es
Feedback
المنهج العلمي الواقعي | علي آل شُبَّر

المنهج العلمي الواقعي | علي آل شُبَّر

Ir al canal en Telegram

قناة علمية أنشر فيها بعض الأفكار والنتائج المنطقية والرياضية والطبيعية سواء التي أجدها عند الغير أو التي أكتشفها بالتأمل المستقل.

Mostrar más
El país no está especificadoLa categoría no está especificada
847
Suscriptores
-124 horas
+57 días
+530 días
Archivo de publicaciones
[تنوع الأعراض ذوات الأسباب] مع انحفاظ الصورة العرضية العامة بوصفها جنسًا فإن العرض يتنوع بحسب: (١) اختلاف موضوعه، (٢) واختلاف سببه. ولنأخذ مثالًا في علم الأمراض (ولا ينبغي أن يشدد في دقة المثال): إن الإلتهاب (Inflammation) بوصفه الصورة الإلتهابية العامة جنس لأمراض كثيرة. منها بحسب تعيُّن الموضوع: الإلتهاب الرئوي (Pneumonia). ولكن لا يصير العرض متحصلًا تحصلًا تامًّا بتحصُّل الصورة والمادة فقط، فإنه يحتاج إلى تحصل السبب. ومن فإن الإلتهاب الرئوي يتنوع بحسب تنوع أسبابه إلى أنواع منها: – الإلتهاب الرئوي الكلايميدي (Chlamydial pneumonia) وهو مسبب عن بكتيريا الكلايميديا. – الإلتهاب الرئوي النوموكوكالي (pneumococcal pneumonia) وهو مسبب عن بكتيريا بإسم (Streptococcus). – الإلتهاب الرئوي نوموسايتس جيروفيتشي (Pneumocystis jirovecii pneumonia) وهو مسبب عن الفطريات (P. jirovecii). فإذن هذه ثلاثة أعراض مختلفة تشترك في الصورة العرضية باعتبار العموم، وتتميز بالصورة العرضية المخصصة بخصوص السبب والموضوع، والحد التام لكل واحد منها يتألف من الصورة العرضية والموضوع والسبب.

[العموم والخصوص في الصورة العرضية] ذكرتُ أن الصورة العرضية عبارة عن الجنس العام للعرض، وأنها تتخصص بالموضوع والسبب فتصير مساوية للعرض. إذن فليكن للصورة اعتباران: (١) الصورة العرضية باعتبار العموم، (٢) والصورة العرضية باعتبار الخصوص. الصورة العرضية باعتبار العموم عبارة عن الصورة العرضية من حيث هي لا بشرط موضوع خاص أو سبب خاص، وهي بهذا الاعتبار جنس العرض. أمّا الصورة العرضية باعتبار الخصوص فهي عبارة عن الصورة العرضية المقيدة بـموضوعٍ ما وسببٍ ما، فهي بهذا الاعتبار الجنس المقيَّد المساوي للعرض. كما أن للصورة العرضية أمور تخصها من حيث هي مباينة لسائر الصور العرضية الأخرى، فإن لها خصوصيات تلحقها بسبب قابلية موضوعها الخاص وفاعلية سببها الخاص. وقد يجوز للصورة العرضية بالاعتبار الأول أكثر من حد أوسط واحد وأكثر من موضوع واحد. ولكن الصورة العرضية بالاعتبار الثاني ليس لها إلّا موضوع واحد وسبب واحد، ومن هنا فإن العرض الواحد بإزاءه علة واحدة وبرهان مطلق واحد وحد تام واحد.

[الحدّ التام للعرض ذي السبب] قد علمنا أن البرهان المطلق عبارة عن إثبات الصورة العرضية لـموضوعها الأول بتوسيط سببها الأول القريب المباشر. فليُستظهر أن الحد التام للعرض يتألف من: (١) الصورة العرضية، (٢) الموضوع الأوَّل، (٣) السبب المباشر. والصورة العرضية عبارة عن حقيقة العرض التي بها يكون هو هو بالفعل، ولكنها هي الأمر العام الذي يتخصص بالسبب وبالموضوع. والموضوع بالقياس إلى الصورة العرضية مادة خارجية، من جهة أنه قابل بالذات للصورة العرضية ومحلّ لها. وأما السبب الخارجي فهو العلة التامة لوجود الصورة العرضية في مادتها الخارجية. وهذه الثلاثة إن ركبت تركيبًا تقييديًّا بتقديم الصورة أولًا ثم المادّة الخارجية ثانيًا ثم السبب الخارجي ثالثًا صارت هي الحدّ التام للعرض.

[الأوسط علة للأكبر في نفسه] من المسائل التي خالف فيها إبن سينا مشهور المشائين عدم اشتراطه أن يكون الأوسط علة للعرض في نفسه في البرهان المطلق، بل يكفي عنده أن يكون علة لوجود العرض في موضوعه. وحتى نعرف الحق في هذه المسألة يكفي أن نلتفت إلى أن المقصود بالذات هو العلم المطلق بالعرض، فكل ما يجب حتى يستفاد العلم المطلق بالعرض فهو من شروط البرهان المطلق. ومن الظاهر أن الأوسط إن لم يكن علة للعرض في نفسه، لم نستفد العلم المطلق بالعرض. وذلك لأن العرض ابتداء معلوم بالحد الناقص، فإذا لم يكن الأوسط علة له في نفسه لم يكن مأخوذًا في حدّه، فلا يكون الأوسط متممًا للنقصان التصوري، فلا يكون مجيبًا عن جميع المطالب العلمية التي منها المطلب التصوري، فلا يستفاد العلم المطلق. ومن هنا نعلم وجوب اشتراط أن يكون الأوسط علة للعرض في نفسه، وذلك لأن به وفقط به يستفاد العلم المطلق بالعرض ذي السبب. فضلًا عن أن الصورة العرضية من حيث هي عرضية تتحد علة وجودها في نفسها مع علة وجودها في موضوعها، لا تتصور المغايرة، فإن وجودها في موضوعها هو بسبب وجود علتها في نفسها في موضوعها.

[البرهان والحد: بنحوٍ مُجمَل] عادة ما تُدرَك العلاقة بين الحد والبرهان [خصوص البرهان على ذوات الأسباب] بنحوٍ تفصيلي في المباحث المرتبطة بالمقالة الثانية من التحليلات الثانية. ولكن من الظاهر أننا يمكن لنا أن نشير إلى هذه العلاقة بنحوٍ عام ومجمل في البداية، حتى قبل أن نبدأ باكتشاف شروط البرهان [خصوص البرهان على ذوات الأسباب] وذلك بتحليل مفهوم العلم المطلق بالقياس للعرض ذي السبب، وقد قمت بذلك في المنشورات السابقة، وبينت أن العلم المطلق يتضمن العلم بالحد التام، وبينت أن الحد الأوسط الذي هو علة قريبة مباشرة يفيد علمًا مطلقًا بالعرض ذي السبب. من هنا يتضح لنا أن الحد التام للعرض ذي السبب يمتنع أن يكون معلومًا ابتداء لو أردنا أن يكون العرض مطلوبًا في العلم؛ وذلك لأنه لو كان معلومًا ابتداءً لكانت العلة الداخلة في حدِّه التام والتي هي الحدّ الأوسط المكسِب للأجوبة على المطالب الثلاثة معلومة ابتداء، فإذن سيكون العلم المطلق معلوم ابتداء، ولا يمكننا أن نطلب العلم بالمعلوم المطلق. ولكن أيضًا يمتنع أن يكون ذلك العرض مجهولًا مطلقًا، إذ يمتنع علينا أن نتوجه لطلب أمر نجهله على الإطلاق. إذن وبالضرورة إن العرض الذي يتناوله البرهان الأرسطي يجب أن يكون في صدر العلم موضوعًا بالحد الناقص، وبالتالي يبقى مجهولًا من وجه، فيكون مطلوبًا. فإذا أقمنا البرهان المطلق أفدنا تلك العلة التي هي عبارة عن الجزء الذي كان مفقودًا من الحدّ التام، فصارت هذه العلة بعينها الحد الأوسط للبرهان المطلق وجزء الحد الأخير أو المتمم للعرض. وقبل أن نتطرق للمسائل التالية في هذه الصناعة، فلنسأل: ماذا لو كان علم من العلوم جميع الحدود المصدَّرة فيه وإن كانت حدودًا بشرح الإسم، ولكنها تامّة كاملة، فإذا أقيم البرهان على الوجود، صارت بعينها ومن دون زيادة شيء هي الحدود التامة الحقيقية؟ هل يكون العرض في ذلك العلم من ذوات الأسباب؟! ولكن لن نستعجل الجواب.

[مطلق الضرورة والضرورة المطلقة] عند التأمل في كلمات أبي عليّ في برهان الشفاء نجده في كثير من الأحيان لا يعتد بشرط الأولية بالنحو الذي قرره أرسطو في التحليلات الثانية. فإن أبا عليّ لا يتشدد في المساواة والانعكاس، ويجيز حمل العام على الخاص، ولا يطعن ذلك عنده في الحمل الضروري، ولا يطعن عنده في برهانية القياس. وعندي أن الشيخ أبا عليّ قد حاز الحق المطلق، ولكن حازه المشاؤون المخالفون له أيضًا، وذلك لأن الضرورة المقوِّمة لمطلق البرهان عند المشائين أخصّ من الضرورة المقوِّمة للبرهان عند إبن سينا. واختلاف الغاية يستلزم بالضرورة اختلاف المبادئ التي بها توجد تلك الغاية، واختلاف المبادئ الفاعلة للغاية هو بعينه اختلاف شروط البرهان. إن أردت الحق الذي لا مثنوية فيه، إن مطلق البرهان عند أرسطو هو القياس المفيد للنتيجة الضرورية بالضرورة المطلقة المزدوجة بين الموضوع والمحمول. ولكن البرهان عند إبن سينا هو القياس المفيد للنتيجة الضرورية لا بشرط الإطلاق والازدواج؛ فهي ضرورة من جهة استلزام الموضوع للمحمول بعينه بلا اعتبار استلزام المحمول للموضوع بعينه من عدم استلزامه. ولذلك كان مقتضى حكم العقل في برهان أرسطو كون الأولية شرطًا ضروريًّا، ومقتضى حكم العقل في برهان إبن سينا عدم كون الأولية شرطًا ضروريًّا، ولا تدافع بين المذهبين بعد العلم بعمومية غاية إبن سينا.

[شروط مطلق البرهان عند أرسطو] بعدما فرغ أرسطو من تناول البرهان المطلق وشروطه في الفصل الثاني من المقالة الأولى من التحليلات الثانية، أراد في الفصل الرابع أن يتناول مطلق البرهان. ومطلق البرهان هو القياس المفيد للعلم الضروري بذوات الأسباب، وإذ النتيجة ضرورية، فلابد أن تكون المقدمات كذلك ضرورية. وضرورة المقدمات تستفاد من الشروط الثلاثة: (١) المقولية على الكل، (٢) الذاتية، (٣) الأولية. فإذن كل قياس مقدماته ضرورية (بتحقق الشروط الثلاثة) فهو قياس مفيد العلم اليقيني الضروري، وبعبارة أخرى هو قياس برهاني. وهذا القياس البرهاني الذي تتحقق في مقدماته الشروط الثلاثة لا يخلو إمّا أن تتحقق فيه جميع الشروط الخمسة (أو الستة) السابق ذكرها في الفصل الثاني أو لا. فإن تحققت جميع تلك الشروط فهو البرهان المطلق، وإن لم تتحقق جميع تلك الشروط فهو برهان الوجود. وينقسم برهان الوجود (إلى أقسامه المشهورة وليست هي جميع الأقسام الممكنة): – بحسب تخلُّف شرط العلية (فقط) إلى البرهان بتوسيط المعلول المباشر. – بحسب تخلف شرط المباشرة (فقط) إلى البرهان بتوسيط العلة البعيدة. ويدخل تحت براهين الوجود البرهان الراد إلى المحال، وهذه كلها تفيد عند المشائين علمًا ضروريًّا إن استوفت الشروط، ولكنها لا تفيد العلم المطلق، وسبب عدم إفادتها العلم المطلق ظاهر. وأما عند إبن سينا فلا يفيد العلم الضروري عنده إلا برهان اللم، بخلاف بقية المشائين.

[شروط البرهان المطلق عند أرسطو] فإذن لـما تقرر أن عندنا ذوات أسباب نطلب العلم بها، والعلم الذي نقصده في هذه الصناعة إمّا العلم المطلق أو مطلق العلم الضروري. أراد أرسطو أن يكتشف شروط البرهان المفيد للعلم المطلق، وشروط البرهان المفيد للعلم الضروري. وضع أرسطو الفصل الثاني من المقالة الأولى من التحليلات الثانية لاكتشاف شروط البرهان المطلق، وذلك بالانتقال من غاية البرهان المطلق ألا وهي العلم المطلق بذوات الأسباب إلى المبادئ الفاعلة لهذا العلم، والمبادئ الفاعلة للغاية وضعها شروطًا للبرهان المطلق. وإذا نظرنا بأنفسنا وأردنا الوصول للشروط بتحليل الغاية، فسنصل للشروط بعينها. وذلك لأن العرض (وهو ذو السبب) إن طلبنا العلم المطلق به طلبنا العلم الضروري بوجوده في موضوعه ولمية وجوده في موضوعه والحد التام له. وقد مـر في المنشورات السابقة لـم توسيط العلة يعد من الشروط للضرورية للإجابة عن هذه المطالب الثلاثة، هذه العلة ينبغي أن تكون هي العلة واقعًا وصدقًا، ومن هنا يأتي شرط الصدق، ومن ثم ينبغي أن تكون العلة قريبة لأن القريبة فقط هي التي تستنفد بها المطالب وتزول نهائيًا، ومن هنا يأتي شرط المباشرة، ومن ثم فإن العلة من حيث هي علة أقدم بالطبع وأعرف من المعلول، ومن هنا أتى شرط الأقدمية والأعرفية. بمجرد تحليل طبيعة العلم المطلق بالعرض ذي السبب، وصلنا إلى أن البرهان المطلق على ذي السبب ينبغي أن يكون من مبادئ هي: (١) صادقة، (٢) علة، (٣) مباشرة، (٤) أقدم، (٥) أعرف.

[قاعدة ذوات الأسباب عند أرسطو] إن الغاية الرئيسة من صناعة البرهان عند أرسطو هي تعلم كيفية تحصيل العلم المطلق بالأعراض ذوات الأسباب. والعلم المطلق كما ذكرت هو العلم الضروري المستنفد لجميع المطالب العلمية، فما هي المطالب العلمية التي ترتبط بالعرض ذي السبب؟ وكيف يمكن أن نأتي بقياس يستنفد جميع هذه المطالب؟ المطالب الرئيسة التي ترتبط بالعرض ذي السبب: (١) هل هو موجود في موضوعه؟ (٢) ولـم هو موجود في موضوعه؟ (٣) وماهو حده التام؟ والجواب عن هذه المطالب الرئيسة كلها معًا وبنحوٍ ضروري (=تحصيل العلم المطلق) لا يكون إلا عن طريق معرفة السبب. وذلك لأن وجود السبب في الموضوع يستلزم وجود العرض المُسبَّب فيه، وهذا جواب عن المطلب الأول، ومجرَّد العلم بالسبب مجيب عن لـمية وجود العرض في الموضوع، وهذا جواب عن المطلب الثاني. وأما الجواب عن المطلب الثالث فهذا من جهة أن الحدود التامّة لذوات الأسباب تتضمن أسبابها ولذلك إن كنا نجهل السبب فلن نجهل مجرَّد وجود العرض في موضوعه ولمية وجوده في موضوعه، ولكننا أيضًا سنجهل الحدّ التام للعرض. ولكن إذا كنا نعلم بالسبب فلن نعلم فقط بوجود العرض في موضوعه ولمية وجوده في موضوعه بل أيضًا سنعلم الحد التام للعرض. وهذا هو الأصل في قاعدة ذوات الأسباب: ذوات الأسباب لا تُعلم بالعلم المطلق إلا بأسبابها، وذلك لأن الأسباب تفيد وجود ذوات الأسباب في موضوعتها ولمية وجودها في موضوعاتها وتُكمِّل حدودها فتصير حدودًا تامّة، مما يستلزم أن تستنفد جميع المطالب العلمية وهو الذي به يتحقق العلم المطلق.

[العلم المطلق أخص من العلم الضروري] وذلك لأن العلم الضروري قد يكون تامًّا مستنفدًا لجميع المطالب العلمية بحيث لا يبقى جهل يُطلب رفعه، وهذا هو العلم المطلق. ولكنه قد يكون ناقصًا يبقى معه طلب علمي غير مجاب عنه، وهذا هو العلم الضروري الناقص.

[أقسام البرهان عند إبن سينا وعند أرسطو] يُقسِّم إبن سينا البرهان باعتبار أنه بالمعنى العام قياس ينتقل فيه ضمن محور السببية: فإما ينتقل فيه من العلة إلى المعلول فهو (١) برهان اللم، أو ينتقل فيه من المعلول إلى العلة فهو (٢) برهان الإن الدليل، أو ينتقل فيه من المعلول الأول إلى المعلول الثاني كلاهما لعلة واحدة وهو (٣) برهان الإن المطلق. ولكن باعتبار أن المفيد لليقين المضاعف من بين هذه الأدلة الثلاثة – بناء على قاعدة ذوات الأسباب السينوية – هو برهان اللم فقط، فإن البرهان بالمعنى الأخص (وهو القياس المفيد لليقين المضاعف) ليس إلّا برهان اللم. وأمّا عند أرسطو فإنه يُقسِّم البرهان بالمعنى الأعم، وهو البرهان المفيد لليقين المضاعف بلحاظ الغاية: فإنه إما يفيد العلم المطلق فهو (١) البرهان المطلق وإما لا يفيد العلم المطلق وإنما يفيد مجرد اليقين المضاعف غير المطلق، فهو (٢) برهان الوجود. بناء على قاعدة ذوات الأسباب الأصلية البرهان الذي يفيد العلم المطلق هو البرهان بتوسيط العلة القريبة فقط، فكل برهان على ذي سبب لا يكون بتوسيط العلة القريبة فهو يقع تحت برهان الوجود. فيقع تحت برهان الوجود كل برهان يفيد علمًا ضروريًا غير مطلق، مثل (٢.١) البرهان بتوسيط المعلول (والذي يسميه إبن سينا برهان الإن الدليل) و (٢.٢) البرهان بتوسيط العلة البعيدة، و(٢.٣) برهان الردّ إلى المحال.

[الغاية الرئيسة: اليقين المضاعف أم العلم المطلق] وضع إبن سينا في برهان الشفاء أن الغاية الرئيسة من صناعة البرهان هي تحصيل اليقين المضاعف، ومن هنا فإن البرهان على الحقيقة هو القياس المفيد لليقين المضاعف. فإذا أردنا أن نحصِّل اليقين المضاعف بـذوات الأسباب، مالذي ينبغي علينا أن نشترطه في ذلك البرهان حتى يكون مفيدًا لهذه الغاية؟ للإجابة عن هذا السؤال وضع إبن سينا قاعدة: ذوات الأسباب لا تُعلَم يقينًا مضاعفًا إلا من طريق العلم بأسبابها. فالجواب إذن: حتى نحصِّل اليقين المضاعف بذوات الأسباب يجب أن نشترط توسيط العلة. وبهذا صار البرهان على الحقيقة هو برهان اللم، ولم تكن البراهين الأخرى التي لا يكون الأوسط فيها سببًا لذي السبب براهين على الحقيقة. فإذا تمهد هذا، يجب أن نكشف عن أن الذي مرّ مبنى سينوي خاص، وهو مخالف للمبنى الذي عليه الجمهور من المشائين. وذلك من جهتين: الأولى: أن الغاية الرئيسة من صناعة البرهان هي تحصيل العلم المطلق، لا تحصيل اليقين المضاعف، والعلم المطلق أخصّ من اليقين المضاعف، والقياس المفيد للعلم المطلق هو البرهان المطلق، وأما القياس المفيد لليقين المضاعف فهو مطلق البرهان، ومطلق البرهان الذي ليس ببرهان مطلق هو برهان الوجود. الثانية: قاعدة ذوات الأسباب السينوية ليست قاعدة معتبرة عند المشائين، والجمهور على كذبها. وتوضيح الجهة الثانية اختصارًا: القاعدة الأصل: ذوات الأسباب لا تُعلَم بالعلم المطلق إلّا من طريق أسبابها الذاتية. وقد وضع إبن سينا اليقين المضاعف (العام) مكان العلم المطلق (الخاص)، فاختلفت القاعدة وتحرَّفت عن أصلها. وفي المنشورات القادمة تفصيل هذا الإجمال كله.

[تمهيد لبحث عام في صناعة البرهان] قبل إضافة أي أطراف أخرى لهذا الجدال الدائر حول المنهج الاستدلالي في العلوم الرياضية... وبعبارة أخرى، قبل توسيع دائرة البحث بتكثير الحجج والآراء والردود والأجوبة... يجب أولًا أن نبين بعض الأسس المهمة في صناعة البرهان، لأن هذا الجدال من أوله إلى آخره في الحقيقة ليس سوى اختبار لفهمنا لصناعة البرهان. فإنه عبارة عن مقايسة منهج استدلالي عام بأحد العلوم الخاصة، هل هذا المنهج الاستدلالي العام (الذي هو بالفعل وبنحوٍ واضح منهج لكثير من العلوم الخاصة) منهج لخصوص هذا العلم الخاص أم لا؟ فإن كان هناك انطباق وكان المنهج الرياضي هو بعينه المنهج البرهاني المشائي مخصصًا بالمادة الرياضية، فعلينا أن نبين ذلك وكيف يكون؟ وإن لم يكن ينطبق فعلينا أن نجيب عن لـم لا ينطبق؟

وبهذا أكون قد بينت أدلة الطرفين الرئيسين في هذا النزاع: – الطرف الأول المتمثل بـ أليسنادرو بيكولوميني يمنع وجود البراهين المطلقة على الإطلاق. – والطرف الثاني المتمثل بـ فرانسيسكو باروسي يوجب وجود بعض البراهين المطلقة بالإضافة لبراهين الوجود. وأزعم ابتداءً من دون أن أتطرق للتقييم التفصيلي في هذه المرحلة من الطرح: أن بيكولوميني أطول الإثنين في المنطق باعًا وأرحبهم في المعالي ذراعًا. وعلى الرغم من ذلك يبدو أن الواحد منهما لم يحز الحق كله، وإن كان لأحدهما الحظ الأعظم منه، ومجموع الحق الذي عندهما يقترب من مساواة الحق كله. فليوظَّف هذا الجدل وليستعان به حتى يتوصل إلى الحق في هذا الصراع، كما كانت طريقة أرسطوطاليس، بطرح المذاهب المتضادة، والتفتيش عن الحق الذي فيها مع جمعه، والكشف عن الباطل لإزاحته، حتى يكون الجدل مقرِّبًا للوصول إلى الدليل الحاسم للنزاع.

[رد باروسيوس الجملي على بيكولوميني] بينت قبل قليل رد باروسي/باروسيوس التفصيلي على أدلة بيكولوميني الخمسة، ولم أكن قد بينت الرد الإجمالي السابق على الرد التفصيلي. قبل أن تطرق بيكولوميني لأدلته الخمسة التفصيلية بيّن أن البرهان المطلق لو كان موجودًا في الهندسة لكان إما بتوسيط العلة الفاعلية أو الغائية أو المادية أو الصورية. ومن ثم أبطل توسيط العلل الفاعلية والغائية والمادية، وقال نصًا "سأثبت بطلان توسيط العلة الصورية". وبعد ذلك مباشرة قام بتقرير أدلته الخمسة على عدم وجود البراهين المطلقة في الهندسة. قال باروسيوس ما حاصله: هذه الأدلة الخمسة لا تثبت امتناع وجود البرهان المطلق بتوسيط العلة الصورية، وأنما تثبت أن البرهان المطلق لا يوجد في الهندسة على الإطلاق. فإن قال بيكولوميني: بينت مسبقًا امتناع توسيط العلل الفاعلية والغائية والمادية، وهنا بينت امتناع وجود البرهان المطلق بتوسيط مطلق العلة، فيلزم أيضًا امتناع توسيط العلة الصورية. ردّ عليه باروسيوس: هذا استدلال دوريّ؛ لأنه لما أراد من البداية أن يثبت عدم وجود البرهان المطلق أراد تبيينه بتوسيط عدم وجود أي من العلل الأربعة، فإذا أراد أن يبين عدم وجود البرهان بتوسيط العلة الصورية بتوسيط عدم وجود البرهان المطلق ارتكب دورًا وبين الشيء بنفسه.

[رد باروسيوس على حجة بيكولوميني الخامسة] حجة بيكولوميني: كثير من أصول إقليدس قد تكون مبادئ لبعضها البعض، فيلزم أن لا تكون براهينها بتوسيط العلل الحقيقية، إذ يمتنع أن يكون الشيء علة لنفسه، وللشيء الواحد حد واحد. رد بارسيوس: مسلَّم في خصوص مسائل العكوس الكلية؛ فإن المسألة العكس لو تبرهنت بالبرهان المستقيم بتوسيط الأصل للزم الذي ذكر، وبالتالي لا تكون هذه البراهين موسط فيها علل حقيقية. وقد تنبه برقلس إلى هذا إذ ذكر أن جميع العكوس الكلية التي تبرهنت بأصولها، براهينها ليست مستقيمة وليست بتوسيط العلل الحقيقية، وإنما بالردّ إلى المحال. ولكن على الرغم من ذلك لا يوجد ما يمنع برهنة الأصل ببرهان مستقيم توسط فيه علة حقيقية، وأيضًا لا يوجد ما يمنع برهنة العكس الكلي لا بتوسيط الأصل ولا بالخلف، وإنما بمستقيم بتوسيط علة أخرى دون توسيط الأصل.

[رد باروسيوس على الحجة الرابعة] حجة بيكولوميني الرابعة: الأكبر في البرهان المطلق يساوي الأصغر وينعكس عليه عكسًا كليًّا في الحمل، ولكن بسلطة سيمبليسيوس، ليس الأمر في الرياضيات كذلك. ردّ باروسيوس: فلنفرض صحة ما ذكره سيمبليسيوس [من أن الشكل القطاع (المثلث رباعي الأضلاع كما يسميه برقلس) مجموع زواياه الداخلية كقائمتين]. ولكن بعض المسائل الرياضية يساوي فيها الأكبر الاصغر وينعكس عليه في الحمل، وهذا يكفي.

[رد باروسيوس على الحجة الثالثة] حجة بيكولوميني الثالثة: (الكبرى) كل حد أوسط مباشر يوسط في البرهان المطلق على المسألة الواحدة فإنه واحد لا يوجد غيره، (الصغرى) ولكن الخواص الرياضية ليس لها حد أوسط مباشر واحد. رد باروسيوس: الصغرى ممنوعة؛ لأنه على الرغم من أنه لا يوجد فعل في الكمية وبالتالي لا تكون الخواص الرياضية نابعة من صور الموضوع بحسب ترتيب أقدمية الفعل، ولكنها تنبع بحسب ترتيب أقدمية البراهين والعلل التي تبين وجود هذه الخواص لموضوعاتها. وأما استشهاده بسلطة أفلاطون وبرقلس، من أن البراهين الكثيرة على الخواص الرياضية في رتبة واحدة، فلم يقولوا إن تلك البراهين كلها على أعلى درجة من الكمال.

[رد باروسيوس على الحجة الثانية] حجة بيكولوميني الثانية: (الكبرى) كل برهان مطلق حده الأوسط علة قريبة للعرض، (الصغرى) ولاشيء من البراهين الرياضية كذلك. رد باروسيوس: أولًا نمنع الصغرى لأننا قد بينا براهين هندسية بتوسيط العلة الصورية القريبة وبتوسيط العلة المادية القريبة. وثانيًا نناقض قوله إن المقدار لا يفعل وليس مبدأ للفعل، بأن الرياضيات إذ تتناول الصور فأكثر العلل فيها صورية، ويمكننا أن نستشهد ببعض النصوص من شرح برقلس حيث يبين فيها أن بعض الصور علل لبعض الخواص.