د. سعد الشيخ
Open in Telegram
5 985
Subscribers
No data24 hours
+27 days
-230 days
Posts Archive
5 985
الحلقة الثانية: جواب اعتراضات بعض الناس:
الاعتراض الأول: من سبقك إلى إعلال هذا الحديث:
قلت:
١- استغربه الدارقطنيُّ.
٢- وتعقّب مسلمًا فيه في "التتبع".
٣- وتحايده البخاريُّ فأعرض عنه لهذه العلة كما أشار إليه ابن حجر في مقدمة الفتح.
٤- واستشكل معناه الذهبيُّ.
٥- وقال ابن تيمية: شكّك فيه بعضُهم.
هذا الإجمال وإليك التفصيل:
[١]- قال الدارقطني: «هذا حديثٌ غريبٌ لم نسمعه إلا من هذا الوجه»، وهذا المعنى الذي حكاه الدارقطني يقتضي ثلاثة أمور:
الأمر الأول: نكارة إسناده؛ لأن ما يستغربونه إذا اتصلت به قرائن النكارة، كتفرُّد من لا يُحتمل به ومخالفة غيره له، فإنه يُحمل على التخطئة واستنكار تفرُّد راويه به. وهذا المعنى متحقق في حديث عدي؛ لأنه تفرَّد بهذا المعنى عن علي مع غلوه في الرفض وتقوية الحديث لبدعته، ولمخالفه غيره له في رفع الحديث كما سيأتي.
الأمر الثاني: ضعف المتابعات التي ركّبها بعض الهلكى لنفي تفرُّد عدي به.
الأمر الثالث: بطلان الشواهد المنكرة التي تكلّفها بعضُ الناس لتقوية حديث عدي ونفي تفرُّده برواية هذا المعنى عن علي، كحديث أم سلمة الذي يرويه مساور الحميري عن أمه، وهما مجهولان، وقال الذهبي: «أُمُّه لا تُعرف، وخبرُه منكر».
وكذا حديث ابن عباس، وهو من دسائس ابن أخي معمر في كتبه، وكان رافضيًا كذّابًا يدس الأخبار الموضوعة في فضائل علي في كتاب معمر، وقد أنكره النقاد عليه.
فالحديث بهذا المعنى تفرد به عدي بن ثابت كما حكاه الدارقطني، ومن قبله أبو حاتم الرازي والبزار.
[٢]- وانتقده الدارقطنيُّ على مسلمٍ في "التتبع" وقال: انفرد مسلمٌ بتخريج حديث عدي بن ثابت دون البخاري.
وهذه إشارة أخرى إلى غرابة هذا الإسناد ونكارته عند الدارقطني، وفيه معنى آخر مهم وهو:
[٣]- تنكُّبُ البخاريِّ لهذا الحديث في صحيحه لهذه العلة، ويؤيد ذلك: أن الحافظ ابن حجر لمّا أورد عديًا فيمن انتُقد على رجال الصحيح؛ قال مدافعًا عن البخاري: «لم يخرّج له شيئًا يقوي بدعته»، يشير إلى هذا الحديث، وهذا نصٌّ صريحٌ في تفسير إعراض البخاري عن حديث عدي مع أنه على شرط كتابه وحديثه عمدة في بابه؛ لِما فيه من تقوية لبدعته وعدم وجود ما يشهد له مما ينفي تفرُّده به.
فهذا ناقدان من حذّاق نقاد الحديث يشيران إلى إعلاله ونكارته، أحدهما بصريح العبارة كالدارقطني، والآخر بطريقته المعهودة في الإشارة والإلغاز كالبخاري.
[٤]- وأيضًا: استسكل الذهبيُّ متنه ومعناه، فذكر في "السير" بعض الأحاديث الواردة في فضائل علي، كحديث الطير، وحديث «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وذكر حديث عدي بن ثابت هذا، ثم قال: «وهذا أشكل الثلاثة، فقد أحبّه قومٌ لا خلاق لهم، وأبغضه بجهلٍ قومٌ من النواصب، فالله أعلم».
الاعتراض الثاني: أين المخالفة لحديث لعدي بن ثابت:
قلت: خولف عديٌّ في الإسناد وفي المتن:
أما الإسناد: فقد خالفه عاصم بن أبي النجود في رفع هذا الحديث، فرواه عن زر بن حُبَيش فأوقفه على علي ولم يرفعه.
قال ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٤٢٨٨- الشثري): حدثنا إسحاق بن منصور، عن سليمان بن قرم، عن عاصم، عن زر قال: قال علي: «لا يحبنا منافق، ولا يبغضنا مؤمن».
وعاصم وإن كان فيه ضعفا إلا أنه كان مختصًا بزر بن حُبيش وقرأ عليه وأخذ عنه قراءة ابن مسعود.
والراوي عنه: سليمان بن قرم، وهو شيعي مفرط بل رموه بالرفض، وقال عنه شعبة: «كان من الرفّاعين»، فلو كان الحديث مرفوعًا لرفعه سليمان بن قرم؛ لما فيه من تقوية بدعته ولموافقة عادته في رفع الموقوفات، فعدوله عن الرفع إلى الوقف دليل على ضبطه لهذا الحديث، مع ضعفه في نفسه، فهذا الإسناد شاهد على خطأ رفع الحديث وشاهدٌ عليه بالنكارة ودليلٌ ضده لا له، كما قد يفهم مَن لا يعرف طريقة النقاد في الإعلال.
وأما مخالفة غيره له في متن الحديث:
فقد رواه جماعةٌ من الصحابة بهذا اللفظ في الأنصار كما تقدم، ولم يرد في حق علي خاصة إلا من حديث عدي، مع كونه رواه باللفظ الآخر أيضًا، وهذا يبعث على الشك في كونه هو الذي اختلق هذا الحديث لجريان الكذب على لسان المبتدعة من غير أن يتعمّد الصادقُ منهم الكذب، وذلك بسبب غلبة معنى البدعة فيهم وروايتهم الأحاديث بالمعنى الذي استقر في نفوسهم أنه الحق، وهذا معنى رد نقاد الحديث مرويات المبتدعة فيما تؤيد بدعتهم مع صدقهم في أنفسهم.
فلعلّ الحديث كان عندي عدي موقوفًا فرفعه متأولًا أن مثله لا يُقال بالرأي، أو لاعتقاده بعصمة علي فيما يقول، أو غير ذلك من الاحتمالات.
وكون المحفوظ في هذا اللفظ أنه في عموم الأنصار، لا في خصوص علي = هو الذي يتفق مع أصول الشريعة وقواعد النظر في كون مَن أبغض عامة أنصار هذا الدين الذي آووا ونصروا وجاهدوا، لا يكون إلا عن نفاق؛ لانتفاء معنى الشخصنة في بُغضهم، لا أن يختص رجلٌ مع فضله بهذا الحكم مع عدم عصمته وجواز الغلط منه واحتمال وقوع أسباب المشاحنة بينه وبين غيره، فيقع له ما يقع لغيره من عداوات ومشاحنات باعثها الفطرةُ البشرية في الخصومات وليس
5 985
فالحاصل أن هذا الحديث:
١- يورده مسلم بعد ثلاثة أحاديث كلها وردت في "الأنصار" بنفس هذا اللفظ والتركيب.
٢- ثم يسوقه بعد تلك الأحاديث ويختم به الباب، وهو نفسه قد نص على أنه يؤخر الحديث المعلول عنده إلى أن يفرغ من الأحاديث الصحيحة.
٣- ثم هو حديثٌ فرد، في إسناده وفي متنه، يتفرد به راوٍ شيعي جلد متهم بالغلو في الرفض، ولا يتابعه عليه أحد ولا يشهد له حديث آخر، ويستغربه كبار نقاد الحديث كأبي حاتم والبزار والدارقطني.
٤- ثم يخالفه غيره في إسناده فيوقفه على علي ولا يرفعه.
فمع هذه القرائن -وغيرها- لا يمكن عدُّ الإسناد الثاني حديثًا مستقلًا لاختلاف مخرجه، بل يُقال عن الإسناد الثاني: لفظه خطأ وغير محفوظ، والمحفوظ بهذا اللفظ هو ما رواه مشاهير الصحابة، لا ما تفرد به فلان وخالفه غيره، ونحو ذلك من وجوه الإعلال.
٣- ومما يقوّي عندي أن هذا الحديث من تأوُّل عدي واختلاقه: أنه هو نفسه رواه عن البراء بن عازب في الأنصار، كما في رواية الجماعة، فلعله تصرّف في اللفظ وخصّ عليًا بذلك؛ لغلبة بدعة التشيُّع عليه، والله أعلم.
5 985
الحلقة الأولى: نقد حديث «لا يحبني إلا مؤمن..»
من أكثر الأحاديث التي يتعلق بها الروافضُ والمترفِّضون في رمي جملةٍ من الصحابة وخَلْقٍ من التابعين ومَن بعدهم مِن الرُّفعاء بالنفاق = الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق الأعمش، عن عَدِي بن ثابت، عن زر بن حُبيش، عن علي رضي الله عنه قال: «إنه لعهد النبي إليّ: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق».
وهذا إسنادٌ منكر لا يُجزم بتصحيح مسلم له لمجرد تحريجه في صحيحه، بل يُحتمل أنه أورده لبيان مخالفته للفظ المحفوظ كما سيأتي تحريره.
أما عن نكارة إسناده ففيه جملة من العلل القادحة، منها:
١- عنعنة الأعمش عن عَدِي في جميع طرق هذا الحديث، والأعمش مدلِّس مشهور، وتدليسه من أشرِّ أنواع التدليس وأقبحه؛ لأنه يدلِّس عن الهلكى والمتروكين ويُعمي عليهم، فيغتر مَن لا يعرف بظاهر الإسناد ويظنه صحيحًا. وما لم يصرح بالسماع فلا أقل من التوقف في حديثه، لا سيما إذا فاحت منه رائحة النكارة وكان فيه تقوية لبدعته، كهذا الحديث.
وهذا الوجه من الإعلال وإن كان غيرُه أقوى منه؛ إلا أن النقاد إذا استنكروا حديثًا ووجدوا في إسناده موصوفا بالتدليس حملوه عليه، وكذلك تنويع العلل المعتبرة وحشدها مما يوهن الخبر ويضعّفه، وإن كانت العلل نفسها متفاضلة في قوة القدح إلا أنها بمجموعها توهنه.
٢- تفرُّد عَدِي بن ثابت بهذا الإسناد عن زر بن حُبيش، وهو من غلاة الشيعة، ورُمي بالرفض، ومن الدعاة المشهورين إليه، وكان إمام مسجد الكوفة وقاصّهم وداعيتهم.
قال ابن معين: «شيعيٌّ مُفرط».
وقال أبو حاتم: «كان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم».
وقال الدار قطني: «رافضيٌّ غال».
وقال الذهبي: «شيعي جلد».
ومن مذاهب النقاد المتقدمين: الاحتراز في الرواية عن الراوي الموصوف بالبدعة فيما يقوي بدعته، لا سيما مع التفرد والمخالفة، كهذا الحديث.
وقد وردت لعدي بن ثابت متابعات من جنس ما قبلها عن الأعمش، من طرق منكرة وأسانيد مسروقة لتقوية خبره ونفي تفرده به، لكنّ نقاد الحديث زيفوا هذه الأسانيد وحكوا تفرد عدي بن ثابت بهذا الإسناد عن زر بن حُبيش. وراجع علل الدارقطني.
وقد انتُقد هذا الراوي على الشيخين لغلوه في بدعته، واعتذر الحافظُ ابن حجر عن البخاري بقوله: «وما أخرج له في الصحيح شيء مما يقوي بدعته»، وهذا يعني: أن البخاري انتقى له مما صح من حديثه مما تابعه عليه الثقات، وتحايد مما طُعن فيه من أجله، وهو انفراده بما يقوي بدعته، فكان البخاريُّ أشدّ احترازًا من مسلم، إذ أعرض عن حديث عدي هذا بالكلية.
ومع ذلك؛ فإن المتأمل في صنيع مسلم الممارس لمنهجه في إيراد الأحاديث؛ يُدرك أنه أورد حديث عَدي لبيان مخالفته للفظ المحفوظ لا ليحتج به، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنه أخّره إلى نهاية الباب، بعد إيراد الأحاديث التي وردت في الأنصار بهذا اللفظ، حيث أورد هذا اللفظ عن جماعة من الصحابة قالوها في الأنصار، ثم أورد حديث عدي هذا في آخر الباب؛ إشارةً إلى مخالفته للفظ الوارد عن جماعة من الصحابة في الأنصار.
واللفظ الأول هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق».
أخرجه مسلم من حديث أنس، والبراء، وأبي هريرة، وأبي سعيد. أربعتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في الأنصار.
ثم أورد بعد ذلك حديث عدي وختم به الباب؛ ليبين مخالفته لما سبق من مرويات الصحابة في لفظ الحديث، ومن عادة مسلم: أنه يؤخر الحديث المعلول إلى نهاية الباب كما نص في مقدمة صحيحه.
الوجه الثاني: من مذهب مسلم: أنه يُعل أحاديث الراوي المبتدع فيما يقوي بدعته، كما أعلَّ رواية أبي سنان وأبي حنيفة - وهما من المرجئة- عن علقمة في حديث جبريل في الإيمان، حيث رووه بلفظ: «شرائع الإيمان» تقويةً لبدعتهما.
قال مسلم في التمييز: «فأما رواية أبي سنان عن علقمة في متن هذا الحديث إذ قال فيه: إن جبريل عليه السلام قال: "جئت أسألك عن شرائع الاسلام"، فهذه زيادة مختلَقة ليست من الحروف بسبيل، وإنما أدخل هذا الحرف في رواية هذا الحديث شرذمةٌ زيادةً في الحرف مثل ضرب: النعمان بن ثابت وسعيد بن سنان، ومن يجاري الإرجاء نحوهما، وإنما أرادوا بذلك تصويبًا في قوله في الإيمان وتقعيد الإرجاء، ذلك ما لم يزد قولهم إلا وهنًا وعن الحق الا بُعدًا إذ زادوا في رواية الأخبار ما كفى بأهل العلم».
فهذا مسلم يردُّ رواية أبي سنان مع أنه ثقة عنده واحتج به في صحيحه؛ لأنه روى ما يقوي بدعته! وهكذا يُقال في رواية عدي بن ثابت.
لذلك خالف النوويُّ -رحمه الله- الصواب في تبويب هذه الأحاديث بقوله: «باب: الدليل على أن حب الأنصار (وعلي) من الإيمان»، لأن مسلمًا أورد حديث عدي بن ثابت ليعله لا ليحتح به. ولو أنه أورده في مناقب علي -مع كونه أصلًا في بابه- لا في كتاب الإيمان؛ لانتفت شبهة إعلاله.
5 985
Repost from أحسن موسي
وهذه طريقة ضعفاء النَّقد، كلَّما رأوا اختلافَ لفظٍ جعلوه قصَّةً أخرى، كما جعلوا الإسراء مرارًا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا اشتراءه من جابر بعيرَه مرارًا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا طواف الوداع مرَّتين لاختلاف سياقه، ونظائر ذلك.
وأمَّا الجهابذة النُّقَّاد فيرغبون عن هذه الطَّريقة، ولا يَجْبُنون عن تغليط من ليس معصومًا من الغلط، ونسبته إلى الوهم.
زاد المعاد (2/ 360)
5 985
Repost from أحسن موسي
وفي الختام قلب المؤلف الدليل على الغماري؛ فتقمص شخصيته، وغيَّر كلامه، وأثبت عكس ما ذهب إليه، هذا لو أن المؤلف قرأ البخاري قراءة مؤدلجة مثلهم، فإلقاء الكلام على عواهنه والتفسير السطحي يحسنه كل أحد، فقد يقال: "إن البخاري متشيع لإكثاره من الرواية عن عتاة الروافض، وتنكبه لفضائل معاوية رضي الله عنه، وروايته لأحاديث تنصر عليا في حروبه"، وهذا إلزام من المؤلف لهؤلاء القوم، والقصد منه نقض زعمهم في نسبة البخاري إلى النصب والانحراف عن أهل البيت.
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أحسن موسي
https://t.me/ahcenemoussi
5 985
Repost from أحسن موسي
3- أما توثيقه وروايته عن أعداء أهل البيت من الخوارج والنواصب؛ فلا يلزم منه أنه مؤيد لبدعتهم أو تقليله من عدائهم لعلي وأهل بيته؛ فالرواية عن المبتدع لا تعني تبرير بدعته، فالمعيار عنده هو الضبط والإتقان بغض النظر عن بدعة النصب أيضا.
والرواة المنسوبون إلى الخوارج هم 9 رواة فقط، واثنان لم تثبت بدعة الخروج عليهم في القول الراجح، وهم: جابر بن زيد وعكرمة مولى بن عباس، وواحد رجع عن بدعته وهو سعد بن عبيدة، وقيل: إن عمران بن حطان رجع أيضا. وترجم المؤلف لكل راو وبين منزلته في الرواية ومن نسبه إلى الخروج، وسياق مروياته في صحيح البخاري.
وبين المؤلف أن طريقة تخريج البخاري هي التحقق من صحة أحاديثهم، أنها لا تقوي بدعتهم، بل توبعوا عليها، ولها شواهد من الثقات.
أما الرواة المتهمون بالنصب فهم 18 راويا، وترجم المؤلف لكل راو وبين منزلته في الرواية ومن نسبه إلى النصب، وعدد مروياته وكيفية تخريج البخاري له.
وبين المؤلف أن منهج البخاري في التخريج لهؤلاء يتميز بـ: قلة نسبة الروايات عنهم لا تتجاوز 3 %. وانتقاء الروايات فلم يرو عنهم ما يقوي بدعتهم، وأنه لم يرو عنه ما انفردوا به، وبالتعامل مع الروايات بدقة مع كل راو، فبعضهم علق عنه، وبعضهم روى عنه في المتابعات أو قرنهم بغيرهم، وهكذا.
ب- تفسير التحايد بناء على دوافع سياسية:
زعموا أن البخاري عدل عن جعفر الصادق لارتباطات سياسية، واستندوا على أمرين:
1- معاصرة البخاري للمتوكل الذي وُصف بالنصب.
2-ضرب الحافظ نصر الجهضمي بأمر من المتوكل بسبب روايته حديثا في فضل علي رضي الله عنه. وهذا تطبيق للمستند الأول في زعمهم.
وبين المؤلف أن هذه استنتاجات نظرية سطحية، فالأدلة الواقعية تبطل هذه التفسيرات، وأورد جملة من الأدلة منها:
1-غياب الأدلة على تدخل السلطة في تصنيف صحيح البخاري، ومن الأدلة على ذلك حشد البخاري لروايات لا تجري على أهواء السلطة السياسة؛ كروايته فضائل علي أهل البيت، وروايته عن الخلفاء الأمويين، وروايته عن محدثين صادموا السلطة العباسية وخرجوا عليها.
2- روايته عن آباء جعفر.
3-عدم تركه الرواية عن جعفر بالكلية، فقد روى عنه في كتابيه: "الأدب المفرد" و"خلق أفعال العباد".
4-عدم شمول الضغط المزعوم علماء آخرين في تلك المدة.
5-استمرار البخاري في تنقيح صحيحه بعد وفاة المتوكل، فكان بإمكانه في تسع سنين بغد وفاه المتوكل الرواية عن جعفر في الإبرازة الأخيرة لصحيحه.
وخلص المؤلف أن سبب تحايد البخاري هي أسباب نقدية، وهو ما وضحه في المبحث التالي.
ج-توضيح الأسباب النقدية وراء التحايد:
بين المؤلف أن البخاري له منهج في صحيحه؛ فاختياره للرواة تخضع لشرط الكتاب، واحتياجه للراوي، وأن كتابه مختصر فلم يقصد الرواية عن كل الثقاة؛ فلم يخرج للشافعي ولا حديثا واحدا، بل ولا لكثير من الصحابة، وبعضهم من العشرة المبشرين بالجنة.
وهذا سبَّب استغرابا ونقدا من بعض النقاد؛ كابن حبان والنسائي، والدارقطني، والذهبي، ونقدهم كان منهجيا لا طائفيا.
أما الأسباب التي جعلت البخاري يترك الرواية عن جعفر فهي:
1- ليس عند جعفر من الأحاديث الأصول ما يجعل روايته ضرورة حتمية، بل لم يكن أصلا من المكثرين في الرواية.
2-وقوع جعفر في روايته أوهام وخلل واضطراب؛ كوصل المرسل، ورفع الموقوف وكثرة اختلاف أصحابه الثقات عنه.
3-الكثير من أحاديث جعفر لا تجري على طريقة البخاري؛ لما فيها من مراسيل، وموقوفات، وفتاوى.
4-وقوع جعفر في بعض عيوب الرواية في السماع؛ فلم يميز بين ما سمعه من أبيه وما رواه من النسخ.
5-وجود أسانيد أجود وأعلى من الأسانيد التي استقام فيها حديث جعفر، وعقد المؤلف لذلك مقارنة محكمة بين أحاديث جعفر في صحيح مسلم وهي (24) حديثا وما يقابلها في صحيح البخاري، وأظهرت المقارنة منهج البخاري في صحيحه؛ اهتمامه بعلو الإسناد، والزيادات الفقهية، ودقته في الصناعة الحديثية، واختصاره واكتفائه بالأحاديث المسندة.
ثم نقل المؤلف سجالات وردود كانت بينه وبين عداب الحمش، وظهر منها كبر وغرور عداب الحمش، وتفسيره تصرفات البخاري في صحيحه بدوافع طائفية سطحية، كما ظهر منها إلمام المؤلف بمنهج البخاري في اختيار الرواة وتقييمهم، وذكر منها: تقديمه معيار صحة الحديث وليس عدالة الراوي وحدها، والانتقاء من أحاديث الضعفاء، وترك الرواية عمن لم يميَّز حديثه، وتفريقه بين من روى عنهم في الأصول محتجا بهم وما رواه عن آخرين في الشواهد والمتابعات. ثم واصل المؤلف في نقض شبهات عداب الحمش المتهافتة، بمنهج نقدي استقرائي؛ فأسقطها كلها ولله الحمد.
5 985
Repost from أحسن موسي
مراجعة كتاب "أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري"
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.
فرغتُ من قراءة كتاب: "أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري، دراسة تحليلية لأسباب تحايد الإمام البخاري عن الراوي، جعفر الصادق أنموذجا، ومناقشة الاعتراضات الشيعية المعاصرة" للشيخ سعد الشيخ حفظه الله. وهذه مراجعة لأهم ما تضمنه الكتاب، وأقول مقدَّمًا: الكتاب نفيس جدًّا كسائر كتب الشيخ سعد، وقد أعدَّ في هذا الكتاب سمًّا ناقعا سقى آخر المبتدعة بكأس الأول؛ بدءًا من ابن عقيل الحضرمي إلى الغماري إلى عداب الحمش. وظهرت في البحث قوة المؤلف بارك الله فيه، وتمكنه في علم الحديث، وبمنهج البخاري.
جعل المؤلف بحثه النفيس في فصلين:
الفصل الأول: ترجمة الإمام جعفر الصادق وبيان مكانته في علم الحديث.
الفصل الثاني: عرض ومناقشة الأقوال حول أسباب التحايد، ومن جملة ما قالوا: إن الدوافع لذلك هي دوافع:
أ- طائفية.
ب- سياسية.
ج- نقدية.
فعرض المستندات والأدلة، وناقش الاعتراضات، ورد الأباطيل بمنهج وصفي استقرائي مقنع.
وهذا بيانه بالتفصيل:
في المقدمة ذكر المؤلف سبب تأليفه للكتاب، وهو تلك الانتقادات الموجهة للبخاري عن عدم روايته في صحيحه عن جعفر الصادق، وزعمهم أن ذلك كان لأسباب طائفية وسياسية، وذكر أن هذا البحث جاء لتفنيد تلك الانتقادات، موضحا أنها لا تستند إلى فهم دقيق لمنهج البخاري في اختيار الرواة. وذكر أن البخاري روى له في "الأدب المفرد"، واحتج به "خلق أفعال العباد" في أعظم مسائل العقيدة اختلافا وهي مسألة القرآن؛ حيث أسند عنه قوله: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق"؛ فاحتجاج البخاري به أرفع من الرواية عنه.
ثم ترجم المؤلف ترجمة موجزة لجعفر بن محمد الصادق، وذكر فضله وثناء أهل السنة عليه، وذكر عقيدته.
ثم بين منزلة جعفر الصادق في علم الرواية، وقرر أولا أن النقاد اتفقوا على عدالته وثقته وإمامته في الدين، ونقل كلام النقاد في ذلك، وذكر بعدها كلام بعض النقاد في روايته في الحديث وحفظه؛ كعدم تمييزه بين ما سمعه وما وجده وجادة عن آبائه، وهو ما سماه المؤلف "سوء الأخذ"، وما عابوه أيضا عليه من رواية الضعفاء عنه، واضطرابه، وقبوله التلقين.
وخلص المؤلف أن جعفر الصادق ثقة في الحديث لخمسة أسباب ذكرها. وأن الذهبي أفضل من حرر القول في جعفر، وأنه ثقة صدوق وما هو في الثبت كشعبة، وهو أوثق من سهيل وابن إسحاق...وغالب روايته عن أبيه مراسيل.
وفي الفصل الثاني: عرض ومناقشة الأقوال حول أسبا تحايد البخاري عن جعفر في صحيحه:
أ- تفسير التحايد بناء على دوافع طائفية:
واستند هؤلاء على ثلاثة مستندات وهي:
1- كتمان البخاري فضائل أهل البيت في صحيحه.
2-تحايده عن الرواية عن أئمة أهل البيت وعن شيعتهم.
3-توثيقه وروايته عن أعداء أهل البيت من الخوارج والنواصب.
ثم نقض هذه المستندات واحدة تلوى الأخرى:
1- أما كتمان البخاري فضائل أهل البيت في صحيحه فمنقوض بتبويبات البخاري مثل: "باب مناقب قرابة رسول الله"، و"باب مناقب علي.."، ومناقب جعفر والعباس و... وغيرها، ومن ذلك تضمنه حديث التشهد من الصلاة على الآل، أحاديث تنزيه الآل عن الصدقات. وذكر المؤلف جملة من تلك الأحاديث.
وقلب عليهم المؤلف الدليل عليهم: فالشيعة فسقوا وكفروا بعض أبناء الحسن بن علي وجعفر الصادق؛ كالكامل، والمثلِث، ومحمد النفس الزكية، وذموا محمد الديباج ابن جعفر، والأفطح، وزيد النار وغيرهم. فهذا الموقف تجاوز مجرد كتمان الفضائل الذي اتهم به البخاري إلى التجريح بل التكفير!
2- أما تحايده عن الرواية عن أهل البيت؛ فمنقوض بكثرة الرواية عن آل علي، وآل العباس وآل الحارث، وآل جعفر، ونساء أهل البيت، وبلغ جميع ذلك 18 راويا.
أما تحايد البخاري عن الرواية عن شيعة أهل البيت فهي دعوى لا أساس لها من الصحة؛ فبعض شيوخ البخاري من الشيعة بل بعضهم من غلاة الشيعة؛ كعبيد الله بن موسى وأبي نعيم وخالد القطواني، وعبَّاد بن يعقوب وغيرهم...وذكر المؤلف الرواة الشيعة والمنسوبين للتشيع الذين وردت روايتهم في صحيح البخاري وهم 42 راويا، ومنهم 7 روى عنهم تعليقا.
وهذا كله يدحض دعاوى تحايد البخاري عن الرواية للشيعة؛ فالمعيار عنده هو الضبط والإتقان بغض النظر عن بدعة التشيع.
5 985
التوجه إلى الأموات والقبور بالسؤال وطلب الحاجات وكشف الكربات = شركٌ أكبرٌ من جنس شرك الأولين، لا مداورة في ذلك ولا مجاملة، وليس في القرآن قضية أظهر من هذه القضية، بل التنفير من هذا الشرك، وتقبيحه في نفس القارئ للقرآن، ونصب الأدلة على إبطاله = هو مقصد القرآن الأول، ومن عمي عنه فهو عما سواه أعمى.
وقد تنوعت أساليب القرآن وتعددت وسائله في إقامة الحجج على إبطال هذا اللون من الشرك، من ذلك:
١- آيات تصف الدعاء بالعبادة المحضة، وتجعله حقًا خالصًا لله وحده، وتنهى عن الإشراك بالله فيه.
٢- وآيات تطلق وصف الشرك على من توجه لغير الله بالطلب والسؤال فيما لا يقدر عليه إلا الله، وفي بعضها تصفه بالكفر.
٣- وآيات تصف «المدعوّين من دون الله» بالعجز، والضعف، والغفلة عن سماع النداءات والهتافات، وبالعجز عن الاستجابة على افتراض قدرتهم على السماع.
٤- وآيات تصف معتقد المشركين الأوائل مع آلهتهم وتحدّد نوع شركهم بالله:
أ- إنهم لا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون مع الله، أو ينازعونه المُلك، أو يشاركونه تدبير العالم، بل هم مخلوقون لله، مدبّرون، مملوكون، يملكهم الله وما ملك.
ب- إنهم يتوجهون إليهم، ليس لتأثيرهم الذاتي المستقل عن الله، بل ليقربوهم إلى الله زلفى.
ت- إنهم لا يسألون آلهتهم لأنها تملك القدرة الذاتية على نفعهم وضرهم ونجاتهم من عذاب الله، بل لتشفع لهم عند الله، علَّ الله يقبل وساطتها فيهم.
ث- وإنهم فوق هذا، إذا اشتد بهم الكرب وحاصرتهم الشدة، تخلوا عن هذه الوساطات، وتوجهت قلوبهم لله وحده، وأخلصوا له العبادة.
ثم إذا انتقلنا إلى السنة الشريفة وتصرفات صاحب الشرع؛ وجدناه يعزّز المقصد القرآني بالتوجه إلى الله وترك سؤال غيره، ولو فيما يقدرون عليه، وزاد الأمر بيانًا وتوضيحًا:
١- فيبايع بعضَ أصحابه على: «أن لا يسألوا الناسَ شيئا» فيقول عوف بن مالك: «فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه». صحيح مسلم.
٢- ويوصي ابنَ عباس: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله». أخرجه أحمد والترمذي.
٣- ويزجر من قال له: «إذا شاء الله وشئت»، ويستنكر ذلك منه ويقول: «أجعلتني لله ندًا !!». أخرجه أحمد.
٤- وقال لخطيبٍ: «بئس الخطيب أنت». أخرجه مسلم؛ لأنه لم يفصل بين اسمه واسم ربه بفاصلٍ يجعله تابعًا لا مساويًا، ولو بالعطف المجرد!
٥- وينكر على الجارية قولها: «وفينا نبيٌ يعلم ما في غدٍ» صحيح البخاري. ويقول: «دعي هذا وقولي ما كنت تقولين» مع أن لقولها مخرجا صحيحا أصح من الاعتذار لأقوال أمثال البوصيري في بردته! لكن في باب التوحيد لا يُبحث عن مخارج بل يُسد الباب.
٦- وسدّ كلّ منافذ الشرك وبالغ في سدّه؛ فحرّم زيارة القبور في أول الأمر خشية افتتان الناس بها، حتى إذا فاءوا للتوحيد إذن لهم بزيارتها لتذكّرهم بالآخرة مع النهي عن كل ما من شأنه الافتتان بها، فأمر بتسوية القبور ونهى عن رفعها، ونهى عن تجصصيها، وعن الكتابة عليها، وعن الصلاة إليها، وعن اتخاذها مساجد.
وإذا انتقلنا إلى جيل الصحابة؛ وجدناهم حرّاسًا للتوحيد وحصنًا منيعًا ضد كل شوائب الشرك:
١- فينهى عمر -رضي الله عنه- الصحابةَ عن تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج ابن سعد في الطبقات، والفاكهي في أخبار مكة، وابن أبي شيبة في المصنف، بأسانيد مرسلة قوية مختلفة المخارج، عن عمر أنه لما بلغه أن الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها ويعظمونها، فأمر بها فقُطعت.
٢- وروى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عالية عن أبي موسى الأشعري وأنس ومطرّف بن مالك وجماعة من الصحابة والتابعين: أنهم لما فتحوا تستُر وجدوا أهلها يستسقون بقبر يقال إنه النبي دانيال ويستمطرون به، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه، فكتب إليهم: «ان انظر أنت وأصحابك (يعني: أصحاب أبي موسى) فادفنوه في مكانٍ لا يعلمه أحد غيركما» قال أنس: «فذهبتُ أنا وأبو موسى فدفناه».
وإذا انتقلنا إلى منهج النظر الفقهي وقواعد الاستدلال ومقاصد الشريعة والمحكم من الأدلة؛ فنجد أن كليات الشريعة تأمر بسد الذرائع في نصوص كثيرة جدًا، وتنهى عن المباح إذا جرّ إلى الوقوع في المحذور. وسؤال الأموات والافتتان بالقبور إن لم يحرم لذاته؛ فيحرم لقصد حماية عقائد الناس وتوحيدهم من الاعتقادات الفاسدة في الأموات، والله المستعان.
5 985
قلت: لم يُهمل الشيخ الحديث الضعيف في أحكامه، بل على العكس كان من أشد الناس عناية به، وإعمالًا له في تقوية الأخبار. بل إن تعويله على تقوية الأسانيد الضعيفة بعضها ببعض من أشهر المآخذ التي أُخذت عليه، حتى صار ذلك سمةً بارزةً في تصرفاته الحديثية. فقلّ أن يصحح الشيخ حديثًا بالإفراد في "صحيحته"، وإنما غالب تصحيحاته بالمجموع؛ فيقوي الضعيف بالضعيف، ويرقيهما إلى درجة الحسن أو الصحيح، بل قد يقوي الضعيف المتهالك بمثله، فيجعله في رتبة الحسن لغيره! وهذه الطريقة مشهورة في كتبه، لا يحتاج القارئ إلى كبير عناء لإدراكها، بل يكفيه بحث يسير في مصنفاته ليتبين له ذلك بجلاء. فكيف يزعم هذا الرجل أن الشيخ يسوي بين الضعيف والموضوع! وأنه يُهمل الضعيف بالكلية! والشيخ نفسه يكثر من ترقية الضعيف والعمل به؟!
ثم إن هذا كله، بقطع النظر عن أن نبذ الحديث الضعيف جملةً هو مذهب طائفة من المحدثين الأوائل، وقد نصّ عليه مسلم في مقدمة صحيحه، فلا يُعدّ القول به -على فرض أن الشيخ ذهب إليه- من بدعه ولا مما يُستغرب عليه.
«البدعة الرابعة: الغفلة عن تفاوت معايير الحكم على الحديث لدى المجتهدين، فللحنفية مثلا معايير تخالف الجمهور في قبول الحديث، وهم في ردهم للحديث إن لم يوافق معاييرهم، لا يردون السنة بل يردون شهادة الرواة بأن هذا الكلام المروي قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم كثر تشنيع الجلهة على المذهب الحنفي خاصة لعدم علمهم بمآخذ علمائه».
قلت: المرجع في الحكم على الأخبار هو لقواعد الأئمّة النقّاد ومعاييرهم ومناهجهم النقدية، لا إلى مناهج غيرهم من الفقهاء والأصوليين والمتكلمين. ومن العجب أن يُرمى المرء بالبدعة إذا تمسّك بقواعد النقّاد المغايرة لما يُدَّعى أنّها قواعد فقهاء الحنفية! ولو كان هذا الرجل يفقه أو يقرأ لأدرك أنّ رأي الألباني في الحنفية وفقهِهم وإمامِهم وقواعدِهم في قبول الأخبار وردّها من أحسن وألطف ما قيل بين المحدثين، بل وصفُه بأن التشنيع على المذهب الحنفي لا يصدر إلا من الجهّال إنما هو برهان جهله هو؛ إذ الكلام في أبي حنيفة وفقهه قد ملأ كتب الحديث والفقه، فضلًا عن كتب الرجال والتراجم، ومن تكلّم في أهل الرأي هم محدّثون وفقهاء وأئمّة ونقّاد، لا جُهّال كما يزعم.
ثم إنّ طريقة الحنفية في النقد لم يلتزم بها أئمة الحديث، بل حتى بعض محدثي الحنفية أنفسهم كالطحاوي كان يسير بالجملة على منهج المحدثين. بل كانت قواعد الحنفية في النقد، التي رُدّت بها أحاديث صحاح لا مغمز فيها بوجه من الوجوه، محلّ تشنيع واعتراض عند المحدّثين الأوائل، فكيف يُجعل التمسّك بها سُنّةً ماضية، ويُعدّ الإعراض عنها بدعةً!
وإني أحيل المذكور إلى "كتاب الرد على أبي حنيفة" في آخر مصنَّف أبي بكر ابن أبي شيبة، وما أورد فيه من الأخبار الصحيحة، وكيف كان أبو حنيفة يردّها بتلك القواعد، من وجهة نظر أحد المحدّثين الأوائل، ليقف بذلك على مسلك الردّ القديم على الحنفية قبل ولادة الألباني بما يزيد على ألف عام.
«البدعة الخامسة: الظن بأن الحديث إن صح لزم عن صحته العمل به، وهذا غير سديد؛ لأن الحديث قد يكون له معارض مقبول أو أقوى منه قرآنا أو سنة، لذا قد يحكم بنسخه أو مرجوحيته أو يتوقف فيه المجتهد .. ومن المتسالمات بين العلماء أنه ليس كل صحيح يعمل به. وذلك على عكس ما يفهم الكثير من المتسورين على العلم في عصرنا».
قلتُ: لم يصدق هذا الرجل في تهمة واحدة رمى بها الشيخ. ومع أنني من أكثر الناس انتقادًا لمنهج الشيخ النقدي، بل ومنهج كثير من المتأخرين والمعاصرين في باب النقد؛ إلا أن من الإنصاف والعدل ألا يُكذب على الشيخ، فالكذب كل أحد يقدر عليه، فكان ماذا؟
والشيخ لا ينازع في أن الحديث الذي صح إسناده قد يُعارض بما هو أقوى منه، أو قد يكون منسوخًا بصحيحٍ متأخر، أو متروك العمل به رغم صحة سنده، ونحو ذلك مما تجده كثيرًا في كتبه، كـإرواء الغليل وتمام المنّة وغيرهما. وهذه مسائل أصولية لا تدخل في دائرة النقد الحديثي المحض، بل هي محل خلاف واسع بين الفقهاء أنفسهم. ومخالفة الشيخ لجمهور العلماء في بعض المسائل الفقهية التي شذ بها، لا تُخرجه عن النسق الأصولي العام في الاستدلال، فليس أحد من أهل العلم إلا وله هنّات. والله المستعان.
هذا ما تيسرت مناقشته مع هذا الرجل، وقد أعرضت عن كثير من كلامه الذي لا يستحق الوقوف عنده. والله الموفق.
5 985
مناقشة البدع الخمس للحكم على الحديث عند الألباني:
أرسل لي بعض الأخوة منشورًا لشخص أزهري يزعم فيه الرد على "البدع الخمس" للألباني في الحكم على الحديث، لأوضح رأيي فيه. فكتبت للأخ السائل ردًا، هذا خلاصة ما جاء فيه:
«البدعة الأولى: الوهم بأن المعيار الوحيد في الحكم على الحديث هو الإسناد، دون اعتبار لطرق أخرى معتبرة تصحح الحديث؛ كتلقي العلماء له بالقبول، ونحو ذلك مما يذكر في موضعه».
قلت: إن صاحب هذا القول جاهل بصنعة الحديث، فلا غرابة أن يخلط بين منهج المحدثين وغيرهم في نقد الأخبار. فطريق الحكم على الحديث عند المحدثين إنما هو الأسانيد وحدها، وهذا أمر لا ينازع فيه من له أدنى معرفة ببديهيات النقد الحديثي عندهم. حتى النقد الداخلي للمتون إنما يستند فيه النقاد إلى الإسناد، إذ لا يقع الوهم في المتن إلا من أحد رواته في طبقة من طبقاته؛ لأن المتن إنما هو نص منقول بطريق السماع أو غيره من طرق التحمل، فإذا وُجدت علّة في لفظه فإنما مردّها إلى خلل في سلسلة النقل. ومن ثمّ كان الإسناد هو السبيل الحتمي للكشف عن العلة. بل إنهم إذا وقفوا على متن منكر مع نظافة إسناده التمسوا له علةً لا يُعلون بمثلها في الغالب، كاتهام راوٍ بالتدليس مع أنه لم يُعرف به، أو نحو ذلك، لأن منطلقهم في نقد المتون هو الإسناد وحده.
أما الطرق الأخرى في الحكم على الحديث فهي خارجة عن منهج المحدثين، كطريقة بعض الفقهاء المتأخرين الذين خالفوا أهل الفنّ فصححوا ما هو معلول، أو أعلّوا بما لا يُعِلّ به النقاد، ولا قيمة لطريقتهم باتفاق، إذ المرجع في ذلك إلى المحدثين، وقد نقل الإمام مسلم وغيره الاتفاق على هذا الأصل.
وقد خلط هذا القائل بين منهج المحدثين ومنهج بعض الفقهاء المتأخرين في مسألة الحديث الذي يتلقاه العلماء بالقبول مع ضعف إسناده. فالمحدثون يقبلون مثل هذا في العمل والاستئناس، لكنهم لا يصححون نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد تلقي العلماء له بالقبول، بل يبقى ضعيفًا من جهة الصناعة، وإن جرى العمل به. فتلقي العلماء للأحاديث الضعيفة بالقبول لا يرفعها إلى مرتبة الصحيح، ولا يثبت به نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والألباني رحمه الله لم يُنكر الأحاديث التي جرى العمل بها، لكنه لم يصحح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو منهج المحدثين الأوائل. وينص الترمذي في جامعه كثيرًا على ضعف الخبر، ثم يقول: عليه العمل. فليس في صنيع الألباني بدعة، وإنما البدعة في عقول من لم يفهم.
ومن طرائق المبتدعة في الحكم على الحديث ما فعله بعض الصوفية وغيرهم، كعبد الله الغماري الذي كان يصحح أحاديث موضوعة لمجرد موافقتها لأحوال الصوفية، وهذه هي البدع الحقيقية المسكوت عنها عند هذا الأزهري وأمثاله.
«البدعة الثانية: حصر انقسام حديث الآحاد في قسمين فقط هما الصحيح والضعيف ، وعدم اعتبار وجود قسم وسط هو الحسن بنوعيه، لذاته ولغيره».
قلت: هذا افتراءٌ سافر وكذبٌ ممجوج، فإن كتب الشيخ مليئة بتحسين الأحاديث، سواء الحسن لذاته أو الحسن لغيره، بل كان هذا من أبرز ما أُخذ عليه، وكثرت التعقبات عليه بسببه، حتى عُدّ من مظانّ تساهله. فالقائل بهذا إما متعمد للكذب على الشيخ، وإما جاهل لم يطالع شيئًا من كتبه، وكلاهما قبيح، وأهونُهما أن يكون جاهلاً يتكلم فيما لا يعلم.
وهذا بقطع النظر عن أن تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام -بالمعنى المقرر في كتب المصطلح- تقسيم متأخر، إذ كان المتقدمون يقسمونه إلى صحيح وضعيف فقط، أما الحسن فمع شيوع استعمالهم له أحيانًا، إلا أنه لم يكن عندهم مصطلحًا نقديًّا منضبطًا ذا معنى ثابت، بل استعملوه بمعانٍ شتى: تارة في معنى الصحيح، وتارة في معنى الضعيف، وتارة في الموضوع، وأحيانًا يراد به مجرد الاستحسان النفسي والقبول الذوقي للناقد، وقرائن الحال وما يحتف بالخبر هي التي تعيّن مرادهم به. ثم جاء الترمذي فأبرز مرتبة الحسن كاصطلاح مستقل، ووضع له حدًا خاصًا به، ومغايرًا لما استقر عليه المتأخرون.
فكيف يُتهم الألباني بالابتداع لعدم أخذه بالتقسيم الثلاثي للأخبار -مع كذب هذه الدعوى من أصلها- وهذا التقسيم نفسه من عمل المحدثين الأوائل؟! بل إن البلية الكبرى التي دخلت على المتأخرين هي التوسع في باب الحسن، إذ به تسللت مئات الأحاديث المنكرة والموضوعة من النافذة بعدما أخرجها الأوائل من الباب.
«البدعة الثالثة: إهمال الحديث الضعيف بالكلية، والوهم بأن وجوده كعدمه، وأنه ينبغي التخلص منه، وأنه شر كله مع مساواته بالموضوع والمكذوب .. والغفلة أن جامع "صحيح البخاري" هو نفسه جامع "الأدب المفرد" ، والعلماء على خلاف هذا المنهج إذ للضعيف عندهم دور علمي وتربوي لا ينبغي إغفاله».
5 985
جديد إصدارات #مركز_تبصير لــ #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب_2025
صدر حديثًا
- تجدونه بجناح رقم: B252
5 985
جديد إصدارات #مركز_تبصير لــ #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب_2025
صدر حديثًا
- تجدونه بجناح رقم : B252
5 985
من الشام تبدأ النهضة، ومن سوريا -أرض الرباط والصبر- ستكون بإذن الله انطلاقة أهل السنة والجماعة، ونهضتهم ويقظتهم.
فهي اليوم أنسب بيئة للعمل العلمي والدعوي والخيري، وهي في أمسّ الحاجة إلى جهود أهل العلم، وأصحاب الدعوة، ورجال الخير، ومنظمات العمل الإنساني.
في كثير من مناطقها دُمرت المساجد، فلا يجد الناس موضعًا للصلاة، ومناطق أخرى حُرمت من المياه الصالحة وتحتاج إلى حفر آبار، وبيوتٌ مهدّمة لم تعد تؤوي أهلها، وآلاف العائلات من أسر الشهداء يعيشون تحت خيام بالية مثقوبة، والشتاء القارس على الأبواب.
معاهد شرعية لأهل السنة تفتقر لأبسط الإمكانات، وطلاب علم قد فرّغوا أنفسهم للطلب لا يجدون ما ينفقون به على أنفسهم وأهليهم.
أما المدارس، فقد تهدمت على رؤوس طلابها في بعض المناطق، فلا تعليم ولا مأوى... والمشهد أعظم من أن يُختصر.
إنها دعوة مفتوحة لكل قادر على البذل، أن يزور الشام، ويتنقّل بين مدنها، ويشاهد الواقع عن قُرب، ليدرك حجم الحاجة وعِظَم الفرصة.
ومع سهولة التراخيص، وتعاون الجهات المختصة، فإن الأبواب مشرعة لكل من أراد أن يعمل لله، ويُسهم في نهضة هذه الأمة من قلب الشام.
5 985
https://drive.google.com/drive/folders/1AN6yN8ZT3IO4aXp6KQHos3C9R1yg5XQj?usp=drive_link☑️ رابط قابل للتحديث باستمرار 📝 👆🏻دروس الأمالي على الموطأ مفرغة pdf
https://drive.google.com/drive/folders/1u4e1RRcLt2r7q3xjejGTyNDY9uaDP1Sp?usp=drive_link☑️ رابط قابل للتحديث باستمرار 📃 👆🏻دروس النكت على نزهة النظر مفرغة pdf
https://drive.google.com/drive/folders/1FiNFSY8NVUDCt5c4d7VSilu28EyS6B-8?usp=sharing☑️ رابط قابل للتحديث باستمرار 🗒👆🏻دروس شرح الارشادات لطارق عوض الله مفرغة pdf
5 985
لم يكن التنازل عن الثوابت عند الجماعات نابعًا من قناعة فكرية أو تحوُّلٍ عقدي، بل كان ثمرة انتكاسة إيمانية، وضعفِ صِلَةٍ بالله، ووهنِ القلب عن مواجهة فتنة النصر وبريق السلطة. فليس الخلل في التصوّرات، بل في الإيمان الذي لا يثمر عملاً، ولا يُورث عبادة، ولا يبعث على تضحية.
وحده الإيمان الحيّ، المتغلغل في أعماق النفس، هو القادر على الصمود عند الفتن، والثبات عند الزلزلة.
لذا، فالمخرج ليس في تعليم العقائد الذهنية المجردة عن العمل التي تعاظمت بحكم الإرجاء الخفي، بل في تربية النفس على لزوم الطاعة، وكثرة النوافل، وخشونة الطريق، والانقطاع إلى الذكر، واستحضار المراقبة، وتزكية القلب، والزهد في الدنيا.
هذا هو الطريق... طريق النجاة والثبات، لا طريق المساومة والانهزام.
5 985
خذ العبرة من معركة السويداء مع الباطنية الأوغاد، يوم ارتفعت المواجهة حتى بلغت أسيادهم الىهود، وسقطت الأقنعة عن الوجوه، وبدت الملامح الكالحة على حقيقتها، ولا ريب أن قلبك يعتصر ألمًا على أهدافٍ لم تكتمل، وغاياتٍ لم يُكتب لها التمام، لكنّ ما جرى –وإن كان قاسيًا في نتائجه– قد حمل في طيّاته من الخير ما لا يُدرك إلا بالبصيرة، ومن المكاسب ما لا يُنال إلا بثمنٍ باهظ:
فمنها: أن ستارًا كثيفًا من الزيف قد تمزّق، وزُخرفًا باطنيًا من ادعاء الوطنية والكرامة قد انكشف، وسُحبت ورقة التوت عن خيانةٍ ممتدةٍ في جذور التاريخ، فإذا أولئك الذين خُدع بهم قومٌ من أهل السنة، ما هم إلا أبناء خيانةٍ متوارثة، ونطفٍ باطنية لا تلد إلا مثلها.
ومنها: أن أهل السنة -بحكم تغييبهم القسري عن عقيدتهم وولائهم الحقيقي لدينهم وجماعتهم على مدى عقود من التلبيس والتضليل- تعوّدوا أن لا يستيقظوا على الحقائق إلا والمعركة ساخنة، ولا تَدخل المفاهيم المغيَّبة إلى عقولهم إلا والسيف على رقابهم. فكان من قدَرهم أن لا يبصروا العدو إلا حين يطعن، ولا يتمايز في وعيهم الصف إلا بعد أن يُسفك الدم.
ومنها: تجييش أهل السنة ضد هؤلاء الباطنية، وتبصيرهم بخيانتهم التاريخية، وعداوتهم الأصيلة لأهل الإسلام، حتى يُعزلوا في مدنهم وقراهم، ويُرابط على حدودهم، وتُشدّ في وجوههم العزائم، وتبقى الجاهزية قائمة في دفع شرّهم وكيدهم، فلا يلقاهم أهلُ السنة بعد اليوم إلا بركلةٍ أو بصقة، وازدراءٍ لا يُرمى به إلا مبغضٌ لدين الله، طارئٌ على الأمة، دخيلٌ في جسدها، لا نسب له في ملّتها، ولا مكان له في جماعتها.
ومنها: أن الصفوف قد تمايزت، وسقط المنافقون الذين طالما اختبؤوا في ظلال الشعارات، وانكشف المستور، وأطلّت الوجوه التي لا تنتمي إلا لأعداء الأمة، مهما لبست من ثياب أهلها.
وقبل هذا كله، وفوقه: ليتخذ الله منكم شهداء، فإنّ سوق الشهادة في الشام لا يعرف الكساد، ولا تنقضي مواسم الاصطفاء فيها، فما تزال أرضها ميدان البلاء والتمحيص، ومختبر الصدق والعهد، يُنتقى فيها من شاء الله من عباده، ليرتقي على وقع الرصاص والتكبير.
فهنيئًا لمن وعى، وهنيئًا لمن مضى، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
