en
Feedback
الحجاب في الشرع والفطرة

الحجاب في الشرع والفطرة

Open in Telegram

كتاب الحجاب وكتاب الاختلاط القناة الأخرى https://t.me/aatarefe

Show more
283
Subscribers
+224 hours
+67 days
+830 days
Posts Archive
وأمَّا الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ): فهذه الآيةُ من الأدلَّةِ على حُرْمةِ الاختلاطِ الدائمِ، وبتمامِ الآيةِ يتضحُ ذلك؛ حيثُ قال تعالى: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)؛ فجعَلَ التذكيرَ يكونُ من المرأةِ للمرأةِ الثانية، لا يُذكِّرُهَا الرَّجُلُ المشارِكُ لهما؛ لأنَّ الشهادةَ سماعٌ أو رؤيةٌ عابرةٌ، لا حوارٌ ومناظَرةٌ، فلمَّا تَعذَّرَ وجودُ شاهدَيْنِ مِنَ الرجالِ، أوجَبَ وجودَ امرأتَيْنِ، لا امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ المرأةَ إذا نَسِيَتْ تحتاجُ إلى تذكيرٍ ونقاشٍ يطولُ؛ فجعَلَ اللهُ ذلك بين المرأتَيْنِ لا يشاركُهُما الرجلُ. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٩١

الصلاةُ في المسجد: وأمَّا الاستدلالُ بالإذنِ للنساءِ بحضورِ الصلاةِ جماعةً في المسجدِ، فبيانُ ذلكَ في أمورٍ: الأمر الأول: أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ أَذِنَ لهنَّ بالعبادةِ، واحتَرَزَ بقوله: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا)؛ حضّاً على المُبَاعَدةِ للجميع، وعدَمِ القُرْبِ، فلمَّا تَحصَّلَ تحقيقُ العبادةِ مع دَفْعِ المفسدةِ بشيءٍ مِنَ السُّبُلِ والاحترازاتِ، فُعِلَ ذلك، وكذلكَ فعَلَهُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام مِنْ سَدِّ الذريعةِ أنْ جعَلَ للنساءِ موضعاً متأخِّراً عن الرجال. والأمر الثاني: أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ جعَلَ معَ وجودِ النساءِ خَلْفَ الرجالِ ضبطاً لأفعالهنَّ وأقوالِهِنَّ أنْ يُظْهِرْنَ شيئاً مِنْ ذلك بلا حاجةٍ؛ فقال عليه الصلاةُ والسلامُ مبيِّناً ما يَفْعَلْنَ عِندَ سهوِ الإمامِ: (التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ)، يعني: في الصلاةِ. يعني: إذا انتابَ إحدى النساءِ شيءٌ في الصلاةِ، فعليها أنْ تُصفِّقَ ولا تسبِّح، ومعلومٌ أنَّ تصفيقَ النساءِ والرجالِ يَشْتَبِهُ مِنْ جهةِ السماعِ، ولكنْ خَصَّ اللهُ النساءَ في ذلكَ حتى لا يَظْهَرَ مِنْ صوتهنَّ شيءٌ يَتميَّزْنَ به بلا حاجةٍ، ومع ذا: فالمرأةُ إذا تَكلَّمَتْ من غيرِ خضوعٍ بالقولِ، فهذا جائزٌ، ومع ذلك خَصَّ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ النساءَ به في مِثْلِ هذا، ولم يأمرهنَّ عليه الصلاةُ والسلامُ بالتسبيحِ كحالِ الرجالِ، فشدَّد في صَوْتِهَا في المسجدِ أن يُرْفَعَ، كما شَدَّدَ في مكانها أن تَتقدَّمَ فتقتربَ مِنَ الرجال. الأمر الثالث: أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ خصَّصَ للنساءِ باباً يَدْخُلْنَ مِنْهُ للمسجدِ ويَخْرُجْنَ. الأمر الرابع: أنه كان يَتأخَّرُ بعدَ سلامِهِ مِنَ الصلاةِ، فيثبُتُ مكانَهُ ويأمُرُ الرجالَ بذلك؛ حتى لا يَنْصرِفَ الرجالُ، فيختلطوا بالنساءِ عندَ خُرُوجِهِنَّ؛ كما تَقَدَّمَ في حديثِ أبي أُسَيْدٍ رضي الله عنه. وقد أخرَجَ البخاريُّ، من حديثِ أمِّ سَلَمةَ؛ قالتْ: «كان عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم، قامَ النساءُ حِينَ يَقضِي تَسْلِيمَهُ، ويَمْكُثُ هو في مَقَامِهِ يسيراً قبلَ أنْ يَقُومَ. قال ابنُ شِهَابٍ الزُّهْريُّ: «نُرَى - واللهُ أعلمُ - أنَّ ذلك كان لِكَيْ يَنْصرِفَ النساءُ قبلَ أنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحدٌ مِنَ الرجالِ». وعن أمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها؛ كما عند البخاريِّ، قالتْ: كان يُسلِّمُ، فيَنْصَرِفُ النساءُ، فيَدْخُلْنَ بيوتَهُنَّ مِنْ قبلِ أنْ يَنْصَرِفَ رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام. فكان مُكْثُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وأصحابِهِ في مكانِهِمْ تُجَاهَ القبلةِ طويلاً حتى يدخُلَ النساءُ بيوتَهُنَّ، ولم يُكْتَفَ بخروجهنَّ مِنَ المسجدِ فحَسْبُ، حتى لا يخرُجَ الرجالُ؛ فيتزاحمون مع النساءِ في الطريق؛ لأنَّ مِشْيةَ الرجالِ أسرعُ مِنْ مِشْيةِ النساءِ عادةً، فكان انتظارُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وأصحابِهِ بعدَ الصلاةِ طويلاً حتى يَدْخُلْنَ بيوتَهُنَّ. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٨٣

والاستدلالُ بما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ امرأةً سَوْداءَ كانتْ تَقُمُّ المسجدَ، ففَقَدَهَا رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام، فسَأَلَ عنها بعدَ أيامٍ، فقيل له: إنها ماتَتْ، قال: (فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي)، فأتى قَبْرَهَا، فَصَلَّى عليها. فقد أورَدَهُ بعضُهم مُستدِلّاً به على دخولِ المرأةِ أماكنَ الرجالِ. فيقالُ: اليومُ أربعٌ وعِشْرونَ ساعةً، والصلواتُ الخمسُ لا تَخْلُصُ بمجموعها إلى أربعِ ساعاتٍ متفرِّقات ومحاولةُ إيرادِ عَمَلِ المرأةِ في المسجدِ، وحَشْرِهَا في الأربعِ ساعات، وتركِ العشرينَ ساعةً: لا يليقُ بحاملِ قَلَمٍ، ثم هي لا تعملُ كلَّ يومٍ قطعاً، فمساجدُهُمْ كانتْ تراباً لا فِرَاشاً، ولا يظهرُ فيها ما دَقَّ كمساجدنا، أمَّا أنها تُنظِّفُ والرجالُ يُصلُّونَ، والنساءُ خَلْفَهُمْ، وهي مُنْصرِفةٌ تترُكُ الصلاةَ وَحْدَهَا تَكْنُسُ، فهذا محالٌ، وأمَّا فى حالِ خُلُوِّ المسجدِ وهو أكثَرُ الوقتِ، فلا حرَجَ ثَمَّ؛ فمسجدُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام لا أبوابَ تُغْلَقُ فيه؛ كما ثبَتَ في «صحيح البخاري»، عن ابن عُمَرَ، قال: كانتِ الكِلَابُ تَبُولُ وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ في المسجدِ في زمانِ رسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام، فلم يكونوا يَرُشُّونَ شيئاً. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٧٩

جِهَادُ النساءُ: وأمَّا الاستدلالُ بما جاء عن الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ، قالتْ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام، فَنَسْقِي القَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ». فالمقطوعُ به أنَّ أزواجَهُمْ معهم، يَبِثْنَ حيثُ يَبيتُونَ، ويَرْتَحِلْنَ حيثُ يرتحلون، ولا ضَيْرَ في ذلك؛ فلا يُتخيَّلُ أنَّ أزواجَهُمْ في المدينةِ والنساءُ يَخْرُجْنَ للجهادِ، وإذا كان كذلكَ والمرأةُ حالَ السَّفَرِ مع زوجها تَرْحَلُ وَتنْزِلُ في قوافل السير، وعندَ التحامِ الصفَّيْنِ تكونُ النساءُ في الخَلْف، والمرأةُ منهنَّ تُعِينُ الجريحَ المُثْخَنَ لا المُعَافَى الصحيحَ، فلا حرَجَ في هذا ولا ضَيْر، ولا يعدو هذا كونَهُ سَفَراً مِنَ الأسفارِ؛ فالنساءُ يَذْهَبْنَ للحَجِّ والعمرةِ قَوَافِلَ، والنساءُ مَعَ رجالهم. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٧٨

وأمَّا الاحتجاجُ بحديث: «كان الرجالُ والنساءُ يَتَوَضَّؤُونَ في زمانِ رسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام جميعاً»: فلا أدري كيفَ يُفْهَمُ منه الاختلاطُ؟! فكيف يقولُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن الصلاةِ: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُها)، وهو قد جَمَعَهُمْ قبلَ الصلاةِ يَتَوَضَّؤُونَ جميعاً، ثم يفرِّقهم وقتَ الصلاةِ، ولا ريبَ أَنَّ مَنْ فَهِمَ هذا الفَهْمَ، أساءَ بالنبيِّ فهماً وتشريعاً، والمقصودُ به غيرُ هذا المعنى. ويُفسِّرُ هذا الأَثَرَ ما رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، عن ابنِ جُرَيْج، قال: سألتُ عطاءً عَنِ الوضوءِ الذي ببابِ المَسَاجِدِ، فقال له إنسانٌ: إِنَّ أُنَاساً يَتوضَّؤونَ منه قال: لا بأسَ به، قلتُ له: أكُنْتَ مُتوضِّئاً منه؟ قال: نَعَمْ، فَرَادَدتُهُ في ذلكَ، فقال: لا بَأْسَ؛ قد كان على عهدِ ابنِ عَبَّاسٍ، وهو جعَلَهُ، وقد عَلِمَ أنه يَتوضَّأُ منه النساءُ والرجالُ، والأَسْوَدُ والأَحْمَرُ؛ فكان لا يَرَى به بأساً. يعني: يتناوبونَ على أَوَانٍ واحدةٍ يَتوضَّأُ منها الجميعُ لا تَتنجَّسُ المياهُ بِكَثْرَتهم، ولا باختلافِ أجناسهم، كما يَتناوَبُ المتأخِّرون على الحَمَّاماتِ والصَّنَابِيرِ، وليس في ذلكَ دَلَالةٌ على اجتماعِهِمْ في ساعةٍ واحدة، وإنَّما يتناوبون. والعلماءُ عندَ الاستدلالِ يَنْظُرُونَ إِلى القَصْدِ مِنْ سياقِ الخبَرِ وروايته؛ لأنَّ الراويَ إذا قصَدَ بيانَ حُكْمِ في حديثٍ، لم يَحْتَرِزْ إلا له؛ ولهذا لم أَجِدْ أحداً من الأئمَّةِ ممَّن أورَدَ هذا الحديثَ إِلَّا ويُورِدُهُ في أبواب عَدَمِ تَنجُّسِ الماءِ مِنْ بقايا المرأةِ وفَضْلِهَا، لا يُخْرِجُونَهُ عن ذلك؛ لأنَّ ذلك هو الذي يَسْبِقُ إلى الأفهامِ عندَ سماعِ الخبرِ. وما جاء في لفظ: (كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا)، يعني: لا نَغْترِفُ اغترافاً بأوانٍ، بل تنغمسُ الأيدي في الماءِ؛ يشيرُ إلى أنه لا يَتنجَّسُ بورودِ المرأةِ إليه قَبْلَنَا، وغَمْسِ يدها فيه بلا اغترافٍ بالأواني، وهكذا يُقرِّرُ الفقهاءُ معنى الحديثِ في جميعِ المذاهبِ الأربعة. قال إمامُ المدينةِ الزُّهْريُّ مبيِّناً ذلكَ: «تَتوضَّأُ بِفَضْلِهَا؛ كما تَتوضَّأُ بفضلِكَ». وعلى هذا فسَّره أئمةُ الإسلامِ في القرونِ المفضَّلة. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٧٥

كثيرٌ من الكُتَّابِ يُورِدُونَ أَدلَّةً في سياقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، ولا مَعْنَى لإيرادِهَا ولا حُجَّةَ فيها؛ فمِنْ ذلك: الاستدلالُ بما جاء عن سَهْلِ بن سَعْد؛ قال: «كانتْ فينا امرأةٌ تَجْعَلُ على أربعاءَ في مَزْرَعَةٍ لها سِلْقاً، فكانتْ إذا كانَ يَوْمُ الجُمُعةِ تَنْزِعُ أصولَ السِّلْقِ، فتَجْعَلُهُ في قِدْرٍ، ثم تَجْعَلُ عليه قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فتكونُ أصولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وكنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صلاةِ الجُمُعةِ، فنُسَلِّمُ عليها، فتُقرِّبُ ذلكَ الطعامَ إلينا، فنَلْعَقُهُ، وكنا نَتمنَّى يومَ الجُمُعةِ؛ لطعامِهَا ذلكَ». فالجوابُ عنه من وجهَيْن: أولاً: أنَّ هؤلاءِ صِبْيانٌ لم يَبْلُغُوا، فسَهْلُ بن سعدٍ الذي يحكي عن نَفْسِهِ الحضورَ إلى هذِهِ المرأةِ صبيٌّ صغيرٌ كان عُمْرُهُ دُونَ البلوغِ قطعاً؛ قال الزُّهْريُّ: كان له يَوْمَ تُوفِّيَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً؛ كما رواه أبو زُرْعةَ في «تاريخه»؛ وكيفَ لأحدٍ أنْ يُثْبِتَ أَنَّ مَنْ معه ليسوا حُدَثَاءَ مِثْلَهُ، ورفيقُ الصبيِّ صبيٌّ؟! ثانياً: هذه المرأةُ جاء في الخَبَرِ نفسِهِ أنها امرأةٌ عَجُوزٌ مِنَ القواعدِ، ولكنْ مَنْ يَستدِلُّ به لا يُورِدُ ذِكْرَ أنها عجوزٌ؛ روى البخاريُّ: قال سَهْلُ بنُ سعدٍ: «إنا كنَّا لَنَفْرَحُ بِيومِ الجمعة، كانتْ لنا عجوزٌ... إلخ». والقواعدُ مِنَ النساءِ لَسْنَ مُخاطَبَاتٍ بالحِجَابِ بنصِّ القرآنِ؛ كما يأتي. وهذا الخبَرُ سِيقَ في مَسَاقِ انتشارِ الصحابةِ بعدَ الجُمُعةِ، وأنهم لا ينتظرون، وليس في هذا الخبرِ إِلَّا أَنَّ المرأةَ تَطْبُخُ الطعامَ في مَزْرَعَتِها، ثُمَّ تَدْفَعُ الطعامَ لهم ليأكلوا؛ كحالِ الآخِذِ والمُعْطِي، والذَّهَابُ إلى أبعدَ من ذلك ظنونٌ. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٦٦ و٦٧

القلبُ حينما يَبْحَثُ عن شُبْهةٍ يَعْمَى عَمَّا بين يَدَيْهِ من الحَقِّ، ومَنْ أَغمَضَ عينَيْهِ عن نَصٍّ أمامَهُ في المسألةِ نَفْسِها، فهَلْ سيبحثُ عن جمعِ أدلَّةِ البابِ، وتحرِّي الحقِّ فيها؛ ليَسْلَمَ له دِينُهُ؟! #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٦٣

ما يذْكُرُه البعضُ، وهو قبلَ النسخِ: وأمَّا الاستدلالُ بما جاء عن عائشةَ؛ أنَّها قالتْ: «لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام المدينةَ، وَعِكَ أبو بكرٍ وبلَالٌ رضي الله عنهما، قالتْ: فدخَلْتُ عليهما، فقلتُ: يا أبتِ، كيف تَجِدُكَ؟ ويا بِلَالُ، كيفَ تَجِدُكَ؟ قالت عائشة: فجئتُ إلى رسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام، فأخبرتُهُ، فقال: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ). فهذا النصُّ صريحٌ في أنَّ هذا كان لمَّا «قَدِمَ النبيُّ المدينةَ»، يعني: قَبْلَ فرضِ الفرائضِ، حتَّى الصلواتِ والحَجِّ والصيامِ، وقبلَ فرضِ الحِجَابِ بخمسِ سنينَ، وبيَّن ذلك ابنُ بَطَّالٍ في «شرح الصحيح»؛ قال: «وكان ذلكَ قبلَ نزولِ الحِجَابِ». وقد جاءَ في بعضِ روايات الحديثِ: «وكان ذلك قَبْلَ فرضِ الحِجَاب»، ذكَرَهَا بعضُ الشُّرَّاح؛ كمحمَّدٍ الشبيهيِّ في «شرحه». #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٦٢

ما يذْكُرُه البعضُ، وهو قبلَ النسخِ: يجبُ أنْ يُعْلَم أَنَّ الحِجَابَ فُرِضَ على مَرَاحِلَ، ومِثلُهُ الاختلاطُ، وقد عاش الصحابةُ زمناً قبلَ فرضِهِ في المدينةِ ومَكَّةَ نحواً مِنْ سبعةَ عَشَرَ عاماً، وأَمَّا بعدَ فرضِهِ، فخمسةُ أعوامٍ نبويَّةٍ فقطْ، ولهم في ذلكَ مرويَّاتٌ وقصصٌ، في كتبِ السُّنَّةِ والسِّيَرِ، وكان فرضُهُ سنةَ خَمْسٍ من الهِجْرة؛ أخرَجَ البخاريُّ، عن أنس رضي الله عنه؛ قال: نزَلَ الحِجابُ مُبْتَنَى رسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام بِزَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ رضي الله عنها. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥٨

عَكْسُ الشريعةِ: لا فَرْقَ بينَ مَنْ يُورِدُ نصوصَ الاختلاطِ قبلَ تمامِ الشريعةِ، وفي الناسِ بقايا جاهليَّةٌ تَسْتَوجِبُ الانتظارَ، وبينَ مَنْ يسوقُ أحاديثَ المُتْعةِ، وأكلِ الرِّبَا، وشُرْبِ الخمرِ قبلَ تحريمِهَا مساقَ الجوازِ، وهذا عَكْسٌ للإسلامِ، وقَلْبٌ لتاريخِ التشريع، وكأني بمَنْ يسلُكُ هذا المسلكَ يأخُذُ تشريعَ العاشرِ مِنَ الهِجْرَةِ وينقُضُهُ بالتاسعِ، والتاسعُ ينقضُهُ بالثامنِ، والثامنُ ينقُضُهُ بالسابعِ، وتشريعُ المدينةِ ينقضُهُ بتشريعِ مَكَّةَ، وكأنَّ الإسلامَ بِسَاطٌ يُطْوَى، وعُرىً تُنْقَض، لِيَظْهَرَ تحتَهُ بساطُ الجاهلية. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥٥

إننا لَنَرَى مقالاتٍ تَكلَّفَ صاحبُهَا ما لا يُنْتَفَعُ به؛ فَيَحْشِدُ نصوصاً لا يَدْرِي مَوْضِعَهَا مِنَ الشرع! ولا يَعْرِفُ صَدْرَ معناها من عَجُزِهِ! فمنها: جَهْلُهُ بالناسخِ والمنسوخِ، والمتقدِّمِ والمتأخِّر؛ ومَنْ لم يَعْرِفِ الناسخَ من المنسوخِ أفضى به إلى إثباتِ المَنْفِيِّ ونفيِ الثابت، وتَوَلَّدَ لَدَيْهِ شريعةٌ غيرُ شريعةِ محمَّد عليه الصلاة والسلام؛ ولذا حَرَّمَ العلماءُ أن يَتكلَّمَ أحدٌ في دِينِ اللهِ وهو لا يَعْرِفُ الناسخَ والمنسوخَ. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥٤

وقد رأيتُ أنَّ التعدِّيَ على الحُرُماتِ والفضيلةِ، والقطعيَّاتِ الشرعيَّة يَتفاقَمُ جِهَاراً نَهَاراً، وليس لها مِنَ الحُرْمة، ولا عليها من الحِيَاطةِ، ما يَحْفِزُ أفرادَ العُلَماءِ للمُرَاصَدةِ دُونَهَا؛ أنْ تُمْتَهَنَ أو تستباحَ، في زَمَنٍ القَلَمُ فيه أمضى مِنَ السَّيْف، ومَنْ كتَمَ حَقَّ اللهِ، فقد طَوَى جوانحَهُ على جَذْوةٍ من نارِ جَهَنَّمَ. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥٣

لا أَعْلَمُ يوماً مِنْ أيامِ اللهِ في الإسلامِ في جميعِ قرونِ الإسلامِ خلا مِنْ عَالِمٍ يَنُصُّ على تحريمِ الاختلاطِ الذي بيَّنا معناه. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥١

النصوصُ التي فيها النهيُ صَرَاحةً بغيرِ لفظِ الاختلاط لا تُحْصَى عَدّاً؛ كالأمرِ بِمُجانَبةِ النساءِ ومُباعَدَتِهِنَّ، والضربِ والتأديبِ على ذلك؛ كما رَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ في «مصنَّفه»، عن أبي سَلَامة، قال: «انتَهَيْتُ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه وهو يَضْرِبُ رِجَالاً وَنِسَاءً في الحَرَمِ، على حَوْضٍ يَتَوَضّؤُونَ منه، حتى فَرَّقَ بينهم، ثم قال: يا فُلَانُ، قلتُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، قال: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تَتَّخِذَ حِيَاضاً للرجالِ، وحياضاً للنساءِ؟!». #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥١

الاختلاطُ والعُلَماءُ عَبْرَ القرونِ: في القرنِ الرابعَ عَشَرَ: قال محمَّد رَشِيد بن علي رِضَا (ت١٣٥٤ھ) في تفسيره «المَنَار»: «إنه لَعَارٌ على بلادِ الإنكليزِ أنْ تَجْعَلَ بَنَاتِهَا مَثَلاً للرذائلِ بِكَثْرةِ مُخَالَطةِ الرجالِ». انتهى. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥٠

الاختلاطُ والعُلَماءُ عَبْرَ القرونِ: في القرنِ الرابعَ عَشَرَ: قال العلَّامة مصطفى صَبْرِي التوقادي الملقَّب ب‍«شيخ الإسلامِ» (ت١٣٧٣ھ)، في الخِلَافةِ العُثْمانية، في رسالته «قَوْلِي في المرأةِ»: «وهناكَ أحاديثُ كثيرةٌ تأمُرُ بِسَتْرِ النساءِ عن الرجالِ الأجانبِ، وتنهى عن الاختلاطِ بهم». انتهى. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٥٠

الاختلاطُ والعُلَماءُ عَبْرَ القرونِ: في القرنِ الثالثَ عشَرَ: قال العَلَّامة محمَّد بن علي بن محمَّد الشَّوْكَانيُّ (ت١٢٥٠ھ)، في تفسيره «فتح القدير»: «لَمَّا فرَغَ سبحانَهُ مِنْ ذِكْرِ الزَّجْرِ عن الزنا والقَذْفِ، شرَعَ في ذِكْرِ الزَّجْرِ عن دخولِ البيوتِ بغيرِ استئذانٍ؛ لِمَا في ذلكَ مِنْ مُخالَطَةِ الرجالِ بالنساءِ، فربَّما يؤدِّي إلى أحدِ الأمرَيْنِ المذكورَيْنِ». انتهى. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٤٩

الاختلاطُ والعُلَماءُ عَبْرَ القرونِ: في القرن التاسع: قال الحافظُ أبو الفَضْلِ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ الشافعيُّ (ت٨٥٢ھ) في «فتح الباري»: «فيه اجتنابُ مواضعِ التُّهَمِ، وكراهةُ مُخَالَطةِ الرجالِ للنِّسَاءِ في الطُّرُقاتِ، فضلاً عن البيوتِ». انتهى. #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٤٥

الاختلاطُ والعُلَماءُ عَبْرَ القرونِ: في القرن السابع: قال الإمامُ النوويُّ أبو زكريا يحيى بن شَرَفٍ، عُمْدةُ الشافعيَّة (٦٣١ - ٦٧٩ھ)، في «المِنْهاج، شرح صحيحِ مسلمِ بن الحَجَّاج»: «وَإِنَّما فضَّلَ آخِرَ صفوفِ النساءِ الحاضراتِ مَعَ الرجالِ؛ لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخالَطةِ الرجالِ، ورؤيتِهِمْ، وتعلُّقِ القلبِ بهم؛ عندَ رؤيةِ حَرَكاتِهِمْ، وسَمَاعِ كَلَامِهِمْ، ونحوِ ذلك، وذَمَّ أولَ صُفوفِهِنَّ؛ لعكسِ ذلك». انتهى. وبنحوِهِ قرَّر عصريُّهُ الفقيهُ الأصوليُّ ابنُ دقيقِ العِيدِ (ت۷۰۲ھ)؛ كما في «فتح الباري». #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٤٤

الاختلاطُ والعُلَماءُ عَبْرَ القرونِ: في القرن السابع: قال ناصحُ الدِّينِ، المعروفُ بابنِ الحَنْبَلِيِّ، فقيهُ الحنابلةِ في زمانِهِ (ت٦٣٤ھ)؛ كما في «ذَيْل طَبَقات الحنابلة»: «وأمَّا اجتماعُ الرجالِ بالنساءِ في مَجْلِسٍ، مُحَرَّمٌ». #الاختلاط_تحرير_وتقرير_وتعقيب ص٤٤