es
Feedback
عبدالجبار الرفاعي

عبدالجبار الرفاعي

Ir al canal en Telegram

مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ

Mostrar más
3 630
Suscriptores
Sin datos24 horas
+27 días
-1030 días
Archivo de publicaciones
التّجربة الصّوفية بين طه عبد الرّحمان و عبد الجبّار الرّفاعي سعيدي زكرياء، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر. يهدف هذا البحث إلى إبراز مدى النظرات التّجديدية التي أسهم بها الكاتبان الكبيران طه عبد الرحمان وعبد الجبار الرفاعي في ميدان من ميادين التجارب الإنسانية : التصوّف، وقد بيّنا في هذا البحث أنّ ملامح التجديد بدأت في إعادة التّأصيل لمفهوم التصوّف وتخليصه من التّشويه الممنهج الذي طاله من جهات عديدة نتيجة عدم القراءة الكافية في هذا الحقل المعرفيّ أو التحيّز الإيبستيمي ضدّه، كما أبرزنا الوسائل التي اعتمداها والمناهج التي سلكاها لأجل إعادة تأثيل هذا المجال الخصب وتعميمه على كافّة النشاط الإنساني. وقد خلصنا إلى أنّ قراءتهما الجديدة للتصوّف تستحقّ التأمّل والإعتبار كونها قراءة تثويرية لهذا المجال الحيويّ الملازم للإنسان المتديّن في كافّة أطواره التاريخية. مجلة الحكمة للدراسات الفلسفية Volume 14, Numéro 2, Pages 652-664 2026-06-01 https://asjp.cerist.dz/en/article/293113

التّجربة_الصّوفية_بين_طه_عبد_الرّحمان_و_عبد_الجبّار_الرّفاعي.pdf4.91 KB

فالهرمنيوطيقا نشأت فى سياق لغوى ومجال تداولى لاتيني، ولا يمكن تصنيع نسخة عربية مرادفة لها، وانما يمكننا توطين المصطلح ذاته فى السياق التداولى للغة العربية وغيرها من اللغات، مثلما اتسعت العربية وغيرها من قبل للمعجم الاصطلاحى - كما هو - للفلسفة والمعارف اليونانية وغيرها. فى ضوء ما ذكرناه لا يرادف مصطلح »الهرمنيوطيقا« مصطلح »التأويل« أو غيره، لأن معنى الهرمنيوطيقا لا يرادف معنى التأويل، لا وفقاً لفهم شلاير ماخر لها، أو فهم دلتاي، ولا وفقاً لفهم هيدغر وغادامير، ولا وفقا لفهم ريكور وهيرش وغيرهما. الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان. والتوازى غير الترادف. مقدمة كتاب: الهرمنيوطيقا والتفسير الدينى للعالم. وهو الجزء الخامس من: موسوعة فلسفة الدين، إعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي. https://gate.ahram.org.eg/daily/News/202238/4/590034/قضايا-واراء/الهرمنيوطيقا-والتأويل-متوازيان-لا-مترادفان.aspx

ومعنى أن تصبح النصوصُ المقدسة معاصرةً لنا، هو أن فى كلَّ نص هامشاً حرّاً مفتوحا للقراءة الجديدة، وهو ما يمنح هذا النص إمكانات تخطى المسافات، وعبور غربة الزمان، وتموضعه فى مختلف الآفاق التاريخية. وذلك هو سرّ أبدية هذه النصوص، والذى لولاه لاختفت فور اغترابها عن أفقها التاريخي. رغم ذلك يصر مفسرو النص على إنجاز »قراءة تزامنية للنص«، قراءة تتموضع فى عصره، وتحكى مدلولَه لحظة انبثاقه، لكن ربما يتعذر فى عصرنا إنتاج مثل هذه القراءة، لأن النص بعد ولادته لا تحتكر معناه لحظةُ الولادة، فبعد أن ينخرط فى التاريخ يمسى فهمُه مواكباً لكل مرحلة من مراحل عمره، أى إنه فى المراحل اللاحقة ينتقل إلى فضاء فهم غير الفضاء الذى انبثق فيه، ما يعنى أن القراءات الآتية توجه بناءَ دلالاته وفهمه، وكلُّ قراءة تحيل إلى نمط رؤية زمانها للعالم، وتخضع لسياقات عصرها المعرفية، ولا تكون غريبةً عن النمط الوجودى لعالمها. فالهرمنيوطيقا ضرب من ترجمة النص المقدس وتحيينه عبر نقله من سياقات اللغة فى عصر النزول والتدوين إلى سياقات اللغة فى عصر التلقي؛ لأنها تبتنى على فرضية: أن ليس هناك فهمٌ نهائيٌ للنص، فكلُ قراءة تاريخية، ترتسم فيها بصمة القارئ، وتتلون بتضاريس عالمه. الهرمنيوطيقا قراءة للنص تعلن نسبيةَ كلّ فهم وانتماءَه للأفق التاريخى الذى يولد فيه، ففى كل محطة من محطات تاريخ النص ينبثق فهمٌ جديد. ما يعنى أنه لم يعد هناك فهمٌ بشرى مطلق للنص يخترق التاريخ، ويتعالى على أحوال الانسان، ويستقل عن طبائع العمران، ولا ترتسم فيه ألوان الزمان والمكان. يشير تاريخ الهرمنيوطيقا الى أنها ظهرت مع شلاير ماخر بمفهومها الجديد الذى يتلخص فى كونها: فن الفهم، أو فهم الفهم، أو معرفة الفهم، أو تشريح عملية الفهم، أو قراءة القراءة، إذ تنشد تحليلَ كيفية تلقى القارئ للمعني، وبيان ماهية فهمه، وما الذى يحدث عند فعل القراءة. فهى تفسير وتحليل لما يحدث فى الذهن لحظة فهم النص. إنها تُحلّل كيفيةَ وطبيعةَ تشكّل المعرفة لدى القارئ حين يقرأ النص، وهى بذلك تنتمى للعصر الحديث الذى ظل يثريها ويكرسها فيه التفاعل بين الفلسفة والمكاسب الجديدة للعلوم والمعارف الانسانية المتنوعة، واستلهام وتمثل معطيات كل منها للآخر. ومع كل من مارتن هيدغر وهانس جورج غادامر رفعت الهرمنيوطيقا بطابعها الفلسفى تفسيرَ الوجود والحياة والعالم والنصوص إلى الأفق الفلسفي، بمعنى أنها لم تتوقف عند قراءة النصوص والتراث الكتابى والشفاهي، بل ارتقت الى قراءة الوجود والعالم والذات والحياة والأشياء والتاريخ والأفعال والأحوال والعلوم والمعارف والفنون والآداب والنصوص المختلفة. وبعد أن ارتقى الفهم فى الهرمنيوطيقا الفلسفية إلى أن يكون حدثاً أنطولوجياً أصبح أساسُ الفهم هو الحياة والذات، وكلّ ما تحفل به أنماط وجودها وتاريخها ومشروطياته الزمانية والمكانية المتنوعة، بمعنى أنها اتسعت فتخطت فقهَ النصوص إلى فهم الوجود والذات. التأويل: أما التأويل بمفهومه الموروث فقد ظهر فى السياق الاسلامى مبكراً، وهو بذلك ينتمى للتراث ممثلا بعلوم الدين والمعارف الاسلامية، كعلم الكلام وعلوم القرآن، أو علوم اللغة وآدابها، ولم تتخط مداراته منذ نشأته فقهَ النصوص، إذ يتوقف بمفهومه الموروث عند قراءة وتفسير النصوص مدونةً وملفوظةً. وفى الوقت الذى يبدأ فيه التأويل بالنص وينتهى بالنص، ويظل يدور فى آفاق ما يقوله النص، لا تهمل الهرمنيوطيقا كما أوضحنا لحظةَ ظهور النص، بل تحاول أن تستأنف هذه اللحظة، كيما تتعرف على الفضاء المجتمعى للفهم الذى واكب تشكّلَ النص، وكيف تخطاه فهمُ النص فى العصور التالية. بمعنى أنها تسعى لتضيء ما يكتنف لحظةَ انبثاق النص من ذاتية المؤلف وسياقات بيئته، والظروف المختلفة المحيطة بتشكّل النص. وكأن الهرمنيوطيقى يتموضع لحظةَ ولادة النص، ويعمل على إيقاظ الأفق التاريخى لولادته، عبر تفحص أفق انتظار المتلقى وقتئذ، وكيفية فهمه للنص. وفى ضوء كون الكلمات تحيل إلى أحكام - حسب نيتشه - تحيل الكلمات عضوياً إلى رؤية اللغة والثقافة المنتمية اليها للعالم، فكل مصطلح يشى بحمولة دلالية تتسع للنظرية والمنهج والمقولة والمفهوم والرأي، وبذلك فإن كلا من التأويل والهرمنيوطيقا يتسع لما يشى بشئ من ذلك، وهى بالضرورة ليست متطابقة، فنظرية التأويل أو نظرياته غير نظرية أو نظريات الهرمنيوطيقا، وهكذا المنهج أو المناهج التأويلية غير المنهج أو المناهج الهرمنيوطيقة، والمفاهيم والمقولات التأويلية غير المفاهيم والمقولات الهرمنيوطيقة. فالهرمنيوطيقا فى ولادتهها وتطورها ومجالات تداولها كمصطلح لا تتطابق مع التأويل، إن من حيث نشأة التأويل، أو استعمالاته وصيرورته فى سياق العلوم الاسلامية، ووفقا لأنطولوجيا اللغة - حسب هايدغر - لا يمكن نقل المصطلحات من مجالها التداولي، فى لغتها المشتقة منها الى لغة أخري، بانتخاب لفظ مقابل لها.

الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان عبدالجبار الرفاعى إلى رائد الدرس الهرمنيوطيقى بالعربية الشيخ أمين الخولى عرفاناً بجهوده وتلامذته فى مدرسة الأمناء. تسهم المنابعُ المضمرة فى صياغة مقولات المتكلمين، وتكوين آراء المفسرين، واستنباط فتاوى الفقهاء، إلّا أن مناهجَ قراءة النص الدينى وأدواتِ النظر الموروثة لا تكشف عنها، فالرؤيةُ للعالم التى يتبناها المتكلمُ والمفسّر والفقيه مثلا، ونمطُ إيمانه ومعتقداتُه، ومحيطُه وثقافته، تعمل على فرض موقف يتناغم معها، فلو كان معتزلياً أو أشعرياً أو إمامياً أو ماتريدياً أو أباضياً، يبدو له معنى النص على وفق رؤيته الاعتقادية. ويمكن اكتشاف ذلك فى مدونات التراث كلها، بما فيها مدونات التصوف واللغة والأدب. نتعرف عبر المناهج الجديدة للقراءة على أن سياقات إنتاج المعنى فى مدونات علم الكلام، والتفسير، والفقه، والتصوف، والأخلاق، ترتبط بأحكام الباحث المسبقة، وكيفية تربيته، وطبيعة عصره، وموطنه، وبيئته، ومجتمعه، واثنيته، وثقافته، وخبراته الحياتية المتنوعة.كل هذه العوامل ذات تأثير فى تكوين فهمه. فالفقية مثلاً ترتبط فتاواه عضوياً، مضافا إلى ما سبق، بكيفية فهمه لمساحة الدين وحدوده وما يغطيه من مديات ومجالات الحياة. وذلك ما ترشدنا إليه الهرمنيوطيقا، إذ تشرح لنا كيف أن الكلمة تتراكم عليها طبقات،كأنها طبقات جيولوجية، وبمرور الزمن تضاف دلالات أخرى للكلمة حول نواة المعنى الأول. وتتناسب هذه الطبقات، كماً وكيفاً، مع: عمر الكلمة، وتطور دلالاتها، وتنوع استعمالاتها عبر التاريخ. وكأنها طبقات عمر الشجرة فى ألف سنة، أو طبقات جيولوجية لصخرة بعمر مليون سنة. الهرمنيوطيقيون بمثابة جيلوجيين يكتشفون طبقات فهم تتكدس لتحجب عنا بؤرةَ المعني، أى إنهم يحددون الأنساب والجذور الزمنية لانتماء كل طبقة للفهم، وكيف تتضخم لتطمر المعني، ويتعرفون على عمرها، وطبيعة العصر الذى توالدت فيه كل واحدة من الدلالات. إنهم يضيؤون صيرورةَ دلالة الكلمة عبر الزمان، وكيفية تشكّل معناها عند كل محطة فى فضاء علاقات السلطة والمعرفة، وأفق انتظار المتلقي، وأحكامه المسبقة، ومعتقده، وثقافته، وبيئتة، وطبيعة الاكراهات المتنوعة التى توجه عمليةَ بناء الدلالة، وتصوغ نوعَ الفهم. وبذلك نستطيع أن نتعاطى مع المدونة التفسيرية والكلامية والفقهية الموروثة بوصفها معرفةً بشرية تنتمى إلى سياقات تلقى وقراءة النص الدينى فى مراحله المتنوعة. ما يعنى أن كلَّ عصر ينتج مدونتَه الخاصة، وهى مدونة لا يتسع كلُّ ما فيها للعصور كافة، ولا تستوعب عناصرُ الفهم فيها مختلف الآفاق التاريخية. الهرمنيوطيقا تعمل على مواءمة النص المقدس مع روح العصر، وتبوح براهنية معانيه فى سياق لغوى ومعرفى وثقافى ومجتمعى راهن. وتمنحنا رؤيةً رحبة تعيد اكتشافَ مقاصد القرآن، وتضئ بصيرتنا بما تنشده رسالةُ الوحى للانسان، فى ضوء الأفق التاريخى لواقعنا. الهرمنيوطيقا تؤشر إلى أن النصَّ المقدس كائنٌ حي، تنبعث حياتُه وتتجدد كلما تجددت قراءتُه. إنها محاولة لتحريرِ النص من حمولة التفسير التاريخية التى ينوء بثقلها، وتحجبه عن التواصل مع العصر الجديد، وعتقِهِ من سجون السياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى كبّلته بفهمها ومشروطياتها التاريخية الخاصة، بعد أن انغلقت على نفسها، بنحو أمست تكرر الفهمَ ذاته الذى يحكى ثقافةً لم يعد انسانُها موجوداً اليوم، ولم تعد وقائعُ حياته المختلفة حاضرة. إن أردنا أن يسجل الدينُ حضوراً فاعلاً فى بناء وإخصاب الحياة الروحية والأخلاقية، فلا يتحقق ذلك إلّا بقراءة جديدة للنص الديني. وإن محاولات رفض هذه القراءة انما هو ضرب من معاندة التاريخ، وتعطيل تدفق المنبع الروحى والأخلاقى للوحي. مع الواقع الذى يعيشه انسان اليوم فإن النصوص عطشى لفهم يحكى رهانات حياة الانسان المعاصر ومتغيراتها المتنوعة. ومادامت النصوصُ مكبّلةً بآفاق انتظار المتلقين أمس، وأحكامِهم المسبقة، وسوءِ فهمهم، وما راكمته تلك الآفاق الخاصة من معانٍ تشبه زمانها، يصبح توظيفُ الهرمنيوطيقا ضرورةً يفرضها منحُ النص حياةً جديدة، لينفتح على آفاق انتظار المتلقين اليوم، ويتيح لهم مواكبةَ عالَم متحول لا يكرر منطقَ الماضى ورؤيته للعالم. تتراكمُ بمرور الزمان طبقاتُ الشروح والتفسيرات على النص الدينى المؤسِّس، حتى تسجنَه، وتسجنَ الانسانَ داخلَها. الهرمنيوطيقا رحيقُ الحريةِ، ذلك أنها تمنحُ الانسانَ والنصَ خلاصاً من تلك السجونِ والأسيجةِ. إنها وعدٌ بإنجاز فهم تتحقق من خلاله أُلفة مع الواقع، إذ تبتكر فهماً يتناغم مع أسئلة الحياة الجديدة. إنها ضوءٌ ينشد تحيينَ النص عبرَ قراءةٍ تدمجُه بالواقع ومتطلباته، بعد أن لبثَ طويلاً لا يقرؤه كثيرون إلّا فى الظلام. من هنا تصبح قراءةُ النصوص المقدسة فى ضوء أدوات ومناهج الهرمنيوطيقا ضرورةً يفرضها تحريرُها من الاغتراب عن الواقع، وتحقيقُ الانسجام بين هذه النصوص والقارئ.

إذ يحقق فعلُ القراءة هنا أُلفةَ القارئ للنص، أى إن القارئ مثلما يقرأ النصَّ يقرأ ذاتَه فى النص، لأنه يرى فى معنى النص ما يحيل إلي: عقيدة آمن بها، وأيديولوجيا تبناها، ومقولات شغف بها، وخبرة عاشها، وأفق انتظار يتطلع اليه. الهرمنيوطيقا تعمل على اختراق تلك الطبقات وتحرير فهم بديل فى سياق مواكب لمتطلبات هوية المسلم اليوم، كى لا تتصلب هذه الهوية، ولكى تنفتح على مكاسب العصر، وتتسع لاستيعاب ماهو مختلف. الهوية لم تعد أحاديةً، بل أضحت متعددة الأبعاد والوجوه، تتنوع وتتعدد أبعادها ووجوهها حسب المتغيرات المتدفقة باستمرار. استئناف الفهم التراثى للنص الدينى يفضى الى تصلب الهوية وتحجرها، وإخفاقها فى إعادة إنتاج ذاتها، فى سياق يواكب مستجدات العالم وتحولاته. كما تنجز الهرمنيوطيقا تفسيراً آخر لمفهوم الحقيقة، لا يكرر ما هو موروث، وانما يكشف عن الوجوه المتعددة للحقيقة، وأن ما يتجلى لكل شخص منها هو وجه من وجوهها. وكأن الحقيقة مرآة متعددة الوجوه، لا يرى من ينظر اليها أحدَ وجوهها فقط، بل يرتسم فيها شيءٌ من ملامح وجهه أيضاً. لقد أفضى التوكؤ على مناهج وأدوات جديدة فى قراءة النص الديني، والفهم المختلف للحقيقة، إلى نزع القناع عن التراث، ومساءلة التاريخ من جديد، وعبور الكثير من الاجتهادات التى تتحدث لغةَ زمانها فى تفسير النص، ولا يفهمها أى انسان يتحدث لغةَ زماننا. إلّا أن هذه الجهود واجهت مقاومةً عنيفة، إذ نعتها البعض بالعدوان على أمجاد الأمة، وطمس ماضيها المشرق، وجرى التشهير بكل باحث عَمَد الى إفشاء أسرار عمليات سوء فهم وتحريف وتزوير مفاهيم ومقولات ووقائع الماضي، أو حاول الكشفَ عن محاولات حذف وإقصاء معتقدات لا تتناغم مع الايديولوجيا التبجيلية التسلطية المهيمنة، أو سعى لإشهار المهمش والمسكوت عنه، أو فضح سطوةَ وقمع السائد والمتغلب فى التراث. وهكذا فإن كل قراءة للنص الدينى تتخطى التفسيرات المغلقة القديمة لا تمرّ من دون ضريبة. لذلك نجد الباحثين ممن يمتلكون خبرةً بمناهج القراءة الجديدة يهربون من توظيفها فى قراءة النص الديني، وغالباً ما يوظفونها فى قراءة النص الأدبى والأعمال الفنية والابداعية المختلفة الأخري،كأنهم يبحثون عن ملاذ يحتمون فيه من غضب أنصار التراث، لأن القراءة الجديدة للنص تجترح معانى لا تكرّر ما هو موروث من فهم للحقيقة الدينية، ذلك الفهم الذى تقدّس بمرور الزمن، وتوكأ عليه مفسّرو النص الدينى منذ عدة قرون، وتقدّس بعضهم تبعاً لتقديس ذلك الفهم. وانتهى ذلك إلى أن أكثر ما يُكتَب وينشر فى قضايا الدين والمجتمع والواقع لا يرقى الى متطلبات الفرد والمجتمع المسلم اليوم، وأكثر ما كُتِب أمس رغم أهمية شيء منه، إلا أنه لا يجيب عن شيء من أسئلتنا الكبيرة والحائرة اليوم. المؤسف أننا دائماً نذهب إلى الماضى نستفتيه فى إجابات أسئلة وحلول مشكلات أنتجها عالمُنا اليوم، وطالما خذلنا الماضى الذى أنجز إجاباتِه عن أسئلته وحلولهِ لمشكلاته الخاصة. لم يتنبه كثيرٌ من المختصين فى دراسة الدين والتراث إلى أن انسانَ اليوم غيرُ انسان الأمس، وأبديةَ أى نص مقدس تعنى أنه نصٌ ذو كثافة دلالية، إذ تتعدد وتتنوع دلالاتُه تبعاً لتنوع ظروف الانسان وأنماط حياته، وتبعاً لتنوع وتعدد سياقات التلقى عبر مختلف العصور. وإن الخلط بين سياقات عصر البعثة وسياقات عصرنا يخرج القرآنَ الكريم من حياتنا، ذلك أن سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات انسان الأمس، وهى تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مجدداً على الحياة لتلبية احتياجات انسان اليوم المختلفة. الكثير من المفسرين تختلط لديه السياقات، فيعمم ما هو ظرفى تدبيرى تاريخى فى القرآن على كل ظرف وزمان ومكان، بينما يتطلب واقعُنا تفسيراً يتحدث الينا ويصغى لإيقاع عالمنا، وهو غير التفسير الذى كان يصغى لإيقاع عالم انسان عصر البعثة ويتحدث اليه، وهو ما نجده، على سبيل المثال، مع مفاهيم تداول السلطة والحقوق والحريات بالمعنى الجديد الذى لم يكن متداولا فى سياق الأفق التاريخى لعصر النزول. يفزع بعضُ دارسى الدين من الاختلاف فى فهم الدين والنص المقدس، فى حين أن مثلَ هذا الاختلاف حالةٌ بشرية لا تختص بديانة معينة، إذ ولد الاختلاف فى الفهم منذ وجود الانسان وظهور الدين فى حياته. افتراضُ ديانة فى الارض بنسخة واحدة كلامٌ غير واقعي، اذ لم تعرف البشريةُ ديانةً بنسخة واحدة أبداً، حتى فى ديانة آدم العائلية،كما تقص علينا التوراة والقرآن، فقد اختلف ولداه فيها حول فهم القربان. وهذا يعنى أن ليس هناك ديانة أو نص دينى خارج طرائق عيش الانسان وطبائع العمران، فالانسان يخضع لمشروطيات تفرض عليه نمطَ حياته وتؤثر فى سلوكه، وهي: الجسد، العقل، المشاعر، الغرائز، التربية، التعليم، اللغة، الثقافة، الدين، الاقتصاد، السلطة، التاريخ. ولا يتجسد الدين فى حياة الانسان إلّا تبعا لهذه المشروطيات. أى إن فهمَ الدين يتنوع بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم.

المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.     مقدمة كتاب: "اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية"، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد.   https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%AA%D9%86/

أما "اللغة الدينية" فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. "اللغة الدينية" صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.  تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره. أما "لغة الإيمان": فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه. الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.  أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.  باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام. لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت. في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم. درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما درستُ كما درستُ كتاب "مختصر المعاني" للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها. ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: "موسوعة فلسفة الدين" للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية   د. عبد الجبار الرفاعي  تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه. في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة. يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.  في هذا السياق يشير مصطلح "لغة الدين" إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.  ينبغي التمييز بين "لغة الدين" و"اللغة الدينية" بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. "لغة الدين" هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية للإنسان. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على المجاز والكناية والاستعارة والرمز والإشارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي. "لغة الدين الحاكية عن الغيب": هي لغة الكتب المقدسة، كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل وغيرها، حين تتحدث عن الله والغيب والوحي والنبوة والحياة الآخرة. تتخذ هذه اللغة طابعًا رمزيًا ومجازيًا وإيحائيًا؛ لأن حقائق الغيب تتجاوز حدود اللغة البشرية، ولا تستوعبها الألفاظ المتداولة في الحديث عن عالم الشهادة. تستعير لغة الغيب مفرداتها وصورها من عالم الإنسان، ثم تنقلها إلى أفق دلالي يتجاوز معانيها الحسية والمباشرة. لا يطابق اللفظ فيها الحقيقة الغيبية، ولا يحيط بها، لكنه يومئ إليها ويقربها إلى وعي الإنسان بما تسمح به قدراته اللغوية وحدود إدراكه. يظل المعنى فيها أوسع من العبارة، وتظل الحقيقة أغنى من الصورة التي تتمثل فيها. الرمز هنا ليس حجابًا يحجب المعنى، ولا زخرفة لغوية، فهو جسر يصل عالم الشهادة بعالم الغيب، ويفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة للفهم والتأويل. تتجدد دلالات هذه اللغة بتجدد وعي الإنسان ومعارفه وأسئلته وتجاربه الروحية، من دون أن يستنفد أي تفسير ما تختزنه من معانٍ، أو يدعي الإحاطة النهائية بحقائق الغيب. الآيات الحاكية عن الله منبع لتنوع صوره في وعي الإنسان؛ لأنها تتحدث عنه بأسماء وصفات واستعارات وصور متعددة، فتظهر صورة الإله الخالق والرازق والرحمن والغفور والحكيم والعادل والقريب والمجيب، وتظهر بموازاتها صور الجبار والقهار والمنتقم وشديد العقاب. لا تمثل أي صورة منها الله في ذاته، لكنها تكشف وجهًا من وجوه حضوره في وعي المؤمن، وفقًا لما تمنحه اللغة وما يستقبله الإنسان في ضوء تكوينه النفسي وثقافته وتجربته وزمانه التاريخي. كل صورة تكشف معنى وتحجب معاني أخرى، وتضيء وجهًا وتترك وجوهًا خارج أفق الرؤية. حين تنتقل هذه الصور من النص إلى الوعي يعاد تأويلها وتركيبها، فيغلب لدى بعض المؤمنين إله الرحمة والحب، ويغلب لدى آخرين إله الغضب والعقاب، وتتكون بينهما صور لا حصر لها. من هنا تغدو الآيات الحاكية عن الله منجمًا لـ "التعددية الدينية"؛ إذ لا تنشأ التعددية من اختلاف الكتب المقدسة والأديان فقط، بل تنشأ أيضًا داخل الدين الواحد، من تعدد طرائق تلقي النص، وتنوع التجارب الروحية، واختلاف صور الله في ضمائر المؤمنين. لا يعني ذلك تعدد الله في ذاته، فهذا تعدد لصوره وتجلياته في الوعي البشري؛ الحقيقة الإلهية واحدة، غير أن مرايا الإنسان متعددة، وكل مرآة تعكس من النور بمقدار صفائها واتساعها ومقام شهودها. يمنح ذلك التعددية الدينية أساسًا معرفيًا وروحيًا، ويحرر المؤمن من توهم أن صورته عن الله تطابق الله، أو أن فهمه يستنفد الحقيقة الإلهية، ويدعوه إلى التواضع في الاعتقاد، والاعتراف بحق الآخر في أن يرى من وجوه الحقيقة ما لم يره هو. لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات. يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة. من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، فإن لغة الدين التي تتحدث عن الغيب تبعث الحياة الروحية، بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود. لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

مفهوم: "الإنسانيّة الإيمانية في فكر عبدالجبار الرفاعي"، تحدث عماد بن بلقاسم الذي ناقش الشهر الماضي رسالته الماجستير بعنوان: "الإنسانية الإيمانية من منظور عبد الجبار الرفاعي"، وحازت الرسالة على تقدير امتياز، تحدث في برنامج واحة العلوم في إذاعة أوازايس بتونس، يوم الأربعاء 19-9-2026. https://www.facebook.com/share/v/1BnLX3cYwJ/?mibextid=wwXIfr

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، لا تُختزل لغة الدين التي تتحدث عن الغيب في الوظيفة التقريرية، بل تبعث فيها الحياة الروحية بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود. لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال. لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.  في هذا الكتاب حاولت تناول لغة الدين بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه أولًا عن أسئلتي، كما هي عادتي في كل كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة مازالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، إنما سعيت إلى افتتاح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عمّا تختزنه من طبقات للمعنى، وما تفتحه من إمكانات للتأويل والفهم.كما حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت بهذه الموضوعات، وسعيت إلى إعادة التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف فيه وجود الإنسان في العالم. لذلك رأيت أن الحديث عن هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضرورة لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان المواقف المتنوعة في النظر إليها وتأويلها. درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما درستُ كتاب "مختصر المعاني" للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها. يعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من "موسوعة فلسفة الدين" للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت.  وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب والمقدس، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.  المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.   مقدمة كتابي الذي صدر قريبًا بعنوان: "اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية"، عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد.     https://alsabaah.iq/136551-.html

اللغة ولغة الدين رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية [1]   د. عبد الجبار الرفاعي تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه. في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة. يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.  في هذا السياق يشير مصطلح "لغة الدين" إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة. ينبغي التمييز بين "لغة الدين" و"اللغة الدينية" بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. "لغة الدين" هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية الداخلية والتأويل المنفتح. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على الرمز والإشارة والمجاز والكناية والاستعارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.  أما "اللغة الدينية" فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.  اللغة الدينية صناعة بشرية، ينتجها الإنسان في سياق قراءته لنصوص الكتاب المؤسس، فهي ثمرة تفسيره وتأويله وتفاعله مع النص، لا انعكاسًا مباشرًا لخطاب متعالٍ في نقائه الأول. تتشكّل هذه اللغة عبر الزمان، وتتلوّن بسياقات التاريخ والثقافة والمؤسسات، وصراعات الاستحواذ على المعنى بغية الاستحواذ على السلطة والثروة، فتعبّر عن المعنى الديني بحدود ما ينكشف في آفاق ذهن القارئ وحدود وعيه، لذلك تظل نسبية متحركة، قابلة للمراجعة والتحديث، بقدر تحديث وعي الإنسان واتساع خبرته. تعمل اللغة الدينية على حفظ الدين المؤسسي وحمايته، فيتقدم فيها القانون على الروح، وتنطفئ جذوة الإيمان، ويخبو ذلك الوهج الذي يمنح الإيمان طاقته الملهمة، ويتحول الدين إلى منظومة اعتقاد مغلقة. الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.  أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.  باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام. لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات. يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

اللغة ولغة الدين - الغلاف

صورة كتاب: اللغة ولغة الدين

[1]  أستاذة الفلسفة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية. [2] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2001، ص 8-9. [3] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 8. [4] - عبد الجبار الرفاعبي، الهويّة في شِراك الإيديولوجيا، بغداد، الرافدين، ومركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2025، ص 111. [5] - عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111. [6] - عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111. [7] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12. [8] - محمد اركون، معارك من اجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12-13. [9] - محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 14. [10] - عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، بغداد، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2023، ص 42. [11] - محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 237. [12] - محمد أركون، الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 296. [13] - عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 116. [14] - عبد الجبار الرفاعي، الهويّة في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 117. https://taqueen.com/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9/

أما في ما يتعلّق بمحمد أركون فنجد أنه كان مهتمّاً في سياق كلامه على الأنسنة بأن يشدّد على الجانب الفكري للفظ "أدب" كما كان متعارفاً عليه بالمعنى الكلاسيكي. فالأدب كان يشمل، في زمن التوحيدي، البعد المعرفي والفكري والأخلاقي والروحي والشرعي والجمالي والسياسي الذي يتّصف به الأديب. كانت هناك متابعة واضحة لمختلف نشاطات الإنسان وإبداعاته بما فيها الصالح والضّار. يشير أركون إلى أهميّة هذا الجانب الفكري لكلمة أدب وذلك بهدف "حماية الإنسان من عدوان أخيه الإنسان، وباطله، وغطرسته، وفرعونيّته، وعنفه". كذلك فهو يلفت الانتباه إلى "الشروط العقليّة التي يجب ان يحترمها -الإنسان- أو يتقيّد بها في معاملته لنفسه أو معاملته مع الآخرين في الحياة الاجتماعيّة".[7] عمل أركون على لفت الانتباه إلى الفرق بين ذهنيّة التعاطي مع كلمة أدب في العصر الكلاسيكي زمن الجاحظ ومسكويه والتوحيدي وغيرهم، من جهة، وبين واقع الحال في معظم المجتمعات العربية الإسلاميّة المعاصرة، من جهة أخرى. كان هناك التزامٌ كاملٌ، في نظره، "بقضايا الإنسان كإنسان"، إذ تمّ وضعه في صلب الانهمام الفكريّ للمشتغلين بالأدب، في معناه الواسع. أما ما يحدث في الفترة المعاصرة، فهو، حسب رأيه، "يدلّ دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانيّة"، إن في الخطابات اليوميّة، أو في كتب علماء السياسة المتعلّقة بالدساتير الرسميّة. يقول بأنه اقترح مصطلح الأنسنة لكي يشير إلى الأبعاد الفكرية الغائبة بعد أن ازدهرت في العهد الكلاسيكي، عهد الأدب والأدباء العرب والمسلمين. أراد مكن خلال التحدّث عن ذلك أن يدعو إلى "إحياء الموقف الفلسفيّ في الفكر العربي خاصة، والفكر الإسلاميّ عامة". وهو لديه اعتقادٌ راسخٌ "بأنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان اعتناءً شاملاً، نقديّاً، منيراً، محرّراً، بدون التساؤل الفلسفيّ عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها".[8] من هنا يبرز واضحاً هذا الجمع بين العقلانية والأنسنة، إنها عمليّة بناءٍ ذهني ترتكز على العقل الفلسفيّ الذي يبحث عن المعنى بحرية، ويضع قضايا الإنسان في صلب انشغالاته. ميّز محمد أركون بين التفكير الفلسفيّ في الإنسان والتفكير الدينيّ فيه. فالموقف الديني يهتمّ بالإنسان من أجل الهداية نحو الطريق الصحيح. وكأن لدينا أنسنة فلسفيّة وأخرى دينيّة، لكلّ منهما السبيل الخاص في طرح ومعالجة قضايا الإنسان. تربط الأنسنة الأولى، أي الفلسفية، مصير الإنسان بخياراته، بمسؤوليّته، وبالقرارات التي يتخذها بوعيٍ ودراية. بينما تربط الثانية، أي الإنسنة الدينيّة، مصير الإنسان بما تبشّر به التعاليم الالهيّة المنزلة. يرتكز حال العقل في الأنسنة الأولى على التفاعل مع العقول الاخرى المتعدّدة من حوله، ضمن الإطار السياسيّ الديمقراطيّ، في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات، في إشارة واضحة إلى العقل التواصلي عند هابرماس. لفت الانتباه إلى "أن الاعتراف بالتعدّدية المذهبيّة والثقافيّة واللغويّة هو صفة من الصفات الأساسيّة والتأسيسيّة للموقف الإنساني. وكانت هذه التعدّدية سائدة، مقبولة، معرَّفاً بمنافعها في فجر الإسلام وضحاه".[9] أما ما جرى في ما بعد فكان مغايراً لنهج الانفتاح وتقبّل الرأي الآخر، بخاصة ما يتعلّق بالقضايا اللاهوتيّة والشرعيّة. أشار أركون في أكثر من مناسبة إلى العلاقة التي جمعت بين السلطة الدينيّة والسلطة السياسيّة في التاريخ الإسلامي، واعتبر أنه كلّ ما ساد "التضامن الإيديولوجي" وقوي الاتفاق بينهما، كانت النزعة الإنسانيّة في تراجعٍ ملحوظ، والتفكير الفلسفي يسير نحو التهميش، والفكر النقدي نحو التغييب. إن التكافل بين الدولة والسلطة الدينيّة أدّى إلى انتشار ذهنيّة التحريم والتقديس في المجتمعات، وفق ما بيّن ماكس فيبر. إن الفكر النقديّ مبنيّ على حريّة التفكير والتعبير والنشر، وهو يفتح المجال أمام تعدّد الجمعيّات في المجتمعات المدنيّة.   في النظر إلى الدين من زاوية الأنسنة.   يرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان لا يصنع حاجته للدين لأن "الحاجة للدين مستودعة في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعيّة. ويدلّ على ذلك حضور الدين ورموزه وتعبيراته المتنوّعة في حياته منذ ظهوره على الارض حتى اليوم".[10]   نلحظ أن الرفاعي يتكلّم على الدين انطلاقاً من الإنسان، من الشعور بالقلق والاغتراب الوجوديّ. هذا الكائن الضعيف والهش الذي يعجز عن إنقاذ نفسه من الموت. أنه يقع باستمرار ضحيّة جهله بنفسه كما بمصيره. من هنا نجده يتوقّف عند أهميّة السلام الداخلي باعتباره منبعاً للحياة المطمئنّة التي تتغلّب على الكآبة والمعاناة المنهكة. إن هذه الحال التي دفعت الإنسان الواعي إلى الاعتراف ببعض ضعفه وقدرته المحدودة التي تحول دون حصوله على ما يتمنّاه. فالوضع النفسي للإنسان وما يعاني منه من اضطراب وقلق واغتراب وجوديّ، كلّ ذلك لعب دوراً، برأي الرفاعي، في اللجوء إلى الإيمان والدين. هذا ما أمّن له الحماية وغذّاه بالمحبة والرحمة والقيم السامية، وأسعفه في الاستمرار التاريخي.   من ناحيته، ينظر أركون إلى الدين مميّزاً بين التركيبات اللاهوتيّة التي تضعها السلطة الدينية بالتنسيق مع السلطة الرسميّة، وبين الوظيفة الروحانيّة للدين. يستعين بميشال ميسلان الذي عرّف الدين باعتباره "التجربة البشريّة لما هو الهي"، مشدّداً على المعنى الروحي المنزّه والمتعالي الذي يتمّ تحريفه أو استغلاله من قبل السلطات الرسميّة. فالدين بالعنى الروحاني هو بمثابة "الرعشة الدينيّة العالية والمنزّهة" التي عاشها الأنبياء كما كبار المفكرين والعلماء. نجده بالتالي يفرّق "بين معنيين للدين: المعنى الروحي المنزّه والمتعالي/ والمعنى القانوني، الرسمي، السلطوي، أو الذي يخلع المشروعيّة على السلطات السياسيّة".[11] ملفت جداً هذا التعاطي مع الدين وعدم حصر لحظة الوحي بالأنبياء من دون سواهم، نلحظ أن أركون وسّع من دائرة الكشف والاختبار الروحي لكي تشمل أيضاً العلماء عندما يأتون بما هو جديد في سياق بحثهم عن الحقيقة. كما أنه كان قد شدّد على تاريخيّة الفكر الديني، أي على البعد الإنساني لهذا الفكر، ومحدوديّته في الزمان والمكان، وعلى الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة به، والتي أدّت إلى تبلوره في الشكل الذي ظهر فيه. فالتركيز على التاريخية أمرٌ يحيل بالضرورة إلى الأنسنة، وفق نظرنا. كذلك التركيز على العلمنة في كتابات أركون باعتبارها "الموقف الحر والمفتوح للروح أمام مشكلة المعرفة"[12] يمكن اعتباره بمثابة إشارة واضحة إلى أهميّة الأنسنة والمقاربة الإنسانيّة للمسائل السياسية والاجتماعية والفكرية. نودّ أن نشير، في ما يتعلّق بنظرة الرفاعي للدين إلى أنه ينتقد بشدّة كل تلك المحاولات في تشويه الدين، والتي تقوم بها السلطات الدينية في مجال تعليم مبادئ الشريعة، في مختلف المؤسّسات. لا يمكن بالنسبة إليه أن نقدّم مفهوماً إنسانيّاً للدين ما لم نتوقّف عند الأخطاء التي اقترفتها السلطات الدينيّة  من أجل نقدها بعمق. فالأنسنة تقتضي هذا النقد وتفرضه على الباحث الرصين الذي يتحلّى بالموقف الأخلاقيّ. يعلن بوضوح ما يأتي: "يملي علينا الموقف الأخلاقيّ أن نفضح منابع الكراهية والتعصّب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين اخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرّئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدّث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقيّ".[13] إن مجرّد التأمّل في مضمون هذا النص كفيلٌ في أن يوضح للقارئ أهميّة الأنسنة وعمق تجذّرها في مقاربة الرفاعي للدين، وللفكر الديني. وما تشديده على البعد الأخلاقيّ إلا خير دليلٍ على ذلك. فالمعاملة بالمثل، والبدء بتطبيق النقد على الذات تماماً كما نطبّقه على الآخر، وتعرية الذات من أوهامها، كلها خطوات منهجيّة تفيد في التأسيس للأنسنة المعاصرة على مبادئ راسخة. يصرّ الرفاعي على أهميّة المراجعة النقدية للتراث الديني، وعلى إبراز الأخطاء التي أدّت إلى تشويه صورة الدين، هذه الأخطاء والممارسات التي أبعدت الدين عن جوهره فحوّلته إلى "أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعاً للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة". من الجدير ذكره في هذا السياق أن الدين كما يفهمه الرفاعي "هو طاقة روحيّة وأخلاقيّة مُلهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤوليّة تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيّاً كان دينه أو انتماؤه".[14]   في الختام، يمكن القول إن هذا الكلام كفيلٌ في تظهير صورة مشرقة عن الأنسنة في الفكر العربي المعاصر، وهو يلتقي بعمق مع طروحات محمد أركون الخاصة بالدين والتنوير والعلمنة والأنسنة. لذا، في خلاصة هذا المقال، يمكن أن نتلمّس، من خلال ما سبق من فقرات، نهجاً إنسانيّاً واضح المعالم في مقاربة قضايا الدين والمجتمع، وهو يقدّم أسساً صلبة يمكن البناء عليها، ومتابعة ما بدأ به كلٌّ من أركون والرفاعي من أجل إستعادة المبادرة، والعمل على إرساء تفكيرٍ إنسانيٍّ يخفّف من هول التحدّيات الراهنة، ويشقّ طريقاً نحو الأمل بمستقبلٍ إنسانيٍّ أفضل، يقينا شرّ الفراغ واللامعنى والعنف المستفحل الذي يستبيح كلّ شيء من دون رادع.

أين أصبحت الأنسنة في الفكر العربي المعاصر؟ وقفة مع محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي د. نايلة أبي نادر[1] وسط الشعور بالغربة، غربة الإنسان الواعي عن نفسه، عن بلده، عن مجتمعه، هذه الغربة التي ترمي به في دوائر الأسئلة المؤرقة، الأمر الذي يزيده اغتراباً، يكثرُ الكلام على موت الإنسان الطبيعي، أو عن تراجع قيمته وكفاءاته في مقابل نموٍّ متزايد للإنسان الآلي. فالذكاء الطبيعي بات في انحسار أمام مدّ الذكاء الاصطناعي، وتضاعفِ ميزاته وانتشارِ أعماله. بات التوقّف عند الأنسنة والبحث في تجليّاتها إن في الفكر الديني أم في الفكر الفلسفي ضرباً من التشبّث بسلالة مهدّدة بالانقراض، أو بجوهرة محفوظة في متحف التاريخ، نخشى عليها من السرقة أو الضياع. إن المشهدية الدامية التي تحيط بنا تضعنا في مواجهةٍ شرسةٍ مع الأسئلة المُرهقة: لماذا كلّ هذا الدمار؟ أإلى هذا الحدّ انهارت قيمة الإنسان مقابل قيمة الصفقات أو المشاريع العالميّة؟ أإلى هذا الحدّ بات البشر على الأرض مجرّد عملة على طاولة البورصة، ترتفع قيمتها أو تنخفض وفق العامل الجغرافيّ، أو القوميّ، أو السياسيّ، أو الدينيّ؟ هل فعلاً كلّ ما قيل عن العدالة والمساواة مزاحٌ، أو كلامٌ فارغٌ لا مضمون له يمتّ إلى الإنسانيّة بصلة؟ هل كلّ هذا الحبر الذي سال والصفحات التي عبقت بالمعاني كان مجرّد مواكبة لما هو رائجٌ في الغرب، أم هو نوعٌ من اللجوء إلى زاوية آمنة بعيداً عن واقعٍ مؤلمٍ خائبٍ يحمل في طيّاته أسباب تفجيره من الداخل؟  الكلام على الإنسان في السياق العربي المعاصر يضعنا أمام أسئلة محرجة تدفعنا إلى البحث عن موقعه في ما يتمّ إنتاجه من خطابات إن في المجال الفلسفي أو السياسي أو المجتمعي، من دون أن نغفل عن المجال اللاهوتي. لماذا التوقّف عند الإنسان؟ ما هو التصوّر الراسخ في الذهن حول مفهوم الإنسان؟ إلى أيّ مدى يمكننا التحدّث عن تيّار إنسيّ عربيّ معاصر؟ أسئلة تشغلني منذ مدّة، وهي تواجهني بإلحاح، بخاصة بعد أن لحظنا تراجع الخطابات التي تنهمّ بشأن الإنسان على حساب القضايا الكبرى، والصراعات المحتدمة، وتعاظم الأزمات التي تضرب المنطقة. هل الكلام على الإنسان يعدُّ اليومَ ضرباً من الهروب من مواجهة الواقع وتحدّياته؟ هل هو انكفاء في اتجاه التأمّل وبناء عالمٍ نظريٍّ تسود فيه معايير مختلفة تسمح بالتفرّغ للتفكير بالإنسان؟ بتعبيرٍ آخر، هل هو انفصامٌ عن الواقع؟ هل ما طرحه التوحيدي في كتابه "الهوامل والشوامل" حول الإنسان ما زال يحثّ الباحث على التفكير في عمق هذا القول: "الإنسان أشكل عليه الإنسان"؟   انطلاقاً من انشغالي بدرس نصوص محمد أركون اخترت التوقّف عند تصوّره للإنسان، وكيفيّة مقاربته لعمق معنى الأنسنة. كذلك، إن من يقرأ نصوص عبد الجبار الرفاعي لا بدّ من أن يلفت انتباهه هذا الإصرار على الأنسنة، والكرامة الإنسانية، والنزعة الإنسانية. من هنا، يهدف هذا المقال إلى إعادة تسليط الضوء على مفهومَي الإنسان والأنسنة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر انطلاقاً من علٍَمين اثنين عملا بجهد على إرساء نظرة إنسيّة تقارب موضوعات عدّة من زاوية تعيد الاعتبار للإنسان، ولكرامته ودوره وقيمته في المجتمعات العربية المعاصرة.   في أهميّة الأنسنة عند أركون والرفاعي.   في ما يتعلّق بمحمد أركون، نلحظ عند قراءة كتبه أنه نادراً ما نجد واحداً منها لم يذكر فيه الأنسنة، بشكلٍ أو بآخر. فالأنسنة عنده تعني إعمال العقل، والتجرّؤ على التفكير بما هو مستحيلٌ التفكير فيه، وهي ركنٌ من أركان التنوير، تقوم على ممارسة التفكير النقديّ. وهي تجربة فكرية منفتحة على عالم المعرفة، تنهمّ بكلّ ما يُنتجه العقل البشريّ من دون تمييز ولا تهميش. تأثّر أركون بشخص أبي حيّان التوحيدي، وتوقّف عند درس فكره، وما تركه من أثر من بعده. عمل بجهدٍ مميّز على إبراز نزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري، مشيراً إلى أن هناك تأصيلاً عربيَاً ما لهذه النزعة، وهي ليست بالتالي غريبة عن الفكر العربي. إن التركيز على اختبار الأنسنة في الفكر العربي يهدف، حسب ما نعتقد إلى تسليط الضوء على الجهد الكبير الذي قام به مفكرون مثل الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وغيرهم في حقبة مفصليّة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي. لم يغفلوا عن الإنسان، ولا عن قوّة عقله في الاستدلال. لقد التزموا بعمق في معالجة قضايا الإنسان كإنسان. أشار أركون إلى أن "الأنسنة كما فهمها وجسّدها التوحيديّ مثلاً تثور على الإنسان عندما يصبح العدوّ الأخطر للإنسان".[2] يعكس هذا التوجّه نقداً واضحاً لممارسة العنف التي تنزع عن الإنسان إحدى أهمّ خاصيّة لديه، وهي إنسانيّته. فالعنف، للأسف، ممارسة عرفتها مختلف المجتمعات البشرية، عبر التاريخ، وعلى وسع الجغرافيا. من هنا يأتي عدم الاكتفاء بما عُرِف بـ"الأنسنة الشكليّة" التي تشير إلى الانفصام بين الكلام على القيم الإنسانية، والتغنّي بالفنون، من جهة، وبين السكوت عن الظلم والاضطهاد والاستعباد، من جهة أخرى. هذه الأنسنة الشكليّة التي عرفتها أوروبا مثلاً، وهي غريبة عن واقع ما يحدث في المجتمع، أدّت في نظر أركون إلى الإعلان عن "موت الإنسان". فالغرق في تنظير الفلاسفة المثاليين والأدباء واللاهوتيين أدّى إلى الابتعاد عن واقع العنف والظلم الذي ما زال مستمرّاً حتى اليوم. إن كلّ ممارسة للعنف باسم الحقيقة أو الهوية أو القيم أو الدين أو الاصالة أو القومية هي غرق في الإيديولوجيا، ونكرانٌ للأنسنة. في سياق كلامه على الدين والأنسنة يقول أركون: "إن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والنقّاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلّها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسيّة التي يتطلّبها كلّ إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة".[3] واضحٌ في ما تقدّم التركيز على أهميّة إعمال العقل والاجتهاد الفكري وممارسة النقد بحريّة من أجل الارتقاء إلى مستوى الأنسنة. واضحٌ أيضاً التصدّي للسلطة الدينية التي تقمع أبرز تجليّات أنسنة الإنسان، ألا وهي التفكير المبدع الذي يمارس النقد لمختلف ما سبق الفكر البشريّ أن أنتجه. إن اعتماد المنهج النقدي ليس ضرورة فقط بالنسبة إلى التفكير الفلسفي، إنما هو من صلب تحقّق إنسانيّة الإنسان، أيّاً كان مجال عمله وانشغاله الفكريّ.   أما في ما يتعلّق بعبد الجبار الرفاعي، فيمكن أن نقول إنه من الصعب جداً التحدّث عن الأنسنة عنده خارج الكلام على الدين، فهو يصرّ على الربط بين جوهر الدين وبين الأنسنة، بين كرامة الإنسان وبين الوحي، بين الظمأ الأنطولوجي الذي يختبره الإنسان وبين الدين. نجده يؤكّد في أكثر من مناسبة على أن "الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسّسة أو الجماعة". كذلك نجده يشدّد على أن "كلّ دين لا يتّخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس ديناً إنسانيّاً. جوهر إنسانيّة الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كلّ أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم".[4] هذا الكلام يشير إلى وضع الإنسان في صلب التفكير الديني، وإلى أن احترامه واجبٌ، والإنسان هنا، ليست له هوية محدّدة، ولا قوميّة معلنة، ولا انتماء محصور بوطن معيّن. كلام عبد الجبار يعبّر عن توقٍ إلى العالميّة ولا يرضى بالتقوقع داخل السجون التي يفرضها بعض الماسكين بمفاتيح العلم والمعرفة والسياسة. نجده ينحاز بوضوح إلى الإنسان، ويدافع عن كرامته، إذ من دونها سوف يفقد قيمة أيّ عمل يقوم به، حتى ولو كان هذا العمل يصنّف في إطار التديّن. كلّ دين لا يسعى أتباعه إلى مناهضة العنف، ومنع إذلال الناس، والحفاظ على حرياتهم، فهو دينٌ لا يمكنه تحقيق الرحمة على الأرض. يؤكّد على أن الله خلق"الناس متساوين في إنسانيّتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقيّ للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع".[5]  ينتقد الرفاعي بشدّة، وفي أكثر من موضع، عمليّة تحويل الدين إلى إيديولوجيا، ويعتبرها خيانة لجوهر الدين ولقيمة الإنسان وكرامته على حدّ سواء. إن احترام حرية الإنسان تكمن في احترام الحقّ في الاختلاف في المعتقد، لذا، إن أيّ إكراهٍ على تبنّي تعاليم محدّدة أو عقائد معيّنة من دون سواها، فهو يُعتبر طعناً في كرامة الإنسان، وبالتالي إنه طعنٌ في جوهر الدين الذي ينظر إليه كـ "رسالة روحيّة أخلاقيّة تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعاً، لا لجماعة دون أخرى".[6] هذا الربط بين الدين والكرامة الإنسانيّة يمكن اعتباره تجلّياً واضحاً وصريحاً للنزعة الإنسانيّة عند الرفاعي، وهو يشير في الوقت عينه إلى وسع الرؤية لديه، وإلى انهمامه بالإنسان، أيّ إنسان. فالنقد الذي يوجّهه إلى عمليّة الانغلاق الإيديولوجيّ والتقوقع داخل جدران هويّة محدّدة "مصطفاة" يتمّ رفعها إلى ما فوق الهويات الأخرى، يٌعتبر إشارة واضحة إلى البعد الأخلاقي الذي يشكّل محوراً رئيساً في فلسفة عبد الجبار الرفاعي. لا يكتفي بالمناداة بالبعد الأخلاقي، والإشارة إلى أهميّة البعد الروحي في الدين، إنما نجده يسعى إلى ترجمة ذلك على أرض الواقع من خلال العمل على ترسيخ قيم "الكرامة والحرية والمساواة والعدالة"، وغيرها بهدف تحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستعباد وحمايته من الإذلال والاستعباد. نجد في هذا الإصرار الظاهر بوضوح في كتبه نوعاً من الشهادة لحقيقة الإنسان، ولحقيقة الدين في آن معاً. هذا الإصرار يحمل القارئ على أن يجد في الدين طريقاً إلى السلام بدلاً من الاحتراب، وملاذاً آمناً للكرامة الإنسانية بدلاً من الإذلال والاستعباد والقهر والاستغلال. إنها دعوة صريحة للتحرّر من كلّ ما يهين الإنسان، باسم ايّ سلطة كانت. هناك كرامة إنسانيّة يجب التوقّف عندها، احتلااماً لها، لأنه عند احترامها تُحترم كرامة كلّ إنسان، وفي انتهاكها، تُنتهك كرامة كل إنسان.