en
Feedback
مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

Open in Telegram

قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.

Show more
550
Subscribers
+224 hours
+237 days
+13630 days
Posts Archive
هذه الآيات من سورة العنكبوت تؤسس قاعدة عظيمة في فهم الحياة: فليس كل من قال آمنت صادقًا، وليس كل من عصى ناجيًا، ولكن الله يمتحن القلوب ويُمهل العصاة ثم يأتي اليوم الذي تظهر فيه نتائج الامتحان! فلا يلومن الظالم إلا نفسه..! والسعيد من فهم سنة الله في الابتلاء، وخاف من الاغترار بالإمهال. نعوذ بالله من سوء المنقلب! ثم يقول الله عز وجل ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ العنكبوت: 5] بعد أن بيّنت الآيات سنة الابتلاء وتمييز الصادق من الكاذب، وأن أهل المعاصي لا يفلتون من عدل الله، تنتقل الآيات إلى توجيه القلوب إلى الغاية الكبرى من هذا الطريق كله، وهي لقاء الله عز وجل. وهذه الآية تخاطب القلوب المؤمنة التي تحب الله وتشتاق إلى قربه وتسعى إلى رضاه سبحانه. فكأن الله يقول: يا من ترجون لقائي وتحبون قربي، أبشروا… فإن موعد اللقاء آتٍ لا محالة. فاللقاء مع الله ليس وهمًا ولا أمنية بعيدة، بل حقيقة قادمة لا بد أن يصل إليها كل إنسان. وكل ما هو آتٍ فهو قريب، وإن بدا بعيدًا في أعين الناس. وعندما يتذكر المؤمن أن نهاية الطريق هي لقاء ربه، فإن ذلك يغير نظرته إلى الحياة كلها. فيصبح الابتلاء عنده طريقًا إلى القرب من الله، والصبر وسيلة للفوز بلقائه، والطاعة دليل محبة لا مجرد تكليف. ولهذا جاء في الحديث عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”. صحيح مسلم. لكن الآية تشير إلى حقيقة دقيقة: ليس كل من قال إنه يحب الله صادقًا في دعواه. ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يسمع أقوال الناس ويعلم ما في قلوبهم. فقد يقول الإنسان: “أنا أحب الله وأرجو لقاءه”، لكن قلبه مشغول بالدنيا، وأعماله بعيدة عن الطاعة وسيرته منحرفة عن الاستقامة. والله يعلم الصادق في شوقه والكاذب في دعواه. جعلنا الله من أهل الشوق للقائه جل جلاله. ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [ العنكبوت: 6] فالطريق إلى الله يحتاج إلى جهاد لذلك تأتي الآية التالية لتبين أن الوصول إلى هذا اللقاء لا يكون بالأماني فقط بل طريقه وسبيله الجهاد..! بكل أنواعه وأشكاله. فالإيمان طريق فيه جهاد مستمر. جهاد النفس التي تميل إلى الراحة والكسل، وجهاد الشيطان الذي يزين المعصية ويحرف المسير، وجهاد أعداء الدين الذين يصدون عن الحق ويفسدون في الأرض. ولهذا كانت حياة المؤمن معركة مستمرة مع الهوى والباطل. وأول معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع نفسه. فالنفس بطبعها: تميل إلى الشهوة وتتثاقل عن الطاعة وتبحث عن الراحة. ولهذا يحتاج المؤمن إلى الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على البلاء. وهذه الأنواع الثلاثة من الصبر هي أساس جهاد النفس. وتختم الآية بحقيقة عظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي أن الله غني عن عباده الذين خلق! فلا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، فهو سبحانه كامل في ملكه وكماله. لكن الطاعة والجهاد في سبيله نفعها كله يعود إلينا نحن، فهي تطهر قلوبنا وترفع درجاتنا وتقرّبنا من لقاء ربنا عز وجل. والله يأمرنا بما هو رحمةً لنا، ومن عصاه ظلم نفسه. والله هو الغني! كما قال موسى عليه السلام: “إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ” [إبراهيم: 8]. وإذا جمعنا هذه الآيات المتتابعة من سورة العنكبوت، وجدنا أنها ترسم منهج الطريق إلى الله: الإيمان لا بد أن يُمتحن بالابتلاء. والفتن تكشف الصادق من الكاذب. وأهل المعاصي لن يفلتوا من عدل الله. والغاية من هذا الطريق هي لقاء الله. والوصول إلى هذا اللقاء يحتاج إلى جهاد وصبر. فالدنيا كلها رحلة قصيرة، والسعيد من سار فيها: صابرًا على الابتلاء مجاهدًا للنجاة بنفسه مشتاقًا إلى لقاء ربه. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ العنكبوت: 7] وبعد أن بينت الآيات السابقة حقيقة الابتلاء، وكشفت وهم الإفلات من العقاب، ووجهت القلوب إلى الشوق للقاء الله، وأمرت بالمجاهدة في طريقه، تأتي هذه الآية لتفتح باب الرجاء العظيم لكل من سار في هذا الطريق. ولم يقل الله: “والذين آمنوا” فقط، بل قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ فالإيمان في القرآن ليس مجرد فكرة في العقل أو شعور في القلب فحسب، بل هو: اعتقاد في القلب وقول باللسان وعمل بالجوارح. ولهذا كان العمل الصالح دليل صدق الإيمان، كما أن الثمرة دليل على حياة الشجرة. ومن أعظم البشارات في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾

قالَ صلى الله عليه وسلم: “كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”. صحيح البخاري. قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ والله سبحانه يعلم كل شيء قبل وقوعه، لكن هذا العلم هنا علم ظهور وبيان؛ أي ليظهر للناس من هو الصادق ومن هو الكاذب. فكم من إنسان يتكلم عن الصبر قبل البلاء ويتحدث عن الثبات قبل الفتنة لكنه عندما تأتي المحنة يتغير حاله. تخذله نفسه وأعماله، ويخذله ظلمه وارتيابه، نسأل الله السلامة. وقد قضت العادة أن يتشابه الناس في أوقات الرخاء ، لكن في أوقات الفتن تظهر معادنهم الحقيقية. فالصادق إذا ابتُلي: ازداد قربًا من الله وتمسك بدينه أكثر وصبر واحتسب، أما الكاذب: فيتراجع أو يساوم على دينه أو يبيع مبادئه لأجل الدنيا. ولهذا كانت الشدائد هي اللحظة التي يولد فيها الصدق الحقيقي. وهذه الفتن التي تتوالى، تعمل في الأمة عمل الغربال: ترفع أهل الصدق وتكشف أهل النفاق وتنقي الصفوف كما ينبغي، ولهذا كثيرًا ما تكون المحن سببًا في نهضة الأمة وقوتها، لأن الصفوف بعدها تصبح أكثر صدقًا وصلابة. ولذلك أيضا يوصف الابتلاء بعملية تنقية الذهب بالنار. فالذهب حين يدخل النار: يذوب وتخرج الشوائب ويبقى المعدن الخالص. وكذلك القلوب: تظهر فيها الشكوك وتنفضح فيها النيات ويبقى الإيمان الصادق. فالبلاء للقلوب كالدواء للأبدان، يخرج أمراضها. وهذه الآيات لا تدعو إلى طلب الفتن، ولكنها تعلم المؤمن كيف يفهمها عندما تقع. فالمؤمن يسأل الله العافية، لكنه إذا ابتُلي يصبر ويثبت لأنه يعلم أن هذا الطريق هو الطريق الذي سار عليه الصالحون قبله. وسبيل إثبات صدقه حقًا. وهاتان الآيتان ترسمان قاعدة عظيمة في حياة المؤمن: الإيمان دعوى يجيدها الجميع والابتلاء امتحان يمر به الجميع، والثبات دليل الصدق لا ينجح فيه إلا الصادق حقًا! فمن صبر على الفتن وثبت على الطاعة كان من الصادقين الذين رضي الله عنهم. أما من انهار عند أول اختبار فقد كشف الابتلاء حقيقة إيمانه. ولهذا كان دعاء المؤمنين دائمًا: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. ثم يقول الله عز وجل ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [ سورة العنكبوت: 4] بعد أن بينت الآيات السابقة حقيقة الابتلاء للمؤمنين وتمييز الصادق من الكاذب، جاءت هذه الآية لتكشف وهمًا آخر يقع فيه أهل المعاصي والباطل، وهو ظنهم أن بإمكانهم الإفلات من عدل الله عز وجل. فكثير من أهل المعاصي حين يرون أنفسهم: يفعلون السيئات ولا يعاقَبون فورًا وتستمر حياتهم كما هي يظنون أن الأمر قد انتهى، وأنهم نجوا من الحساب. لكن الله يرد على هذا الوهم بقوله: ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي: هل يظنون أنهم سيفلتون من قدرة الله أو يسبقون عقابه؟ وهذا ظن فاسد، لأن الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ومن أعظم الأخطاء أن يظن العاصي أن استمراره على راحته وهو يذنب دون عقاب، يعني رضا الله عنه. فالواقع أن الله قد يمهل ويؤخر ويعطي الفرصة، لكن ذلك ليس إهمالًا، بل استدراج أو إمهال للحساب. وما أعظم سنة الاستدراج! فإذا رأيت الله يعطي العبد على معصيته ما يحب، فاعلم أنه استدراج. والمعاصي غالبًا تنشأ من تصورات خاطئة في القلب. فمن يظن أن الله لا يرى أو لا يحاسب أو أن العقوبة بعيدة، أو أنه يمكن التفلت من رقابة الله أو أن الله يخلف وعده! فإنه يجرؤ على الذنب. ولهذا قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ما أسوأ هذا الظن وما أفسد هذا الحكم، لأنه يتضمن: إنكار قدرة الله والغفلة عن حكمته والتوهم أن الإنسان يستطيع الهروب من الحساب. والإنسان الذي يتكبر بالمعصية ويتوهم الإفلات من العقاب في غاية الضعف. إذ يكفي مرض صغير ليعجزه، وحادث لحظة يقلب حياته، أو موت يأتيه فجأة! فكيف يتوهم هذا الضعيف أنه يستطيع الفرار من ملكوت الله جل جلاله؟ ولهذا العاصي في الحقيقة لا يقوى على معصيته، لكنه يقوى عليها بغفلة قلبه. وهكذا ترسم الآيات صورة متكاملة للحياة الإيمانية: المؤمن يُبتلى ليظهر صدقه، والمدّعي يُكشف عند الفتنة، وأهل المعاصي لن ينجوا من حساب الله، فالدنيا ميدان امتحان للجميع: امتحان للمؤمن بالصبر، وامتحان للعاصي بالإمهال، وفي النهاية سيظهر الحق وتنكشف الحقائق. وكلُّ وما قدمت يداه!

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ إنَّ من أكثر ما يبعث الهيبة في القلب عند تدبّر آيات الإيمان، وآيات المعية الربانية، وفضائل الاستقامة؛ ذلك الحديث المتكرر عن الامتحان والتمحيص، وعن كشف ما تخفيه الصدور. إنه الحديث عن الابتلاءات والفتن التي تمتحن حقيقة الإيمان قبل كل شيء، وتُظهر صدق الدعوى من زيفها. فليس الإيمان مجرد ادعاء يُعلن، بل هو طريق يُختبر فيه القلب وتُمتحن فيه النفس. ولهذا افتتحت سورة العنكبوت آياتها بهذه الحقيقة العظيمة التي تستدعي الوقوف والتدبر والاتعاظ. إنها تذكّرنا أن سلعة الله غالية … بل غالية جدًا، وأن مراتب القبول والرضوان عند الله عز وجل رفيعة سامية، لا يبلغها إلا من صدق مع الله، وثبت عند الفتنة، وصبر في طريق الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [ العنكبوت: 2] هذه الآية العظيمة ترسم قانونًا ربانيًا ثابتًا في طريق الإيمان؛ وهو أن الإيمان دعوى تحتاج إلى برهان. فهل ظن الناس أن مجرد قولهم آمنا يكفي دون امتحان؟ بل هو حقيقة يبرهن عليها الصبر والثبات عند الشدائد. ولهذا يأتي الابتلاء ميزانًا يكشف صدق القلوب. فكما أن الذهب لا يُعرف خالصه إلا بالنار، كذلك الإيمان لا يُعرف صدقه إلا بالابتلاء. والابتلاء سنة إلهية لا تتخلف، وقد بيّن الله أن حكمته تقتضي الامتحان، لأن بدون الابتلاء لا يتميز الصادق من الكاذب. فالفتن ليست علامة غضب بالضرورة، بل هي سنة ربانية في تمحيص المؤمنين. ولهذا ابتُلي الأنبياء وهم خير الخلق: فابتُلي نوح بتكذيب قومه وابتُلي إبراهيم بالنار وابتُلي موسى بفرعون وابتُلي محمد ﷺ بالأذى والحصار. فمن ظن أن طريق الإيمان مفروش بالراحة فقط لم يفهم سنن الله في عباده. والفتنة نوعان: شبهات وشهوات وفتنة الشبهات: هي ما يطرأ على القلب من شكوك واعتراضات على العقيدة. وفتنة الشهوات: هي ما يدعو النفس إلى المعاصي ويصرفها عن الطاعة. فمن ثبت أمام الشبهات بالعلم واليقين، وثبت أمام الشهوات بالصبر والتقوى، فهذا دليل صدق إيمانه. والابتلاء يكشف حقيقة القلب لأن الرخاء تزدهر فيه الادعاءات بدون برهان صدق. لكن المحنة تكشف: من يزداد قربًا من الله ومن يفر إلى المعصية، ومن يثبت ومن ينهار، من يشتد يقينه ومن يرتاب! فالبلاء يمحص الرجال كما تمحص النار الذهب. ودرجات الناس في الصبر مختلفة، فليس الناس في مواجهة الفتن سواء، بل هم على مراتب: فمنهم من يثبت ويزداد إيمانًا، ومنهم من يضعف ثم يعود، ومنهم من يسقط عند أول اختبار, ولذلك على العبد أن يكثر من سؤال الله الثبات على دينه. فالثبات نعمة عظيمة لا يملكها العبد بنفسه، بل هي توفيق من الله سبحانه. وفي الابتلاء تربية إيمانية لما يحمله من تربية للنفس: إذ يطهر القلب من النفاق ويقوي الصلة بالله ويعلم النفس الصبر واليقين ويرفع الدرجات بقدر إخلاص الدين لله، والرضا بما تثخن في النفس الأقدار، ولهذا كان البلاء للمؤمن ارتقاءً إذا صبر واحتسب. فلا بد أن تعي أيها المسلم، أيتها المسلمةـ أن طريق الإيمان طريق اختبارـ والفتن ميزان الصدق، والثبات أعظم علامة على صحة الإيمان. فمن أراد الجنة فليعلم أن الطريق إليها يمر عبر الصبر على الفتن. ولو ترك الناس بلا ابتلاء لادعى الإيمان كل أحد، ولكن البلاء يميز أهل الصدق من أهل الدعوى. ولكل مقدمات، يُكرم لها المرء أو يُهان! ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [ العنكبوت: 3] فإن كانت الآية الأولى قد قررت أن الإيمان لا بد أن يُمتحن، فإن هذه الآية جاءت لتؤكد حقيقة أخرى عظيمة، وهي أن الابتلاء ليس أمرًا جديدًا ولا استثناءً لهذه الأمة، بل هو سنة قديمة في جميع المؤمنين عبر التاريخ. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: لقد امتحنا واختبرنا الأمم السابقة كما نختبر هذه الأمة. لذلك على المؤمن حين يبتلى أن يعلم أنه يسير في طريق الأنبياء والصالحين، وليس في طريق مهجور. ولقد ابتُلي المؤمنون قبلنا: بالسجون وبالتعذيب وبالتشريد وبقتل الأحباب وبالحصار وبالمطاردة وبمحاربة عقيدتهم حتى وصل الأمر كما في وصف الحديث أن يقطعوا بالمناشير! ومع ذلك ثبتوا، فكان ابتلاؤهم طريقًا إلى رفعة درجاتهم وخلود ذكرهم. عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ إنَّ من أكثر ما يبعث الهيبة في القلب عند تدبّر آيات الإيمان، وآيات المعية الربانية، وفضائل الاستقامة؛ ذلك الحديث المتكرر عن الامتحان والتمحيص، وعن كشف ما تخفيه الصدور. إنه الحديث عن الابتلاءات والفتن التي تمتحن حقيقة الإيمان قبل كل شيء، وتُظهر صدق الدعوى من زيفها. فليس الإيمان مجرد ادعاء يُعلن، بل هو طريق يُختبر فيه القلب وتُمتحن فيه النفس. ولهذا افتتحت سورة العنكبوت آياتها بهذه الحقيقة العظيمة التي تستدعي الوقوف والتدبر والاتعاظ. إنها تذكّرنا أن سلعة الله غالية … بل غالية جدًا، وأن مراتب القبول والرضوان عند الله عز وجل رفيعة سامية، لا يبلغها إلا من صدق مع الله، وثبت عند الفتنة، وصبر في طريق الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [ العنكبوت: 2] هذه الآية العظيمة ترسم قانونًا ربانيًا ثابتًا في طريق الإيمان؛ وهو أن الإيمان دعوى تحتاج إلى برهان. فهل ظن الناس أن مجرد قولهم آمنا يكفي دون امتحان؟ بل هو حقيقة يبرهن عليها الصبر والثبات عند الشدائد. ولهذا يأتي الابتلاء ميزانًا يكشف صدق القلوب. فكما أن الذهب لا يُعرف خالصه إلا بالنار، كذلك الإيمان لا يُعرف صدقه إلا بالابتلاء. والابتلاء سنة إلهية لا تتخلف، وقد بيّن الله أن حكمته تقتضي الامتحان، لأن بدون الابتلاء لا يتميز الصادق من الكاذب. فالفتن ليست علامة غضب بالضرورة، بل هي سنة ربانية في تمحيص المؤمنين. ولهذا ابتُلي الأنبياء وهم خير الخلق: فابتُلي نوح بتكذيب قومه وابتُلي إبراهيم بالنار وابتُلي موسى بفرعون وابتُلي محمد ﷺ بالأذى والحصار. فمن ظن أن طريق الإيمان مفروش بالراحة فقط لم يفهم سنن الله في عباده. والفتنة نوعان: شبهات وشهوات وفتنة الشبهات: هي ما يطرأ على القلب من شكوك واعتراضات على العقيدة. وفتنة الشهوات: هي ما يدعو النفس إلى المعاصي ويصرفها عن الطاعة. فمن ثبت أمام الشبهات بالعلم واليقين، وثبت أمام الشهوات بالصبر والتقوى، فهذا دليل صدق إيمانه. والابتلاء يكشف حقيقة القلب لأن الرخاء تزدهر فيه الادعاءات بدون برهان صدق. لكن المحنة تكشف: من يزداد قربًا من الله ومن يفر إلى المعصية، ومن يثبت ومن ينهار، من يشتد يقينه ومن يرتاب! فالبلاء يمحص الرجال كما تمحص النار الذهب. ودرجات الناس في الصبر مختلفة، فليس الناس في مواجهة الفتن سواء، بل هم على مراتب: فمنهم من يثبت ويزداد إيمانًا، ومنهم من يضعف ثم يعود، ومنهم من يسقط عند أول اختبار, ولذلك على العبد أن يكثر من سؤال الله الثبات على دينه. فالثبات نعمة عظيمة لا يملكها العبد بنفسه، بل هي توفيق من الله سبحانه. وفي الابتلاء تربية إيمانية لما يحمله من تربية للنفس: إذ يطهر القلب من النفاق ويقوي الصلة بالله ويعلم النفس الصبر واليقين ويرفع الدرجات بقدر إخلاص الدين لله، والرضا بما تثخن في النفس الأقدار، ولهذا كان البلاء للمؤمن ارتقاءً إذا صبر واحتسب. فلا بد أن تعي أيها المسلم، أيتها المسلمةـ أن طريق الإيمان طريق اختبارـ والفتن ميزان الصدق، والثبات أعظم علامة على صحة الإيمان. فمن أراد الجنة فليعلم أن الطريق إليها يمر عبر الصبر على الفتن. ولو ترك الناس بلا ابتلاء لادعى الإيمان كل أحد، ولكن البلاء يميز أهل الصدق من أهل الدعوى. ولكل مقدمات، يُكرم لها المرء أو يُهان! ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [ العنكبوت: 3] فإن كانت الآية الأولى قد قررت أن الإيمان لا بد أن يُمتحن، فإن هذه الآية جاءت لتؤكد حقيقة أخرى عظيمة، وهي أن الابتلاء ليس أمرًا جديدًا ولا استثناءً لهذه الأمة، بل هو سنة قديمة في جميع المؤمنين عبر التاريخ. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: لقد امتحنا واختبرنا الأمم السابقة كما نختبر هذه الأمة. لذلك على المؤمن حين يبتلى أن يعلم أنه يسير في طريق الأنبياء والصالحين، وليس في طريق مهجور. ولقد ابتُلي المؤمنون قبلنا: بالسجون وبالتعذيب وبالتشريد وبقتل الأحباب وبالحصار وبالمطاردة وبمحاربة عقيدتهم حتى وصل الأمر كما في وصف الحديث أن يقطعوا بالمناشير! ومع ذلك ثبتوا، فكان ابتلاؤهم طريقًا إلى رفعة درجاتهم وخلود ذكرهم. عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟

قالَ صلى الله عليه وسلم: “كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”. صحيح البخاري. قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ والله سبحانه يعلم كل شيء قبل وقوعه، لكن هذا العلم هنا علم ظهور وبيان؛ أي ليظهر للناس من هو الصادق ومن هو الكاذب. فكم من إنسان يتكلم عن الصبر قبل البلاء ويتحدث عن الثبات قبل الفتنة لكنه عندما تأتي المحنة يتغير حاله. تخذله نفسه وأعماله، ويخذله ظلمه وارتيابه، نسأل الله السلامة. وقد قضت العادة أن يتشابه الناس في أوقات الرخاء ، لكن في أوقات الفتن تظهر معادنهم الحقيقية. فالصادق إذا ابتُلي: ازداد قربًا من الله وتمسك بدينه أكثر وصبر واحتسب، أما الكاذب: فيتراجع أو يساوم على دينه أو يبيع مبادئه لأجل الدنيا. ولهذا كانت الشدائد هي اللحظة التي يولد فيها الصدق الحقيقي. وهذه الفتن التي تتوالى، تعمل في الأمة عمل الغربال: ترفع أهل الصدق وتكشف أهل النفاق وتنقي الصفوف كما ينبغي، ولهذا كثيرًا ما تكون المحن سببًا في نهضة الأمة وقوتها، لأن الصفوف بعدها تصبح أكثر صدقًا وصلابة. ولذلك أيضا يوصف الابتلاء بعملية تنقية الذهب بالنار. فالذهب حين يدخل النار: يذوب وتخرج الشوائب ويبقى المعدن الخالص. وكذلك القلوب: تظهر فيها الشكوك وتنفضح فيها النيات ويبقى الإيمان الصادق. فالبلاء للقلوب كالدواء للأبدان، يخرج أمراضها. وهذه الآيات لا تدعو إلى طلب الفتن، ولكنها تعلم المؤمن كيف يفهمها عندما تقع. فالمؤمن يسأل الله العافية، لكنه إذا ابتُلي يصبر ويثبت لأنه يعلم أن هذا الطريق هو الطريق الذي سار عليه الصالحون قبله. وسبيل إثبات صدقه حقًا. وهاتان الآيتان ترسمان قاعدة عظيمة في حياة المؤمن: الإيمان دعوى يجيدها الجميع والابتلاء امتحان يمر به الجميع، والثبات دليل الصدق لا ينجح فيه إلا الصادق حقًا! فمن صبر على الفتن وثبت على الطاعة كان من الصادقين الذين رضي الله عنهم. أما من انهار عند أول اختبار فقد كشف الابتلاء حقيقة إيمانه. ولهذا كان دعاء المؤمنين دائمًا: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. ثم يقول الله عز وجل ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [ سورة العنكبوت: 4] بعد أن بينت الآيات السابقة حقيقة الابتلاء للمؤمنين وتمييز الصادق من الكاذب، جاءت هذه الآية لتكشف وهمًا آخر يقع فيه أهل المعاصي والباطل، وهو ظنهم أن بإمكانهم الإفلات من عدل الله عز وجل. فكثير من أهل المعاصي حين يرون أنفسهم: يفعلون السيئات ولا يعاقَبون فورًا وتستمر حياتهم كما هي يظنون أن الأمر قد انتهى، وأنهم نجوا من الحساب. لكن الله يرد على هذا الوهم بقوله: ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي: هل يظنون أنهم سيفلتون من قدرة الله أو يسبقون عقابه؟ وهذا ظن فاسد، لأن الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ومن أعظم الأخطاء أن يظن العاصي أن استمراره على راحته وهو يذنب دون عقاب، يعني رضا الله عنه. فالواقع أن الله قد يمهل ويؤخر ويعطي الفرصة، لكن ذلك ليس إهمالًا، بل استدراج أو إمهال للحساب. وما أعظم سنة الاستدراج! فإذا رأيت الله يعطي العبد على معصيته ما يحب، فاعلم أنه استدراج. والمعاصي غالبًا تنشأ من تصورات خاطئة في القلب. فمن يظن أن الله لا يرى أو لا يحاسب أو أن العقوبة بعيدة، أو أنه يمكن التفلت من رقابة الله أو أن الله يخلف وعده! فإنه يجرؤ على الذنب. ولهذا قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ما أسوأ هذا الظن وما أفسد هذا الحكم، لأنه يتضمن: إنكار قدرة الله والغفلة عن حكمته والتوهم أن الإنسان يستطيع الهروب من الحساب. والإنسان الذي يتكبر بالمعصية ويتوهم الإفلات من العقاب في غاية الضعف. إذ يكفي مرض صغير ليعجزه، وحادث لحظة يقلب حياته، أو موت يأتيه فجأة! فكيف يتوهم هذا الضعيف أنه يستطيع الفرار من ملكوت الله جل جلاله؟ ولهذا العاصي في الحقيقة لا يقوى على معصيته، لكنه يقوى عليها بغفلة قلبه. وهكذا ترسم الآيات صورة متكاملة للحياة الإيمانية: المؤمن يُبتلى ليظهر صدقه، والمدّعي يُكشف عند الفتنة، وأهل المعاصي لن ينجوا من حساب الله، فالدنيا ميدان امتحان للجميع: امتحان للمؤمن بالصبر، وامتحان للعاصي بالإمهال، وفي النهاية سيظهر الحق وتنكشف الحقائق. وكلُّ وما قدمت يداه!

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ إنَّ من أكثر ما يبعث الهيبة في القلب عند تدبّر آيات الإيمان، وآيات المعية الربانية، وفضائل الاستقامة؛ ذلك الحديث المتكرر عن الامتحان والتمحيص، وعن كشف ما تخفيه الصدور. إنه الحديث عن الابتلاءات والفتن التي تمتحن حقيقة الإيمان قبل كل شيء، وتُظهر صدق الدعوى من زيفها. فليس الإيمان مجرد ادعاء يُعلن، بل هو طريق يُختبر فيه القلب وتُمتحن فيه النفس. ولهذا افتتحت سورة العنكبوت آياتها بهذه الحقيقة العظيمة التي تستدعي الوقوف والتدبر والاتعاظ. إنها تذكّرنا أن سلعة الله غالية … بل غالية جدًا، وأن مراتب القبول والرضوان عند الله عز وجل رفيعة سامية، لا يبلغها إلا من صدق مع الله، وثبت عند الفتنة، وصبر في طريق الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [ العنكبوت: 2] هذه الآية العظيمة ترسم قانونًا ربانيًا ثابتًا في طريق الإيمان؛ وهو أن الإيمان دعوى تحتاج إلى برهان. فهل ظن الناس أن مجرد قولهم آمنا يكفي دون امتحان؟ بل هو حقيقة يبرهن عليها الصبر والثبات عند الشدائد. ولهذا يأتي الابتلاء ميزانًا يكشف صدق القلوب. فكما أن الذهب لا يُعرف خالصه إلا بالنار، كذلك الإيمان لا يُعرف صدقه إلا بالابتلاء. والابتلاء سنة إلهية لا تتخلف، وقد بيّن الله أن حكمته تقتضي الامتحان، لأن بدون الابتلاء لا يتميز الصادق من الكاذب. فالفتن ليست علامة غضب بالضرورة، بل هي سنة ربانية في تمحيص المؤمنين. ولهذا ابتُلي الأنبياء وهم خير الخلق: فابتُلي نوح بتكذيب قومه وابتُلي إبراهيم بالنار وابتُلي موسى بفرعون وابتُلي محمد ﷺ بالأذى والحصار. فمن ظن أن طريق الإيمان مفروش بالراحة فقط لم يفهم سنن الله في عباده. والفتنة نوعان: شبهات وشهوات وفتنة الشبهات: هي ما يطرأ على القلب من شكوك واعتراضات على العقيدة. وفتنة الشهوات: هي ما يدعو النفس إلى المعاصي ويصرفها عن الطاعة. فمن ثبت أمام الشبهات بالعلم واليقين، وثبت أمام الشهوات بالصبر والتقوى، فهذا دليل صدق إيمانه. والابتلاء يكشف حقيقة القلب لأن الرخاء تزدهر فيه الادعاءات بدون برهان صدق. لكن المحنة تكشف: من يزداد قربًا من الله ومن يفر إلى المعصية، ومن يثبت ومن ينهار، من يشتد يقينه ومن يرتاب! فالبلاء يمحص الرجال كما تمحص النار الذهب. ودرجات الناس في الصبر مختلفة، فليس الناس في مواجهة الفتن سواء، بل هم على مراتب: فمنهم من يثبت ويزداد إيمانًا، ومنهم من يضعف ثم يعود، ومنهم من يسقط عند أول اختبار, ولذلك على العبد أن يكثر من سؤال الله الثبات على دينه. فالثبات نعمة عظيمة لا يملكها العبد بنفسه، بل هي توفيق من الله سبحانه. وفي الابتلاء تربية إيمانية لما يحمله من تربية للنفس: إذ يطهر القلب من النفاق ويقوي الصلة بالله ويعلم النفس الصبر واليقين ويرفع الدرجات بقدر إخلاص الدين لله، والرضا بما تثخن في النفس الأقدار، ولهذا كان البلاء للمؤمن ارتقاءً إذا صبر واحتسب. فلا بد أن تعي أيها المسلم، أيتها المسلمةـ أن طريق الإيمان طريق اختبارـ والفتن ميزان الصدق، والثبات أعظم علامة على صحة الإيمان. فمن أراد الجنة فليعلم أن الطريق إليها يمر عبر الصبر على الفتن. ولو ترك الناس بلا ابتلاء لادعى الإيمان كل أحد، ولكن البلاء يميز أهل الصدق من أهل الدعوى. ولكل مقدمات، يُكرم لها المرء أو يُهان! ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [ العنكبوت: 3] فإن كانت الآية الأولى قد قررت أن الإيمان لا بد أن يُمتحن، فإن هذه الآية جاءت لتؤكد حقيقة أخرى عظيمة، وهي أن الابتلاء ليس أمرًا جديدًا ولا استثناءً لهذه الأمة، بل هو سنة قديمة في جميع المؤمنين عبر التاريخ. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: لقد امتحنا واختبرنا الأمم السابقة كما نختبر هذه الأمة. لذلك على المؤمن حين يبتلى أن يعلم أنه يسير في طريق الأنبياء والصالحين، وليس في طريق مهجور. ولقد ابتُلي المؤمنون قبلنا: بالسجون وبالتعذيب وبالتشريد وبقتل الأحباب وبالحصار وبالمطاردة وبمحاربة عقيدتهم حتى وصل الأمر كما في وصف الحديث أن يقطعوا بالمناشير! ومع ذلك ثبتوا، فكان ابتلاؤهم طريقًا إلى رفعة درجاتهم وخلود ذكرهم. عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟

ومن فقه هذه المعاني، اطمأن قلبه وأحب ربه! فسار إلى الله تعالى بكامل صدقه، وإن كان في أضعف حالات ضعفه! فنحن نسير إلى ربّنا الخبير البصير بحالنا! والصدق في جوهره، الإقبال في أي حال وكل حال! {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تنساب المعاني بهيبة لتقف عند استدعاء رمز التوحيد الخالص: إبراهيم عليه السلام. كأن الخطاب يقول: أنتم لستم طارئين على التاريخ، بل امتداد لمدرسة التوحيد الأولى. ثم: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} هذا الاسم ليس حادثًا، بل هو هوية قديمة في الكتب السابقة، ومتجددة في هذا الكتاب. و“مسلم” تعني المستسلم لله ظاهرًا وباطنًا، اختيارًا لا اضطرارًا. وهذا وصف يوجب الاعتزاز والاستعلاء بالإيمان ويوجب حفظ شرفه في النفس وبين المسلمين كافة. أمة الشهادة {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} هنا تتضح عظمة المسؤولية وهيبة الوصف: فالأمة تعبد الله عز وجل بإخلاص، وفي الوقت نفسه هي أمة شاهدة على البشرية. يشهد عليها نبيها بالبلاغ، وتشهد هي على الناس بالعدل والحق. فإذا ضعفت في أخلاقها، أو قصّرت في تبليغ رسالتها، اختلّ معنى الشهادة. وما نشأت فجيعة واقع المسلمين اليوم إلا من هذا الاختلال، وما تراجعت هيبتهم بين الأمم إلا يوم أضاعوا هذا الميزان الذي فيه عزُّهم، وبه تقوم سيادتهم. ثم ترجع الآيات لترسيخ الأمر بأركان الاستقامة العملية: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} فالصلاة صلة بالله، والزكاة صلة بالخلق. والمسلم في هذه الحياة، بين عبودية في السماء، ورحمة في الأرض. ثم ختم العظيم بالسرّ الأعظم: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} لا تعتمدوا على حولكم ولا على كثرتكم، بل على ربكم. فالنجاح ليس بقوة الوسائل، بل بصدق الالتجاء لله الواحد الأحد. ليس باعتصامكم ببعضكم البعض ولا بأسباب بين أيديكم أو في مساعيكم، إنما باعتصامكم بالله جل جلاله! وفي ذلك الإخلاص بكل هيبته وجلال قدره! لتصل المعاني إلى مرفأ الأمان الأعظم! ولاية الله عز وجل: {هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وإذا كان الله مولاك، فلن يضيعك. وإذا كان نصيرك، فلن يغلبك أحد. فكانت خاتمة السورة طمأنينة: وكأنها تقول: امضوا في طريق العبادة والجهاد والنفع للناس، مطمئنين أن لكم ربًا يتولاكم، ويكفيكم، وينصركم. فتأمل أيها المؤمن جمال هذا النور، تأمل هذا الاتساق المهيب في المعاني، يحي القلوب فتشرق يقينًا ومحبّة لله جل جلاله! معالم الطريق نجد هذه الآيات ترسم معالم الطريق كله: إقامة للصلاة بانكسار وخضوع لله عز وجل، وإخلاص العباده له وحده لا شريك له، ونفع الناس بامتداد الخير لهم، والجهاد في سبيله، بالبذل قدر الاستطاعة، والنعيم بنعمة التيسيير والحنيفية السمحة، باتباع ملة إبراهيم، والاستعلاء بالإسلام راية وهوية وعقيدة، على سبيل الحق والشهادة، بالثبات على الصلاة والزكاة والاعتصام بالله، الولي النصير عز وجل. ومن جمع هذه المعاني في حياته، فقد سلك طريق الفلاح حقًا. تربية نحن بأمس الحاجة لها ولعلّ مما ينبغي أن نقف عنده بقلوبٍ خاشعةٍ متأدبة، ترجُو صلاحها ومحبة ربها، أن التربية القرآنية في هذه السورة جاءت بنسجٍ محكمٍ لا انفصام له؛ فحيثما ذُكر التوحيد ذُكر معه الجهاد، وحيثما تقرّر التكليف تبيّن الاصطفاء والهوية المسلمة. فلا عبادة بلا رسالة، ولا جهاد بلا عقيدة، ولا اصطفاء بلا استقامة وقوة استجابة. ولذلك كان ختامها بيانًا لشرف هذه الأمة واجتبائها، وربطًا لها بملة أبيها إبراهيم عليه السلام؛ تثبيتًا لهويتها، وترسيخًا لرسالتها، حتى تعلم أن عزّها في وفائها بهذا العهد، وأن مكانتها بين الأمم مرهونة بصدق قيامها به. إنها سورة تُنشئ في المؤمن قلبًا خاشعًا لا يتكبر، وعقلاً واعيًا لا ينخدع، وروحًا مجاهدة لا تضعف، وهويةً راسخة لا تذوب. إنها سورة تربي على: الخشوع… والتعظيم… والثبات… والبذل. فنبضت آياتها توحيدُا وقوة وشهادة. فكانت بحقّ سورة البناء الشامل للأمة المؤمنة؛ بناء الإيمان في القلوب، وبناء العزة في الواقع، وبناء الشهادة على الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فاللهم ربنا ومولانا، لا إله إلا أنت، اجعلنا من خيرة أهل الإيمان والجهاد والشهادة..!

ومن فقه هذه المعاني، اطمأن قلبه وأحب ربه! فسار إلى الله تعالى بكامل صدقه، وإن كان في أضعف حالات ضعفه! فنحن نسير إلى ربّنا الخبير البصير بحالنا! والصدق في جوهره، الإقبال في أي حال وكل حال! {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تنساب المعاني بهيبة لتقف عند استدعاء رمز التوحيد الخالص: إبراهيم عليه السلام. كأن الخطاب يقول: أنتم لستم طارئين على التاريخ، بل امتداد لمدرسة التوحيد الأولى. ثم: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} هذا الاسم ليس حادثًا، بل هو هوية قديمة في الكتب السابقة، ومتجددة في هذا الكتاب. و“مسلم” تعني المستسلم لله ظاهرًا وباطنًا، اختيارًا لا اضطرارًا. وهذا وصف يوجب الاعتزاز والاستعلاء بالإيمان ويوجب حفظ شرفه في النفس وبين المسلمين كافة. أمة الشهادة {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} هنا تتضح عظمة المسؤولية وهيبة الوصف: فالأمة تعبد الله عز وجل بإخلاص، وفي الوقت نفسه هي أمة شاهدة على البشرية. يشهد عليها نبيها بالبلاغ، وتشهد هي على الناس بالعدل والحق. فإذا ضعفت في أخلاقها، أو قصّرت في تبليغ رسالتها، اختلّ معنى الشهادة. وما نشأت فجيعة واقع المسلمين اليوم إلا من هذا الاختلال، وما تراجعت هيبتهم بين الأمم إلا يوم أضاعوا هذا الميزان الذي فيه عزُّهم، وبه تقوم سيادتهم. ثم ترجع الآيات لترسيخ الأمر بأركان الاستقامة العملية: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} فالصلاة صلة بالله، والزكاة صلة بالخلق. والمسلم في هذه الحياة، بين عبودية في السماء، ورحمة في الأرض. ثم ختم العظيم بالسرّ الأعظم: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} لا تعتمدوا على حولكم ولا على كثرتكم، بل على ربكم. فالنجاح ليس بقوة الوسائل، بل بصدق الالتجاء لله الواحد الأحد. ليس باعتصامكم ببعضكم البعض ولا بأسباب بين أيديكم أو في مساعيكم، إنما باعتصامكم بالله جل جلاله! وفي ذلك الإخلاص بكل هيبته وجلال قدره! لتصل المعاني إلى مرفأ الأمان الأعظم! ولاية الله عز وجل: {هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وإذا كان الله مولاك، فلن يضيعك. وإذا كان نصيرك، فلن يغلبك أحد. فكانت خاتمة السورة طمأنينة: وكأنها تقول: امضوا في طريق العبادة والجهاد والنفع للناس، مطمئنين أن لكم ربًا يتولاكم، ويكفيكم، وينصركم. فتأمل أيها المؤمن جمال هذا النور، تأمل هذا الاتساق المهيب في المعاني، يحي القلوب فتشرق يقينًا ومحبّة لله جل جلاله! معالم الطريق نجد هذه الآيات ترسم معالم الطريق كله: إقامة للصلاة بانكسار وخضوع لله عز وجل، وإخلاص العباده له وحده لا شريك له، ونفع الناس بامتداد الخير لهم، والجهاد في سبيله، بالبذل قدر الاستطاعة، والنعيم بنعمة التيسيير والحنيفية السمحة، باتباع ملة إبراهيم، والاستعلاء بالإسلام راية وهوية وعقيدة، على سبيل الحق والشهادة، بالثبات على الصلاة والزكاة والاعتصام بالله، الولي النصير عز وجل. ومن جمع هذه المعاني في حياته، فقد سلك طريق الفلاح حقًا. تربية نحن بأمس الحاجة لها ولعلّ مما ينبغي أن نقف عنده بقلوبٍ خاشعةٍ متأدبة، ترجُو صلاحها ومحبة ربها، أن التربية القرآنية في هذه السورة جاءت بنسجٍ محكمٍ لا انفصام له؛ فحيثما ذُكر التوحيد ذُكر معه الجهاد، وحيثما تقرّر التكليف تبيّن الاصطفاء والهوية المسلمة. فلا عبادة بلا رسالة، ولا جهاد بلا عقيدة، ولا اصطفاء بلا استقامة وقوة استجابة. ولذلك كان ختامها بيانًا لشرف هذه الأمة واجتبائها، وربطًا لها بملة أبيها إبراهيم عليه السلام؛ تثبيتًا لهويتها، وترسيخًا لرسالتها، حتى تعلم أن عزّها في وفائها بهذا العهد، وأن مكانتها بين الأمم مرهونة بصدق قيامها به. إنها سورة تُنشئ في المؤمن قلبًا خاشعًا لا يتكبر، وعقلاً واعيًا لا ينخدع، وروحًا مجاهدة لا تضعف، وهويةً راسخة لا تذوب. إنها سورة تربي على: الخشوع… والتعظيم… والثبات… والبذل. فنبضت آياتها توحيدُا وقوة وشهادة. فكانت بحقّ سورة البناء الشامل للأمة المؤمنة؛ بناء الإيمان في القلوب، وبناء العزة في الواقع، وبناء الشهادة على الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فاللهم ربنا ومولانا، لا إله إلا أنت، اجعلنا من خيرة أهل الإيمان والجهاد والشهادة..!

﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ لا بد أن تقف وقفةَ خشوعٍ وتأمّلٍ أمام جلال المعاني التي تحملها سورة الحج؛ تلك السورة الجامعة المهيبة التي انتظمت فيها معاني العقيدة، ومشاهد الآخرة، وأحكام الشريعة، وروح الجهاد، في سياق قويّ يهزّ القلوب ويقيمها على طريق العزة بالإيمان، والاعتزاز بالهوية الموحدة. هي سورة جمعت بين أحكام الحج وأحكام القتال، فكانت سورةَ عزةٍ وبناءٍ للأمة؛ ربطت التشريع بالعقيدة، والعمل بالتوحيد الخالص، وأقامت بنيانها على تعظيم الله جل جلاله. فهي تُربي القلب على إجلال أمره، في الشعائر الظاهرة كما في سائر أوامر الدين. ومن عظّم شعائر الله أعزّه الله، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وسورة الحج رسّخت حقيقةً كبرى: أن القوة كلها لله، وأن العبادة لا تصرف إلا له وحده. ولقد تضمنت أول إذن للمسلمين بالجهاد، قال عز وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]. ومن هنا كان تدبّرها يصوغ في النفس تربيةً على القوة بعد مرحلة الاستضعاف، تربيةً تجمع بين صفاء العبادة وصلابة الموقف، بين الخشوع في المحراب والثبات في الميدان. وإننا اليوم لأحوج ما نكون إلى هذا الهدي، وإلى هذه التربية المهيبة التي تبني الإيمان في القلوب وتبني معه العزة في الواقع. ونحن نقف على أعتاب خواتيم هذه السورة العظيمة، نستفتح بابًا من أعمق معانيها، حيث يقول جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [ الحج: 77 – 78] تأتي هذه الآيات الجليلة في ختام سورة الحج، وكأنها وصية جامعة، تلخّص منهج المؤمن في علاقته بربه، وبنفسه، وبالناس، وبالأمة، وبالرسالة كلها. بدأ النداء بـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فهو خطاب تشريف، ويا لجلال الوصف! ثم أمرٌ بالصلاة، وخصّ منها الركوع والسجود. والركوع خضوع، والسجود ذروة الذل والانكسار. كأن الآية تقول: لن تُبنى حياة الفلاح إلا على أساس الانكسار لله عز وجل. فالذي يركع ويسجد حقًا، لا يستكبر في الأرض، ولا يعلو على الخلق، ولا يتكبر عن الحق. ثم قال: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، فوجه الفهم إلى سعة العبادة وهي أوسع من الصلاة؛ هي منهج حياة، وحضور دائم مع الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك لفتة لخصوصية الصلاة في العبادة، عماد هذا الدين. ولم يقف الخطاب عند العلاقة الخاصة بين العبد وربه، بل قال: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}. فالدين ليس حياة عزلة ضيّقة، بل أثر ممتد في الناس. ومن تأمل وجد أن الفلاح عُلِّق على مجموع الأمرين: عبادة الخالق، ونفع المخلوق. فمن عبد الله ولم يُحسن إلى عباده نقص من فلاحه، ومن أحسن إلى الناس بلا إخلاص ضاع أساسه فحُرم الخلاص! ولهذا قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، والفلاح هو الظفر بكل مطلوب والنجاة من كل مرهوب. وكأن الآية تقرر قاعدة: لا طريق للفلاح إلا بهذا التوازن الدقيق. ثم يواصل الخطاب: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}. والجهاد هنا ليس جهاد قتال فحسب، بل بذل الوسع كله في طاعة الله: بجهاد النفس والمال، بجهاد الشهوات، بجهاد الشبهات، بجهاد الدعوة والتربية، بجهاد الثبات والصبر على الأذى، بجهاد المنافقين والكافرين، بالقول والعمل والحديد! و”حق جهاده” يعني باستفراغ الطاقة فيه، لا أن يكون على الهامش أو ثانويًا لا أولوية له، بل يكون الله هو الأولوية الكبرى في القرار والاختيار. وهذه أوصاف في القرآن يتصدع لها القلب، لأنها ترسخ معاني إخلاص الدين لله عز وجل بشكل يقطع الطريق على أي استهانة بجلال شأن التوحيد وإخلاص الدين لله كاملا. وتلك الغاية الكبرى من وجودنا! وتلك أجل مقامات العبودية..! وهنا قد يتوهم السامع أن هذا تكليف عظيم يشقّ على النفوس، فجاء التطمين: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. ليتجلى جمال هذا الدين: فتكاليفه عظيمة في مقاصدها، يسيرة في أدائها. وهو دين يراعي الضعف البشري، ويشرع الرخص، ويخفف عند العجز. ومن هذه الآية انبثقت قواعد عظيمة مثل: “المشقة تجلب التيسير” و“الضرورات تبيح المحظورات”. فالجهاد المطلوب ليس فوق الطاقة، بل هو بذل المستطاع.

والمراد بالقرى أهلها؛ إذ هم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود، فأهلكهم الله بعذاب الاستئصال في الدنيا، بعد أن أقام عليهم الحجة، وأمهلهم فلم يرتدعوا. فجاءهم العذاب في الوقت الذي قدّره الله لهم، لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون، {لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. وجاء اسم الإشارة «تلك» للإيحاء ببعدهم في الزمان، وبُعد حالهم عن الحق، مع أن آثارهم كانت ماثلةً لأهل مكة، يمرّون عليها صباحًا ومساءً في أسفارهم، كما قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. فكأن الآيات تقول: العبرة بين أيديكم، والآثار شاهدة، فأين الاعتبار؟ وأما قوله: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}، فهو يدل على أن لله في كل شيء تقديرًا محكمًا؛ فالهلاك ليس فجأة بلا نظام، بل له وقت معلوم في علم الله، إما أن يكون موعدًا لإهلاكهم، أو زمنًا محددًا لا يقع قبله ولا بعده. ثم هم لم يهلكوا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم أصرّوا على المخالفة. ولكل أمة موعد، ولكل إعراض نهاية. وسنن الله لا تتبدل: إمهال… ثم إنذار… ثم أخذ. وإمهاله مرهب، وإنذاره حازم، وأخذه جل جلاله، أخذ عزيز مقتدر! وفي الختام، هكذا تُجمع الآيات بين العدل والقدر، وبين التحذير والبيان: فالقرآن قد نوّع الله فيه الأمثال، ليهتدي بها من يعقل، لكن الإنسان – بطبعه – كثير الجدل، فإذا أصرّ على المكابرة، وطمست بصيرته، لم تنفعه الآيات، وخُتم على قلبه، فكانت عاقبته النار وبئس القرار. ومع ذلك، فالله يمهل ولا يهمل؛ يفتح أبواب التوبة، ويؤخر العقوبة، لكنه لا يترك الظلم بلا حساب. فهو القائل: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}. فأين تذهب أيها الإنسان! فالقرآن أوضح الحجة، والرسل بلّغوا الرسالة، والرحمة سبقت العقوبة، والتاريخ يشهد بالنتائج. والهداية لا تحتاج ذكاءً بقدر ما تحتاج صدقاً. والنور لا يُحجب إلا عمن أعرض عنه. فاختر لنفسك موقعك قبل أن يأتي موعدك: إما قلبٌ متواضع للحق، يتلقى الذكر فيشرق به استجابة وثباتًا ويقينًا وعملًا، وإما قلبٌ مستكبر، يجادل لحظ هواه، فيُغلق على نفسه فلا يفقه ولا يستبصر بنور. والفاصل بين المصيرين… لحظة صدق مع الله جل جلاله. فالويل لكل من يضلّ الناس، ويغرّهم بالانتصار لأهوائهم على حساب الحق، وإهمال حجج القرآن العظيم! الويل لمن يمدون أيديهم في الغي، ويتغنّون بالاستكبار، ويجادلون بالباطل، ويمارسون التفلت والمراوغة! ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ولم يبقَ إلا سؤال واحد: هل نكون من أهل الجدل المستكبر … أم من أهل الاستسلام للحق المؤيّد؟ اللهم اجعلنا من أهل الصدق في سبيل الحق والشهادة!

مع هذا البيان الساطع، أبى الظالمون إلا أن يجادلوا بالباطل ليُطفئوا نور الحق، ويسعوا في نصر الزيف ما استطاعوا، ويطعنوا في الرسل وآيات الله استهزاءً وسخرية، مغترّين بما عندهم من علمٍ قاصرٍ وهوى مضلّ. ليس جدلاً بريئاً أو بحثًا عن النور، بل جدلاً مقصوداً لإسقاط الحق، بل حرباً عليه. ثم يبلغ الانحدار القاع: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾ حين تتحول آيات الله إلى مادة سخرية، يكون القلب قد بدأ يفقد قابليته للهداية بل انتكست بصيرته! لكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ويُظهر الحق على الباطل، كما قال سبحانه: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}؛ فالحق إذا واجه الباطل أرداه، وإذا لامسه أزاله. ومن تمام حكمته ورحمته أن يجعل وجود المبطلين، ومجادلتهم للحق بالباطل، سببًا في مزيد انكشاف الحق ووضوح أدلته، وافتضاح الباطل وظهور عواره؛ فبضدّها تتبيّن الأشياء، ويزداد المؤمن يقينًا، ويظهر نور الهدى أصفى وأجلى. ويزداد المنافق انكشافا! الإعراض أظلم..! ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ يخبر الله تعالى أنه لا أحد أعظم ظلمًا، ولا أشد جرمًا، ممن ذُكِّر بآيات ربه، وبُيِّن له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وأقيمت عليه الحجج، وخُوِّف ورُغِّب، ثم أعرض مستكبرًا؛ فلا هو تذكّر بما سمع، ولا رجع عما اقترف، بل نسي ما قدّمت يداه من الذنوب، وغفل عن مراقبة علام الغيوب. وهذا أشد ظلمًا من جاهلٍ لم تبلغه الآيات، وإن كان كلاهما ظالمًا؛ لأن المعصية على بصيرة وعلم أغلظ جرمًا من معصية الجهل والغفلة. ثم تأتي النتيجة المخيفة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً…﴾ فلما رضي هذا المجادل المكابر بحاله، وأصرّ على شرّه مع علمه بحقيقة مخالفته لأمر الله تعالى، عاقبه الله بأن سدّ عنه أبواب الهداية؛ فجعل على قلبه أكنّةً محكمة، تحجبه عن فهم الآيات وإن سمعها، وجعل في أذنيه وقرًا يمنعه من سماع الانتفاع والاهتداء. فإذا بلغ العبد هذه الحال، لم يبقَ إلى هدايته سبيل؛ إذ الهداية تُرجى لمن يطلبها أو يجهلها، أما من أبصر الحق ثم أعرض عنه، وعرف طريق الهدى فتركه، وسلك طريق الضلال عن علمٍ وإرادة، انتصارًا لحظّ نفسه وهواه، فإن عقوبته أن يُطبع على قلبه ويُحال بينه وبين الهداية. وفي هذه الآية أعظم زاجرٍ وتخويف: أن من ترك الحق بعد معرفته، وخالفه بعد قيام الحجة عليه، قد يُحال بينه وبين الرجوع إليه، فلا يقدر عليه بعد ذلك، فيخسر أعظم الخسارة، ويُحرم أعظم الحرمان. ولهذا نفهم لماذا أهل الباطل مستمرون في ضلالهم كلما اشتدت مكابرتهم وطال استكبارهم. وليست البداية بإغلاق القلب، بل الإعراض هو الذي يستجلب الإغلاق. فحين يعتاد الإنسان رفض الحق، يصبح غير قادر على فهمه حتى لو سمعه. وهنا مكمن الخطورة! وهو من تمام العدل مع المكابر! سعة رحمة الله ومغفرته وسط هذا المشهد الصارم، يشرق نور الرجاء: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أخبر سبحانه عن سعة مغفرته، وعظيم رحمته، وأنه يقبل التوبة عن عباده، ويغفر الذنوب مهما عظمت، فإذا رجع العبد إليه صادقًا، احتواه برحمته، وأسبغ عليه إحسانه، وبدّل خوفه أمنًا، وذنبه عفوًا. ولو أن الله يؤاخذ العباد بما كسبت أيديهم، لعجّل لهم العقوبة، ولما ترك على ظهرها من دابة، ولكنه جلّ وعلا حليمٌ لا يعجل، ستّارٌ لا يفضح، يمهل عباده لعلهم يرجعون، وينتظرهم لعلهم يتوبون. غير أن للذنوب مع الإصرار عليها، آثارًا لا بد أن تظهر، ولو بعد حين، فإن تأخر الجزاء فليس بإهمال، وإنما هو إرجاء إلى وقتٍ قدّره الله بحكمته. ولو شاء لأخذهم فوراً، لكن رحمته تسبق عقوبته. يمهل ولا يهمل. ولذلك يقول جل جلاله: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ أي لهم وقتٌ محتوم، وموقفٌ معلوم، يُجزَون فيه بأعمالهم، لا مهرب لهم منه، ولا ملجأ يلوذون به دونه، ولا محيد عن قضائه. وهذه سنته في الأولين والآخرين: لا يعاجل بالعقوبة ابتداءً، بل يدعو إلى التوبة والإنابة، ويفتح أبواب الرجاء، فمن تاب وأناب غفر له ورحمه، ورفع عنه أثر الذنب وعقوبته، ومن أصرّ على ظلمه، واستمر في عناده، حتى بلغ الأجل الذي جُعل له موعدًا، نزل به بأس الله، فإذا جاء بأسه عز وجل فلا مردّ له، ولا رادّ لقضائه. والرحمة لا تلغي العدالة بل هي من صميمها، والمهلة لا تعني النجاة بل فرصة لها. سنّة الله! ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ثم كشف سبحانه عن سنّته الجارية في الأمم، فقال: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}. فـ«تلك» إشارة إلى القرى التي طغى أهلها وبغوا، كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم، حيث لم يكن الهلاك اعتباطًا، ولا العقوبة ظلمًا، وإنما كان ثمرة ظلمٍ استحكم، وكفرٍ أصرّوا عليه، وفسوقٍ تجاوزوا به حدود ربهم.

﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ سورة الكهف، السورة العظيمة، التي ارتبطت بالحصانة من الفتنة، تذكّر المؤمنين دوما، بأن الثبات على الحق والتشبث بالهدى هما الحصن المنيع ضد أي اغترار أو ضلالة. فمن استمسك بوحي السماء ازداد يقينًا وطمأنينة، وبصيرة تسعفه للتفريق بين الحق والباطل حتى حين تظلم المشاهد ويخفت النور. قال الله جل جلاله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا (59)﴾ [الكهف] هكذا تأتي هذه الآيات من سورة الكهف، ترسم مشهداً كاملاً لمسيرة الإنسان مع الوحي: حججٌ بيّنة، وأمثالٌ متنوعة، ورسالاتٌ مبشرة ومنذرة… ثم قلوبٌ تجادل، وألسنةٌ تدحض، ونفوسٌ تعاند وتسوّف حتى يفاجئها الوعد الحق. إنها ليست قصة قومٍ مضوا، بل سنّة تتكرر في كل زمان: فالقرآن يوضّح الطريق، والإنسان يميل إلى الجدل، وبين البيان والإعراض يتحدد المصير. القرآن لا يترك عذراً ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ “صرّفنا” أي نوّعنا وكرّرنا وقرّبنا المعاني بأشكال متعددة: مرة بالمثل، ومرة بالقصة، ومرة بالوعد، ومرة بالوعيد، ومرة بمشاهد القيامة، ومرة بسنن الأمم. آيات الله تعالى حجة دائمة، فلا يبقى مجال لالتباس الحجة، ولا ضباب في طريق الهدى. لكن المشكلة ليست في قلة البيان، بل في طبيعة النفس: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ والجدل هنا ليس بحثاً عن الحق، بل محاولة للانتصار للنفس، ليس سؤالاً يريد الهداية، بل اعتراضاً يريد التملّص. وهنا يبدأ الانحراف: حين يتحول العقل من أداة فهم إلى أداة مراوغة. والقرآن يقدم تشخيصا دقيقا لدقائق الانحرافات، ولأمراض القلوب، ومسارات الخسران. ما الذي يمنع الإيمان حقاً؟ ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ ما الذي حال بينهم وبين الإيمان، وقد جاءهم الهدى واضحاً لا لبس فيه، يفرق بين النور والظلمة، والحق والباطل، والرشاد والغيّ؟ لم يكن العائق نقصَ بيان، ولا غموضَ حجة، فقد قامت عليهم حجة الله تامة، وبلغهم من الوحي ما يكفي لإيقاظ القلوب لو أرادت اليقظة. ولكن الذي صدّهم إنما هو ظلم النفوس وعدوانها، واستكبارها عن الانقياد للحق إذا خالف أهواءها. فلم يبق بعد هذا الإعراض إلا سنّة الله التي لا تتخلف، وعادته في الأولين: إذا جاءهم البيان فأعرضوا، وأمهلوا فلم يرتدعوا، أخذهم العذاب بغتة، أو أراهم بوادره مواجهةً ومعاينة، حتى لا يبقى لهم عذر ولا مهرب. فليخشَ من بلغه الهدى ثم توانى، ومن قامت عليه الحجة ثم استكبر، أن يدركه الموعد الذي لا يُرد، وأن يحيط به العذاب الذي لا يُدفع. وليبادر بالتوبة قبل أن تتحول المهلة إلى حساب، وقبل أن يصبح الندم حيث لا ينفع الندم. والآية تكشف خطورة “التسويف”؛ فالهدى قد بلغ، والاستغفار لا يزال، لكن النفس تؤخر الاستجابة حتى يغلق الباب. لماذا يجادلون؟ ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ لم يُرسِلِ اللهُ الرسلَ عبثًا، ولا ليُرفَعوا إلى مقام الألوهية، ولا ليدعوا الناس إلى تعظيم ذواتهم، وإنما بعثهم رحمةً وهدايةً؛ يدعون إلى كل خير، ويزجرون عن كل شر، ويبشّرون بالطاعة وما يترتب عليها من ثوابٍ عاجلٍ وآجل، وينذرون من المعصية وما يعقبها من عقابٍ في الدنيا والآخرة. فبذلك قامت حجة الله على العباد، وظهر الطريق واضحًا لا غموض فيه. لكن ماذا يفعل المكابرون؟ ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ قال الله جل جلاله ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [ المؤمنون: 71] من أعجب ما يقع في حياة الناس أن يُطالَب الحق أن يتبدّل ليرضي الأهواء، وأن يُراد للدين أن يتشكل بحسب الرغبات، وأن يُساق الوحي ليوافق المزاج العام. وكأن المشكلة ليست في الأهواء المنحرفة، بل في الحق الثابت! وهنا تأتي هذه الآية فاصلةً حاسمة، تقيم ميزانًا لا يتغير: الحق لا يتبع الهوى، بل الهوى هو الذي يجب أن ينقاد للحق. لماذا لا يوافق الحق أهواءهم؟ قد يقال: أليس من الأيسر أن يُجعل الحق موافقًا لأهوائهم ليؤمنوا وينقادوا؟ فيأتي الجواب الإلهي الصارم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ لأن أهواءهم ليست بريئة، ولا محايدة، بل قائمة على: شركٍ وظلمٍ وشهوةٍ وتعصبٍ! والكون إنما قام على الحق والعدل، ولو دخل عليه ميزان الهوى لاختلّ نظامه كله. واختلاف الأهواء وتضادها يجعلها عاجزة عن إقامة نظام حتى في بيت صغير، فكيف يُقام بها نظام السماوات والأرض؟ والآية تقرر قاعدة كونية عظيمة: سبيل الحق أن يُتَّبع، وسبيل الناس أن ينقادوا له. فالحق ثابت، مطلق، عادل. أما الهوى فمتغير، نسبي، متقلب. ولو كان التشريع تابعًا لأهواء البشر: لمال الحكم مع الغني دون الفقير، ولغلبت العصبية على العدالة، ولأُبيحت الشهوات بحجة الحرية، ولصار كل إنسان مشرّعًا لنفسه. وحينها لا يبقى نظام، بل فوضى. بعد هذا البيان يأتي العتاب الإلهي المؤلم: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ لم يأتهم القرآن بما يُهينهم، بل بما يرفعهم. لم يأتهم بما يُضيّق عليهم، بل بما يكرّمهم. هو ذكرهم… شرفهم… مجدهم… عزهم بين الأمم. فالقرآن ليس قيدًا، بل رفعة. ليس تضييقًا، بل هداية. ليس حرمانًا، بل تحرير من عبودية الهوى. ومع ذلك… أعرضوا عنه! فأي خسارة أعظم من أن يُعرض الإنسان عن مصدر عزّه؟ وأي حرمان أشد من أن يترك ما فيه شرفه ونجاته؟ والإعراض عن الذكر بداية انحدار. فمن أعرض عن ذكره، أعرض عن هويته. ومن أعرض عن الحق، ضاع في أهوائه. والقرآن يذكّرك: بمن أنت؟ ولماذا خُلقت؟ وإلى أين المصير؟ وحين يُترك هذا الذكر، يتيه الإنسان بين شهوة آنية ولذة عابرة، حتى ينسى نفسه قبل أن ينسى ربه. والآية ليست قصة عن مشركي قريش فحسب، بل ميزان يُعرض عليه كل جيل. فكم من إنسان اليوم يريد دينًا: بلا تكاليف، بلا ضوابط، بلا أحكام تخالف رغبته. يريد حقًا لا يزعجه، وتشريعًا لا يصادِم شهوته. وهذا هو عين ما حذرت منه الآية: لو استجاب الحق لهذه المطالب، لفسد كل شيء. إن هذه الآية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والوحي: فالوحي لا ينحني للهوى والحق لا يتشكل حسب الرغبات والعدل لا يقبل المساومة. فإما أن ينقاد الهوى للحق… فيستقيم كل شيء في قلبك كما استقام بميزان السماء، وإما أن يُقدَّم الهوى… فيبدأ الفساد في قلب الموازين وإحداث نهاية الظالمين. فالنجاة كل النجاة أن يكون الحق قائدًا، لا تابعًا. وأن يكون القرآن ميزانًا، لا رأيًا بين آراء. قال الله جل جلاله ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ﴾ فإن كان القرآن عزّنا… فلماذا نعرض عنه؟ وإن كان شرفنا… فلماذا نستبدله؟ إنها دعوة للعودة إلى ميزان السماء، قبل أن يختل ميزان الأرض. وفي الواقع، ما من سؤال يمرّ بالقلب، وسط هذا الزحام المتلاطم من المشاهد والقوى والتيارات والآراء، إلا ويجد له جوابًا بيّنًا شافيًا في كتاب الله عز وجل. فالناس اليوم يكثر نزاعهم حول “الحق”، وكلٌّ يتكلم من موقع المدافع المقتنع، المخلص لما يراه. غير أن الحق ليس ما يتعصّب له الناس، ولا ما ترفعه الشعارات، بل هو ما يصفه القرآن العظيم ويحدده بميزانه الرباني الثابت. فانظر في النهاية: مع من يكون الحق؟ ليس مع الأكثر صخبًا، ولا مع الأعلى صوتًا، ولا مع الأشد تحزّبًا، ولا الأقوى تحالفًا، بل مع من وافق نور الوحي، واستقام على ميزان القرآن العظيم. فمن وُفِّق لهذا النور إيمانًا، وبصيرةً، واستجابةً، وعملاً… فهو الموفَّق حقًا، وإن كان وحده. وأما من أعرض عنه، واستبدل به هوى النفس وضجيج الجدل، فليس له إلا دورانٌ في فراغ، ودندنات لا تزيده إلا بُعدًا وخسارًا. فالحق يُعرَف بنوره… لا بكثرة أتباعه. فاللهم اجعلنا من جنده وأوليائك!

الْحَامِدُونَ: الشاكرون في الرخاء والشدة، معترفون بجميل الله عليهم، مثنون عليه بالذكر في الليل والنهار. في الأقدار المفرحة كما في الأقدار المؤلمة، قد أحسنوا الظن بربهم ومولاهم، يرضون عن أقدارهم أيًّا كانت، بل يحبونها، لأن الله اختارها لهم، محبة فيه جل جلاله. السَّائِحُونَ: قيل الصائمون وقيل المنهمكون في أعمال القربات، كسفرهم في الحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، أو سياحة قلوبهم في معرفة الله وحبه والإنابة إليه الدائمة. إنهم أهل الحركة في الطاعة، لا يقعدون عن الخير، ولا تجمد قلوبهم عند حدٍّ من القربات. يسافرون بأبدانهم وأرواحهم في طرق الطاعة، طلبًا لرضا المشتري العظيم. الرَّاكِعُونَ وَالسَّاجِدُونَ: المكثرون من الصلاة، مواظبون على الركوع والسجود، تجسيدًا لخضوعهم الكامل لله تعالى، قد علموا أن مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة تكون بكثرة السجود. والصلاة تجديد عهد يومي. الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ: الداعون إلى الخير، القائمون بواجباتهم ومستحباتهم، مفعمون بحب الخير للناس. كما يحبونه لأنفسهم. قد علموا أن خيرية هذه الأمة قائمة على شعيرة الأمر بالمعروف وما يليها: النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ: الذين يصدون عن كل ما نهاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عنه من المعاصي والظلم. لا تأخذهم في الله لومة لائم! ومن ذاق ربح الصفقة، لا يرضى أن يرى غيره يخسر. فهو يريد للناس أن يدخلوا السوق نفسه، وأن يربحوا الربح ذاته. الْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ: الذين يتعلمون حدود الله وأحكامه ويعملون بها، ملتزمون بالفعل والترُك، محافظون على شريعته في كل أمورهم. وفي ذلك دلالة إخلاص الدين لله تعالى. لا يساومون على دينهم أحدًا. لا يتلاعبون بالشروط، ولا يقتربون من مناطق الشبهة. يعلمون أن حدود الله سياج الأمان، ومن خرج عنه عرّض عقده للخطر. ثم يختم الله تعالى بالوعد العام: “وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ”، ليعم الخير كل مؤمن بحسب إيمانه، وقوة عمله، ومقدار التزامه، فلا يقتصر الثواب على فئة دون أخرى، بل يشمل كل من آمن، وكم من الجلال والعظمة تلخصها كلمة واحدة: بشّر. وفي الختام، أمام هذا الهدي الجليل نخرج بخلاصة عظيمة يجب أن تحفر بمداد العمل: من أسس بنيانه على التقوى، ومن باع نفسه لله، ومن عاش تائبًا عابدًا حامدًا وأقام نفسه على ما ذكر الله من صفات في آية التوبة … فهو الرابح، وإن بدا للناس خاسرًا. ومن بنى على شفا جرف هار، وأبقى قلبه في الريبة، وظن أنه قد سبق في هذه الدنيا وكأنها هي الغاية… فهو الخاسر، وإن صفق له الناس. هذه الآيات ليست سردًا تاريخيًا، ولا وصفًا لفئة مضت، بل خريطة طريق لكل قلب يريد النجاة. فأخلص بيعتك أيها المؤمن! وإن وجدت في نفسك نقصًا وتخلفًا، فباب التوبة مفتوح، والسوق قائم، والرب كريم، والعهد ما زال معروضًا. اللهم اجعلنا من الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله، والله اشترى، ومن الذين استبشروا ببيعهم هذا، وفازوا الفوز العظيم. اللهم شهادة في سبيلك ورضوان منك أكبر! اللهم رضاك ومحبتك .. نرجو ونسأل .. في الدنيا والآخرة.

هي معاملة ربانية، يبذل فيها المؤمن أغلى ما يملك – النفس والمال – في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، فيجاهد صادقًا، غير ملتفتٍ إلى ربحٍ دنيوي أو خسارةٍ عاجلة، لأن العوض أعظم وأبقى. وأكّد الله هذا الوعد في أعظم كتبه المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن، على ألسنة صفوة رسله، عليهم السلام، فاجتمع شرف المشتري، وعظمة الثمن، وسموّ الغاية، وصدق الوعد. ومن أوفى بعهده من الله؟ فليستبشر المؤمنون بهذه البيعة المباركة، وليهنئ بعضهم بعضًا بصفقةٍ رأس مالها الفناء، وربحها الخلود، وثمرتها رضوان الله وجنات النعيم. وذلك هو الفوز العظيم الذي لا يدانيه فوز. هذه الآية ليست مجرد وعد، بل إعلان صفقة سماوية، وعقد رباني، وبيعة بين العبد وربه. إنها تنقلنا من منطق التكاليف إلى منطق التجارة، ومن مفهوم التضحية إلى مفهوم الربح. وأول ما يهز القلب في الآية أن المشتري هو الله جل جلاله. فأي شرفٍ أعظم من أن يكون الله طرفًا في عقدك؟ ليس وسيطًا، ولا شاهدًا، بل هو المشتري بنفسه الكريمة. فإذا كان الناس يفتخرون ببيع بضاعة لتاجر كبير، فكيف إذا كان الذي اشترى منك هو رب العالمين؟ ثم ما الثمن: إنها الجنة! ليست راحة مؤقتة كما في تجارة الدنيا، ولا نعيمًا منقطعًا كما يعتاد الناس في حياتهم، بل خلود، ورضا، وقرب من الله تعالى، والأعظم من نعيمها: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. فأي تجارة هذه التي يدفع فيها العبد شيئًا فانيًا، ويأخذ مقابله نعيمًا أبديًا؟ ثم ما السلعة: إنها النفس والمال. وهما أحب ما يملك الإنسان. وكأن الله يقول: أعطني أحب ما عندك، أعطك أحب ما عندي! وهنا سر الابتلاء؛ لأن المحبة لا يٌبرهن عليها مثل البذل. والعبد في الحقيقة مملوك لله أصلًا، لكن التعبير بالشراء تكريمٌ وتشريف، وكأن الله أعاد ملكية ما هو له أصلًا ليمنحك ثمنًا عليه! فكان الفضل فوق الفضل، والرحمة فوق الاستحقاق. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ ولم يكن هذا وعدًا خاصًا بأمة دون أمة، بل هو مبدأ ثابت في جميع الرسالات: فطريق الجنة يمر عبر البذل والصبر والثبات. هذه سنة ثابتة. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ كأن الآية تخاطب القلوب المجاهدة: لا تحزنوا على ما بذلتم، ولا تأسوا على ما فقدتم، فالخسارة الحقيقية أن تخرجوا من الدنيا بلا عقد. والتاجر الذي عقد صفقة، يعلم أن ربحه فيها مضمون عليه أن يستبشر ويفرح! ﴿وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والفوز ليس في النجاة والسلامة فقط، بل في دخول الجنة وفي القرب من الله، وفي رضاه. وهنا لفتة مهمة: كلما شعرت بثقل الطاعة أيها المؤمن، تذكر أنك لا تؤدي واجبًا فقط، بل تعقد صفقة. كلما هممت بترك معصية، تذكر أنك تحافظ على استثمارك. كلما بذلت مالًا في سبيل الله، فاستحضر أنك تستبدل عملة زائلة بعملة خالدة. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل نحن نعيش كأصحاب صفقة رابحة؟ أم كأننا لم نوقّع العقد بعد؟ ورمضان موسم تجديد البيعة، ومواسم الطاعات فرص لمراجعة الشروط، فليتأمل كل منا: هل بعتَ حقًا؟ أم ما زلتَ أفاوض؟ لكن مما يجب الانتباه إليه، أن وصف المؤمنين الذي يحظون بشرف هذه الصفقة! يأتي في وصف الآيات التالية.. وهو ما يستوجب وقفة خشوع! وصفُ من هم أهل للصفقة! يقول الله عز وجل بعد أن أعلن صفقة البيع العظمى، وبشّر المؤمنين بالفوز العظيم: ﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ التوبة: 112] وكأن القلب يسأل: من هم هؤلاء الذين صدقوا في بيعهم؟ من هم الذين استحقوا أن يُقال لهم: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾؟ فيأتي الجواب مباشرة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كأن الآية توضح لنا: ملامح الذين وقّعوا العقد حقًا. وهم: التَّائِبُونَ: الملازمون للتوبة الدائمة عن جميع السيئات، فلا ييأسون من رحمة الله مهما كثرت أخطاؤهم. والتوبة عبادة ملازمة. كلما زلّ العبد عاد. وكلما ضعف، استغفر. فهو يعلم أن الصفقة لا تحتمل الإصرار على الخيانة. بل على النقاء والطهر..! الْعَابِدُونَ: البيعة عبودية دائمة. والذي باع نفسه، لم يعد يملكها لغير طاعة الله. صارت حياته كلها لله. فالعابدون هم المستمرون في عبادة الله وأداء الواجبات والمستحبات. طاعتهم متواصلة في كل زمان ومكان. لكنها طاعة لله وحده لا شريك له، وإخلاص دينهم لله وحده عز وجل.

والمعصية تترك أثرها في الأماكن كما تتركه في القلوب، والطاعة تُبارك البقاع كما باركت مسجد قباء. فالعمل المؤسَّس على الإخلاص والمتابعة ثابتٌ مبارك، يقود إلى جنات النعيم، أما ما بُني على هوى وضلال فمصيره السقوط والهلاك. ونلاحظ بعد أن صوّر الله تعالى البناء القائم على شفا جرف هار، كشف لنا أثره الباطني المستمر… لأن الانهيار ليس لحظةً تأتي مرة واحدة، بل أثرٌ ممتد في القلب. وهنا يأسرك التشخيص الدقيق في القرآن لمسار الانحرافات ودقائق الانحراف! ﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ لم يقل: “لا يزال بناؤهم قائما”، بل قال: “ريبة في قلوبهم”. أي أن المشكلة لم تعد في الجدران، بل في الصدور. لأن العمل الفاسد يترك أثرًا نفسيًا وروحيًا: ومن أعراضه: القلق الداخلي، والاضطراب الخفي، والشك في الطريق، والقسوة التي لا تُفهم أسبابها، ولعل هذا ما يزيد الحالة تأزمًا، فيتمادى الظالم في الظلم، لاستمرار القسوة، ويعود أثر ذلك على قلبه من جديد بمزيد قسوة! وكأنها حلقة هلاكه! وهنا تفصيل مهم لتشخيص أمراض القلوب: فالإنسان قد ينسى معصيته وهو مقيم عليها لم يتب منها، لكن المعصية لا تنساه. تبقى أثرًا ساكنًا في أعماق قلبه، توهن يقينه، وتكدر صفاءه. وكما تدين تدان! فالبناء الذي أُسس على ضرار وتفريق لم ينتهِ أثره بهدم المسجد، بل بلغ الهدم قلوب أصحابه. وهذه سنة خطيرة: العمل إذا بُني على هوى، أورث صاحبه شكًا. وإذا بُني على إخلاص، أورث طمأنينة. ولهذا تجد: أهل الإخلاص قلوبهم ثابتة مطمئنين لمعية ربهم، متوكلين صابرين، لا يضرهم من خذلهم. وأهل الرياء قلوبهم مضطربة، منشغلين بتزيين صورتهم، وإن علت أصواتهم، لا تنفك فلتات الاضطراب بادية على ملامحهم وتصرفاتهم. ﴿ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ تعبير يهزّ القلب! فليس الحديث عن مجرد شعور بالندم، بل ندم يقطع القلب ألمًا وخوفًا وحياءً من الله عز وجل. وكأن الله يقول: لا يزول أثر العمل الفاسد إلا بتوبة صادقة تمزق القلب من الحسرة. فالتوبة في حقيقتها انكسار لله تعالى يدفعه الحياء والندم والإخلاص. ومن أعجب ما تشير إليه الآيات السابقة واللاحقة: أن المعصية تؤثر في القلب وتؤثر في المكان وتؤثر في الجماعة. فأثرها متعدٍ ومستمر! ومسجد الضرار لم يكن مجرد بناء، بل كان مشروع تفريق… لذلك صار مكانًا منهيًا عن الصلاة فيه. وفي المقابل، كان مسجد قباء مكانًا أُسس على تقوى، فصار محل ثناء إلهي. وكذلك مسجد النبي ﷺ وكل مسجد اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة والعمل الصالح. لمرضاة الله تعالى، لأن المكان يتشرف بالطاعة، ويُظلم بالمعصية. وهكذا نرى كيف تجمع هذه الآيات خلاصة مهيبة: “لا تقم فيه أبدا”.” فليس كل مشروع يرفع لافتة جميلة يوجب الانكباب عليه، بل يجب تفقد أسسه ودوافعه وحقيقة حسن اتباعه. وكل ما بني على حظ نفس أو مرض قلب، أو ظلم وإسراف، افتقد للتقوى..! ومن أبى إلا ذلك، فليتحمل عواقب كبره وعناده في نفسه وفي آخرته! فلابد من ثمن لكل انحراف ومخالفة لأمر الله تعالى في الدنيا والآخرة. ولا نجاة إلا بتوبة خالصة لله تعالى، وانكسار صادق بين يدي الله عز وجل. وهنا وقفة مهمة لكل مسلم و كل جماعة مسلمة: ما هي “الأبنية” التي لا تزال ريبة في قلبك؟ ما العمل الذي حقا لم تخلص فيه لله تعالى؟ ما هي المواقف التي بنيتها على عصبية؟ ما المشروع الذي بدأته لمنافسة ونكاية لا لموافقة وسلامة؟ هل من خصومة غذيتها بدل أن تطفئها؟ أم من حقد وحسد ومقصد المنافسة الجائرة؟ كم حصل أن عصيت الله وكذبت وتحايلت، لأجل نصرة نفسك وجماعتك! كم حدث أن أخلصت دينك للهوى والجماعة على حساب مرضاة ربك! أحيانًا يكون القلق الذي يحمله القلب في عمقه، أثر بناءٍ لم يُؤسس على تقوى. هذه الآيات لا تتحدث فقط عن مسجدٍ بُني في زمن النبوة، بل عن كل مشروعٍ يُقام باسم الخير، وهو يخفي غير ذلك. وتعلمنا أن: الإخلاص يحفظ العمل. والمتابعة تزكيه. والتقوى تثبته. وسوء النية يترك في القلب شقوقًا لا تُرمم إلا بتوبة موجعة صادقة. فراجع أساساتك أيها المسلم … فإن كان فيها صدع، فبادر للاستدراك والإصلاح قبل أن يتحول إلى جرفٍ هار، وقبل أن يصبح البناء ريبةً تسكن قلبك إلى أن يتقطع. ثم تأتي البشارة .. بعد توضيح البناء المتين، وتفصيل الخطر المحيط! بشرى البيعة العظمى ﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [ التوبة: 111] يخبر الله تعالى بخبرٍ حقٍّ ووعدٍ صادق عن صفقةٍ عظيمة لم تعرف البشرية مثلها: لقد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وجعل ثمنها الجنة.