ذخائر الفكر - البراءة
Open in Telegram
إنسانة تسعى للتعلم فقط، معتقدة أن العلم هو السبيل الوحيد للنجاة! [لا علاقة لي بجماعةٍ أو جهة، وما أنا إلا ناقلٌ للعلم، آخذٌ منه كما أنقل] .. ~ صدقة جارية لرفيقة القلب( أختي )
Show more1 242
Subscribers
-124 hours
-107 days
-1130 days
Posts Archive
الحمد لله الذي أتمَّ نعمته وبلَّغني ما تمنّيت؛ حصلتُ، بفضل الله وكرمه، على تقدير ممتاز في سنتي الأولى من كلية الطب البشري 🤍
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، حمدًا يليق بفضله وعظيم عطائه.
Repost from قناة | الغيث الشامي (الأبحاث)
فكرة مهمة في فلسفة اللغة تساعد في فهم أعمق للقدر المشترك المعنوي.
فكرة التشابهات العائلية (Family Resemblances) عند فيتجنشتاين تعني أن بعض المفاهيم لا يجمع أفرادها جوهر مشترك (Common Essence) واحد، بل شبكة من التشابهات المتداخلة.
مثاله الأشهر هو كلمة «لعبة»: كرة القدم، الشطرنج، ألعاب الورق، ولعب الأطفال. لو قلنا إن كل لعبة فيها منافسة، خرجت بعض ألعاب الأطفال. ولو قلنا إن كل لعبة لها قواعد، خرجت الألعاب العفوية. ولو قلنا إن غايتها التسلية، خرج اللعب الاحترافي. ولو قلنا إن فيها فائزًا وخاسرًا، خرجت ألعاب كثيرة أخرى (مثل لعبة تقليد الطبيب).
إذن لا توجد خاصية واحدة ضرورية تشترك فيها كل الألعاب، ومع ذلك نحن نفهم لماذا نسميها جميعًا «ألعابًا». السبب أن بينها تشابهات متقاطعة: هذه تشبه تلك في القواعد، وتلك تشبه غيرها في المنافسة، وأخرى في التسلية أو المهارة أو الحظ.
وهذا يشبه أفراد العائلة: قد لا توجد ملامح واحدة مشتركة بينهم جميعًا، لكنهم يرتبطون بسلسلة من أوجه الشبه.
ومن هنا تأتي الفكرة الفلسفية الأوسع: لا ينبغي أن نفترض أن كل كلمة ذات معنى تحتاج إلى تعريف ماهوي صارم؛ فكثيرًا ما نفهم معناها من استعمالها داخل الممارسة اللغوية.
مثلًا كلمة (يد) ترتبط بوظيفة معينة للكائن المتصف بها، وأحيانا شكل معين ضمن نوع معين، أو أوجه شبه شكلي بين نوعين، أو أوجه شبه استعمالية.
هذا القدر المشترك يلاحظه العقل بشكل فطري ضمن عدة سياقات تجريبية أثناء تعلمه اللغة، ويستعمله في كل موضع بحسبه، ومن الجدير بالذكر أنه لا ينتزعه من مورد واحد بل من موارد متعددة ومتراكبة مثل فكرة (التشابهات العائلية).
«إذا لم تكتب المرأة عن نفسها فسوف يكتب عنها كما يريد الآخرون، إن الكتابة ليست ترفا للمرأة، بل وسيلتها الوحيدة لتكون موجودة».
~ فيرجينيا وولف
المكسب الوحيد الذي حققته في محاولتي لتثقيف نفسي هو أني بدأت أرى جهلي أكثر فأكثر، لأن زيادة المعرفة تعني "الوعي" والشخص الواعي يدرك أولا عجزه!
«يبدو أنني أذكى من هذا الرجل في أمر واحد صغير: وهو أن كلا منا لا يعرف في الواقع أي شيء جميل أو صالح، ولكنه يظن أنه يعرف شيئاً وهو لا يعرفه، أما أنا، فبما أنني لا أعرف شيئاً، فلا أظن أيضاً أنني أعرف».
~ سقراط على لسان أفلاطون- محاورة الدفاع عن سقراط(Apology)«لقد كنتُ منجذباً إلى دراسة الآداب والعلوم منذ طفولتي، ولكن بمجرد أن أنهيتُ دراستي كاملة، غيّرتُ رأيي تماماً؛ فقد وجدتُ نفسي متورطاً في الكثير من الشكوك والأخطاء، حتى بدا لي أنني لم أحقق أي فائدة من محاولتي لتثقيف نفسي سوى أنني بدأتُ أكتشف جهلي أكثر فأكثر».
~ رينيه ديكارت-مقال عن المنهج (Discourse on Method)كُلَّمَا أَدَّبَنِي الدَّهْـرُ ... أَرَانِي نَقْصَ عَقْلِي وَإِذَا مَا ازْدَدْتُ عِلْمًا ... زَادَنِي عِلْمًا بِجَهْلِي
~الشافعي- الديوان
علّمتني الشطرنج أن الجندي، مهما بدا ضئيلًا في بدايته، يستطيع أن يصبح ما يشاء إذا واصل طريقه حتى النهاية؛ فلا تُقاس قيمة المرء بما بدأ به، بل بما يصرّ على أن يصير إليه.
بعد شفاءك من هوس التواصل الإجتماعي ، ستكتشف ان كثيرون قطعوا الاف الأميال في الحياة الواقعية وانت مازلت امام الشاشة
إشكالية الكائن الفيلسوف أنه وإن تحدّث عن حقوق المرأة وقاتل فلاسفة عصره فكريًا، يظل ذلك الكائن الساذج الذي لا تنحصر تناقضاته في أقواله الإعتقادية وحدها، بل تمتد إلى أفعاله وحياته الخاصة ..
«أرسطو، بالرغم من شهرته، مليء بالسخافات، فهو يقول بأن الأطفال يجب أن تُحمل بهم النساء في الشتاء، حينما تكون الرياح باتجاه الشمال، وأن أولئك الذين يزوّجون في سنّ صغير جدًا يكون أولادهم من الإناث، وهو يخبرنا بأن دم الإناث أكثر سوادًا من دم الذكور، وأن الخنزير هو الحيوان الوحيد المعرض للحصباء، وأن فيلًا يتألم من الدُّرَق يجب أن تُفرك كتفاه بالملح وزيت الزيتون والماء الساخن، ويقول أيضًا بأن النساء يحزن على أسنان أقلّ عددًا من أسنان الرجال.
[..]
كان بإمكان أرسطو أن يتجنّب خطأ التفكير بأن النساء يحزن على أسنان أقلّ من الرجل، بالابتكار البسيط القائم على أن يسأل السيدة أرسطو أن تفتح فمها، بينما هو يحصي عدد أسنانها».
~برتراند راسل- بحوث غير مألوفة [ص106-110]
حشرتي متكلم ذكوري قرأ كلمتين للفلاسفة في مبحث الإلهيات، وغالبًا طلعته من الملة، هذا إذا ما طلع قارئ لأرسطو في الطبيعيات جابتله عقدة جندرية :
حين يصوغ التاريخ المسلّمات الاجتماعية !
لا تُولد الأفكار الكبرى في فراغ، ولا تتشكل النظريات بمعزل عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي احتضنتها؛ إذ تقوم بين الواقع والفكر جدلية متبادلة وهي أن الواقع يفرض على الفكر أسئلته، ثم يعود الفكر فيعيد تفسير الواقع ونقده، وربما سعى إلى تغييره أيضا ، وكان التحول الصناعي في أوروبا، مع مطلع القرن التاسع عشر، أحد أبرز تجليات هذه الجدلية؛ فلم يكن ظهور المصانع وتبدّل أنماط العمل مجرد تحول في بنية الإنتاج، بل أثار اسئلة فلسقية أعمق حول الأسس التي تقوم عليها الحدود الفاصلة بين أدوار الأفراد ومجالات حضورهم؛ أهي حدود تفرضها طبيعة ثابتة، أم أنها نتاج ظروف تاريخية تتبدل بتبدّلها؟ وتزامن ذلك مع الثورة الفرنسية وما رفعته من مبادئ الحرية والمساواة والإخاء، فبرزت مفارقة يصعب تجاوزها وهي إذا كانت هذه المبادئ تُطرح بوصفها كونية، تخص الإنسان من حيث هو إنسان، فإن اتساع نطاق تطبيقها يستدعي بالضرورة التساؤل عن حدود هذا الشمول، وعن الفئات التي قد تظل خارج نطاقه العملي، رغم اشتمالها عليه من حيث المبدأ.
ومن رحم هذا التفاعل نشأت كتابات أعادت النظر في مسلمات كانت تُقدَّم بوصفها بديهيات لا تحتاج إلى برهان، وبدأ البعض يتساءل حول الفروق التي تبدو طبيعية وثابتة هل ترجع فعلًا إلى اختلاف في الطبيعة، أم أنها ثمرة لاختلاف الظروف والتربية والفرص؟ وإذا تباينت النتائج بتباين الشروط التي نشأت فيها، فكيف يصح الانتقال من اختلاف النتائج إلى القول بوجود اختلاف ثابت في الطبيعة؟
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الوصف والتفسير والحكم الذي تحدثنا عنه سابقا في غير موضع ؛ فوجود تفاوت بين جماعتين في ظرف تاريخي معين لا يثبت أن هذا التفاوت ناشئ عن طبيعة ثابتة فيهما، كما أن إثبات اختلاف ما لا يستلزم أن يكون أحد الطرفين أدنى منزلة من الآخر فالانتقال من «ما هو كائن» إلى «ما ينبغي أن يكون» يحتاج إلى مقدمات أخرى، ولا يصح أن يُستمد الحكم المعياري من مجرد الوصف.
وتتضح المشكلة أكثر حين تُجعل الأدوار الاجتماعية امتدادًا مباشرًا لما يُفترض أنه نظام طبيعي للأشياء؛ فيُفسَّر واقع قائم بوصفه أساسًا كافيًا لتحديد ما ينبغي أن يكون، ثم يتحول هذا التحديد شيئًا فشيئًا من وصف لما هو قائم إلى تبرير له. فيغدو ما اعتاده المجتمع شاهدًا على ما ينبغي أن يكون عليه، ويصبح استمرار النظام نفسه دليلًا على «طبيعيته». وهكذا تنغلق الدائرة= يُستدل بالواقع على طبيعته، ثم تُستدعى هذه الطبيعة المزعومة لتبرير استمرار الواقع.
وتتجلى هذه الإشكالية أيضًا في التصورات التي تفرّق بين المبادئ العامة المطروحة في المجالين السياسي والأخلاقي، وبين مجالات أخرى يُقبل فيها التفاوت أو الخضوع بوصفهما جزءًا من النظام الطبيعي؛ فالمبدأ الذي يُستعمل لتحرير الإنسان من الخضوع في مجال، قد يُستثنى منه الإنسان نفسه في مجال آخر، من غير معيار مستقل يبرر هذا الاستثناء.
ومن ثم، فإن التاريخ الفكري لا يكشف عن تغير الأفكار فحسب، بل يكشف كذلك عن الكيفية التي تتخذ بها ظروف اجتماعية معينة صورة مبادئ عامة، ثم تبدو هذه المبادئ، بعد رسوخها، كأنها حقائق تتجاوز التاريخ. ولذلك لا يبدأ نقد أي تصور برفض نتائجه، وإنما بمساءلة مقدماته: هل هو وصف لواقع قائم، أم تفسير له، أم تحويل له إلى معيار؟ وهل تكرار ظاهرة في مجتمع ما دليل على ضرورتها، أم أنه قد يكون أثرًا لتاريخ طويل من العادات والمؤسسات وتوزيع الفرص؟
وعلى هذا الأساس لا يكون تغير الفكر مجرد انتقال من رأي إلى رأي، بل إعادة فحص للعلاقة بين الإنسان والظروف التي أسهمت في تشكيل صورته عن نفسه وعن العالم، فحين يتغير الواقع تنشأ أسئلة جديدة؛ وحين تُطرح هذه الأسئلة، يبدأ الإنسات في مساءلة ما كان يبدو بديهيًا، وقد ينتهي به الأمر إلى إعادة بناء المفاهيم التي جعلها الواقع نفسه تبدو طبيعية وثابتة ..
Repost from محسن بوعكاز
« إن مدرسة اليهود كانت في الأصل مدرسة لقوانين موسى، ... لكنه من الواضح، نظراً إلى اللوم الذي غالباً ما وجّهه إليهم مخلّصنا، أنهم أفسدوا نص القانون بتعليقاتهم المزيّفة وتقاليدهم الباطلة؛ وقد كان فهمهم للأنبياء قاصراً إلى حدّ أنهم لم يعرفوا المسيح ولا الأعمال التي أتاها، والتي تنبّأ بها الأنبياء. ولذا فإنهم بمحاضراتهم ومجادلاتهم في المعابد إنما حوّلوا عقيدة قانونهم إلى شكل خيالي من الفلسفة، يتعلّق بالطبيعة غير المفهومة لله وللأرواح؛ وقد ركّبوها من الفلسفة واللاهوت اليونانيين الباطلين، مازجين إيّاها بنخيلاتهم الخاصة المستمدّة من أكثر المواضع غموضاً في الكتاب المقدس -والتي يمكن بسهولة أن يتمّ تحويرها عنوةً لخدمة غرضهم- ومن تقاليد أسلافهم الخرافية.»
~ توماس هوبز. اللڤياثان.
وهاهنا قبل الخاتمة ملاحظة لا بد من استحضارها، وهي أن نقد الحتمية البيولوجية نفسه يحتاج إلى قدر من الحذر؛ إذ لا ينبغي أن يقود رفض الحتمية البيولوجية إلى تبنّي حتمية اجتماعية معاكسة. فكما أن القول بأن «البيولوجيا تحدد كل شيء» ضرب من المبالغة، فإن القول بأن «البيولوجيا لا تحدد أي شيء» لا يقل مبالغة. فالإنسان ليس نتاج بيولوجيته وحدها، كما أنه ليس نتاج مجتمعه وحده، وإنما هو حصيلة تفاعل معقد بين البيولوجيا والبيئة والثقافة والتعلّم والتاريخ والمؤسسات والاختيار الفردي.
ومن ثمّ، فإن السؤال الذي يلائم العلوم الحديثة ليس دائمًا: «هل السبب بيولوجي أم اجتماعي؟»؛ وكأن علينا أن نختار أحدهما ونقصي الآخر، وإنما: كيف تتفاعل العوامل البيولوجية والاجتماعية في إنتاج الظاهرة؟ فهذه الصياغة تنقلنا من التفكير الثنائي إلى التفكير التفاعلي، ومن البحث عن سبب منفرد إلى محاولة فهم شبكة الأسباب المتداخلة التي تسهم في تشكيل السلوك الإنساني.
وعلى هذا الأساس، تكشف الحتمية البيولوجية عن واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا في تاريخ العلاقة بين العلم والمجتمع: كيف يمكن لواقعة طبيعية أن تتحول إلى قاعدة اجتماعية، ثم تعود القاعدة الاجتماعية نفسها فتُقدَّم بوصفها حقيقة طبيعية؟ فالمشكلة لم تكن يومًا في مجرد الاعتراف بوجود فروق بيولوجية بين الذكور والإناث، وإنما تبدأ حين يُفترض أن هذه الفروق تفسر بصورة حاسمة القدرات النفسية والعقلية، ثم تُستعمل لتحديد الوظائف الاجتماعية والسياسية، ثم تنتهي إلى تأسيس تراتبية بين البشر.
ومن هنا يمكن فهم أرسطو بوصفه نموذجًا فلسفيًا مبكرًا ومؤثرًا لهذا النمط من التفكير؛ إذ أتاح تصوره الغائي للطبيعة ربط الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة بفروق في الوظيفة والمكانة والسلطة، ثم امتدت بعض البنية الكامنة في هذا التصور، بصور مختلفة، إلى تقاليد فكرية لاحقة، قبل أن يعاد إنتاجها في العصر الحديث بلغة علمية عبر الداروينية الاجتماعية، وعلم تحسين النسل، وبعض أشكال علم الأعراق، ثم في قراءات أكثر تعقيدًا داخل بعض اتجاهات العلوم السلوكية والتطورية.
وفي المقابل، يمثل أفلاطون اختبارًا مضادًا مهمًا؛ إذ أظهر، في «الجمهورية»، أن الاختلاف البيولوجي لا يكفي وحده لتحديد الأهلية الوظيفية، وأن السؤال عن قدرة الفرد على أداء وظيفة معينة ينبغي أن يُفصل عن مجرد انتمائه الجنسي. ولا يعني ذلك أن أفلاطون كان مساواتيًا بالمعنى الحديث، وإنما يعني أن مبدأ الفصل بين الهوية البيولوجية والكفاءة الوظيفية كان ممكنًا فلسفيًا منذ العالم القديم.
وبذلك، لا يكون نقد الحتمية البيولوجية إنكارًا للبيولوجيا، ولا محاولة لاستبدال حتمية بأخرى، وإنما هو مطالبة بالانضباط في الانتقال من الحقيقة إلى الاستنتاج: من الواقعة إلى التفسير، ومن الارتباط إلى السببية، ومن المتوسط الجماعي إلى الحكم على الفرد، ومن الوصف الطبيعي إلى الحكم المعياري.
فالسؤال الفلسفي الحاسم، في نهاية المطاف، ليس: هل توجد فروق بيولوجية بين الرجال والنساء؟ فهذا سؤال يمكن للعلوم التجريبية أن تتناوله، كلٌّ في حدود موضوعه وأدواته. وإنما السؤال الأعمق هو: ماذا نستطيع، على نحو مشروع علميًا ومنطقيًا، أن نستنتج من هذه الفروق؟
وهنا تحديدًا يبدأ نقد الحتمية البيولوجية من داخل فلسفة العلم، لا من خارجها؛ إذ إن قوة هذا النقد لا تكمن في إنكار الطبيعة، بل في رفض تحويلها إلى قدر اجتماعي، وفي التمييز الدقيق بين ما تفسره البيولوجيا فعلًا، وما نضيفه نحن إليها من أحكام وقيم وترتيبات اجتماعية.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإذا وجدنا ارتباطًا بين متغير بيولوجي وصفة سلوكية، فإن أول ما ينبغي أن نسأل عنه هو: هل هذا الارتباط سببي؟ فوجود Correlation لا يعني بالضرورة وجود Causation؛ إذ قد تتدخل البيئة والتربية والتعليم والثقافة والظروف الاقتصادية وغيرها من المتغيرات الوسيطة في إنتاج الظاهرة.
وإذا ثبت وجود علاقة سببية، فإن سؤالًا آخر يظل قائمًا: هل العامل البيولوجي حتمي أم احتمالي؟ فالظواهر الإنسانية المعقدة نادرًا ما تعمل وفق نموذج بسيط من قبيل «جين واحد ← سلوك واحد». وفي معظم الحالات تتداخل عوامل متعددة في تشكيل النتيجة؛ ولذلك فإن وجود استعداد بيولوجي لا يعني أن النتيجة محتومة. ويمكن القول إن البيولوجيا تسهم في إنتاج الظاهرة دون أن يعني ذلك أنها تحددها بصورة مطلقة.
ثم يأتي سؤال ثالث لا يقل أهمية: هل نتحدث عن المتوسطات أم عن الأفراد؟ فحتى إذا ثبت وجود فرق إحصائي بين مجموعتين، فإن ذلك لا يسمح بتحويل متوسط المجموعة إلى حكم على كل فرد فيها. فالتوزيعات قد تتداخل، والفروق داخل المجموعة الواحدة قد تكون كبيرة، ومن ثم فإن الانتقال من «متوسط المجموعة» إلى «طبيعة كل فرد» يتجاوز ما تسمح به البيانات.
ويبقى بعد ذلك سؤال القياس نفسه: ماذا نعني أصلًا بالقدرة العقلية أو الذكاء أو الكفاءة؟ فهذه المفاهيم ليست أشياء بسيطة ذات بُعد واحد؛ فقد نقصد بها الذاكرة، أو سرعة المعالجة، أو التفكير المجرد، أو القدرة اللغوية، أو حل المشكلات، أو غير ذلك. ومن ثم فإن اختيار المقياس ليس خطوة محايدة دائمًا؛ إذ قد يحمل في داخله افتراضات نظرية تحدد، قبل القياس نفسه، ما الذي نعدّه قدرة، وكيف نقيسها، وما الذي نعتبره نتيجة ذات دلالة.
ومن هنا أيضًا تظهر أهمية التمييز بين الجنس البيولوجي (Sex) والجندر (Gender). فالجنس يشير إلى الخصائص البيولوجية المرتبطة بالتكاثر، بينما يحيل الجندر إلى الأدوار والتوقعات والمعاني الاجتماعية المرتبطة بالذكورة والأنوثة. ولا يعني هذا الفصل إنكار الصلة بين البيولوجيا والمجتمع، بل رفض الانتقال من الحقيقة البيولوجية إلى الحكم الاجتماعي وكأن بينهما تطابقًا لازمًا؛ فالقدرة على الحمل، مثلًا، حقيقة بيولوجية، أما القول إن هذه القدرة تقتضي حرمان المرأة من التعليم فحكم اجتماعي لا تفرضه البيولوجيا بذاتها.
ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الحتمية البيولوجية إلى بنية اجتماعية تعزز نفسها بنفسها: يبدأ الأمر بفرق بيولوجي حقيقي أو مفترض، ثم يُحمَّل بمعنى اجتماعي، فتُبنى عليه أدوار وتوقعات وقواعد تتكرر عبر الأجيال، حتى يبدو ما صنعه المجتمع وكأنه انعكاس مباشر للطبيعة. وقد تنشأ بذلك دائرة مغلقة؛ إذ يُفرض نظام اجتماعي على أساس افتراض معين، ثم تُستخدم النتائج التي أنتجها هذا النظام دليلًا على صحة الافتراض الذي أنشأه. فإذا مُنعت النساء طويلًا من التعليم، ثم استُدل على ضعف حضورهن في بعض المجالات العلمية بوصفه دليلًا على قصور بيولوجي، فإن النتيجة قد تكون، في جزء منها، أثرًا للحرمان نفسه لا دليلًا مستقلًا على سببه.
ولهذا لا تكتفي فلسفة العلم بالنظر في النتائج، بل تسأل عن شروط إنتاجها: كيف اختيرت العينة؟ وما المتغيرات التي ضُبطت؟ وما الفرضيات التي سبقت القياس؟ وما البدائل التفسيرية الممكنة؟
وفي هذا السياق نفسه، تبرز أهمية أفلاطون بوصفه اختبارًا مضادًا لهذا الانتقال من الوصف إلى الحكم. ففي «الجمهورية» لا يجعل أفلاطون كون الإنسان امرأة سببًا كافيًا لاستبعادها من وظيفة الحراسة، بل يردّ الأمر إلى الصفات التي تؤهل الشخص للقيام بهذه الوظيفة. فإذا كانت امرأة تمتلك الخصائص اللازمة للحراسة، فما المبرر لاستبعادها لمجرد كونها امرأة؟
وتنبع قوة هذه الفكرة من أنها تفصل بين الهوية البيولوجية والأهلية الوظيفية. فالمرأة قد تكون امرأة من الناحية البيولوجية، لكن ذلك لا يخبرنا، في ذاته، هل هي شجاعة أم جبانة، حكيمة أم غير حكيمة، موهوبة في وظيفة معينة أم غير موهوبة فيها؛ فهذه خصائص أخرى لا بد من فحصها على نحو مستقل. وبذلك يرفض أفلاطون، في هذا الموضع، أن يكون الاختلاف الجنسي وحده معيارًا كافيًا لتوزيع الوظائف.
ولا يعني ذلك أن أفلاطون كان «نسويًا» بالمعنى الحديث؛ فتصوره السياسي كان محكومًا ببنية خاصة، وكانت مساواته في هذا الباب مقصورة أساسًا على طبقة الحراس، كما أن مشروعه لم يكن قائمًا على مفهوم المساواة الليبرالية الحديثة. غير أن أهميته هنا تكمن في إظهاره إمكانًا فلسفيًا مختلفًا: فوجود اختلاف طبيعي بين البشر لا يستلزم بالضرورة أن يعكس النظام الاجتماعي ذلك الاختلاف في كل وظيفة أو مجال.
ومن هذه النقطة يمكن الانتقال إلى أثر النموذجين خارج العالم القديم. فإرث أرسطو لم يقتصر على موقفه المباشر من المرأة، بل امتدت آثاره إلى البنية الغائية التي تربط طبيعة الشيء بوظيفته وموقعه، وهي بنية انتقلت إلى تقاليد فلسفية لاحقة، ولا سيما الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى. وقد استلهم توما الأكويني، مثلًا، جوانب مهمة من التصور الأرسطي للطبيعة والغائية في بناء نظريته عن «القانون الطبيعي» (Natural Law)، وإن كانت هذه النظرية أكثر تعقيدًا وتنوعًا من أن تختزل في الموقف الأرسطي المباشر من المرأة.
ثم، مع العصر الحديث، تغيّرت اللغة وتبدلت المفاهيم، لكن نمطًا من البنية الاستدلالية ظل حاضرًا: يُلاحظ فرق طبيعي، ثم يُفترض أنه يفسر فرقًا اجتماعيًا، ثم يُستعمل هذا الفرق الاجتماعي لتبرير ترتيب معين بين البشر. ومع الداروينية الاجتماعية (Social Darwinism)، ولا سيما عند هربرت سبنسر، استُعيرت مفاهيم من علم الأحياء لتفسير المجتمع والتنافس بين البشر، حتى غدا من الممكن، في بعض صور هذا الاتجاه، التعامل مع الهيمنة الاجتماعية كما لو كانت دليلًا على التفوق الطبيعي.
ومع علم تحسين النسل (Eugenics)، المرتبط بصورة خاصة بفرانسيس غالتون، اتخذ هذا المنطق صورة أكثر صراحة؛ إذ سعى أنصار هذا الاتجاه إلى تصنيف البشر وفق تصورات عن القيمة البيولوجية، وربط بعض الخصائص الوراثية بالقدرة أو الصلاحية الاجتماعية، ثم حاولوا بناء سياسات على أساس تلك التصورات. وهنا يظهر بوضوح كيف يمكن لفكرة «الفروق الطبيعية» أن تنتقل من مجرد تفسير للإنسان إلى أداة لترتيبه وتصنيفه.
وفي القرن التاسع عشر ظهرت كذلك اتجاهات في علم الأعراق (Race Science)، والقياسات القحفية (Craniology)، وعلم الفراسة الدماغية (Phrenology)، حاولت أن تربط حجم الجمجمة أو بنية الدماغ بالقدرات العقلية، ثم وظفت هذه الفروق المزعومة في تبرير تراتبيات عرقية وجندرية. ومع أن هذه الاتجاهات فقدت مشروعيتها العلمية، فإن أهميتها التاريخية لا تكمن في نتائجها وحدها، بل في كشفها عن خطر أعمق: أن تُمنح الافتراضات الاجتماعية لباسًا علميًا، ثم تُستخدم النتائج المفترضة لإعادة تثبيت الافتراضات التي انطلقت منها أصلًا.
ومع انتقال النقاش إلى القرن العشرين، ظهرت اتجاهات أكثر تعقيدًا ورصانة من تلك التصورات القديمة، مثل علم الاجتماع الحيوي (Sociobiology) وعلم النفس التطوري (Evolutionary Psychology). ولا يصح اختزال هذه المجالات جميعًا في الحتمية البيولوجية، كما لا يصح مساواتها مباشرة بالعلوم الزائفة السابقة؛ فهي تتضمن نماذج بحثية حقيقية ومساهمات علمية جادة. غير أن النقد يبدأ حين يتحول الاستعداد التطوري المحتمل إلى حتمية سلوكية، أو حين يُفترض أن كون سلوك ما قد كان تكيفيًا في بيئة تطورية قديمة يعني بالضرورة أنه ينبغي أن يظل معيارًا لتنظيم المجتمع الحديث.
وهنا تتضح موضع المشكلة: ليست في إدخال البيولوجيا في تفسير السلوك الإنساني؛ فذلك سيكون موقفًا غير علمي لو أنكرنا الطبيعة البيولوجية للإنسان، وإنما في تحويل العامل البيولوجي من عنصر في التفسير إلى تفسير وحيد، ثم من تفسير إلى قدر، ومن القدر إلى معيار اجتماعي.
ولهذا فإن أقوى نقد منهجي للحتمية البيولوجية لا يأتي من رفض البيولوجيا، بل من داخل فلسفة العلم نفسها.
وإذا كان الانتقال من الوصف إلى الحكم أحد وجوه المشكلة، فإن وجهًا آخر لا يقل أهمية يتمثل في الانتقال من مجرد الاختلاف إلى التراتبية، فحتى إذا ثبت وجود فرق بين مجموعتين في صفة معينة، فإن ثبوت هذا الفرق لا يعني، في ذاته، أن إحدى المجموعتين «أفضل» من الأخرى على نحو مطلق؛ إذ إن الاختلاف وصف لعلاقة بين خصائص، بينما التفاضل حكم معياري لا يستقيم إلا بالاستناد إلى معيار مستقل يحدد معنى «الأفضل». ومن ثم فإن إثبات فروق في بعض السمات لا يجيز، بذاته، إقامة هرم للقيمة الإنسانية.
وفوق ذلك، فإن الفروق بين المجموعات لا تتيح تلقائيًا إصدار أحكام على الأفراد المنتمين إليها. فإذا ثبت مثلًا وجود فرق إحصائي بين مجموعتين في صفة معينة، فلا يلزم من ذلك أن كل فرد من المجموعة الأولى يحمل تلك الصفة بدرجة أدنى من كل فرد في المجموعة الثانية؛ إذ قد تتداخل التوزيعات بين المجموعتين تداخلًا واسعًا، كما أن المتوسط الجماعي لا يصف بالضرورة الفرد الماثل أمامنا. وتزداد أهمية هذه النقطة حين تتحول الفروق الإحصائية، متى ثبتت أصلًا، إلى أحكام جوهرية تُسند إلى كل رجل أو كل امرأة، وكأن الانتماء إلى المجموعة يغني عن النظر في الفرد نفسه.
وفي هذا السياق تحديدًا يبرز أرسطو بوصفه نموذجًا فلسفيًا بالغ الأهمية في تاريخ الحتمية البيولوجية؛ لا لأنه كان أول من لاحظ الفروق بين الرجال والنساء، بل لأنه أدرج هذه الفروق في إطار فلسفي وطبيعي متماسك داخل منظومته الفكرية، فانتقل عنده الوصف إلى تفسير، والتفسير إلى تبرير.
وهذا يجعلنا لانغفل فكرة مهمة وهي أن الفلسفة الأرسطية تقوم على تصور غائي للطبيعة (Teleology)، يرى أن الأشياء لا توجد اعتباطًا، بل لكل شيء طبيعة ووظيفة وغاية، وأن ما يجعل الشيء ما هو عليه يرتبط بطبيعته (Essence) وبالغاية التي يؤديها. وحين امتد هذا التصور إلى الإنسان والمجتمع، غدا من الممكن النظر إلى الفروق بين الرجل والمرأة لا بوصفها فروقًا وصفية فحسب، بل بوصفها فروقًا تكشف عن وظيفة كل منهما وموقعه الطبيعي داخل النظام الاجتماعي.
ومن هنا أمكن، داخل البناء الأرسطي، الانتقال من الاختلاف الطبيعي إلى اختلاف الوظائف، ومن اختلاف الوظائف إلى اختلاف المواقع الاجتماعية، ثم إلى اختلاف السلطة. وفي بعض تحليلات أرسطو تظهر المرأة بوصفها أقل اكتمالًا من الرجل، وتُدرج العلاقة بين الرجل والمرأة ضمن نظام أوسع من علاقات الحاكم والمحكوم. وهكذا يغدو الاختلاف الجنسي جزءًا من تصور أشمل للنظام الطبيعي والاجتماعي، لا مجرد حقيقة بيولوجية قائمة بذاتها.
غير أن أهمية أرسطو في هذه المسألة لا تكمن في النتيجة التي انتهى إليها فحسب، وإنما في البنية الاستدلالية التي مكّنته من بلوغها وهو أن هناك اختلاف في الطبيعة، إذن هناك اختلاف في الخصائص؛ وإذا اختلفت الخصائص، اختلفت الوظائف؛ وإذا اختلفت الوظائف، أمكن أن تختلف السلطة؛ وإذا اختلفت السلطة، أمكن أن يصبح التراتب الاجتماعي انعكاسًا لـ«الطبيعة» نفسها. وهنا تحديدًا تكمن المشكلة؛ إذ إن الحلقة الأخيرة لا تخرج من الحلقة الأولى خروجًا ضروريًا، مهما بدا البناء متماسكًا من داخل النسق الفلسفي الذي احتواها ومن ثم فإن القوة التاريخية لأرسطو في هذه المسألة لم تكن في مجرد تسجيل العرف الاجتماعي السائد في عصره، بل في منحه تفسيرًا فلسفيًا وطبيعيًا، بحيث لم يعد الواقع الاجتماعي مجرد واقع قائم، وإنما غدا يبدو وكأنه تعبير عن نظام طبيعي سابق عليه. وثمة فرق جوهري بين أن يقال: «النساء في مجتمعنا لا يتولين بعض الوظائف»، وهي عبارة تصف واقعًا اجتماعيًا، وبين أن يقال: «النساء لا يتولين هذه الوظائف لأن طبيعة المرأة تجعلها غير مؤهلة لها»، وهي عبارة تتجاوز الوصف إلى تفسير الواقع تفسيرًا طبيعيًا، ثم تمنحه، ضمنًا، مشروعية تتجاوز مجرد وجوده.
