ch
Feedback

不要被骗子欺骗!Telemetrio 会找到并标记这些频道 👉 如果想查看标记,请订阅

الروَاق

الروَاق

前往频道在 Telegram

مَعنيٌّ بالكتب، وما أنا من العلماءِ، ولا من الجهّال.

显示更多
1 143
订阅者
无数据24 小时
+97 天
+130 天
帖子存档
photo content

عن القراءة المضللة للتاريخ... يتأسس جانب كبير من خطاب التيارات الإسلامية، ومسوغات نشأتها وأهدافها، على فكرة استعادة الأمجاد القديمة والتاريخ الضائع لحضارتنا. وما دام السعي إنما يوجه إلى مثال يُحتذى، فإن التاريخ بصفته مثالًا يفقد -عند هذه التيارات- صفته كموضوعٍ للدرس والتحليل، تُفهم أحداثه في سياقاتها وتُفسر في ضوء القوانين التي تحكم الاجتماع الإنساني، ويتحول إلى نموذج مثالي أقرب إلى المعجزة -وبإمكانك أن ترى ذلك في بعض التحليلات للفتوحات العسكرية-، كما تُضاف إلى ذا التاريخ لمسة تجميلية ترفض تشخيصه كما كان، وتعيد تشكيله على الصورة التي يُراد له أن يكون عليها، في غياب للفصل بين الواقع والمتخيل التاريخي. وحيثما وجهنا أنظارنا، نتعثر بأدبيات تكتب عن انتصاراتنا العسكرية وعلونا الحضاري الباهر وتبكي على تاريخنا الضائع، وهذه الأمور، وللحق -كيلا نأخذ اتجاهًا آخر مضلل- كانت موجودة بالفعل، وإن شابها أحيانًا شيءٌ من التضخيم على يد بعض الكتاب المعاصرين -وتلك النزعة التجميلية فيهم أشد منها في الكتاب السابقين- أما المشكلات؛ من فتن وصراعات، فيجري تجاهلها أو التقليل من شأنها، كأنها لم تكن، أو في أحسن الأحوال من الشفافية كأنها تمثل انحرافًا عن الوضع الطبيعي، فتكتب عنها سطور قليلة، ويجري التنصل والتبرؤ منها باعتبارها انحرافات ينبغي استنكارها، لا وقائع تستحق الفهم والتفسير. إلا أن المدقق حقًا سيجد أن هذه الانحرافات كانت أقرب إلى القاعدة، فيما ظلت الأوضاع الجيدة لفترات طويلة استثناءات تشذ عنها ولا تؤسس لها. وهذه الوقائع، لا الصورة المثالية التي نصطنعها للماضي، هي ما ينبغي أن نلقي عليه الضوء، وأن ننظر فيه كما هو، لا كما نريد له أن يكون، أو نخدع به أنفسنا. وليس من العسير علينا أن نتلمس المناطق المشرقة في تاريخنا دون أن نتنكر لجوانبه السلبية، أو نعدها مجرد انحرافات عارضة؛ لأن ذلك يدفعنا إلى التعامل معها بوصفها مشكلات طارئة تستحق الاستنكار والملامة فقط، لا أنها تستحق البحث في أسبابها الموضوعية، وتشريحها على طاولة النقد لتتبع جذورها، والقدرة على تشخيصها، ومن ثم اقتراح الدواء الناجع لما يقابلها حاليًا لنصل إلى نتائج أفضل. ثم إن واقع كل أمة إنما يتشكل، في جانب كبير منه، على تاريخها، وإن تداخلت في تشكيله مستجدات وظروف جديدة، فإن القديم يمثل القاعدة المؤسسة؛ إذ تمتد يد الماضي دائمًا وأبدًا لتسهم في صياغة الحاضر -ولكم يحتاج دعاة التجديد إلى فهم تلك الحقيقة ليجري تجديدهم على أسس قابلة للتحقيق!- ... أقول إننا إذا تنكرنا لهذا الماضي، أو أخطأنا في تشخيصه، فإننا لا نسيء فهم ماضينا فحسب، وهذا في حد ذاته إشكال معرفي له انعكاساته؛ فمن لا يقرأ التاريخ -أو يقرؤه بصورة مضللة- يعيد تكرار الأخطاء نفسها. ومن جهة أخرى، فإننا نضر بقدرتنا على فهم واقعنا والتعامل مع مشكلاته، باعتبار الماضي قاعدة تؤسس له. ذاك بالنسبة إلى النزعة التجميلية، وأما النظر إلى بعض أحداث الماضي بوصفها معجزة، وإن انتمى إلى المشكلة السابقة ذاتها مع غلو فيها، فإنه يفضي إلى إشكالية أخرى؛ إذ إن تجريد التجارب التاريخية من أسبابها وشروطها الموضوعية، والنظر إلى بعض ما تحقق فيها من انتصارات باعتباره أمرًا استثنائيًا يتجاوز القوانين، يجعل استعادة ذلك الماضي أمرًا غير ممكن؛ إذ كيف يمكننا استعادة ما نعتقد أنه لم يتحقق بأسباب وشروط موضوعية يتسنى لنا توفيرها متى وجد ما يمكن لها، وإنما بخصائص استثنائية لا تتوافر لنا! إما لأنه أمر وقع بمعجزة، أو مرتبط بجيل خيري معين، كالصحابة مثلًا.

أثناء محاولاتي لتعلم الألمانية، وبينما أمر على بعض الكلمات الصعبة، وأكررها مرة تلو الأخرى، محاولًا ضبط مخارج حروفها والتعود على أصوات لم تألفها أذني من قبل، تعترضني بعض الأسئلة؛ أسئلة لا أبحث لها عن إجابات، لأني أعرفها مسبقًا، لكنها تُشعرني بالحسرة ... لماذا لا يتعلم المواطن الألماني اللغة العربية؟ لماذا لا يقضي ساعات من يومه في محاولة نطق بعض الكلمات العربية الصعبة، ولا يضطر إلى إعادة الكلمة عشرات المرات حتى يستقيم لسانه بها، ويحفظ تصريفاتها، ويستوعب قواعدها، ليتمكن في النهاية من صياغة بعض الجمل الركيكة، كأنه طفل صغير بليد يتعلم الكلام من جديد؟ لم لا يفعل ذلك لكي يتمكن من العيش هنا إلى جواري في البلد الذي ولدت فيه؟ ولماذا يسعى آلاف الشباب من وطننا إلى تعلم الألمانية والإيطالية والفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية، ويتابعون قوانين الهجرة لأمريكا وأوروبا، ويبحثون عن شروط الإقامة والجنسية، ويحسبون تكاليف المعيشة، ويكتبون آلاف التعليقات لمن يعيش من المصريين هناك للاستفسار عن كيفية الهجرة؟ طبعًا لأن اللغة قد تكون مفتاحًا إلى حياة أفضل، ووسيلة للخروج من ضيق الواقع الذي يحيط بنا، والعبور إلى عالم آخر نأمل أن نجد فيه ما افتقدناه هنا. ربما لو كنت أتعلم اللغة لقراءة بعض المؤلفات الفلسفية العريقة بلغتها الأم، بدلًا من قراءتها مترجمة إلى الإنجليزية أو منقولة عنها، كان الأمر أهون علي. بالمناسبة، لست شديد الإعجاب بأي من هذه الدول، ولا بدول الخليج، ولا أرى في هذه البلدان -رغم الفوارق الرهيبة عنا- نماذج تستحق كل هذا الانبهار الذي يقع في قلوب المصريين المهاجرين إليها -على طريقة المبتعثين لفرنسا في عهد محمد علي- لمجرد أنها توفر لهم بعض الأساسيات التي افتقدوها في بلدهم. ومع ذلك، لا أستغرب أن يقع بعضهم في هذا الانبهار، ولا أستطيع أن ألوم من يرى في أبسط مقومات الحياة نعمة تستحق الدهشة والامتنان؛ فلا شيء حقًا أسوأ من بلدنا إلا الجحيم.

Repost from N/a
photo content

"لتفكر سياسيًا بشكل جيد، فعليك أن تقرأ تاريخيًا بشكل جيد" -بيير فيلار.
"لتفكر سياسيًا بشكل جيد، فعليك أن تقرأ تاريخيًا بشكل جيد" -بيير فيلار.

أحد دواعي احتقاري للطغاة، وبالأخص الفشلة الذين يحكمون بلادًا كبيرة ولها تاريخ عريق تستند عليه، هو أنه كيف لرجل يجلس على سدة حكم بلد كبير، ويكون مطاعًا، ويمتلك صلاحيات واسعة، أن يكون حبه للنهب أشد من حبه لأن يكون رجلًا عظيمًا بحق، صاحب أمجاد واسعة يُحكى عنها لأجيال، وتدون في التاريخ بسطور من ذهب؟ كيف لرجل تتاح له كل هذه الإمكانات، وتوضع بين يديه هذه السلطة، ثم لا تلح عليه أحلام العظمة؟ لا أقصد العظمة الزائفة التي يستعرضها في المظاهر والبهرجة السخيفة، ولا التجبر على الشعب الذي يكون مصحوبًا عادة بذل في الخارج، وإنما عظمة أن يصنع أمجادًا باقية، وأن يترك أثرًا في التاريخ، وأن يكون جديرًا بالمكانة التي يحتلها، وإن لم يصل إليها بالطرق الشرعية فيكون مستحقًا لها فعلًا، وبدلًا من ذلك كله يجعل من بلد كبير غنيمة له ولأسرته وأعوانه! لا شك عندي أن ذلك منتهى الخنوثة. إن من كمال الرجولة أن يحلم المرء ، ولو لمرة واحدة، بأن يكون شخصية عظيمة: حاكمًا، عالمًا، مفكرًا، أو شخصية دينية مؤثرة وملهمة بحق. أن يتطلع إلى ما يتجاوز ضرورات الحياة من مأكل ومشرب، وأن يتجاوز كذلك النجاحات الشخصية، أن يطمح إلى إنجاز يستحق أن يُخلد به في التاريخ. وإن رجلًا لا تلح عليه مثل هذه الخيالات، ولا تراوده أحلام العظمة ونفع بلاده وترك أثر فارق في تاريخها، عليه أن يراجع نفسه. ولعل هذا ما ينفرني من دروشة الصوفية، ومن النبرة التي طغت على أكبر تيار إسلامي عرفته منطقتنا من محاولة إظهار الزهد في السلطة، وكذلك من أولائك الذين يترفعون عن السياسة بدافع تصوراتهم المثالية، التي يخضعون لها مفاهيم السياسة، فينتهون إلى رفض السلطة والنفور منها، وتصويرها شرًا محضًا ينبغي للنفوس الطاهرة أن تتنزه عنه. مع أن السلطة نعمة؛ نعمة لا يعرف قدرها إلا أفذاذ الرجال وفحولهم، بما تتيحه من قدرة على الفعل والتأثير، ولا شك فيها من المسؤولية الشيء العظيم.

كيف نقمع النقد، ونعزز الاستبداد؟ 1. تنظير فارغ. 2. ماذا فعلت أنت؟ 3. حكم بأثر رجعي. 4. ليس هذا وقت النقد. 5. يا ناطح الجبل الأشم. 6. لا يُفتي قاعد لمجاهد. 7. اللي إيده في النار غير اللي إيده في المية. تؤدي هذه الأساليب، في النهاية، إلى تحصين أصحاب القرار من المساءلة، وتضييق المجال أمام النقد والمراجعة. فإن حصنت بالأمس مجاهدًا، فبإمكانها غدًا أن تحصن مستبدًا -على الفارق بينهما طبعًا، لكن الحديث عن المبدأ-، وإن استخدمتها لتحصين تيار، سترتد عليك في مواجهة غيره. وعندها ستحتاج إلى كثير من التبرير لتوضيح الفارق بين هؤلاء وأولئك، رغم أن الأمر بسيط، ويمكننا تجنب ذلك كله بتجاوز هذه الأساليب السائلة، والاستماع إلى النقد ومناقشته، بدلًا من الاحتماء خلف هذا الكم من رجال القش.

يقوم الندم على افتراض مفاده أن المرء كان بوسعه أن يختار غير ما اختاره؛ فمن يندم على قرار اتخذه إنما يراجع اختياره، ويقارنه ببدائل كانت متاحة له، ويتصور أن مآله لو سلكها ربما كان أفضل. أما لو كان مضطرًا إلى ما فعل، ولم يكن بيده شيء، فما الذي يدعوه إلى الندم؟ وعليه، فإن الندم شكل من أشكال النقد الذاتي، يفترض قدرًا من الحرية والمسؤولية. والنقد الموجه إلى اختيارات الآخرين يقوم على المنطق نفسه؛ فإذا كان الندم نقد ذاتي ومراجعة من المرء لاختياره، فإن النقد الموضوعي كذلك مراجعة لاختيارات الآخرين، وكلاهما يفترض أن ما وقع لم يكن أمرًا حتميًا ابتداءً، وأن هناك بدائل كانت مطروحة، وأن الفاعل كان عليه أن يسلك غير ما سلك. وعلى هذا الأساس، فإن النقد السياسي هو مراجعة للقرارات السياسية بمقارنتها بالبدائل المختلفة التي كانت متاحة ومعقولة. لكن كيف نقمع النقد؟ الأمر يسير، وإليك بعض العبارات التي يتسنى لك وضعها في أي حدث كان: "تنظير فارغ"، "حكمة بأثر رجعي"، "من السهل بعد وقوع الأحداث وانكشاف نتائجها، أن يتحدث المرء عن الأخطاء والبدائل، وأن يتصور أنه كان بالإمكان فعل كذا أو كذا"، "صانع القرار، يعمل في ظل ظروف معقدة، ولم يكن يعرف ما ستؤول إليه الأمور، ولم تكن النتائج مضمونة سلفًا"، "من يده في النار، ليس كمن يده في الماء"... عبارات تتجاوز كل الأيديولوجيات، وبإمكان المرء استخدامها أيًا ما تكن خلفياته، والطرف الذي يدافع عنه. وهنا تظهر بعض الإشكالات: 1. إذا كانت كل مراجعة للماضي من موقع الحاضر تُوصف بأنها حكمة بأثر رجعي، فإن هذا الوصف ينطبق على كل نقد تاريخي؛ لأننا لا نستطيع، بحكم كوننا في الحاضر، أن نعود إلى الماضي لنحاكمه من داخله وقبل وقوع أحداثه، ولو صح هذا الاعتراض لما أمكن الحكم على أي قرار في التاريخ. 2. كوننا نعيش الآن نتائج قرار سابق لا يعني أن أصحاب القرار قبل وقوعه لم يكن بوسعهم تصور المخاطر والاحتمالات المختلفة، وليس بالضرورة أن يكون المستقبل مرسومًا أمامهم كالواقع المعاش، بل يكفي أن تكون هناك مؤشرات واحتمالات؛ فالحياة عمومًا، والسياسة خصوصًا، لها قوانين ناظمة تسمح بتوقع بعض الآثار. وإلا فلو لم تكن هناك أي مؤشرات معقولة، كانت الحياة فوضى. 3. مثل هذا القول: "من يده في النار، ليس كمن يده في الماء" إذا ما فعلناه داخليًا من باب الاتساق، الذي يفترض أن يكون عليه كل عاقل، يفضي ضمنًا إلى نزع حق المواطنين في نقد المسؤولين، وتقويض أي إمكانية للمحاسبة، ويجعل تقييم أداء الحكام حكرًا على حاكم آخر، وأما الشعوب فلا مكان لها في هذه المعادلة. وأخيرًا أقول: إننا إذ نكرم مسؤولًا على نجاحه نفترض أن له دورًا في صنع النتيجة، فكذلك عندما ننتقد نفترض أنه كان بوسعه أن يفعل غير ما فعل. وإن لم يكن بالوسع غير ذلك فعلام المحاسبة؟ إن المدح واللوم -على الفارق بينهما- يفترضان أن للفاعل بدرجة ما دورًا في صنع النتيجة وأنه مسؤول كما ذكرت في البدء، وفي ذلك حفاظ على القدر الذي يمتلكه من الحرية. بخلاف التبريرات الواهية التي توضع في وجه كل نقد منعًا لعبوره، فإنها تقلص قدر هذه الحرية، وعواقب ذلك، إذا مد الخط على استقامته في مختلف السياقات، لا تُحمد.

عن الأعذار القبيحة! السياسة، بوصفها فن الممكن، والتعامل مع الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون، تفرض على المشتغل بها أن يضع في حسبانه مختلف الاحتمالات، وأن يستعد لمواجهة ما قد يترتب على قراراته؛ فمن يخرج للتظاهر ضد نظام مستبد، أو الثورة عليه، ومن يخوض حربًا مع محتل، لا يتوقع أن يستقبله هذا العدو بباقة من الورود مع قبلات دافئة، ويسأله عن دوافعه ليسعى إلى تحقيقها، لأننا لسنا في عالم وردي، بل عليه أن يتوقع سعى عدوه إلى سحقه واستئصاله حتى لا لا يُبقي منه أحدًا، إن أمكن له ذلك. ومن ثم، لا يُعقل أن نتفاجأ بوحشية أعدائنا، أو أن نتخذ من وحشيته ذريعة لتفسير إخفاقنا؟ إن عداء الخصم ليس اكتشافا طارئًا، بل هو من المعطيات الأساسية للصراع، والتي ينبغي للسياسي أن يبني حساباته عليها. والأمر نفسه ينطبق على الشعب الذي يحمله الفاشلون دائمًا مسؤولية إخفاقاتهم؛ فيقولون إنه أضاع الديمقراطية، وأعاد العسكر إلى الحكم، وفرط في مكتسبات يناير العظيمة. ولا يقف الأمر عند حد إلقاء اللوم عليه، بل يتخذون من فشلهم وهزيمتهم المذلة، وما تعرضوا له من تنكيل ذريعة للشماتة في أحواله، وكأن ما حل بهم هو العدالة التي تنتقم لهم (ويا للعجب، أن تنتقم العدالة الإلهية من الشعب دون المستبدين). أقول إنه يفترض بأي تيار سياسي أن يضع في حسبانه احتمال أن تتخذ قطاعات من الشعب مواقف أو خيارات ضده، سواء كان ذلك جهلًا أم اقتناعًا، وسواءً كانوا مدفوعين برغباتهم الذاتية أو رغبات غيرهم، وعلى ذا التيار أن يعمل وفق هذا المعطى ويستعد لمواجهته، بدلًا من أن يفاجأ ببديهيات، ثم يلقي باللوم على كل شيء وأي شيءٍ إلا ذاته. وهنا يتمثل الفارق بين المثالية السياسية والواقعية؛ فالمثالية التي تنفصل عن الواقع لا تتعامل معه كما هو، بل تُخضعه لتصوراتها وتخيلاتها عما ينبغي أن يكون، أما الواقعية فتنطلق من فهم الواقع كما هو، والتعامل مع معطياته وقيوده واحتمالاته، من أجل التكيف معها والتغيير بأكبر قدر ممكن من الفاعلية. والآفة عندنا أن ما ينبغي أن يكون من المسلمات الأساسية في الصراعات السياسية، فضلًا عن عدم وضعه في الحسبان أصلًا، يتحول إلى مبرر مقبول للفشل لدى البعض؛ فيجري الحديث عن همجية العدو وانعدام أخلاقه، عن المؤامرات التي تحاك في الخارج لإجهاض محاولات التحرر، عن تقلبات الجماهير، وفداحة التحديات، وعن كل ما ينبغي أن يكون في الحسابات أصلًا، وطبعًا لا نتطرق البتة لأنفسنا... إن هزائمنا دائمًا معلقة على شماعة القدر والظروف والتخاذل والمؤامرات، وعلى أي شيء إلا أخطائنا وسوء تقديراتنا، وأي شيء مسؤول عن هزائمنا ويستحق اللوم إلا نحن.

من مظاهر انغلاق العقل العربي في السياسة انحباس أفقه في مسارات مألوفة، وعدم رؤية للواقع إلا من خلال ثنائيات معتادة، لا يكاد يخرج عنها. ففي الحالة المصرية، كان كل نقد للإخوان يُحسب عند أتباعهم نصرًا للعسكر، وكل نقد للنظام يُحسب عند أتباعه انتصارًا للإخوان؛ فلا مجال لتخطئة طرف دون أن تُصنف وتوضع في معسكر الطرف الآخر. ويتحول الحكم على الفكرة إلى حكم على قائلها، وبدلًا من مناقشة الأفكار نتسابق إلى أي قالب نضع فيه غيرنا، وإلى أي معسكر ننسبه؟ وفي الحالة الفلسطينية، من انتقد سلوكًا للمقاومة، ورأى أنها ابتعدت فيه عن مقتضيات السياسة وأخطأت في حساباتها، اتهم على الفور بأنه خائن، وأنه يرضى بمسلك التطبيع المهين الذي آلت إليه السلطة، حتى لو كان أبعد الناس عن ذلك. وفي المقابل، من ينتقد السلطة يُصنف على أنه رومانسي لا يرضى بأي تسويات سياسية! وهكذا يضيع النقد بين مشجعين لا يقبلون إلا التصفيق؛ تصفيق لكل ما يفعله الطرف الذي يشجعونه. نعم، الأمر هنا أقرب إلى التشجيع منه إلى السياسة؛ فالمشجع مدفوع بعاطفته تجاه الفريق الذي يشجعه، وإذا خسر فلن تتغير عاطفته تجاهه، وسيظل على تشجيعه مهما تكررت الهزائم. أما السياسة، فلا ينبغي أن تكون ولاءً ثابتًا لأشخاص أو جماعات، وإنما حكمًا على المواقف في ضوء أهدافها المرجوة ونتائجها الواقعية، وإن كانت النتيجة سلبية، فينبغي الرجوع خطوات إلى الوراء لمراجعة التحيزات. وبين هذه الثنائيات نحن محاصرون... بين السلطة والمعارضة، وبين المقاومة والسلطة؛ فلا تستطيع نقد الإسلاميين دون أن تمهد بأنك لست ضد تحكيم الشريعة -وإن لم يكن على الطريقة التي يتصورها أغلبهم-، ولا نقد السلطات دون أن توضح أنك لا تنتمي بالضرورة إلى معسكرات تحتقر الوطن. ولا تستطيع نقد حماس إلا بعد أن تؤكد حق المقاومة المشروع من حيث المبدأ، وأن رفضك لبعض قراراتها لا يعني قبولك بممارسات الصهاينة بالطبع ولا التبرير لهم؛ ولا تستطيع نقد السلطة الفلسطينية إلا بعد أن توضح أن المشكلة ليست في المناورة السياسية ذاتها، بل في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن تنتهي التسوية إلى الوضع الذي نراه اليوم، دون تحقيق الأهداف. والمرء دائمًا مطالب بالتمهيد المسبق قبل أن يقول رأيه، وبالتبرير وتوضيح الواضحات قبل أن يشرع في النقد لكيلا يتهم بالخيانة، وهذه نتائج الانغلاق السياسي الذي نعانيه منذ قرون، والذي لا يزال يُلقي بظلاله ليساهم في تشكيل واقعنا المعيش. ومما نحتاج إليه لكي نتجاوز تلك الحالة هو أن نفكر مليًا، وأن نصغي إلى الأصوات المختلفة عنا، وإن كانت غير مرغوبة، وإن كانت الحقائق موجعة، وألا نكتفي بالمرغوب وحده، لئلا ندور في دوائر مغلقة ونعيد أخطاء التاريخ.

يحلو لبعض المثقفين تحويل المآتم إلى أفراح، وتحوير الحقيقة إلى درجة يستحيل معها أن تصدق كيف أمكن لهؤلاء قلب الحقائق إلى أضدادها؛ فالهزيمة عندهم خطوة نحو النصر، والخسائر تضحيات لا بد منها، وكل إخفاق سياسي يمكن، بقليل من البراعة اللغوية، وبعض الاقتباسات "العميقة"، مع كثير من التدليس والثقة -التي تدفع غيرهم إلى التشكك في الواقع المشاهد لصالح ما يكتبونه- أن يتحول إلى إنجاز مبهر يستحق الإشادة والتصفيق حتى تدمى الأيادي. والمثقف، بحكم امتلاكه ترسانة من المعلومات، ليس أرفع أخلاقًا من غيره، ولا أكثر نزاهة بالضرورة؛ فالفضيلة ليست المعرفة كما توهم سقراط، وتابعه على ذلك عدد من الفلاسفة. بل إن المعرفة قد تنفصل عن الضمير وتصبح أداة للتضليل أشد خطرًا من غيرها؛ فبينما قد يجبرك السلاح على التظاهر باعتناق فكر معين، يستطيع المثقف أن يوظف أدواته في خدمة الكذب، ويقنع الناس بما عجز السلاح عن فرضه عليهم... وقد كان لينين يقول: "المثقفون أقدر الناس على ارتكاب الخيانة لأنهم الأقدر على تبريرها."

آخر ما أكتب بهذا الصدد: تخطئة المقاومة ونقدها، ومحاسبتها احتكاما إلى ما صدر عنها من إعلام المقاومة ≠ المسلك الذي اتبعته السلطة الفلسطي

في السياسة، وحين يتعلق الأمر بمجال مرتبط بمصائر الشعوب، لا يصح الحديث عن الأخطاء بالطريقة التي نتحدث بها عن أخطاء الحياة اليومية أو الأخطاء الفردية. صحيح أن كل إنسان يخطئ، لكن ما قيمة الاستشهاد بهذه المعلومة البديهية في معرض الحديث عن الكوارث السياسية؟ ثم إن كون الإنسان غير معصوم لا يعفيه من المساءلة؛ فلو أن إنسانًا سرق أو قتل لحوسب على ذلك، ولن يبرر له أحد بالقول إنه بشر والبشر يخطئون! فلماذا تغيب هذه الأوليات حين يتعلق الأمر بحماقات السياسيين، والتي يكون ضررها أعم وأعظم؟ ثم إن من يرتكب حماقة وهو في موقع المسؤولية العامة، فيجر على الناس عواقب قراراته، ليس كمن يكذب في سيرته الذاتية عند التقدم لوظيفة؛ فثمة فارق نوعي شاسع بين الأمرين، تفرضه طبيعة الموقع الذي يشغله المرء، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ومقدار ما يترتب على قراراته من عواقب. ومن ثم، لا يصح أن يخرج من يدافع عن حاكم أو مسؤول، بنبرة يفيض منها الحنان بما يفوق حنان الأم على وليدها، قائلًا: ومن منا لا يخطئ؟ وهل هناك أحد معصوم؟ وكأننا بصدد التماس العذر لطفل أخطأ. كلها محاولات لتفريغ النقاش السياسي من مضمونه، وصرفه من الحديث عن المسؤوليات والمحاسبة إلى حديث عام عن الإنسان وطبيعته؛ فبدلًا من أن نسأل: لماذا اتُخذ هذا القرار؟ وهل كان ثمة خيارات أخرى ممكنة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما ترتب عليه من عواقب؟ وكيف نتمكن من صناعة آليات صارمة لمحاسبة كل مخطئ؟ تُزج بأسئلة فلسفية لا معنى لها في هذا السياق. وذا يشبه تمامًا أن يتحدث من يعاني ظلمًا اجتماعيًا، بسبب ظلم أصحاب رؤوس الأموال والسياسات الاقتصادية للبلد، عن القضاء والقدر، بدلًا من البحث في أسباب الظلم، والمسؤولين المباشرين عنه. ثمة أمر آخر: عندما يُنتقد مسؤول، يسارع البعض إلى الدفاع عنه بالقول إن له حسنات وإنجازات! والحقيقة أنه لا تخلو سيرة إنسان من بعض الحسنات، ولا يكاد يخلو عمل من جانب إيجابي ما؛ فحتى إبليس كان من العابدين قبل عصيانه، ولذلك لا معنى للاحتجاج بوجود الحسنات، تمامًا كما لا معنى للاحتجاج بأن الإنسان غير معصوم من الخطأ. الشاهد أن وجود الحسنات لا يُسقط المحاسبة على السيئات، كما أن الإنجازات السابقة لا ينبغي أن تمحو الإخفاقات اللاحقة، أو تتحول إلى صك للغفران وحصانة من المساءلة. وقد أشار مكيافيلي إلى هذا المعنى في المطارحات، حين أكد أن الجمهورية حسنة التنظيم لا ينبغي لها أن تسمح لحسنات مواطنيها بأن تمحو سيئاتهم، بل عليها أن تكافئ العمل الصالح وتعاقب العمل الطالح، حتى لو كان مرتكب الخطأ قد سبق له أن قدم أعمالًا طيبة. فالثواب على عمل لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من العقاب على عمل آخر، واحترام هذه القاعدة، في نظره، من شروط بقاء الدولة حرة زمنًا طويلًا، وإلا تعرضت للخراب والدمار، وأشار إلى خطأ أهل روما في تبرئة هوراس، الذي كان قد حقق لها نصرًا عظيمًا على الإخوة كورياس، ثم قتل أخته، فحُوكم رغم خدماته الجليلة للدولة، ويرى مكيافيلي أن الخطأ لم يكن في محاكمته، بل في تبرئته؛ لأن ما قدمه من خدمات للوطن لا ينبغي أن يعفيه من العقاب على جريمته. أمرٌ أخير: ليست السياسة حقلًا للتجارب أو الحديث عن شرف المحاولة رغم كارثية النتائج، وفي مجالات أخرى، قد يكون التجريب سبيلًا إلى المعرفة والتقدم، ولا تتجاوز كلفة الفشل فيها خسارة بسيطة يمكن تعويضها، وأما في السياسة، فالأمر مختلف؛ لأن التجربة والمبادرات غير المدروسة تمتد آثارها إلى آلاف بل ملايين البشر، الذين ربما يدفعون ثمنها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبلهم وأبنائهم. وغالب الأخطاء السياسية تكون من الجسامة بمكانة بحيث لا تتيح نتائجه فرصة لتداركه دون خسائر عظيمة. وقراءة التاريخ والتعلم من تجارب الآخرين يغني عن مباشرة الأخطاء. ولعل أهم ما يميز الدول الديمقراطية، على ما فيها من مثالب ونقائص بإمكاننا أن نتحدث عنها لساعات، أنها تتيح آليات للمحاسبة والمساءلة، وهو ما لا يتوفر في بلادنا. فلا مجال هناك لتبرير الأخطاء السياسية بحجة أن الإنسان غير معصوم، ولا لاستدعاء الحسنات للتهاون في شأن الأخطاء، أو التذرع بشرف المحاولة وفضيلة التجريب والمبادرة، وإن ترتبت عليها كوارث ومشكلات عظيمة، أو تسويغ الإخفاق الراهن بالقول إنه ليس إلا حلقة في سلسلة من الأحداث ستفضي، في نهاية المطاف، إلى نصر مستقبلي.

photo content

أبحث عن عمل في أحد الأمور الآتية: 1- التدقيق اللغوي. 2- مراجعة الرسائل والكتب. 3- البحث والتحرير الشرعي خصوصا في مجال العقائد. من يستطيع أن يدلني على عمل في شيء من ذلك فليتواصل معي على الخاص: @m_sameh97

نحتاج للرجوع إلى بديهيات السياسية! ليس هناك أسهل من الشعارات؛ نرفع شعار الموت لأمريكا، ونلعنها كل صباح ومساء، ونعدد مثالبها ونذكر تاريخها الدموي، ونصفها بأقذع الألفاظ، وبإمكاننا كذلك أن نسفه من قوة عدونا، وأن نعتبر كل اعتراف بقوته خضوعًا وتبعية كما يغعل بعض المثقفين، إلا أن الواقع في النهاية سيظل على حاله، ولن يعيد تشكيل نفسه ليلائم تصوراتنا. ولكن علينا -مع كل تلك الدبدبة الطفولية- أن ندرك جيدًا أننا اليوم، وللأسف الشديد، إلى جانب الغرب، شيء ضئيل للغاية، نفتقد أي إمكانية حقيقية للانخراط في مواجهات معه، وإذا ما أعلنا الحرب عليه، فكأننا نضع ذبابة في مواجهة مع فيل ضخم. وكما أنك لا تكون شجاعًا إذا اندفعت إلى مواجهة مجرم في منطقتك وأنت تعلم يقينًا أن المواجهة لن تجلب لك إلا عواقب لا تحمد مع انعدام جاهزيتك، وصاحب هذا الفعل أشبه بجندي فقد سلاحه وأيقن أنه ميت ففتح صدره لرصاص عدوه... إنه فعل يائس عديم الحيلة أكثر منه فعل شجاع. أقول كما أنك لا تكون شجاعًا في الحالة السابقة فإنك لا تكون كذلك إذا أقحمت نفسك في مواجهة قوة غاشمة دون أن تمتلك مقومات ذلك. أما العاقل فيتراجع خطوات ليدرس كيف يمكنه مقارعة عدوه، وإلى أن يحين ذلك ربما يقدم على تنازلات كبيرة. غداة ثورة أكتوبر، دعا تروتسكي وبوخارين مع الشيوعيين اليساريين، إلى مواصلة الحرب الثورية على ألمانيا، في وقت كان فيه الجيش القديم قد انهار، ولم تكن الثورة قد تمكنت بعد. لكن لينين أصر على توقيع معاهدة بريست-ليتوفسك عام 1918، رغم قسوتها، ورغم وصفه لها بالصلح المخزي، إذ رأى فيها ضرورة لا بد منها للحفاظ على الثورة. وعاد إلى الفكرة نفسها في كتابه «مرض "اليسارية" الطفولي في الشيوعية»، مهاجمًا من يرفضون التسويات السياسية، ووصفهم بالجمود. وفي تاريخنا الإسلامي، نجد أن صلح الحديبية أثار اعتراض بعض الصحابة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب، لِما رأوا في شروطه تنازلات قاسية، وقد تجلى ذلك في قول عمر للنبي ﷺ: «ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فلم نعطي الدنية في ديننا؟»، ولاحظ قوله: ألسنا على الحق؟ فهذه نقطة لا خلاف عليها، كما أن مقاومة المحتل والثورة على المستبد أمران لهما مشروعية أخلاقية، ولكن ثمة فارق بين أن تكون على حق -فذاك مما لا يختلف عليه من يلتزمون الخطوط العريضة نفسها- وبين أن تملك القدرة على فرض هذا الحق في الوقت الراهن. الشاهد أن النبي ﷺ رأى في الصلح، رغم ما بدا فيه من إجحاف، فرصة لتثبيت وضع المسلمين، وإتاحة المجال أمامهم للتحرك في ظروف أكثر ملاءمة. المشكلة أننا بين أطراف عديدة، تصر على سلوك سبل أبعد ما تكون عن السياسة؛ طرف يرى ضرورة إعلان العداء للنظام العالمي والدخول في حرب كونية مع العالم الغربي، ويعتقد أن مجرد الوصول إلى حكم دولة يفرض علينا إعلان الحرب على إسرائيل والغرب كله، وتحدي الجميع، حتى لا يبقى لنا حليف. وهؤلاء لا يصلحون لممارسة العمل السياسي، وطرف آخر لا يجعل الصلح مناورةً للإعداد لغد أفضل، بل يجعله ديدنه وغاية في ذاته، دون تمييز بين تراجع يمنحك فرصة لإعادة بناء قوتك، وتراجع يتحول إلى غاية في حد ذاته، وآخرون يذعنون للعدو ابتداء. وبين هذه المسالك، نحتاج إلى وقفة جادة مع الممارسة السياسية التي نفتقدها في العالم العربي: ممارسة لا تختزل السياسة في الشعارات وتنجرف وراء شعارات تقودنا إلى الهلاك، كما لا ننزلق إلى تسويات حمقاء تبدد قضيتنا باسم الواقعية والحنكة. إننا نحتاج إلى الحد الأدنى من السياسة، أن نعرف متى نواجه ومتى نتراجع، ومتى نناور ومتى نفاوض، وكيف نحول التراجع إلى خطوة نحو امتلاك القوة، والصلح -وإن كان فيه تراجعات تكتيكية- إلى فرصة للإعداد للمواجهة... نحتاج للرجوع إلى بديهيات السياسة.

"كان رأيه في النساء سيئًا دائمًا. وعندما يدور الحديث عنهن في حضوره، كان يسميهن هكذا: «جنس منحط». وكان يظن أن تجربته المرة قد علمته ما يكفي لكي يسميهن كما يشاء. ومع ذلك، فبدون الجنس المنحط لم يكن ليستطيع أن يعيش يومين اثنين؛ فقد كان يشعر بالملل والضيق بين الرجال، وكان قليل الكلام معهم وباردًا، لكنه حين يكون بين النساء يشعر بالحرية." -السيدة صاحبة الكلب، تشيخوف، ت: أبو بكر يوسف.

كلام بديهي، لكن البعض يحتاجون سماعه! كل محاولة للتحرر من الطغيان، سواء أكان ممثلًا في نظام استبدادي يستأثر بأموال الناس ويحرمهم حقوقهم، أم في احتلال استعماري ينهب خيرات البلاد، لا بد أن تكون لها كلفة؛ فتسيل الدماء، وتقع خسائر فادحة، وتواجه حركة التحرر عقبات ومشكلات جسيمة في طريقها إلى غايتها. لكن هذه الحقيقة، على بداهتها، لا تصلح مسوغًا لتبرير خطوات غير محسوبة، ولا إعفاء الفاعلين السياسيين من مسؤولية تقدير عواقب أفعالهم، وإلا أصبح كل فعل فوضوي مبررًا لمجرد أنه اتخذ في سبيل التحرر، وغدت كل كارثة قابلة للتسويغ باعتبارها ضريبة لا بد من دفعها للخلاص. وثمة منطق معوج يحاول أصحابه جعل حتمية الكلفة، والتي لا بد منها لكل شعب يريد التحرر، مسوغًا لكوارث سياسية/عسكرية، لأنه ليس كل كلفة مبررة، وعدالة القضية وسموها لا يمنح كل ما يفعل باسمها المشروعية، ولا يحصنها من النقد، ويغفل كوارثها بذريعة حتمية كلفة المقاومة. ثم إن الاحتجاج بكلفة التحرر لا يستقيم إذا عُزل عن الغاية التي اكتسبت تلك الكلفة العظيمة مشروعيتها من السعي إلى بلوغها أو التمهيد لها. فإذا قيل إن الدماء والتضحيات هي ثمن الحرية، لإسكات كل ناقد، فمن حقنا أن نسأل: هل تحقق التحرر بالفعل؟ هل أُسقط النظام المستبد، أو طُرد المحتل، أو اقترب المجتمع من الغاية التي احتمل تلك الخسائر من أجلها؟ أم أننا نكتفي بالمغالطة عبر استدعاء حقيقة أن للتحرر كلفة، مع التغافل عن الوجه الآخر لهذه الحقيقة في أن هذه الكلفة لغاية معينة، بل نتجاهل السؤال عما حققته هذه الكلفة! أخيرًا، فإن العمل السياسي، أيا كانت الظروف التي يُمارَس فيها، سواء أكان في بلد ديمقراطي يتيح قنوات للمعارضة والتعبير عن الرأي الآخر، أم في بلد استبدادي لا يتيح سوى هامش شكلي للمعارضة، أم في ظل نظام يغلق هذه القنوات بقبضة من حديد، أم في مواجهة محتل، فإن قوامه واحد: الموازنة بين المصالح والمفاسد.وأقول المفاسد؛ لأن كل فعل، حتى في شؤون الحياة الإنسانية العادية، لا يخلو من جوانب سلبية وتبعات ضارة، كما أن السعي إلى تحقيق مصلحة قد يستلزم تحمل بعض الأضرار أو التفريط في مصالح أخرى أقل. ومن ثم، فإن وجود بعض المفاسد تترتب على فعل سياسي لا يصلح ذريعة لإلغائه أو الإحجام عنه؛ إذ ليس المطلوب أن يكون الفعل مثاليًا خاليًا من كل مفسدة، كما يحاول غالب من يتذرعون بكلفة التحرر تصوير طوباوية مخالفيهم، فذا مما لا يقول به عاقل، لكن العاقل يعرف أم المفاسد توزن في مقابل المصالح المرجوة منه، وتقدر الأضرار المحتملة تقديرًا واقعيًا في ضوء النتائج التي يُراد تحقيقها، فلا يلغى من أجلها العمل ولا يعمل بهمجية باعتبارها ضرورية، لأن المفاسد تتفاوت كما المصالح.

عن دوستويفسكي عندما تقرأ لكاتب عادي يصف مشهدًا لشخص مريض يتألم، بينما لا يشعر من حوله بما يعانيه، ويواصلون حياتهم كأن شيئًا لم يكن، يسخر الكاتب ملكاته الكتابية في تصوير هذا المشهد القاسي، حتى لتنهال في نفسك باللعنات على أولئك القساة الذين لا يكترثون بآلام غيرهم. أب أفنى حياته في سبيل أبنائه، وبذل عمره وجهده من أجلهم، ثم حين يضعف ويحتاج إلى من يلتفت إليه، لا يجد منهم من يهتم به بالقدر الكافي، أو يطمئن عليه، أو يواسيه ويخفف عنه. يا لها من قسوة، ويا لها من أنانية! كيف للإنسان أن يتنكر لمن أفنى عمره في سبيله، وينسى فضله، فلا يرد جميلًا ولا يعترف بمعروف؟... هكذا سيصور أغلب الكتاب مشهدًا كهذا. ينجح الكاتب، إن كان بارعًا في استثارة المشاعر، في أن يثير غضبك تجاه شخصيات من صنع خياله، ثم يدفعك إلى إسقاط ما قرأته على بعض ما تقابله في حياتك اليومية. لكنه غالبًا ما يكتفي بعرض المشهد من زاوية واحدة: زاوية المريض المتألم الذي لا يجد من يواسيه، والمحيطين به الذين لا يكترثون لمعاناته. وهكذا يسهل عليك التعاطف مع الأب المسكين، وإدانة الآخرين، زوجته وأولاده، وتوزيع الأحكام، مقسمًا مشاعرك إلى تعاطف مع طرف وكراهية واحتقار للآخر، مدفوعًا بالاتجاه الذي رسمه الكاتب. لكن الأمر يختلف تمامًا عندما تقرأ لدوستويفسكي. فهذا الرجل ليس مجرد أديب بارع في تصوير المشاعر واستثارتها، بل هو نافذ البصيرة في النفس البشرية، يسبر أغوارها ليصل إلى دوافعها الخفية. لا يكتفي بوصف مظاهر السلوك التي يمكن لأي روائي أن يكتب عنها، بل يتجاوزها إلى ما يدور في النفس، وما تخفيه عن الآخرين، بل وما قد يعجز الشخص نفسه عن إدراكه. ولهذا لا تكون الصورة النهائية التي يتركها في ذهنك كالصورة التي يرسمها عامة الأدباء. ففي المشهد نفسه يحدثك عن تعمد المريض إزعاج الجميع بأنينه، عم أنانيته، محاولات أن يقول لمن حوله: أنا مريض، وعليكم أن توقفوا حياتكم من أجلي، ولن أكف عن إزعاجكم حتى تفعلوا. وقد يكون، إلى جانب ألمه الحقيقي، يجد لذة خفية في إشعار الآخرين بالذنب، وإجبارهم على الالتفات إليه، وتحويل معاناته إلى وسيلة لمعاقبتهم. وعندئذ لا تعود رؤيتك للمشهد مجرد حكاية عن إنسان يتألم وآخرين لا يكترثون به. يحدثك عن اللذة التي قد يجدها الإنسان في ألمه، وعن الشعور بالذنب الذي يتحول، على نحو يبدو متناقضًا، إلى مصدر خفي للمتعة. فقد يكرر المرء ذنبًا يعرف قبحه، ثم يندم عليه ويتعذب بسببه، لكنه يستمد من ندمه لذة تشعره بأنه إنسان خلوق، رغم ما ارتكبه من آثام. وهكذا يفعل الموبقات وهو يعلم مسبقًا أنه سيندم عليها لاحقًا، ثم يأتي الندم فعلًا، فيعيد المشهد نفسه، كأنها مسرحية سخيفة يعرف جميع فصولها، ومع ذلك يستمتع بأدائها؛ يستمتع بندمه تمامًا كما يستمتع بارتكاب الرذائل. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمد يده إلى كثير من مشاعرنا ويجردها من قشورها، كاشفًا أن بعض ما نتصوره صادقًا وخالصًا قد يكون زائفًا، وأن غضبنا قد يكون مصطنعًا إلى درجة أننا نصدق أنه حقيقي. كم من مرة يتصرف الإنسان بدافع الأنانية وحب السيطرة والوصاية على الآخر، ثم يفسر تصرفه لنفسه باعتباره تضحية أو حبًا أو حرصًا على الآخرين؟ وكم من مرة يخدع نفسه بتبريرات يعرف في البداية أنها واهية، ثم يكررها حتى يصدقها، فيعجز عن التمييز بين دوافعه الحقيقية والصورة التي صنعها لنفسه عنها؟ هكذا قد يتحول الكذب الذي بدأ به الإنسان واعيًا إلى حقيقة يؤمن بها جراء تكراره. إن دوستويفسكي لا يقدم لك الإنسان كما تحب أن تراه، بل يكشف لك عن تلك المسافة الشاسعة بين حقيقة النفس وصورتها، يريك تعقيدتها واجتماع النبل والحقارة في الإنسان الواحد، وكيف تتداخل المشاعر والدوافع، حتى لا يعود الإنسان قادرًا على فهم نفسه بالسهولة التي يتصورها. وهذا ما يمنح أدب دوستويفسكي قيمة أعلى؛ إذ يدفعك إلى مراجعة مشاعرك، والتشكك في دوافعك، وإعادة النظر في الأحكام التي تصدرها على نفسك وعلى الآخرين... يساعدك في فهم نفسك والآخرين بالتبعية. وقد ترك أدبه أثرًا عميقًا في عدد من الفلاسفة والمفكرين، كما استأثر باهتمام علماء النفس، لما ينطوي عليه تحليلات رائعة، ناهيك عن الجرعة الفلسفية كثيفة، والتي ربما لا تجدها حتى عند كثير من أشهر الفلاسفة. ولنا، إن شاء الله، حديث لاحق بهذا الصدد.