّى كِيرٌ مِن جهنَّم، فنَحُّوها عنكُم بالماءِ البارِدِ».
وفي بعضِ الرِّواياتِ: «هي حظُّ المُؤمنِ مِن النَّار».
ولقد قال بعضُ أهل العلمِ: "ينبَغِي للمُؤمنِ إذا أصَابَتْه الحُمَّى أن يحتَسِبَ ذلك كفَّارةً عند اللهِ - عزَّ وجل -، وتطهِيرًا وتَمحِيصًا".
ويقولُ الحسنُ - رحمه الله -: "كانُوا يتفكَّرُون في تقلُّباتِ الزمانِ، ويعتَبِرُون باختِلافاتِ الدَّهر، فيُحدِثُ لهم ذلك عِبادةً وتقرُّبًا، فلا يرَون شيئًا مِن الدُّنيا إلا وتذكَّرُوا به ما وعَدَ الله مِن جنَّةِ الآخرة".
معاشِرَ المسلمين: وأنتُم تعِيشُون هذه الأيام أيامَ الصَّيف، وتتَّقُونَه بما تستَطِيعُون .. تذكَّرُوا، واعتَبِرُوا، وبالعملِ الصالِحِ بادِرُوا.
يقولُ أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "صُومُوا يومًا شديدًا حرُّه لحَرِّ يومِ النُّشُور، وصَلُّوا ركعتَين في ظُلمةِ الليل لظُلمةِ القُبُور".
ولسَوفَ يذهَبُ الظَّمَا، وتبتَلُّ العُرُوق، ويثبُتُ الأجرُ - إن شاءَ الله -.
ورحِمَ الله السلَف؛ فلقد كانُوا يتأسَّفُون على ظمَأ الهواجِر، ويقولُون: "نصُومُ في الحرِّ ليومٍ أشدَّ حرًّا".
ومِن عجائِبِ فَهمِهم في صِيامِ يوم الحَرِّ قولُهم: "إن السِّعرَ إذا رخُصَ اشتَراهُ كلُّ أحد"؛ يُريدُون: أن الصيامَ في الأيام المُعتَدِلة والبارِدَة ميسُورٌ لكلِّ أحَدٍ، أما صِيامُ يوم الحَرِّ فيحتاجُ إلى مُعاناةٍ ومُصابَرَة، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين: 26].
ناهِيكُم - عباد الله - بمَن يرَى في الحَرِّ غنِيمةً لا تَفُوت!
فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: "لقد رأيتُنا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في بعضِ أسفَارِه في اليوم الحرِّ الشديدِ، وإن الرجُلَ ليضَعُ يدَهُ على رأسِهِ مِن شدَّة الحرِّ، وما في القَومِ صائِمٌ إلا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، وعبدَ الله بنَ رواحَة" (رواه ابنُ ماجه بسندٍ صحيحٍ).
والمَشيُ إلى المساجِدِ أفضلُ مِن الرُّكوبِ ولو في شِدَّة الحَرِّ. | 51 |
| 16 | 🕋 | 54 |
| 17 | اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]
عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين | 58 |
| 18 | إخوةَ الإسلام: عَالَم اليومِ يتحدَّثون عَمّا يُسمَّى بالاحتِباسِ الحرَارِيّ في الأرض، ويَنسَى هؤلاءِ أنَّ الأمرَ كلَّه للهِ وبيدِه يُقلِّبه كيف يَشاء، فعلى العباد أن يعلَموا أنَّ الأَرضَ اليومَ تعُجُّ بمعاصِي العِباد وبمخالَفَتهم لمنهجِ الله، وأنَّ الظلمَ قد سَادَ كَثيرًا من مواطن الخَلقِ، وكثُر الهرجُ والمرج، واستُهينَ بِالدِّماء، واستُبيحَت الأعراضُ، وهُتِكت المقدَّرات من أقوياءِ الخَلق على ضُعفائهم. فعلى الخلق أن يعودوا إلى الله، وأَن تعلَمَ البشريّةُ أنها عِبادٌ مِن عِبادِ الله، ارتَضَى الله لها الإسلامَ دينًا ومحَمّدًا -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً، ولا يُصلِح فسادَ مَعَاشِهم وآخِرَتهم إلاّ هذا الدينُ الذي جاءَ بِه النبيُّ الأكرم محمّد -عليه أفضل الصلاة والسلام-، وإلاّ فلتَعلَم البشريّةُ أنَّ سنّةَ الله ماضِيةٌ، وقدرتَه شامِلَة، وانتقامَه شديد.
ذَكَر المفسّرون في قصّة قوم شعَيب عن ابنِ عباس -رضي الله عنهما- عند قولِهِ تَعَالى: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الشعراء: 189]، قال: أرسَلَ الله إليهم سَمومًا من جَهنّمَ، فأَطافَ بهم سبعةَ أيّام حتى أنضَجَهمُ الحرُّ، فحَمِيَت بيوتهم وغَلَت مياههم في الآبار والعيون، فخَرَجوا من منازلهم هارِبين والسَّموم معهم، فسلَّط الله عليهم الشَّمسَ من فوقِ رؤوسهم فغَشِيَتهم، وسلَّط الله عليهم الرَّمضاءَ مِن تحتِ أرجُلِهم حتى تساقَطَت لحومُ أرجُلِهم، ثم نَشَأت لهم ظُلّة كالسّحابة السوداءِ، فلمّا رَأَوها ابتَدَروها يستغيثونَ بظلِّها، فوجَدوا لها بردًا ولذّةً، حتى إذا كانوا جميعًا تحتَها أطبقَت عَلَيهم وأمطَرَت عليهم نارًا فهلَكوا، ونجّى الله شعيبًا والذين آمنوا مَعَه. وذلك مرويٌّ أيضًا عن ابن عمرو -رضي الله عنهما-.
والله -جلّ وعلا- ذكَر صفَةَ إهلاكهم في ثلاثَةِ مواطن، كلّ مَوطِن بصفَةٍ تناسب السِّياقَ، يقول بعضُ مفسِّرِي السلف: إنَّ أهلَ مَديَن عُذِّبوا بثلاثةِ أصناف منَ العذاب: أخَذتهم الرجفةُ في دورِهِم حَتى خَرَجوا مِنها، فَلمَّا خرَجوا مِنها أصابَهم فَزَعٌ شديدٌ، ففَرَقوا أن يدخُلوا إلى البيوتِ فتَسقُطَ علَيهم، فأرسَلَ الله عليهم الظّلّةَ، فدَخَل تحتها رجلٌ فقال: مَا رأيتُ كاليومِ ظِلاًّ أطيَبَ ولا أبرَدَ من هذا، هَلُمُّوا أيّها الناس، فدخلوا جميعًا تحتَ الظلّةِ، فصاح بهم صيحةً واحدة، فماتوا جميعًا.
أيّها المسلمون: من أفضَلِ الأعمال وأزكاها عند ربِّنا -جلّ وعلا- الإكثَارُ من الصّلاة والسّلام على النبيِّ الكريم.
عبادَ اللهِ: صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم وفِّق ولي أمرنا وولي عهده لرضاك، وأعنهما على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفظ جنودنا، واحم حدودنا وثغورنا ، يا رب العالمين، واحفظ رجال أمننا يا رب العالمين
اللهم اشف مرضاهم، وارحم موتاهم، وتقبلهم في الشهداء يا ربَّ العالمينَ
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر | 52 |
| 19 | وهذا التذكُّرُ -أيّها المؤمنون- يسوقُ أولي الأبصارِ إلى الطاعةِ والإقبال إلى الله -جلّ وعلا-، ويَحدُو بأهلِ التعقّل للإعداد بالأعمَال الصالحة؛ ولهذا كان السّلَف يذكُرون النارَ بدخول الحمّام، وهو مكانٌ يُجمع فيه ماءٌ حارّ على كيفيّة معيّنَة، فيحدِث لهم هذا التذكّرُ عبادةً وتطوُّعًا وتقرُّبًا للمَولى -جلّ وعلا-، قال أبو هريرةَ -رضي الله عنه-: "نِعمَ البيتُ الحمام؛ يدخله المؤمنُ فيزِيل به الدَّرَن ويستعِيذ بالله من النار"، ودَخَل ابن وَهبٍ الحمّامَ فسمِع تاليًا يتلو: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) [غافر: 47] فغُشِي عليه، وكان بعضُ السّلَف إذا أصابه كربُ الحرِّ قال: "يا بَرُّ يا رحيم: مُنَّ علينا وقِنَا عذابَ السموم"، وصَبَّ بعضُ الصّالحين على رأسِه ماءً، فوَجَدَه شَديدَ الحرِّ فبَكى وقال: ذكَرتُ قولَه -جلّ وعلا-: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ) [الحج: 19].
فهَكَذا هم، يَرَون أنَّ كلَّ ما في الدنيا يَدلُّ على صانِعِه ويُذكِّر به ويَدلُّ على عظمَتِه وسَعةِ صِفاتِه، فما فيها من نعيمٍ وراحةٍ يدلّ على كَرَم خالقِه وفضلِه وإحسانه وجودِه ولُطفِه، وما فيها مِن نِقمةٍ وشِدّة وعَذابٍ يَدلّ على شِدّة بأسِه -عَزّ شَأنُه- وعَظيمِ بَطشِه وقهرهِ وانتِقامِه، قال الحسن في كلامٍ له طويل: كانوا -يَعني الصحابةَ رضي الله عنهم- يقولون: الحمد لله الرفيق الذي إذا شاءَ جاءَ بِبردٍ يقرقفُ الناسَ -أي: يَرعَد الناسُ من البرد-، وإذا شاء ذهَبَ بذلك وجاءَ بحرٍّ يأخذ بأنفاس الناس؛ ليعلمَ الناسُ أنَّ لهذا الخَلقِ ربًّا هو يحادِثُه بما تَرَونَ من الآيات، كذلك إذا شاءَ ذهَب بهذه الدّنيا وجاء بِالآخرةِ.
إخوةَ الإِسلام: في الزّمَان وتقلُّبه دلائلُ، وفي تحوُّلِه بصائرُ، قال ابنُ رجب -رحمه الله-: "واختلافُ أحوالِ الدّنيا من حرٍّ وبَرد وليلٍ ونهار وغَيرِ ذَلك يَدلّ على انقِضائِها وزَوالها". انتهى. فالسَّعيدُ من اغتَنَمها فيما يُقرِّبه مِن خالِقِه ويباعِدُه مِن سَخَط إلهِهِ وربِّه، قال أحد العُبّاد الزّهَّاد وَهوَ يَتَحدَّث عن تفَكُّر المؤمنين في تقلُّب اللّيل والنهار ومجيءِ الشِّتاء والصيفِ: "فوالله، ما زالَ المؤمِنون يتفكّرون فيما خلق لهم ربُّهم حتى أيقَنَت قلوبهم حتى كأنما عبدوا الله عن رؤيتِه، وما رأى العارفون شيئًا من الدنيا إلاّ تذكّروا بِه مَا وَعَد الله به مِن جِنسه في الآخرة".
كان عمر -رضي الله عنه- يقول: "أَكثِروا ذِكرَ النّار؛ فإنَّ حَرَّها شَديد، وإنَّ قعرَها بَعيد، وإنَّ مَقامِعَها حَديد"، وكان بَعضُ السَّلف إذا رجَع من الجُمُعة في حرِّ الظهيرةِ يذكر انصرافَ الناسِ مِن موقف الحسابِ إلى الجنّة أو النار، فإنَّ السَّاعةَ تقوم يومَ الجمُعة، ولا يَنتَصِف ذلك النهار حتى يَقيل أهلُ الجنّة في الجنّة وأهلُ النّار في النار، ثم تلا: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً) [الفرقان: 24].
إِخوةَ الإسلامِ: ومِن مَواقفِ العِبرِ في زَمنِ الحرِّ تذكُّر حرِّ الشَّمس في الموقِفِ العظيم، فإنَّ الشمسَ تَدنو من رؤوسِ العِباد يومَ القيامَةِ ويُزاد في حَرِّها، قال قتادَة -وقد ذَكَر شَرابَ أهل الجنّة-: "فهَل لكم بهذا يَدان، أم لَكم عليه صَبرٌ؟! طاعةُ الله أهونُ عليكم يا قوم، فأطيعوا اللهَ ورسوله". وصدَق القائل:
نسيتَ لظَى عند ارتِكـابِك للهوى *** وأنت توَقَّـى حرَّ شَمس الْهواجر
معاشرَ المؤمنين: في سِيَر السَّلَفِ عندَ تقلُّب الأزمانِ وفي مسَارَعتِهم إلى الخيراتِ سائرَ الأزمان قُدوةٌ لمن تدبَّر واعتبرَ، روي أنّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- كان يَصوم في الصَّيف ويُفطِر في الشتاء، ووَصّى عمرُ -رضي الله عنه- ابنَه عبدَ الله فقال: "عليك بخصال الإيمان"، وسمَّى منها الصومَ في شدّةِ الحرِّ في الصيفِ، وكان معاذُ بن جبل يَتَأسَّف عِند موتِه على ما يَفوتُه مِن ظمَأ الهواجِرِ وقِيام لَيلِ الشِّتاء، وكان أَبو الدَّرداء يقول: "صُومُوا يومًا شَديدًا حرُّه لحرِّ يوم النّشور، وصَلُّوا ركعَتَين في ظُلمةِ اللّيل لظُلمةِ القُبور".
وَفَّقَ الله الجميعَ للأعمَالِ الصَّالحة والأقوالِ الطيِّبة في سَائرِ الأزمانِ والأوقات.
أقولُ هذا القولَ، وأستغفِر الله لي ولَكم ولِسائرِ المسلِمين مِن كلّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنّه هوَ الغفورُ الرّحيم.
-------------------------------------------------
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله العليِّ الأعلى، وأشهَد أن لاَ إلهَ إلا الله وَحدَه لا شَريكَ لَه -جلّ وعلا-، وأشهَد أنَّ نَبِيَّنا محَمّدًا عَبده ورسولُه أفضل الأنبياء، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعَلَى آلِه وأصحابِه النُّجباء.
أمّا بعد: فيَا أيّها المسلِمون: أوصيكم ونفسِي بتقوَى الله -جلّ وعلا-، فمَن اتَّقَاه وقَاه وأسعَدَه ولا أشقاه. | 48 |
| 20 | وقفة اعتبار مع حرارة الصيف - الشيخ حسين آل الشيخ
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
مَعاشرَ المسلمين: في اختِلافِ اللَّيل والنّهار عِبرٌ، وفي تَقلُّبِ الزَّمان مدَّكر، في تلوُّن الزمان من شتاءٍ وصَيف ما يبهر المتعقّلين ويُنبِّه المتذكّرين ويجذِب أفئدةَ الصّادقين إلى الدّلالات الواضِحَة والبراهين البيِّنَة على عَظَمَة الخالق وبديعِ الرّازق وعلى وحدانيَّتِه وقدرته سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 190، 191].
إخوةَ الإيمان: في تقلُّبِ الزَّمان مِن وَصفٍ إلى وَصفٍ وتحوُّلٍ مِن حال إلى حالٍ ما يجعل ذوِي البصائر النيِّرَة والعقول النافذة في نَظَر وتفكُّر واعتبارٍ وتدبُّر في عظمةِ الباري وسَعَة سُلطانه ونُفوذِ مَشيئَتِه وعمومِ عِلمه وقدرته وشمول مُلكِه: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) [النور: 44]. في هَذا التقلُّبِ وذلك التحوُّل بِنظامٍ دقيقٍ دلالةٌ تسوقُنا إلى شُكر الله -جلّ وعلا- على آلائِه وحَمدِه على نعمائه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: 62].
إِخوةَ الإسلام: في زَمَن الحَرِّ يتذكَّر المؤمِن شِدَّةَ حرِّ النّار غيرِ المتَناهي أبَدَ الآبدين ودَهرَ الدّاهرين، فيُقبِل حينئذٍ بكلِّيتِه على العزيز الغفَّار ويَفِرّ من سَخَط الجبَّار: (وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة: 81]. المؤمِنونَ الموقِنون بوَعدِ الله ووعيدِه خَائفون وَجِلون من عذابِ السَّموم، عامِلون مسارِعون بما يقرِّبهم للربِّ الرحيم، عاملون بطاعته تارِكون معصيَتَه: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: 25-28].
عِبادَ الله: يقول بعض المحقِّقين: دارُ الآخرة إمّا دار نعيمٍ مَحضٍ لا يشوبه ألم، وهذا للموحِّدين الطائعين، وإمّا دار عذابٍ مَحضٍ لا يشوبه رَاحةٌ، وهذا للمشركين، وأما هذه الدار الفانِية فممزوجة بالنعيم والألم، فما فيها مِن النعيم يذكِّر بنعيمِ الجنّة، وما فيها من الألم يذكِّر بألم النار.
وإنَّ ممّا يُذكّر بالنّار المعَدَّة لمن أشرك بالله -جلّ وعلا- وكفَر ولمن عصَى رُسُلَه وتجبَّر ما جَعَله الله في هذه الدّارِ من شدّةِ الحرّ وشِدّة البرد، فحرُّ الدنيا يذكِّر بحَرِّ جهنَّمَ وسمومها، وبردُها يذكِّر بزَمهَرِيرِها، قال تعالى في صِفَة الجنّة: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان: 13]، فنفى عنهم شِدّةَ الحرّ والبردِ، قال قتادة -رحمه الله-: "عَلِم الله أنّ شدَّةَ الحر تؤذي، وشدّة البرد تؤذي، فوقاه أذاهما جميعًا".
ويذكِّرُنا -صلى الله عليه وسلم- بهذه الحقيقةِ فيقول كما جَاءَ في الصحيحَين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اشتَكَت النار إلى ربها فقالت: يا ربِّ: أكل بعضي بعضًا، فأذِن لها بنفَسَين: نفسٍ في الشتاء ونفسٍ في الصيف، فأشَدُّ ما تجِدون من الحرّ من سموم جهنم، وأشدّ ما تجدون من البرد من زمهرِير جهنّم"، وروى الجماعة أيضًا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالصلاةِ -أي: صلاةِ الظهر- فإنَّ شدّةَ الحرِّ من فَيح جهنّم". | 43 |
