الروَاق
Open in Telegram
مَعنيٌّ بالكتب، وما أنا من العلماءِ، ولا من الجهّال.
Show more1 147
Subscribers
-124 hours
-27 days
-130 days
Posts Archive
1 147
السلام عليكم..
دراسات إنسانية ألماني ولا إنجليزي أفضل من ناحية فرص العمل وبشكل عام يعني، ولو في كليات في الأزهر مستخبية كده بس دراستها كويسة
أفيدونا من واقع تجربتكم وخبرتكم لو تكرمتم.
https://zaqa.net/AlrewaaQs
1 147
ثمة قول كثيرًا ما أسيئ استعماله مؤخرًا، وهو أن الحكمة لا تكتسب بقراءة الكتب بل بقراءة البشر. وبالتالي فإن أولئك الأشخاص الذين لا يستطيعون في غالبيتهم أن يقدموا دليلاً آخر على حكمتهم، يُسرون جدًا بإظهار ما يظنون أنهم قرأوه في البشر، مغتابين بعضهم بعضًا دون أية رحمة. لكن ثمة قولاً آخر ليس بجديد، قد يسمح لهم أن يتعلموا بحق قراءة بعضهم بعضًا، إذا تكلفوا مشقة ذلك، وهذا القول هو: "قرأ ذاتك" (Nosce tripsum). ولم يكن المقصود بهذا القول تأييد همجية أصحاب السلطة إزاء من هم دونهم مرتبة، ولا تشجيع الوضعاء على التصرف بوقاحة تجاه رؤسائهم، كما في الطريقة التي يستعمل بها اليوم بل المقصود هو تعليمنا أنه وبسبب تشابه أفكار الإنسان وأهوائه مع أفكار أي إنسان آخر وأهوائه، أن من ينظر داخل نفسه ويتأمل بما يفعله حين يفكر ويكون رأيًا، ويستدل عقليًا، ويأمل، ويخاف إلخ، سوف يقرأ ويعرف ما قد تكون عليه أفكار الآخرين وأهواؤهم في مناسبات مشابهة إنني أتكلم عن تشابه الأهواء، التي هي نفسها لدى جميع البشر؛ الرغبة الخوف الأمل إلخ، وليس عن تشابه الأهواء، أي الأشياء المرغوبة والمرهوبة وموضع الأمل إلخ، فهذه الأشياء تختلف وفق التكوين الفردي والتربية الخاصة، وهي قد تخفى علينا بسهولة كبيرة.
-مقدمة اللفياثان، توماس هوبز، بتصرف يسير.
1 147
أحد أوجه القصور عند كثير من الخائضين في القضايا الفلسفية والعقدية أنهم يقفون عند حدود التقريرات النظرية لمذاهبهم، ولا يتتبعون لوازمها حين تُنقل من حقل إلى آخر؛ أي عندما تُفعّل تلك المقولات في مختلف الحقول، مثل الاجتماع والاقتصاد والسياسة. وهو ما يجعل الآراء المعاصرين لا تختلف في عما كانت عليه قبل قرون... تكرار ممل.
فالاشتغال الفلسفي عند هؤلاء هو نوع من الجدل المنعزل عن الحياة؛ تُناقش فيه المقولات كأنها قضايا مجردة، ليس لها أي تطبيقات أو ممارسات معينة على أرض الواقع، ولا لها ما يترتب على مقدماتها من مواقف عملية. ولعل ذلك أحد أسباب تشويه سمعة الفلسفة، بوصفها مجالًا نظريًا منعزلًا عن الواقع، وبوصف الفلاسفة منفصلين عن الواقع، هائمين في عوالم صنعوها بأنفسهم، لا ترتبط بالواقع المعيش.
الماركسية، بصرف النظر عن الموقف من صحة مقدماتها أو نتائجها، تجربة لافتة في تحويل الفلسفة إلى مشروع لفهم الواقع وتغييره؛ فلم يتعامل منظروها مع تصوراتهم المادية الفلسفية بمعزل، بل فعلوها في فهم المجتمع، واستخرجوا منها تصورات عن مشكلاته، ثم حاولوا بناء حلول ومشروع اجتماعي على أساسها، ونقلوا أفكارهم من الكتب إلى التنظيم والحركة والعمل بين الطبقات العاملة؛ فراحوا يدرسون الفلسفة للشغيلة لأنهم عدوها أساسًا نظريًا يُبنى عليه فهم لاحق للماركسية.
لم يكتفوا بتفسير العالم كما كان دأب من سبقهم من الفلاسفة، بل عملوا على تغييره، بتعبير ماركس؛ لأنه ما فائدة التفسيرات إذا لم يكن لها صدى في الواقع؟! حين تقف الفلسفة والعقيدة عند حدود المجادلات وإصدار أحكام معينة على المخالف -مع أهمية ذلك بالطبع- من دون أن نغير من خلالها شيئًا، فنحن بصدد فلسفات وعقائد جامدة، أو أن أصحابها مثقفون غير مسؤولين، أو كلاهما.
1 147
حين تتبنى فكرةً ما، فأنت تفترض ضمنًا أنها صحيحة، وأن غيرها باطل، أو هي في أحسن الأحوال أقرب إلى الصواب من سواها، وإلا فما الداعي إلى تبنيها أصلًا؟ لذلك ليس معني الانفتاح الفكري أن تتعامل مع الآراء المتعارضة كأنها متكافئة، أو أن تجمع بينها لتثبت أنك منفتح؛ فبعض الأفكار متناقضة، ولا يمكن أن تكون كلها صحيحة في آنٍ واحد.
والانفتاح الفكري ليس أن تكون مترددًا في كل ما تعتقده، بل أن تكون -مع تمسكك بما تعتقده صوابًا- مستعدًا لاختبار قناعاتك، والإصغاء إلى من يخالفك، والنظر بجدية في حججه ونقده. وأن تملك مع ذلك الشجاعة الفكرية التي تُمكنك من التراجع عن موقفك ومراجعة نفسك متى تبين لك بالدليل أنك أخطأت.
1 147
الحديثُ عن الزهد -في دولة لا توفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأبنائها؛ لا رواتب كافية، ولا تعليم جيد، ولا خدمات صحية، ولا حتى بنية تحتية أساسية، حرفيًا لا شيء يليق بكرامة الإنسان، ويقبع أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر نتيجة سياسات اقتصادية خاطئة قائمة بالكامل على الاقتصاد الريعي والاستدانة المستمرة، ثم بيع الأصول الوطنية لسد فوائد الديون، في دائرة مغلقة لا تنتهي، يُضاف إلى ذلك تنامي الاقتصاد العسكري، وتحول المؤسسة العسكرية إلى جهة فاعلة اقتصاديًا بمعزل عن الرقابة والمساءلة المدنية- يحتاج إلى قدر كبير من الدقة كي لا يُساء فهمه؛ فالزهد ليس دعوة لتسويغ إفقار الناس، ولا إلى الرضا بالظلم، أو أن يعيش عامة الناس في ضيقٍ لا ينالون فيه شيئًا من حقهم بينما تتسع الثروات والنفوذ في أيدي قلة. وهذه الدعوة أحوج إليها صاحب السلطة والثروة لا الفقير. والمشكلة في دعوة الناس إلى ألا يجعلوا الدنيا كل غايتهم، فهذا معنى شرعي، لكن أن يُطلب منهم ضمنًا قبول الفقر والعوز وانعدام الخدمات وغياب العدالة، أو أن يُصور ذلك على أنه إرادة الله -دون تفرقة بين الإرادة الشرعية والكونية- ومن ثم لا مناص منه، فذلك شيء آخر، وكلها خطابات تصب في مصلحة الفساد والقائمين عليه مباشرة.
1 147
هل ترد الماركسية كل شيءٍ إلى الاقتصاد؟
إحدى التصورات المغلوطة عن الماركسية، والشائعة بين الإسلاميين، أنها تختزل حركة التاريخ في العامل الاقتصادي وحده، بحيث يغدو الاقتصاد هو التفسير الوحيد للتحولات التي تطرأ على المجتمعات الإنسانية. ولهذا، ما إن يتحدث أحد عن دور التغيرات الاقتصادية في التغيرات الاجتماعية، حتى يُتهم على الفور من قبل كثيرين بالماركسية. غير أن هذا الاتهام يقوم أصلًا على فهم غير دقيق للمادية التاريخية، وعلى خلطٍ بين حجم التأثير الاقتصادي وبين اختزال التاريخ فيه.
من الأمثلة هذه التصورات المغلوطة في الأوساط الإسلامية ما كتبه القرضاوي في نقد المادية التاريخية، إذ يقول: "وأنصار المادية التاريخية لا يقيمون وزنًا إلا للاعتبارات المادية والدوافع الاقتصادية، فهي التي تصنع الأحداث وتغيّر التاريخ... فلا ينبغي لنا أن نقف عند سبب واحد يبرز أمامنا ويطغى على غيره من الأسباب. فالواقع أن الظاهرة التي بين أيدينا ظاهرة مركبة، معقدة، وأسبابها كثيرة ومتنوعة ومتداخلة؛ بعضها قريب وبعضها بعيد، وبعضها مباشر وبعضها غير مباشر، وبعضها ماثل للعين، طافٍ على السطح، وبعضها غائص في الأعماق." [1]
وكذلك استنكر البوطي ما اعتبره اختزالًا اقتصاديًا في المادية التاريخية، انطلاقًا من فهمٍ لها لم يوافق مقصودها، فكتب في نقدها: "بل أين هي رائحة الدافع الاقتصادي في قصة الفتح الإسلامي في الجزيرة العربية وما حولها، من الأول إلى الآخر؟ لقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، عندما اضطرته الظروف، ولحق به كل أصحابه المؤمنون به، وتجرد أكثرهم في سبيل تلك الهجرة، عن الأرض التي كانوا يملكونها والأموال التي يحوزونها، ولم يصلوا إلى المدينة إلا وقد جردهم المشركون من كل شيء. وقد كان عزاؤهم في ذلك أنهم لم يفقدوا نبيهم ودينهم الذي آمنوا به. أفهذا ما يفعله البرجوازيون أو البروليتاريون؟!.." [2]
غير أن الماركسيين أنفسهم يرفضون هذا الاختزال الذي يرد كل شيء إلى القاعدة الاقتصادية للمجتمع، ويعتبرونه ماركسية مبتذلة. وقد كتب ميخائيل يوفتشوك، ردًا على من يختزلون تطور الفكر الفلسفي بقاعدة المجتمع الاقتصادية وحدها قائلًا: "بالرغم من ارتباط تطور الفلسفة بالقاعدة الاقتصادية للمجتمع وبظروف حياته المادية في نهاية المطاف، فمن الخطأ رد جميع الأفكار الفلسفية إلى هذه القاعدة وحدها، كما فعل بغدانوف وشولتيكوف وغيرهما من مبتذلي الماركسية، الذين حاولوا تفسير كل المفاهيم الفلسفية الحديثة بمصالح البرجوازية أو بتطور تكنيك الإنتاج الرأسمالي. فإذا كانت وجهة تطور الفلسفة تتحدد، آخر الأمر، بالحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن مضمون الأفكار الفلسفية، ولا سيما مقولاتها وصيغها المنطقية، لا يُرد مباشرة إلى الاقتصاد، بل يتعلق إلى حد بعيد بالصراع الأيديولوجي في المجتمع، وبتطور أشكال الوعي الاجتماعي القريبة من الفلسفة (الدين، الفن)، وبتقدم العلوم، وبالمادة الفكرية التي ورثتها الأجيال السالفة." [3]
وفي بدء بحثه عن دور الفرد في التاريخ، توقف بليخانوف عند الخلاف الذي نشب بين كابليتز وميخائيلوفسكي حول دور العقل والشعور في تقدم المجتمع؛ فقد كتب كابليتز مقالًا جعل فيه الشعور العامل الرئيسي في تقدم الإنسان، والعقل عاملًا ثانويًا خاضعًا له. رد عليه ميخائيلوفسكي مدافعًا عن أهمية العقل، ورأى أن وضعه في مرتبة ثانوية أمر غير صحيح. لكن بليخانوف رأى أن الأخير، وإن أعاد للعقل دوره، فإن كليهما وقع في الخطأ نفسه؛ إذ لم ينتبه أي منهما إلى أن طريقة طرح المسألة ذاتها خاطئة. كلاهما تعامل مع جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية كما لو كانت عوامل مستقلة ومنفصلة، وهو ما أسماه بليخانوف نظرية العوامل، التي تقوم على فصل جوانب النشاط الاجتماعي بعضها عن بعض فصلًا تجريديًا، ورفض بليخانوف أيضًا الاتهام الموجه إلى المادية الديالكتيكية من ميخائيلوفسكي بأنها تضحي بمختلف العوامل لحساب العامل الاقتصادي؛ فهذا الاتهام يقوم على الفهم نفسه الذي تقوم عليه نظرية العوامل. [4]
1 147
وقد سبق إنجلز إلى توضيح هذا الأمر في مراسلته إلى جوزيف بلوخ، وانتقد سوء الفهم الاختزالي الذي يعتبر العامل الاقتصادي العامل الوحيد المقرر في التاريخ، قائلًا: "من يقول إن العامل الاقتصادي هو العامل المقرر الوحيد، فإنه يحول تلك الموضوعة إلى عبارة مجردة، فارغة، لا معنى لها. إن الوضع الاقتصادي هو الأساس، لكن العناصر المختلفة للبنية الفوقية -الأشكال السياسية للصراع الطبقي ونتائجه، والأشكال القانونية، وحتى انعكاسات جميع هذه الصراعات الفعلية في أدمغة المشاركين والنظريات السياسية والحقوقية والفلسفية، والآراء الدينية- تمارس كذلك تأثيرها في مجرى الصراعات التاريخية، وفي كثير من الأحوال تحدد شكلها بصورة متفوقة. إن هناك تفاعلًا بين سائر هذه العوامل." [5] فهو لا يقيم فصلًا مصطنعًا بينها، كما أكد بليخانوف لاحقًا.
يختم إنجلز رسالته بأن تشديده، هو وماركس، على الجانب الاقتصادي كان دافعه الأساسي أن خصومهما كانوا ينكرونه، لا اعتباره السبب الأوحد، كما فهم بعض من سماهم لاحقًا بالماركسيين المحدثين -أو المبتذلين بتعبير يوفتشوك- فيقول: "وإننا، ماركس وأنا، ملومان حتى درجة ما لأن الشباب يشددون أحيانًا على الجانب الاقتصادي أكثر مما يجب. فلم يكن لنا بد من التشديد على المبدأ الرئيسي حيال خصومنا الذين أنكروه، ولم يتوفر لنا دائمًا الوقت أو المكان أو الفرصة كي نعطي العناصر الأخرى المشتركة في التفاعل حقها." [6]
كل هذه النصوص، بدءًا من إنجلز، ثم بليخانوف "أبو الماركسية الروسية"، ولينين في بعض شروحه، ولاحقًا يوفتشوك، ترفض رد كل شيء إلى الاقتصاد بصورة ميكانيكية، أو إلغاء دور الفواعل الأخرى، التي تتفاعل جميعًا ضمن كل واحد لا ينفصل ولا يتجزأ -وإن كانت هنالك قاعدة اقتصادية أساسية- ؛ فيؤثر بعضها في بعض ويتأثر به. ثم يأتي من يتهم أصحاب النظرية وشارحيها بالاختزالية والانتقائية، وما عابوه هم أصلًا على غيرهم! فهذا يصح، لا تجاه المادية التاريخية كما صاغها ماركس وإنجلز، بل تجاه بعض القراءات الخاطئة أو المبتذلة لها التي راجت لاحقًا، سواء في الخطابات الحزبية أو الشعبية.
-----------------------------------
المصادر:
[1] الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، يوسف القرضاوي، تقديم: عمر عبيد حسنة، كتاب الأمة: سلسلة صادر عن رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر، الطبعة الثالثة 1402هـ-1982م، ص 60.
[2] نقض أوهام المادية الجدلية (الديالكتيكية)، محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق-سوريا، الطبعة الثالثة 1405هـ-1985م، ص 240.
[3] موجز تاريخ الفلسفة، تأليف: جماعة من الأساتذة السوفيات، ترجمة وتقديم: د. توفيق سلوم، دار الفارابي، بيروت-لبنان، طبعة أولى-أيار 1989م، ص 18.
[4] دور الفرد في التاريخ، بلخيانوف، ترجمه وقدم له: إحسان سركيس، المكتبة الاشتراكية، ص 78 -79.
[5] مراسلات ماركس أنجلز، ترجمة الدكتور فؤاد أيوب، دار دمشق، الطبعة الأولى 1981، ص 495، بتصرف.
[6] المصدر السابق، ص 497.
1 147
هل ترد الماركسية كل شيءٍ إلى الاقتصاد؟
إحدى التصورات المغلوطة عن الماركسية، والشائعة بين الإسلاميين، أنها تختزل حركة التاريخ في العامل الاقتصادي وحده، بحيث يغدو الاقتصاد هو التفسير الوحيد للتحولات التي تطرأ على المجتمعات الإنسانية. ولهذا، ما إن يتحدث أحد عن دور التغيرات الاقتصادية في التغيرات الاجتماعية، حتى يُتهم على الفور من قبل كثيرين بالماركسية. غير أن هذا الاتهام يقوم أصلًا على فهم غير دقيق للمادية التاريخية، وعلى خلطٍ بين حجم التأثير الاقتصادي وبين اختزال التاريخ فيه.
من الأمثلة هذه التصورات المغلوطة في الأوساط الإسلامية ما كتبه القرضاوي في نقد المادية التاريخية، إذ يقول: "وأنصار المادية التاريخية لا يقيمون وزنًا إلا للاعتبارات المادية والدوافع الاقتصادية، فهي التي تصنع الأحداث وتغيّر التاريخ... فلا ينبغي لنا أن نقف عند سبب واحد يبرز أمامنا ويطغى على غيره من الأسباب. فالواقع أن الظاهرة التي بين أيدينا ظاهرة مركبة، معقدة، وأسبابها كثيرة ومتنوعة ومتداخلة؛ بعضها قريب وبعضها بعيد، وبعضها مباشر وبعضها غير مباشر، وبعضها ماثل للعين، طافٍ على السطح، وبعضها غائص في الأعماق." [1]
وكذلك استنكر البوطي ما اعتبره اختزالًا اقتصاديًا في المادية التاريخية، انطلاقًا من فهمٍ لها لم يوافق مقصودها، فكتب في نقدها: "بل أين هي رائحة الدافع الاقتصادي في قصة الفتح الإسلامي في الجزيرة العربية وما حولها، من الأول إلى الآخر؟ لقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، عندما اضطرته الظروف، ولحق به كل أصحابه المؤمنون به، وتجرد أكثرهم في سبيل تلك الهجرة، عن الأرض التي كانوا يملكونها والأموال التي يحوزونها، ولم يصلوا إلى المدينة إلا وقد جردهم المشركون من كل شيء. وقد كان عزاؤهم في ذلك أنهم لم يفقدوا نبيهم ودينهم الذي آمنوا به. أفهذا ما يفعله البرجوازيون أو البروليتاريون؟!.." [2]
غير أن الماركسيين أنفسهم يرفضون هذا الاختزال الذي يرد كل شيء إلى القاعدة الاقتصادية للمجتمع، ويعتبرونه ماركسية مبتذلة. وقد كتب ميخائيل يوفتشوك، ردًا على من يختزلون تطور الفكر الفلسفي بقاعدة المجتمع الاقتصادية وحدها قائلًا: "بالرغم من ارتباط تطور الفلسفة بالقاعدة الاقتصادية للمجتمع وبظروف حياته المادية في نهاية المطاف، فمن الخطأ رد جميع الأفكار الفلسفية إلى هذه القاعدة وحدها، كما فعل بغدانوف وشولتيكوف وغيرهما من مبتذلي الماركسية، الذين حاولوا تفسير كل المفاهيم الفلسفية الحديثة بمصالح البرجوازية أو بتطور تكنيك الإنتاج الرأسمالي. فإذا كانت وجهة تطور الفلسفة تتحدد، آخر الأمر، بالحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن مضمون الأفكار الفلسفية، ولا سيما مقولاتها وصيغها المنطقية، لا يُرد مباشرة إلى الاقتصاد، بل يتعلق إلى حد بعيد بالصراع الأيديولوجي في المجتمع، وبتطور أشكال الوعي الاجتماعي القريبة من الفلسفة (الدين، الفن)، وبتقدم العلوم، وبالمادة الفكرية التي ورثتها الأجيال السالفة." [3]
وفي بدء بحثه عن دور الفرد في التاريخ، توقف بليخانوف عند الخلاف الذي نشب بين كابليتز وميخائيلوفسكي حول دور العقل والشعور في تقدم المجتمع؛ فقد كتب كابليتز مقالًا جعل فيه الشعور العامل الرئيسي في تقدم الإنسان، والعقل عاملًا ثانويًا خاضعًا له. رد عليه ميخائيلوفسكي مدافعًا عن أهمية العقل، ورأى أن وضعه في مرتبة ثانوية أمر غير صحيح. لكن بليخانوف رأى أن الأخير، وإن أعاد للعقل دوره، فإن كليهما وقع في الخطأ نفسه؛ إذ لم ينتبه أي منهما إلى أن طريقة طرح المسألة ذاتها خاطئة. كلاهما تعامل مع جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية كما لو كانت عوامل مستقلة ومنفصلة، وهو ما أسماه بليخانوف نظرية العوامل، التي تقوم على فصل جوانب النشاط الاجتماعي بعضها عن بعض فصلًا تجريديًا، ورفض بليخانوف أيضًا الاتهام الموجه إلى المادية الديالكتيكية من ميخائيلوفسكي بأنها تضحي بمختلف العوامل لحساب العامل الاقتصادي؛ فهذا الاتهام يقوم على الفهم نفسه الذي تقوم عليه نظرية العوامل. [4]
1 147
على ذكر ارتهان الفكر بالأوضاع الاجتماعية..
المركزية الأوروبية رؤية فكرية وثقافية تجعل من أوروبا أو الغرب المركز الأساسي لكل التطورات التاريخية والحضارية والإنسانية، وغالبًا ما يستند هذا الطرح إلى تصورات مسبقة عن طبيعة هذه الشعوب، باعتبارها أكثر رقيًا وعقلانية من غيرها. وهذا التصور يحمل ضربًا من الاستعلاء الحضاري على سائر الشعوب، بل قد يتجاوز ذلك إلى تبرير الاستعمار؛ فما دامت بعض الشعوب أرقى من غيرها بحكم طبيعتها، فمن حقها، وفق هذا المنطق، أن تنشر رقيها بين الأمم التي تُصنف على أنها متخلفة.
تنسحب هذه النزعة على بعض كتب تاريخ الفلسفة، فتجعل من اليونان مهدًا للفلسفة بلا أي سوابق، وكأن الفكر يولد من العدم! وتُهمش ما سبقها أو عاصرها من إسهامات الحضارات الأخرى المصرية والبابلية والهندية والصينية وفلسفاتها. وقد ذهب كثير من الفلاسفة ومؤرخيها إلى أن الفلسفة نشأت عند الشعوب الغربية حصرًا، وأنها تستأثر بالقسط الأوفر من الفضل في تطورها، وأن الشرق ديني، وقد عرف ضربًا من الفكر يمثل الحد الأدنى من التفلسف كما يقول هيغل.
أحد محاور النقد الماركسي للمركزية الأوروبية، ورفض تفسير التطور الفكري والفلسفي بخصائص في الشعوب، كأن تكون بعض الشعوب بطبيعتها أكثر عقلانية أو استعدادًا للفلسفة من غيرها، هو أن التطورات الفكرية ترتبط بالظروف المادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع؛ فالأفكار لا تنشأ في فراغ، وإنما تتشكل في ظل أوضاع معينة تمهد لظهورها، وبذا يمكن تفسير التقدم الكبير الذي شهده الفكر الفلسفي في أوروبا في العصر الحديث في ضوء التحولات التي شهدها المجتمع الأوروبي، مثل تطور العلوم، والثورة العلمية، والثورة الصناعية، والثورة الفرنسية، وما صاحب ذلك من تحولات انعكست بدورها على الفكر.
ولم تحدث هذه التحولات في جميع المجتمعات في الوقت نفسه ولا بالصورة نفسها، حتى إن بعض المجتمعات الأوروبية نفسها تأخر فيها الانتقال عن غيرها، كما أن المجتمعات الشرقية كانت تمر بظروف تاريخية واجتماعية مختلفة. وبينما كانت أوروبا تعيش مرحلتها الصناعية وتوسعاتها الأمبريالية، كانت كثير من الشعوب الشرقية لا تزال تقبع تحت وطأة الإقطاع، وهو ما حال دون أن يصدر عنها تلك التطورات التي حظي بها الغرب في مختلف المجالات، لا لأنها شعوب روحية بطبيعتها كما يوحي ذلك التقسيم الذي يُضمر إهانة للشرق حين يصفه بالروحي، ويمنح الغرب صفة العقلانية.
الشاهد أن التحولات الفكرية والفلسفية، كما ذكرنا مرارًا، لا تنشأ من فراغ، ولا تُفسر بخصائص ذاتية متأصلة في عرق أو طائفة أو شعب دون آخر، وإنما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظروف التي يعيشها كل مجتمع. فالفكر نتاج شروطه؛ ينمو بنمو أسبابه من تطور علمي وتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وينحسر بانحسارها، ويغيب بغيابها، ثم يعود هو بدوره ليؤثر في هذه الشروط ذاتها، في علاقة تبادلية لكنها مستوية الطرفين، إذ يبقى فيها تأثير الشروط المادية في الفكر أعمق تأثيره اللاحق فيها.
1 147
صباح الخير..
أحد أبرز مظاهر الذاتية في فهم التاريخ، هو عزل الأفكار عن شروطها الموضوعية، والتعامل مع الأفكار والمعتقدات والقيم باعتبارها مستقلة عن الواقع الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه، أو أن الأفكار تتفتق عن ذهن الإنسان بإرادة فردية أو نتيجة عبقرية شخصية منفصلة عن الظروف المحيطة بها.
ويظهر خطأ هذا المنهج عندما نحاكم المجتمعات القديمة لأفكار وقيم لم تتبلور إلا في عصور لاحقة؛ فقد ينظر الإنسان المعاصر إلى ظواهر مثل العبودية أو بعض ما يتعلق بوضع المرأة في المجتمعات القديمة، ويعتبر وجودها دليلًا على أنه أفضل من أفراد تلك المجتمعات المقصرين، ويتعامل معهم بنفس متعالٍ كأنهم امتلكوا نفس الوعي الحاضر، ثم اختاروا بإرادتهم الرفض.
هذه الأحكام تتجاهل أن الأفكار لها سياقاتها التاريخية والاجتماعية، وأن ما يبدو لنا اليوم بديهيًا وطبيعيًا لم يكن بالضرورة كذلك بالنسبة لمن عاش في ظروف مختلفة تمامًا. بل إن من يطلقون هذه الأحكام لا ينتبهون إلى أن الأفكار التي يحاكمون بها الماضي لم تنشأ هي الأخرى من فراغ، وإنما أفكارهم نتاج تحولات حدثت في الواقع المادي وانعكست في الوعي والأفكار. وكيف نطالب غيرنا بأن يتجاوزوا واقعهم الفكري والاجتماعي دون أن تكون الشروط التي تسمح بهذا التجاوز قد نضجت بعد؟
وعليه، لا يصح أن نلوم هؤلاء لمجرد أنهم لم يتبنوا أفكارًا وقيمًا لم تكن قد تبلورت في عصرهم، إلا إذا افترضنا أن الأفكار تأتي إلى الإنسان من خارج الواقع، ولا علاقة لها بالظروف الاجتماعية والتاريخية التي يعيش فيها، أو أن الإنسان يولد مزودًا بها مستقلة عن بيئته، وعندئذ فقط يصبح من المنطقي اللوم على تقصيرهم.
هذا لا يعني إطلاقًا أن الفهم المادي الموضوعي يبرر كل ما حدث في الماضي، أو أن كل ممارسة تاريخية تصبح صحيحة لمجرد أنها كانت شائعة في زمانها؛ فثمة فرق بين تفسير الظاهرة وتبريرها. فعندما نفسر نشأة العبودية أو الاضطهاد الذي عانت منه المرأة في العصور القديمة، فإننا نحاول فهمها في ضوء الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية التي جعلت وجودها واستمرارها ممكنًا، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال القول بأن العبودية أو ظلم المرأة أمور حسنة أو مشروعة، وإلا انزلقنا إلى النسبية.
أخيرًا، فإن الأفكار، أيًّا ما كانت، لا تنشأ في فراغ؛ فالإنسان لا ينتج أفكاره خارج المجتمع والتاريخ، وإنما تتشكل أفكاره في ظل أوضاع مادية واجتماعية معينة، ولا تظهر لمجرد أن فردًا قرر أن يفكر فيها، وتظهر فقط عندما تنضج الشروط الموضوعية التي تجعل ظهورها ممكنًا أو ضروريًا.
وعدم فهم هذه الحقيقة لا يؤدي فقط إلى ما سبق، بل يحول أيضًا دون فهم الآلية التي تحدث بها التغييرات، ويتجه أصحاب هذا التصور إلى مخاطبة وعي الناس لتغيير أفكارهم بمعزل عن الشروط الموضوعية المنتجة لها -باعتبار المشكلة فكرية، ومنفصلة عن أسبابها-، وينتهي الأمر إلى العجز عن إحداث التغييرات المرجوة.
يومكم سعيد.
1 147
وغنيٌّ عن البيان أن كل علم من هذه العلوم المذكورة [علم الطبيعة، الكيمياء، الأنثروبولجيا، الاجتماع، وظائف الأعضاء والتصريح...] إذ يعمل في نطاق میدان معین يرسم لنفسه مجموعة من القوانين والنتائج التي يؤمن بصحتها ويدعو إليها، ولكن أي واحد منها لا يدخل في حسابه ربط النتائج التي وصل إليها بتلك التي حصل عليها غيره من العلوم، مستهدفًا رسم صورة عامة تشمل الأجزاء التي تبحثها هذه العلوم كل على حدة، ويمكننا أن نشبه الأمر هنا بالصورة التي في أذهاننا لو تصورنا أن كلًّا من هذه العلوم قد وكلت إليه مهمة العناية بمجموعة منفصلة من الأشجار، ولكن أحدًا لم ينصب نفسه للاهتمام بالغابة بوجه عام [كما تفعل الفلسفة].
-سيريل جود.
1 147
السلام عليكم..
إخواننا متعلمي اللغات، وخصوصًا اللغة الألمانية، نرجو إفادتنا من خبراتكم وتجاربكم، وتشاركونا أهم النصائح التي ترونها مفيدة في تعلم اللغة وإتقانها، وما يمكن الالتزام به لتجنب الأخطاء الشائعة.
جزاكم الله خيرًا.
1 147
عن التكلف
صحيح أن الفلسفة مجال صعب، مقارنة بالعلوم الجزئية؛ فهي تتناول المشكلات الأكثر عمومية، وتبحث عن تفسير للكون والطبيعة، ولا يمكن دائمًا إيصالها بالسهولة التي تُروى بها قصة أو يُشرح بها تفاعل كيميائي. لكن جزءًا من النفور من الفلسفة لا يرجع إلى طبيعة الموضوعات التي تنشغل بها وحدها وصعوبتها، بل إلى طريقة الكتابة التي اعتمدها عامة الفلاسفة، حيث التعقيد في العبارة، واستعمال الألفاظ الغريبة، وصياغة المعاني اليسيرة في تراكيب شديدة الالتواء، حتى غدا تعقيد الأسلوب عند بعضهم قرينًا للعمق وقوة الطرح.
ولما كتب الإسكندر الأكبر يلوم أرسطو، عندما علم بنشر كتبه، فرد عليه أرسطو بما معناه: "إننا نشرناها ولم ننشرها، فلن يفهمها إلا من درس عندنا مثلك"؛ أي إن الكتب، وإن نُشرت، فلن ينتفع بها أحد إلا من كان قد تلقى هذا العلم على أيديهم. وسواء صحت الرواية تاريخيًا أم لا، فهي تعبر عن تصور قديم للفلسفة بوصفها معرفة لا يتهيأ فهمها إلا لقلة من المتخصصين، وكأن تعقيدها وغموضها جزءٌ من طبيعتها، أو أن الكتابة عنها بأسلوب معقد أمر لازم لها، بحيث لا يستطيع العوام الانتفاع بها وبلوغ معانيها.
وقد استمر ذلك التقليد الفلسفي أمدًا طويلًا ولا زال؛ فيستطيع قارئ كانط أو هيغل مثلًا أن يلحظ إلى أي مدى يتكلف هؤلاء الفلاسفة تعقيد الكلام، وقد كتب هيغل في فينومينولوجيا الروح: "والجماعة (Die Gemeine) إنما تنتهي إلى ذلك فعلاً، لأنها الوعي - بالذات الكلي؛ لكن لا بد أن يظل ملكوت التفكير المحض في نظر الوعي - بالذات الفردي متعالياً على الحقيق الذي له، أو ما دام هذا المتعالي دخل الحقيق بمعية اختراج الماهية الأزلية، فإنّ هذا الحقيق حقيق حسي غير مفهوم مفهومياً، إلا أن الحقيق الحسّي يظل على سيانية إزاء الحقيق الآخر، والمتعالي لم يحصل في ذلك إلا على تعين الإدبار في المكان والزمان - لكن المفهوم، أي الحقيقالحاضر لذاته بذاته الذي للرّوح، إنما يظل في الوعي المؤمن الباطن الذي هو كلُّ شيء ويفعل كل شيء، لكنه هو ذاته لا ينجم."! حتى لينقل عنه ول ديورانت في قصة الفلسفة قوله: "لم يفهمني سوى رجل واحد وحتى ذلك الرجل لم يفهمني جيدًا"... أمر منطقي.
وصعوبة مجال الفلسفة بطبيعته، مضافًا إليها ما أحاط بها من تعقيد مصطنع، أورثت شقًا من الفلاسفة تعاليًا على الناس؛ فهم يتكلمون لصالح الجميع ونيابةً عن الجميع، وفي اعتقادهم أنهم يمتلكون الحقيقة في كل شيء. إلا أن الفلاسفة الماديين اعترضوا هذا التقليد، ورأوا في الطابع الطبقي القديم للفلسفة وتعقيد أسلوبها ما يوسع المسافة بينها وبين الناس، وما يتبعه من تعالٍ عليهم. ولذلك عمل الماركسيون على نشر المادية الجدلية في أوساط الشغيلة، ورأوا في كل إنسان فيلسوفًا، فأخذوا ينصتون إلى الناس أكثر مما يتحدثون إليهم، بتعبير ألتوسير.
ويتابع كثير من المثقفين طريقة هؤلاء الفلاسفة السطحيين في كتابة أفكارهم، دون تمييز بين الكتابة الفكرية والكتابة الأدبية؛ ففي الكتابة الفكرية يكون وضوح الفكرة ودقة التعبير عنها غايةً أساسية، وغالبًا ما يصبح الاستعراض اللغوي والتعقيد الذي لا يضيف إلى المعنى عبئًا على القارئ. بل حتى في الأدب، حيث للغة وظيفتها الجمالية ومركزيتها، يكون الاقتصاد مطلوبًا في بعض الأحيان، ولا تكون الإطالة والاستعراض فضيلةً في ذاتهما. وقد نصيحة تشيخوف غوركي قائلًا: "تحذف النعوت والظروف ما أمكنك ذلك. إنها كثيرة عندك حتى ليضل فيها انتباه القارئ ويعتريه التعب. إن المرء يفهمني عندما أكتب: جلس الرجل على العشب، إنه يفهم ذلك لأنه جلي وواضح ... وخلافًا لهذا، فإني أغدو غامضًا وأرهق الدماغ إذا ما كتبت: على العشب الأخضر الذي وطأته أقدام المارة جلس رجل كبير، ضيق الصدر، ذو قامة معتدلة ولحية، جلسن دون جلبة ملقيًا على ما حوله نظرات فيها حياء وخوف"
وقد جادلتُ مرة أحد الذين يميلون إلى الإطالة ومط الكلام على منصة إكس، واعترضت بأن هذا تكلف غير مفيد، فرد علي وقتها بالطريقة نفسها التي كنت أنتقدها، بمزيد من التكلف والعبارات الثقيلة، لم ألتفت إليه ثانية، وكتبت أن المثقف الحقيقي لا يستعرض على القارئ قدراته الكتابية، وغايته أن يوصل فكرته بأسلوب يسير وواضح... ودائمًا التكلف مذموم.
1 147
انت فين والكلب فين!
نظم شاعر العامية المصري أحمد فؤاد نجم عام 1952 قصيدة عامية اسمها "كلب الست"، بعدما استفزه حادث عض كلب أم كلثوم -المُلقبة بالست- لطالب في معهد التربية يُدعى إسماعيل، أثناء مروره بجوار فيلا الأولى في الزمالك.
أُصيب الطالب فتوجه لتحرير محضر بالواقعة في قسم الشرطة، وأُحيل إلى القوميسيون الطبي الذي أثبت إصابته، إلا أن قرار النيابة جاء بإعفاء أم كلثوم وكلبها، تقديرًا لما قدمته للدولة من خدمات جليلة. فنظم نجم قصيدته الساخرة، قال فيها:
"فوكس رومي وله ودان
فوكس دا عبقال املتك
عندة دستة خدامين
يعني مش موجود في عيلتك
شخص زيه يا إسماعين
وإسماعين ده يبقى واحد
من الجماعة التعبانين
اللي داخوا في المعاهد
والمدارس من سنين"
"انت فين والكلب فين
انت قادو يا إسماعين
طب دا كلب الست يا ابني
وانت تطلع ابن مين"
ويختم قصيدته قائلًا:
"هيص ياكلب الست هيص
لك مقامك في البوليس
وبكره تتألف وزارة
للكلاب ياخدوك رئيس"
وقعت هذه الحادثة القاهرة منتصف القرن العشرين، وقبلها بنحو سبعين عامًا كتب أنطون تشيخوف، وهو المعروف بتناوله الأدبي لأوضاع المجتمع الروسي، قصته القصيرة "الحرباء"، التي نشرها في مجلة "أوسكولكي". تحكي القصة عن مفتش شرطة يسير في الأسواق، وأثناء سيره الهادئ تعلو ضجة سببها رجل يجري خلف كلب عض إصبعه، ما يعيقه عن عمله.
يروي خريوكين للمفتش تفاصيل الحادثة قائلًا إنه كان سائرًا بهدوء يتحدّث مع ميتري ميتريتش عن الحطب، حين هجم عليه الكلب فجأة دون سبب ونهش إصبعه، ويطالب بأن يُدفع له تعويض لأن إصبعه قد لا يستطيع تحريكها أسبوعًا كاملًا، مضيفًا أن القانون لا ينص على أن يتحمل الإنسان أذى هذه المخلوقات.
يرد المفتش بحزم، متوعدًا بمعاقبة صاحب الكلب، ويأمر الشرطي بكتابة محضر وإعدام الكلب فورًا لاحتمال أن يكون مسعورًا. لكن حين يُقال له إن الكلب قد يكون مِلكًا للجنرال جيجالوف -نظير أم كلثوم في القصة الروسية- تتبدل نبرته فجأة، ويأخذ يبرر تصرف الكلب ويشكك في رواية المصاب وكيف لهذا الكلب الصغير أن يصل إلى إصبعه، بل يلمح إلى أنه ربما افتعل الحادثة طمعًا في تعويض.
غير أن الشرطي يفيد بأن الكلب ليس كلب الجنرال، فتعود للمفتش حدته الأولى، ويطالب المصاب مجددًا بألا يدع الأمر يمر دون حساب. وهكذا يتذبذب موقف المفتش مرارًا؛ تارة يتشدد باعتبار الكلب ملكًا لرجل عادي سيطبق عليه القانون، وتارة يتراجع ويهادن حين يُشاع أنه للجنرال، ومنه جاء عنوان القصة "الحرباء"، لأن المفتش يغير موقفه من الواقعة نفسها بحسب هوية صاحب الكلب.
وحين يمر طباخ الجنرال، يُسأل إن كان الكلب له، فينفي ذلك، فتعود للمفتش نبرته الحازمة ويكرر ضرورة إعدام الكلب الضال، لكن الطباخ يستكمل مستدركًا أن الكلب هو كلب لشقيق الجنرال، فينسى المفتش على الفور إصابة خريوكين، ويتحول حديثه إلى استحسان للكلب ووصفه بالشقي الماكر، متوعدًا المصاب بدلًا من السعي لرد حقه، وسط سخرية الحاضرين من الواقعة.
رغم اختلاف الزمان والمكان، عكس كل نص أوضاعًا اجتماعية مختلة، يغيب فيها القانون أمام سطوة النفوذ والمكانة الاجتماعية؛ فتطبيق القانون يتحدد بحسب موقعك في السلم الاجتماعي: إن كنت من أصحاب النفوذ، فأنت فوق المساءلة، وإلا فقد تنهشك أنياب كلب مملوك لذي سلطة، ثم تجد نفسك عاجزًا عن استرداد حقك، بل ربما تكون الملام! ... وطبعًا المشكلة ليست في الكلاب.
