المنهج العلمي الواقعي | علي آل شُبَّر
Відкрити в Telegram
قناة علمية أنشر فيها بعض الأفكار والنتائج المنطقية والرياضية والطبيعية سواء التي أجدها عند الغير أو التي أكتشفها بالتأمل المستقل.
Показати більшеКраїна не вказанаКатегорія не вказана
939
Підписники
+324 години
+647 днів
+7830 день
Архів дописів
[إشارة في العلة الخارجية]
ذكرت أن العلة في البرهان المطلق هي العلة الخارجية، وهي ليست صورية ولا مادية.
هذه العلة قد تكون علة فاعلية على أن يؤخذ الفعل بمعناه العام وهو استلزام الفاعل للمفعول، وهذا أعم من الفعل بالتحريك أو بغير التحريك.
وقد طرحت أمثلة في علم الأمراض (الباثولوجيا) للبراهين بتوسيط العلل الفاعلية.
وقد تكون عللا غائية مثل قولك:
الصغرى: المائع يطلب الاتزان الحراري.
الكبرى: كل ما يطلب الاتزان الحراري تنتقل فيه الحرارة.
النتيجة: المائع تنتقل فيه الحرارة.
وهذا البرهان يتضمن الحدّ التام للحمل الحراري (Convective Heat Transfer) إذ هو عبارة عن: انتقال الحرارة في المائع طلبًا للاتزان الحراري.
وأيضًا مثل قولك:
الصغرى: المائع يطلب اتزان القوة الكيميائية (Chemical Potential).
الكبرى: وكل ما يطلب اتزان القوة الكيميائية تنتقل فيه المواد.
النتيجة: المائع تنتقل فيه المواد.
وهذا يتضمن الحد التام للانتشار (Diffusive Mass Transfer) إذ هو: انتقال المواد في المائع طلبًا لاتزان القوة الكيميائية.
____
ملاحظة مختصرة: اختلاف القوة الكيميائية (Chemical Potential) وطلب اتزانها، عبارة عن اختلاف ما نسميه (Partial Molar Gibbs Free Energy)، وهذا هو المحرِّك الحقيقي لانتقال المادة (Mass Transfer).
وأما ما يقال في الكتب المشهورة والمتداولة وما يذكره أستاذة الجامعة من أنه اختلاف التركيز (Concentration) فهذا اختصار مخل، وهو أخذ لما يصاحب العلة في أكثر الأحيان مكان العلة.
[دليل زائد يُضَمّ مع أدلة بيكولوميني]
أقول [أنا صاحب القناة]:
[الكبرى]
كل علم تكون الأعراض فيه معلومة بالحد الناقص ابتداءً فيتمم الحدّ بالعلّة الموجدة للأعراض في موضوعاتها فإنه علم منهجه التحليلات الثانية.
[صغرى]
لا شيء من العلم الرياضي أعراضه معلومة بالحد الناقص ابتداء فيتمم الحد بالعلة الموجدة للأعراض في موضوعاتها.
[أدلة المقدمتين]
دليل الكبرى: التمهيد المنطقي.
دليل الصغرى: الاستقراء التام لجميع المبادئ والنظريات الرياضية.
وهذا ما أردت بيانه (QED).
[ختام التمهيد المنطقي]
فلتسمى كل علة ليست بمادية ولا صورية بالعلة الخارجية، فإذن البرهان المطلق يكون بتوسيط العلة الخارجية.
فليكن هذا آخر ما أكتبه في صناعة البرهان، إذ بما كتبت الكفاية في تقييم الآراء التي ذكرها الباحثون عن يقينية العلوم الرياضية.
[حكاية وردُّ جواب]
كنت قبل مدة من الزمن في مجلس بعض المشايخ من العلماء الكبار والمحققين في المنطق والفلسفة الإلهية والعرفان النظري، وقد طرحتُ عليه الإشكال على توسيط العلة الصورية.
فأجاب مرتجلًا الجواب: إن توسيط مبدأ الإشتقاق لإثبات المشتق للموضوع توسيط للعلة الصورية للمشتق، وليس الأوسط هو الأكبر تمامًا وبعينه بحيث تلزم المصادرة على المطلوب.
– وذلك كتوسيط البياض لإثبات الأبيض، وتكون الصغرى بحمل الاشتقاق (حمل ذي هو).
وكنت قد تعجبت من سرعة بديهته واتقاد ذهنه وشدّة ذكائه – سلّمه الله وزاده علمًا – إذ أجاب بسرعة كأن لا زمان بين السؤال والجواب.
إلا أنني أدركت حينها وبشكل مباشر عدم صحة الجواب – وقد أضمرت ذلك في نفسي – وذلك لأن الأوسط ليس بأوضح من الأكبر، فلا مفر من المصادرة.
[دفع وهم واشتباه]
قد يظن البعض أن توسيط فصل الموضوع الذي يقوم من حده مقام الصورة هو توسيط للعلة الصورية، وأن توسيط جنس الموضوع الذي يقوم من حده مقام المادة هو توسيط للعلة المادية.
وهذا ناشئ عن غفلة، فإن النظر كما قلت مرارًا متوجه نحو العرض لا نحو الموضوع، فالعلة علة العرض.
فإن كانت صورية فهي صورة العرض لا صورة الموضوع، وإن كانت مادية فهي مادة العرض لا مادة الموضوع.
[لا برهان بتوسيط العلة الصورية أو المادية]
ربما لا يسعنا الآن إلا موافقة جاكوبو زاباريلا فيما ذكره في المقالة الثانية من كتاب الحد الأوسط في البرهان، إذ تناول فيه أنواع العلل.
– من الظاهر أن العلة الصورية للعرض ليست إلا صورته التي هي الحدّ الأكبر، ولذلك يمتنع توسيط العلة الصورية للعرض في البرهان، لأنه سيلزم منه اتحاد الأكبر مع الأوسط، وهذه مصادرة على المطلوب.
– ومن الظاهر أن العلة المادية للعرض ليست إلا الموضوع الذي هو الحدّ الأصغر، ولذلك يمتنع توسيط العلة المادية للعرض في البرهان، لأنه سيلزم منه اتحاد الأصغر مع الأوسط، وهذه مصادرة على المطلوب.
فإذن العلة التي هي الحد الأوسط في البرهان المطلق لا تكون صورية أو مادية.
[تنوع الأعراض ذوات الأسباب]
مع انحفاظ الصورة العرضية العامة بوصفها جنسًا فإن العرض يتنوع بحسب: (١) اختلاف موضوعه، (٢) واختلاف سببه.
ولنأخذ مثالًا في علم الأمراض (ولا ينبغي أن يشدد في دقة المثال): إن الإلتهاب (Inflammation) بوصفه الصورة الإلتهابية العامة جنس لأمراض كثيرة.
منها بحسب تعيُّن الموضوع: الإلتهاب الرئوي (Pneumonia).
ولكن لا يصير العرض متحصلًا تحصلًا تامًّا بتحصُّل الصورة والمادة فقط، فإنه يحتاج إلى تحصل السبب.
ومن فإن الإلتهاب الرئوي يتنوع بحسب تنوع أسبابه إلى أنواع منها:
– الإلتهاب الرئوي الكلايميدي (Chlamydial pneumonia) وهو مسبب عن بكتيريا الكلايميديا.
– الإلتهاب الرئوي النوموكوكالي (pneumococcal pneumonia) وهو مسبب عن بكتيريا بإسم (Streptococcus).
– الإلتهاب الرئوي نوموسايتس جيروفيتشي (Pneumocystis jirovecii pneumonia) وهو مسبب عن الفطريات (P. jirovecii).
فإذن هذه ثلاثة أعراض مختلفة تشترك في الصورة العرضية باعتبار العموم، وتتميز بالصورة العرضية المخصصة بخصوص السبب والموضوع، والحد التام لكل واحد منها يتألف من الصورة العرضية والموضوع والسبب.
[العموم والخصوص في الصورة العرضية]
ذكرتُ أن الصورة العرضية عبارة عن الجنس العام للعرض، وأنها تتخصص بالموضوع والسبب فتصير مساوية للعرض.
إذن فليكن للصورة اعتباران: (١) الصورة العرضية باعتبار العموم، (٢) والصورة العرضية باعتبار الخصوص.
الصورة العرضية باعتبار العموم عبارة عن الصورة العرضية من حيث هي لا بشرط موضوع خاص أو سبب خاص، وهي بهذا الاعتبار جنس العرض.
أمّا الصورة العرضية باعتبار الخصوص فهي عبارة عن الصورة العرضية المقيدة بـموضوعٍ ما وسببٍ ما، فهي بهذا الاعتبار الجنس المقيَّد المساوي للعرض.
كما أن للصورة العرضية أمور تخصها من حيث هي مباينة لسائر الصور العرضية الأخرى، فإن لها خصوصيات تلحقها بسبب قابلية موضوعها الخاص وفاعلية سببها الخاص.
وقد يجوز للصورة العرضية بالاعتبار الأول أكثر من حد أوسط واحد وأكثر من موضوع واحد.
ولكن الصورة العرضية بالاعتبار الثاني ليس لها إلّا موضوع واحد وسبب واحد، ومن هنا فإن العرض الواحد بإزاءه علة واحدة وبرهان مطلق واحد وحد تام واحد.
[الحدّ التام للعرض ذي السبب]
قد علمنا أن البرهان المطلق عبارة عن إثبات الصورة العرضية لـموضوعها الأول بتوسيط سببها الأول القريب المباشر.
فليُستظهر أن الحد التام للعرض يتألف من: (١) الصورة العرضية، (٢) الموضوع الأوَّل، (٣) السبب المباشر.
والصورة العرضية عبارة عن حقيقة العرض التي بها يكون هو هو بالفعل، ولكنها هي الأمر العام الذي يتخصص بالسبب وبالموضوع.
والموضوع بالقياس إلى الصورة العرضية مادة خارجية، من جهة أنه قابل بالذات للصورة العرضية ومحلّ لها.
وأما السبب الخارجي فهو العلة التامة لوجود الصورة العرضية في مادتها الخارجية.
وهذه الثلاثة إن ركبت تركيبًا تقييديًّا بتقديم الصورة أولًا ثم المادّة الخارجية ثانيًا ثم السبب الخارجي ثالثًا صارت هي الحدّ التام للعرض.
[الأوسط علة للأكبر في نفسه]
من المسائل التي خالف فيها إبن سينا مشهور المشائين عدم اشتراطه أن يكون الأوسط علة للعرض في نفسه في البرهان المطلق، بل يكفي عنده أن يكون علة لوجود العرض في موضوعه.
وحتى نعرف الحق في هذه المسألة يكفي أن نلتفت إلى أن المقصود بالذات هو العلم المطلق بالعرض، فكل ما يجب حتى يستفاد العلم المطلق بالعرض فهو من شروط البرهان المطلق.
ومن الظاهر أن الأوسط إن لم يكن علة للعرض في نفسه، لم نستفد العلم المطلق بالعرض.
وذلك لأن العرض ابتداء معلوم بالحد الناقص، فإذا لم يكن الأوسط علة له في نفسه لم يكن مأخوذًا في حدّه، فلا يكون الأوسط متممًا للنقصان التصوري، فلا يكون مجيبًا عن جميع المطالب العلمية التي منها المطلب التصوري، فلا يستفاد العلم المطلق.
ومن هنا نعلم وجوب اشتراط أن يكون الأوسط علة للعرض في نفسه، وذلك لأن به وفقط به يستفاد العلم المطلق بالعرض ذي السبب.
فضلًا عن أن الصورة العرضية من حيث هي عرضية تتحد علة وجودها في نفسها مع علة وجودها في موضوعها، لا تتصور المغايرة، فإن وجودها في موضوعها هو بسبب وجود علتها في نفسها في موضوعها.
[البرهان والحد: بنحوٍ مُجمَل]
عادة ما تُدرَك العلاقة بين الحد والبرهان [خصوص البرهان على ذوات الأسباب] بنحوٍ تفصيلي في المباحث المرتبطة بالمقالة الثانية من التحليلات الثانية.
ولكن من الظاهر أننا يمكن لنا أن نشير إلى هذه العلاقة بنحوٍ عام ومجمل في البداية، حتى قبل أن نبدأ باكتشاف شروط البرهان [خصوص البرهان على ذوات الأسباب]
وذلك بتحليل مفهوم العلم المطلق بالقياس للعرض ذي السبب، وقد قمت بذلك في المنشورات السابقة، وبينت أن العلم المطلق يتضمن العلم بالحد التام، وبينت أن الحد الأوسط الذي هو علة قريبة مباشرة يفيد علمًا مطلقًا بالعرض ذي السبب.
من هنا يتضح لنا أن الحد التام للعرض ذي السبب يمتنع أن يكون معلومًا ابتداء لو أردنا أن يكون العرض مطلوبًا في العلم؛
وذلك لأنه لو كان معلومًا ابتداءً لكانت العلة الداخلة في حدِّه التام والتي هي الحدّ الأوسط المكسِب للأجوبة على المطالب الثلاثة معلومة ابتداء، فإذن سيكون العلم المطلق معلوم ابتداء، ولا يمكننا أن نطلب العلم بالمعلوم المطلق.
ولكن أيضًا يمتنع أن يكون ذلك العرض مجهولًا مطلقًا، إذ يمتنع علينا أن نتوجه لطلب أمر نجهله على الإطلاق.
إذن وبالضرورة إن العرض الذي يتناوله البرهان الأرسطي يجب أن يكون في صدر العلم موضوعًا بالحد الناقص، وبالتالي يبقى مجهولًا من وجه، فيكون مطلوبًا.
فإذا أقمنا البرهان المطلق أفدنا تلك العلة التي هي عبارة عن الجزء الذي كان مفقودًا من الحدّ التام، فصارت هذه العلة بعينها الحد الأوسط للبرهان المطلق وجزء الحد الأخير أو المتمم للعرض.
وقبل أن نتطرق للمسائل التالية في هذه الصناعة، فلنسأل: ماذا لو كان علم من العلوم جميع الحدود المصدَّرة فيه وإن كانت حدودًا بشرح الإسم، ولكنها تامّة كاملة، فإذا أقيم البرهان على الوجود، صارت بعينها ومن دون زيادة شيء هي الحدود التامة الحقيقية؟ هل يكون العرض في ذلك العلم من ذوات الأسباب؟!
ولكن لن نستعجل الجواب.
[مطلق الضرورة والضرورة المطلقة]
عند التأمل في كلمات أبي عليّ في برهان الشفاء نجده في كثير من الأحيان لا يعتد بشرط الأولية بالنحو الذي قرره أرسطو في التحليلات الثانية.
فإن أبا عليّ لا يتشدد في المساواة والانعكاس، ويجيز حمل العام على الخاص، ولا يطعن ذلك عنده في الحمل الضروري، ولا يطعن عنده في برهانية القياس.
وعندي أن الشيخ أبا عليّ قد حاز الحق المطلق، ولكن حازه المشاؤون المخالفون له أيضًا، وذلك لأن الضرورة المقوِّمة لمطلق البرهان عند المشائين أخصّ من الضرورة المقوِّمة للبرهان عند إبن سينا.
واختلاف الغاية يستلزم بالضرورة اختلاف المبادئ التي بها توجد تلك الغاية، واختلاف المبادئ الفاعلة للغاية هو بعينه اختلاف شروط البرهان.
إن أردت الحق الذي لا مثنوية فيه، إن مطلق البرهان عند أرسطو هو القياس المفيد للنتيجة الضرورية بالضرورة المطلقة المزدوجة بين الموضوع والمحمول.
ولكن البرهان عند إبن سينا هو القياس المفيد للنتيجة الضرورية لا بشرط الإطلاق والازدواج؛ فهي ضرورة من جهة استلزام الموضوع للمحمول بعينه بلا اعتبار استلزام المحمول للموضوع بعينه من عدم استلزامه.
ولذلك كان مقتضى حكم العقل في برهان أرسطو كون الأولية شرطًا ضروريًّا، ومقتضى حكم العقل في برهان إبن سينا عدم كون الأولية شرطًا ضروريًّا، ولا تدافع بين المذهبين بعد العلم بعمومية غاية إبن سينا.
[شروط مطلق البرهان عند أرسطو]
بعدما فرغ أرسطو من تناول البرهان المطلق وشروطه في الفصل الثاني من المقالة الأولى من التحليلات الثانية، أراد في الفصل الرابع أن يتناول مطلق البرهان.
ومطلق البرهان هو القياس المفيد للعلم الضروري بذوات الأسباب، وإذ النتيجة ضرورية، فلابد أن تكون المقدمات كذلك ضرورية.
وضرورة المقدمات تستفاد من الشروط الثلاثة: (١) المقولية على الكل، (٢) الذاتية، (٣) الأولية.
فإذن كل قياس مقدماته ضرورية (بتحقق الشروط الثلاثة) فهو قياس مفيد العلم اليقيني الضروري، وبعبارة أخرى هو قياس برهاني.
وهذا القياس البرهاني الذي تتحقق في مقدماته الشروط الثلاثة لا يخلو إمّا أن تتحقق فيه جميع الشروط الخمسة (أو الستة) السابق ذكرها في الفصل الثاني أو لا.
فإن تحققت جميع تلك الشروط فهو البرهان المطلق، وإن لم تتحقق جميع تلك الشروط فهو برهان الوجود.
وينقسم برهان الوجود (إلى أقسامه المشهورة وليست هي جميع الأقسام الممكنة):
– بحسب تخلُّف شرط العلية (فقط) إلى البرهان بتوسيط المعلول المباشر.
– بحسب تخلف شرط المباشرة (فقط) إلى البرهان بتوسيط العلة البعيدة.
ويدخل تحت براهين الوجود البرهان الراد إلى المحال، وهذه كلها تفيد عند المشائين علمًا ضروريًّا إن استوفت الشروط، ولكنها لا تفيد العلم المطلق، وسبب عدم إفادتها العلم المطلق ظاهر.
وأما عند إبن سينا فلا يفيد العلم الضروري عنده إلا برهان اللم، بخلاف بقية المشائين.
[شروط البرهان المطلق عند أرسطو]
فإذن لـما تقرر أن عندنا ذوات أسباب نطلب العلم بها، والعلم الذي نقصده في هذه الصناعة إمّا العلم المطلق أو مطلق العلم الضروري.
أراد أرسطو أن يكتشف شروط البرهان المفيد للعلم المطلق، وشروط البرهان المفيد للعلم الضروري.
وضع أرسطو الفصل الثاني من المقالة الأولى من التحليلات الثانية لاكتشاف شروط البرهان المطلق، وذلك بالانتقال من غاية البرهان المطلق ألا وهي العلم المطلق بذوات الأسباب إلى المبادئ الفاعلة لهذا العلم، والمبادئ الفاعلة للغاية وضعها شروطًا للبرهان المطلق.
وإذا نظرنا بأنفسنا وأردنا الوصول للشروط بتحليل الغاية، فسنصل للشروط بعينها.
وذلك لأن العرض (وهو ذو السبب) إن طلبنا العلم المطلق به طلبنا العلم الضروري بوجوده في موضوعه ولمية وجوده في موضوعه والحد التام له.
وقد مـر في المنشورات السابقة لـم توسيط العلة يعد من الشروط للضرورية للإجابة عن هذه المطالب الثلاثة، هذه العلة ينبغي أن تكون هي العلة واقعًا وصدقًا، ومن هنا يأتي شرط الصدق، ومن ثم ينبغي أن تكون العلة قريبة لأن القريبة فقط هي التي تستنفد بها المطالب وتزول نهائيًا، ومن هنا يأتي شرط المباشرة، ومن ثم فإن العلة من حيث هي علة أقدم بالطبع وأعرف من المعلول، ومن هنا أتى شرط الأقدمية والأعرفية.
بمجرد تحليل طبيعة العلم المطلق بالعرض ذي السبب، وصلنا إلى أن البرهان المطلق على ذي السبب ينبغي أن يكون من مبادئ هي: (١) صادقة، (٢) علة، (٣) مباشرة، (٤) أقدم، (٥) أعرف.
[قاعدة ذوات الأسباب عند أرسطو]
إن الغاية الرئيسة من صناعة البرهان عند أرسطو هي تعلم كيفية تحصيل العلم المطلق بالأعراض ذوات الأسباب.
والعلم المطلق كما ذكرت هو العلم الضروري المستنفد لجميع المطالب العلمية، فما هي المطالب العلمية التي ترتبط بالعرض ذي السبب؟ وكيف يمكن أن نأتي بقياس يستنفد جميع هذه المطالب؟
المطالب الرئيسة التي ترتبط بالعرض ذي السبب: (١) هل هو موجود في موضوعه؟ (٢) ولـم هو موجود في موضوعه؟ (٣) وماهو حده التام؟
والجواب عن هذه المطالب الرئيسة كلها معًا وبنحوٍ ضروري (=تحصيل العلم المطلق) لا يكون إلا عن طريق معرفة السبب.
وذلك لأن وجود السبب في الموضوع يستلزم وجود العرض المُسبَّب فيه، وهذا جواب عن المطلب الأول، ومجرَّد العلم بالسبب مجيب عن لـمية وجود العرض في الموضوع، وهذا جواب عن المطلب الثاني.
وأما الجواب عن المطلب الثالث فهذا من جهة أن الحدود التامّة لذوات الأسباب تتضمن أسبابها
ولذلك إن كنا نجهل السبب فلن نجهل مجرَّد وجود العرض في موضوعه ولمية وجوده في موضوعه، ولكننا أيضًا سنجهل الحدّ التام للعرض.
ولكن إذا كنا نعلم بالسبب فلن نعلم فقط بوجود العرض في موضوعه ولمية وجوده في موضوعه بل أيضًا سنعلم الحد التام للعرض.
وهذا هو الأصل في قاعدة ذوات الأسباب:
ذوات الأسباب لا تُعلم بالعلم المطلق إلا بأسبابها، وذلك لأن الأسباب تفيد وجود ذوات الأسباب في موضوعتها ولمية وجودها في موضوعاتها وتُكمِّل حدودها فتصير حدودًا تامّة، مما يستلزم أن تستنفد جميع المطالب العلمية وهو الذي به يتحقق العلم المطلق.
[العلم المطلق أخص من العلم الضروري]
وذلك لأن العلم الضروري قد يكون تامًّا مستنفدًا لجميع المطالب العلمية بحيث لا يبقى جهل يُطلب رفعه، وهذا هو العلم المطلق.
ولكنه قد يكون ناقصًا يبقى معه طلب علمي غير مجاب عنه، وهذا هو العلم الضروري الناقص.
[أقسام البرهان عند إبن سينا وعند أرسطو]
يُقسِّم إبن سينا البرهان باعتبار أنه بالمعنى العام قياس ينتقل فيه ضمن محور السببية:
فإما ينتقل فيه من العلة إلى المعلول فهو (١) برهان اللم، أو ينتقل فيه من المعلول إلى العلة فهو (٢) برهان الإن الدليل، أو ينتقل فيه من المعلول الأول إلى المعلول الثاني كلاهما لعلة واحدة وهو (٣) برهان الإن المطلق.
ولكن باعتبار أن المفيد لليقين المضاعف من بين هذه الأدلة الثلاثة – بناء على قاعدة ذوات الأسباب السينوية – هو برهان اللم فقط، فإن البرهان بالمعنى الأخص (وهو القياس المفيد لليقين المضاعف) ليس إلّا برهان اللم.
وأمّا عند أرسطو فإنه يُقسِّم البرهان بالمعنى الأعم، وهو البرهان المفيد لليقين المضاعف بلحاظ الغاية:
فإنه إما يفيد العلم المطلق فهو (١) البرهان المطلق وإما لا يفيد العلم المطلق وإنما يفيد مجرد اليقين المضاعف غير المطلق، فهو (٢) برهان الوجود.
بناء على قاعدة ذوات الأسباب الأصلية البرهان الذي يفيد العلم المطلق هو البرهان بتوسيط العلة القريبة فقط، فكل برهان على ذي سبب لا يكون بتوسيط العلة القريبة فهو يقع تحت برهان الوجود.
فيقع تحت برهان الوجود كل برهان يفيد علمًا ضروريًا غير مطلق، مثل (٢.١) البرهان بتوسيط المعلول (والذي يسميه إبن سينا برهان الإن الدليل) و (٢.٢) البرهان بتوسيط العلة البعيدة، و(٢.٣) برهان الردّ إلى المحال.
[الغاية الرئيسة: اليقين المضاعف أم العلم المطلق]
وضع إبن سينا في برهان الشفاء أن الغاية الرئيسة من صناعة البرهان هي تحصيل اليقين المضاعف، ومن هنا فإن البرهان على الحقيقة هو القياس المفيد لليقين المضاعف.
فإذا أردنا أن نحصِّل اليقين المضاعف بـذوات الأسباب، مالذي ينبغي علينا أن نشترطه في ذلك البرهان حتى يكون مفيدًا لهذه الغاية؟
للإجابة عن هذا السؤال وضع إبن سينا قاعدة: ذوات الأسباب لا تُعلَم يقينًا مضاعفًا إلا من طريق العلم بأسبابها.
فالجواب إذن: حتى نحصِّل اليقين المضاعف بذوات الأسباب يجب أن نشترط توسيط العلة.
وبهذا صار البرهان على الحقيقة هو برهان اللم، ولم تكن البراهين الأخرى التي لا يكون الأوسط فيها سببًا لذي السبب براهين على الحقيقة.
فإذا تمهد هذا، يجب أن نكشف عن أن الذي مرّ مبنى سينوي خاص، وهو مخالف للمبنى الذي عليه الجمهور من المشائين.
وذلك من جهتين:
الأولى: أن الغاية الرئيسة من صناعة البرهان هي تحصيل العلم المطلق، لا تحصيل اليقين المضاعف، والعلم المطلق أخصّ من اليقين المضاعف، والقياس المفيد للعلم المطلق هو البرهان المطلق، وأما القياس المفيد لليقين المضاعف فهو مطلق البرهان، ومطلق البرهان الذي ليس ببرهان مطلق هو برهان الوجود.
الثانية: قاعدة ذوات الأسباب السينوية ليست قاعدة معتبرة عند المشائين، والجمهور على كذبها.
وتوضيح الجهة الثانية اختصارًا:
القاعدة الأصل: ذوات الأسباب لا تُعلَم بالعلم المطلق إلّا من طريق أسبابها الذاتية.
وقد وضع إبن سينا اليقين المضاعف (العام) مكان العلم المطلق (الخاص)، فاختلفت القاعدة وتحرَّفت عن أصلها.
وفي المنشورات القادمة تفصيل هذا الإجمال كله.
[تمهيد لبحث عام في صناعة البرهان]
قبل إضافة أي أطراف أخرى لهذا الجدال الدائر حول المنهج الاستدلالي في العلوم الرياضية...
وبعبارة أخرى، قبل توسيع دائرة البحث بتكثير الحجج والآراء والردود والأجوبة...
يجب أولًا أن نبين بعض الأسس المهمة في صناعة البرهان، لأن هذا الجدال من أوله إلى آخره في الحقيقة ليس سوى اختبار لفهمنا لصناعة البرهان.
فإنه عبارة عن مقايسة منهج استدلالي عام بأحد العلوم الخاصة، هل هذا المنهج الاستدلالي العام (الذي هو بالفعل وبنحوٍ واضح منهج لكثير من العلوم الخاصة) منهج لخصوص هذا العلم الخاص أم لا؟
فإن كان هناك انطباق وكان المنهج الرياضي هو بعينه المنهج البرهاني المشائي مخصصًا بالمادة الرياضية، فعلينا أن نبين ذلك وكيف يكون؟ وإن لم يكن ينطبق فعلينا أن نجيب عن لـم لا ينطبق؟
