أمين التميمي
Open in Telegram
503
Subscribers
-224 hours
-77 days
-2130 days
Posts Archive
503
قرأت خاطرة جميلة عن تجربة شخص في غربته.
كان السرد بديعًا، والوصف استثنائيًا، وبين ثنايا الكلام ما يجعلك تبتسم وتتخيل، حتى تكاد تتمنى أن تمر بشيء من ذلك المسار.
ثم، وبعد أن انتهيت، ولأننا فضوليون بعاطفتنا، ذهبت إلى التعليقات.
وجدت من يثني على كتابته، بل وجدت من يقول إنه يتمنى أن يعيش مثل هذه التجربة.
توقفت للحظة وسألت نفسي: ماذا استفدت أنا من كل ما قرأت؟
كانت القراءة مباحة محضة، نعم، لكن هل معنى ذلك أنها لم تترك أثرًا؟
هذا الكم الهائل مما ندخله إلى عقولنا وقلوبنا لا بد أن يترك شيئًا، ولو لم نشعر به في لحظته؛
يتسرب إلى العقل، ويعيد تشكيل بعض رغباته، ثم يجد طريقه، بطريقة أو بأخرى، إلى أفعالنا واختياراتنا.
ولذلك تذكرت أحد المؤثرين رأيته ذات مرة يشجع الناس على تعليم أبنائهم القرآن.
كانت رسالته في ظاهرها جميلة، لكن عرض الرفاهية في حياته، ولطافة تعامل أطفاله، والتفاصيل المحيطة بهم، طغت على الرسالة نفسها؛
حتى خُيّل إليّ أن المشاهد قد يخرج من المقطع راغبًا في امتلاك تلك الحياة أكثر من رغبته في تعليم أبنائه القرآن.
ربما بالغت في التحليل، وربما كنت أحمّل المشهد أكثر مما يحتمل. لكن الفكرة بقيت معي!
فنحن لا نعيش بأفكارنا المعلنة وحدها، بل بما نكثر من النظر إليه، وما نسمعه، وما نعجب به، وما نتمنى أن نكون عليه.
وكثير مما نتلقاه يوميًا قد يكون مباحًا في ذاته، لكنه لا يضيف شيئًا حقيقيًا إلى حياتنا المحدودة هنا.
وربما المشكلة ليست في أن نقرأ أو نشاهد ما لا فائدة فيه أحيانًا؛
فالإنسان يحتاج إلى شيء من الترويح، لكننا لا نملك تَرَف أن تمر الأشياء بنا دون أن تترك أثراً.
كل ما يدخل إلى داخلك يشارك، ولو بقدر، في تشكيلك.
وتبقى الحقيقة التي تعرفها أنت، ويستحيل أن تتغير:
كل لحظة من حياتك إما حسنة تُكتب لك، أو سيئة تُكتب عليك، أو لحظة مضت سُدًى ولن تعود أبداً.
503
وبعد أن أخبر الشاب والدته عن امرأةٍ يريد الزواج منها، تبدّل حال الأم الوقور، وقالت مستنكرة: لكنها مطلّقة، وعندها ابنة، ثم إنها زائدة الوزن وليست جميلة!
حاول أن يُقنعها، لكنها من كثرة ما أخذت تنتقص منها وتعدّد عيوبها، دارى والدته وصرف النظر عنها؛ لا اقتناعًا بكلامها، ولكن خشية أن يُغضبها.
أليس كثيرٌ من النساء في أيامنا هذه يبحثن عن سترٍ في حياتهن، وإن لم يُفصحن؟
أليست المطلّقة من حقها الزواج، بل وربما كانت أحوج من غيرها إلى من ينظر إليها بعين الستر والإرتباط؟
أليست بسيطة الجمال جديرةً بأن تُستر ويُبنى معها بيت، لا تختلف في حقها في الزواج والاستقرار عن شديدة الجمال؟
ألا تواظبين على الدعاء، أيتها الأم، لبناتكِ بالستر، ثم تنسين أن بنات الناس أيضًا يبحثن عن الستر نفسه؟
كيف اختزل اختيار الزوجة في أن تكون بِكْرًا حسناء ذات قوام، أما الأُخريات فلينتظرن حتى تستنفد الأم البحث عن كاملة الأوصاف!
ولا ندري اليوم ماذا بقي في هذا الفهم من حقيقة الزواج، ومن فهم طبيعة المرأة، وما قد يعتريها من ضعف، وما قد تمرّ به من غرائز وتحديات ومنعطفات، لا يملك أحدٌ أن يضمن لأحدٍ من عِرضه ألا يمرّ بها.
متى يَسهُل مفهوم الزواج في نفوسنا، فلا نجعله الاختيار الذي لا خيار بعده، ولا نبحث فيه عن كمالٍ في عالمٍ لا كمال فيه؟
ليس المغزى أن نرمي ببناتنا هنا وهناك، أو نشجّعهن على المضي في أي اختيار؛
ولكن أن تستروا على بنات الناس كما تحبون أن يُستر على بناتكم، وأن تُخفّفوا من تضخيم معايير الاختيار، دون أن تُلغوا معايير الدين والخُلُق والمسؤولية؛
حتى تتّسع دائرة الاختيارات، ويسهل علينا ذكوراً وإناثاً عبور أبواب فتن الدنيا بأقل الخسائر والانتكاسات.
503
أذكر أنني في بداية السنة رأيت في منامي حلمًا لم أرد أن أذكره لأحد، وبعد أن هدأت الأحوال عاودت تذكّره.
رأيت أحداثًا كبيرة تجري من حولي، وكنت أراقبها من نافذة الشقة، وكأن كل شيء قد غلب عليه لون النار، دون أن أفهم ما الذي يجري.
حتى هبطت بمحاذاة النافذة طائرتان؛ إحداهما من دولة عربية، والأخرى من دولة إسلامية.
سألت الطيارين: ماذا يجري؟
فنظر أحدهما إلى الآخر، ثم أجابا معًا:
نحن، بصدق، لا ندري ما الذي يجري، ولا أحد يدري ما الذي يجري.
استيقظت حينها، وتجاهلت الحلم.
ثم مضت الأيام، وسمعت كثيرين يتحدثون عن أحلامهم، فعاد إلى ذهني ما ورد في الحديث عن اقتراب الزمان وكثرة رؤى المؤمن.
وهنا أتساءل: هل نحن حقًا في آخر الزمان؟ وهل ما نراه من كثرة الرؤى هو فعلًا مما أخبر به النبي ﷺ، أم أننا نستعجل إسقاط النصوص على ما نراه من حولنا؟
لكن الأهم من ذلك كله، أن يبقى خوف المؤمن من الله وحده، ورجاؤه بالله وحده؛ فلا يعلّق قلبه بما يُرى، ولا بما يُتوقَّع، ولا بما يخفى عليه من أمر الغد.
فالغيب عند الله، وما يكون غدًا يعلمه وحده، وليس لنا إلا أن نلجأ إليه.
فاللهم أدم علينا سترك، وعافيتك، وحفظك؛ فإنك وحدك من تملكهم.
503
وكاد الشيخ أن يُنهي في المقطع موعظته؛
وما أحوجنا دائمًا، ولو لدقائق يومية، إلى مثل هذه المواعظ، حتى وإن كانت قلوبُنا قد مُلئت ارتباطًا بالدنيا.
قال: سَلُوا اللهَ التوفيق؛
فظننّا للحظاتٍ أنه قصد توفيقَ التفوّق، أو المنصب، أو الكسب، ثم أكمل حتى فهمنا مُراده:
سَلُوا اللهَ التوفيقَ لما عَلِمْتُم من الخير!
أي أن كلَّنا يعلم أين هو الخير، لكننا نعلمه ولا نعمل به؛ بل نعرف من أفعال الخير ما لا نُحصيه، غير أن قِلّةَ القِلّة منّا مَن يعمل بها.
ثم ختم الموعظة بما يختصر الموعظة كلَّها:
عَمِّروا آخرتَكم، حتى لا تُنقَلوا من عُمرانٍ إلى خراب!
503
رحم الله علقمة النخعي، كيف كان بعيد النظر، بليغ الوصف:
إنك لا تصيب من دنياهم شيئًا، إلا أصابوا من دينك أفضل منه.
ضريبة التقرب من أهل الدنيا لأجل دنياك تصل بك إلى مراجعة حتى ما تستطيع قوله وما ينبغي أن تسكت عنه؛
فتتجنب رأيًا، وتخفي موقفًا، حتى لا يُؤخذ عنك أنك لست طالب دنيا مثلهم.
فلا تظن أنك تكسب شيئًا من الدنيا مجانًا؛ فالتنازل لا بد منه، وإن لم يكن إلا مجاملةً، أو ازدواجيةً، أو صمتًا.
حتى سمتك الديني قد تضطر إلى إخفائه، وتضعف عن رفض ما كنت تنكره؛
كل ذلك ليُبقوك بقربهم، ولسان حالك أنا معكم في دنياكم!
503
كتب الله لهما بلوغ السبعين من العمر!
ما كانا يتركان صلاة الجماعة، ولا صدقة جارية، ولا صيام نفل، ولا حلقة علم وذكر،
بل كانا ذوي خُلُق، وصلة رحم، وبرّ والدين، وحفظ لسان، وطهارة مال.
غير أن الدرجة الأخيرة يوم القيامة، والمنزلة في الجنة، كانت شديدة التباين، تباينًا لا يكاد يُصدَّق.
وحتى أجعلها أصعب عليك: فقد حرص كلاهما على إخلاص النية لله وحده!
لكنَّ الفارق الخفي الجلي أنَّ أحدهما كان لا ينقطع لسانه عن ذكر الله، والآخر كان يكتفي ببعض الأذكار.
فأي حسرة هناك، وأي موت قلب هنا، لذاك الذي لا يذكر ربه كثيرًا؟
"فاذكروني أذكركم" تكفي أن تُذهلك لو أدركت معناها: أنت تذكر الله، فيذكرك الله. أي منزلة أعظم من أن يذكرك رب العالمين؟
وهذا الميدان متاح للجميع بلا استثناء، ولكن هيهات أن نتقارب فيه.
قد تتشابه الأعمار، وتتقارب الأعمال، وتخلص النيات؛
ثم تكون المنازل يوم القيامة شديدة التباين.
"ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون".
503
نصيحةٌ لكلِّ من جُبل على المظاهر أو تشربها لاحقاً من زوجته، أو منصبه، أو ماله، أو قرينه!
زيارةٌ واحدةٌ إلى المقبرة، والمشي بين القبور، وتأمُّل ذلك المسكن القريب، سيوقظك حتماً من غرورك.
ستعلو الأقدام يوماً فوق رفاتك، فتواضع اليوم وعش من غير تصنعٍ على فطرتك، لعلَّك تُرحم غداً تحت ترابك!
503
نحاول أن نوصّل الفكرة بأبسط صورة:
نحن لم نُخلق إلا لعبادة الله؛ أي إن الأصل الذي ينبغي أن تقوم عليه حياتنا هو أن نعيش على مراد الله.
وقد يُقاطعك أحدهم: ومن قال لك إن ما نفعله ونقوم به ليس عبادة؟
وهنا ربما يكون الاعتراض قد أخطأ موضع السؤال؛ فالقضية ليست في حصر العبادة في بعض الشعائر، ولا في تسمية هذا الفعل عبادةً وذاك غير عبادة، وإنما في السؤال الأعمق:
هل تعيش وتحاول أن تعيش على مراد الله؟
هل ما تريده، وما تسعى إليه، وما تقبله وترفضه، وما تفعله حين تختلي بنفسك، يجري في الاتجاه الذي أراده الله منك؟
هذا سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابةً عنك.
فقد تجادل طويلًا في معنى العبادة وحدودها، لكنك لن تستطيع أن تخدع نفسك إذا وقفت أمام السؤال مجردًا من كل جدال:
هل أعيش لله، أم أعيش لنفسي، ثم أبحث عن تأويل يجعل ما أريده موافقًا لمراد الله؟
503
ربما مرّ على أحدكم أن جواب أطول قسم في القرآن جاء عن النفس:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
وقد لا يتوارد إلى أذهاننا عند سماع الآيتين إلا ضرورة تزكية النفس؛ ففي تزكيتها الفلاح. لكننا قد نغفل عن النصف الآخر: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
فماذا يعني أن أدسّي نفسي؟
أي ليس فقط أن أترك تزكيتها، بل أن أخملها، وأضعف فيها صوت الحق، حتى يصبح الهوى أقدر على توجيهي من الحق، وتصبح المصلحة مقدّمة كلما تعارضت مع ما ينبغي أن يكون.
وهنا تكمن الخيبة!
فقد يظن الإنسان أنه يحفظ مصلحته حين يسكت عن حق، أو يبرر لنفسه ما لا يبرره لغيره، أو ينتصر لهواه؛ بينما هو في الحقيقة يخسر نفسه شيئًا فشيئًا.
والأخوف أن التدسية لا تأتي دائمًا في صورة انحراف ظاهر؛ قد تبدأ بتبرير صغير، ثم يتكرر، حتى يألف القلب ما كان يستثقله، ويصبح ما كان ينكره بالأمس أمرًا عاديًا اليوم.
فأخوف ما في دسّ النفس أن تُسكت صوت الحق فيها مرة بعد مرة، حتى يأتي يوم لا تعود تسمعه.
وحينها تفهم لماذا قال الله:
﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
فالخيبة ليست أن تخسر مصلحة وأنت مع الحق؛
الخيبة أن تربح مصلحة، ثم تكتشف أنك كنت تخسر نفسك في كل مرة!.
503
بعد دفن الميت، تكون هناك عادةً موعظة قصيرة، ودعاء له، وتذكيرٌ بالحياة الآخرة وبالمنزل الذي ينتظر كل واحدٍ منا. لكن الأحاديث الجانبية، منذ سنوات قليلة، بدأت تزداد حتى في مثل هذه المواقف، حتى أنني سمعت، وفي مرتين منفصلتين، الشيخ يطلب صراحةً من الناس التوقف عن الأحاديث الجانبية. وفي المرتين لم يستجب أحد، إلى أن اضطر في النهاية إلى أن يقول لهم: «نرجوكم، فقط الهدوء قليلًا والدعاء للميت».
قد نستهجن الكلام عن الدنيا في مثل هذه المواقف، لكننا سرعان ما نتذكر أننا أصلًا لا نفتح مواضيع الآخرة في حياتنا البتة؛ فكيف فجأةً نتوقف عن حديث الدنيا ونتكلم عنها؟ لكن في آخر جنازة تبعناها، حدث شيء مختلف. قام أحدهم بقراءة دعاء دخول المقبرة بصوت مرتفع: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». كان هو أيضًا كلامًا، لكن وقعه كان شديدًا.
سكت الجميع. لم أسمع يومها أي أحاديث جانبية. لم يحتج أحد إلى أن يطلب الهدوء. كأن هذه الكلمات لم تكن مجرد كلام يُسمع، بل حقيقةً تقف أمام الجميع ولا يمكن الهروب منها. تقبَّل وواجه هذه الحقيقة، ولو لمرة واحدة، وسترى الدنيا فجأةً على حقيقتها، فشئنا أم أبينا، لا دار لنا بعد الموت نسكنها إلا التي كنا في حياتنا نبنيها.
503
تنتشر مقاطعُ التوعيةِ والوعظِ في كلِّ مكان، لكنَّ أكثرَها يشتركُ في سِمَةٍ تستوقفني؛ فهي كثيرًا ما تنصرفُ إلى وعظِ بُسطاءِ العامّة، أو مَن يَغلبُ عليهم حُسنُ القَبولِ وسُهولةُ الاستجابة.
وليسَ الاعتراضُ على وعظِ بُسطاءِ العامّة، فهم بحاجةٍ إلى التذكيرِ كما غيرِهم، وإنّما الاعتراضُ على أن يُصبحوا وحدَهم ميدانَ الوعظ، بينما يغيبُ الخطابُ الذي يُواجهُ الظالمين، والمتكبّرين، وآكلي حقوقِ العباد، والمنافقين، وكلَّ مَن أغرَّه جاهُه أو منصبُه أو مالُه حتى ظنَّ أنَّه بمنأىً عن الحساب.
متى كانت آخرَ مرّةٍ سمعتَ فيها موعظةً تتناولُ عاقبةَ الظالمين، أو سوءِ مُنقَلَبِ المنافقين، أو خطرَ أكلِ حقوقِ الناس، أو التسلّطِ على الخلقِ باسمِ الدينِ أو الجاهِ أو المنصب؟ بل متى كان آخرُ خطابٍ يُرسّخُ في النفوسِ أنَّ الجميعَ عبيدٌ لله، فلا جاهَ يرفع، ولا منصبَ يعصم، ولا هيبةَ تنفعُ بين يدي الله؟
لقد كَثُرَ الخطابُ في منطقةِ المسموح، حتى غدَتِ الميدانَ الذي يتنافسُ فيه الجميع، بينما نُصِبَ في منطقةِ اللامفتوحِ صَنَمٌ لا يُقتربُ منه؛ فلا يُواجَهُ صاحبُ جاهٍ أو منصب، ولا تُمسُّ مواطنُ الظلم، ولا تُقالُ كلمةُ الحقِّ حيثُ تكونُ كُلفتُها أعظم. وكأنَّ المحظورَ لم يَعُدِ الظلمَ، وإنّما الاقترابَ من الظالم.
إنَّ قيمةَ الكلمةِ لا تظهرُ حينَ تُقالُ لِمَن لا يملكُ إلّا أن يسمع، وإنّما حينَ تُقالُ لِمَن يملكُ أن يغضبَ أو يُعاقبَ أو ينتقم. أمّا أن يَكثرَ الوعظُ حيثُ يُؤمَنُ الجانب، ويغيبَ حيثُ تُخشَى العواقب، فذلكَ يبعثُ على التساؤل: هل أصبحَ ميزانُ الخطابِ هو سلامةُ المتكلّم، أم إقامةُ الحق؟
إنَّ الأُمّةَ بحاجةٍ إلى خطابٍ يُذكّرُ الجميع، لا المستضعفينَ وحدَهم؛ خطابٍ لا يُفرّقُ بين صاحبِ جاهٍ أو منصبٍ وغيرِه في وجوبِ النصيحةِ والإنكار، ولا يجعلُ النفوذَ حاجزًا يحولُ دونَ قولِ الحق.
نُكثرُ من توجيهِ الخطابِ إلى مَن لا يضرُّنا نصحُهم لأنّنا نأمنُ جانبَهم، ونتجنّبُ وعظَ مَن لا نأمنُ جانبَهم. وهنا يكمنُ الخلل؛ إذ تتحوّلُ الجرأةُ إلى انتقائيّة، ويغدو الصمتُ عندَ مواطنِ القوّةِ انتكاسةً في ميزانِ الحق، وهزيمةً لا تمحوها كثرةُ ما يُقالُ في مواطنِ الضعف.
503
يبدو أن أقصى ما يستطيع الإنسان أن يبلغه على الصعيد الشخصي ليس نجاحًا ولا شهرةً ولا نفوذًا، وإنما أن يحفظ على فطرته السليمة بينه وبين نفسه.
فأنت، شئت أم أبيت، ستُدفع إلى العيش داخل أنماط مصطنعة، تتشربها شيئًا فشيئًا حتى تستقر فيك، ثم لا تلبث أن تظنها ذاتك، مع أنها لم تكن يومًا إلا قناعًا طال ارتداؤه حتى التصق بالوجه.
ويبقى الصادقون - وما أقلهم - أولئك الذين يحافظون على الصدق بينهم وبين أنفسهم، فلا يسمحون لضجيج الناس أن يطمس صوت الفطرة، ولا لبريق الزيف أن يحجب نور الحق، على أمل أن تفيق البشرية يومًا من هذا السيل الجارف من التمثيل، والثرثرة، والتفاهة، التي زيّنها الشيطان حتى غدت فضيلة في أعين كثير من الناس.
أما أكثر الخلق، فلم يعودوا صادقين حتى مع أنفسهم؛ فقد اختلط عليهم الأصل بالطارئ، والفطرة بالاكتساب، والحق بالهوى، حتى لم يعد أحدهم يدري من أين جاء، وعلى أي معتقد استقر، وإلى أي مصير يسير، بل صار يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، ويبرر لها ما لا يصدقه قلبه في قرارة نفسه.
وهكذا يمضي ملايين البشر عن هذه الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وما دروا أنهم ربما كانوا من الأخسرين أعمالًا؛ لأن أخطر أنواع الضلال هو ذلك الذي يلبس ثوب الهداية، حتى لا يشعر صاحبه أنه قد ضل أصلًا.
نعوذ بالله من سرابٍ يخدع الأبصار والبصائر، ومن ظلماتٍ يبلغ فيها الإنسان حدَّ أن يمد يده، وهي أقرب الأشياء إليه، فلا يكاد يراها.
503
يمر كل واحدٍ منا في حياته بمفترق طرق، بين زواجٍ أو دراسة، أو غربة، أو وظيفة، أو تجارة، أو غيرها من القرارات المصيرية.
نجلس نقارن بين الخيارات، ونزن المكاسب والخسائر، ثم تميل نفوسنا إلى ما يبدو أكثر نفعًا لمعيشتنا، وأوفر حظًا في دنيانا. وربما نستشير من نثق برأيه، طلبًا لأدق تحليل وأصوب تقدير، لكنه غالبًا ـ مثلنا ـ ينظر إلى الميزان المادي: أيُّ الخيارات أجدى نفعًا؟ وأعظم عائدًا؟ وأقرب إلى تحقيق المصلحة الدنيوية.
لكن يغيب عن كثيرٍ منا، وعن كثيرٍ ممن نستشيرهم، ميزانٌ هو أعظم من كل الموازين: أيُّ هذه الخيارات أقرب إلى الله؟ وأرجح في ميزان الآخرة؟
فقد يكون الخيار الذي يبدو لي أكثر نجاحًا في الدنيا، هو نفسه الذي يضعف ديني، أو يفتن قلبي، أو يباعدني عن ربي. وقد يكون الخيار الأقل بريقًا، والأقل ربحًا، هو الأبرك لديني، والأعظم أثرًا في آخرتي.
كم مرة استشرنا الناس، فسمعنا مقارنة بين الراتب، والمكانة، والفرص، والمكاسب... ثم لم يلتفت أحد إلى سؤال واحد:
أيُّ الخيارين أنفع لدينك؟ وأقرب لنجاتك يوم تلقى الله؟
إن القضية ليست أن نختار ما يحقق لنا أفضل حياة في الدنيا، بل أن نختار ما يورثنا أفضل مقام في الآخرة، ولو فاتنا من الدنيا بعض ما نشتهي.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نسبق به كل قرار، وأن نوجهه لأنفسنا قبل أن نوجهه لغيرنا هو:
إذا تعارضت مصلحة الدنيا مع مصلحة الآخرة، فهل أنت مستعد أن تقدم ما هو أنجع لآخرتك، ولو كان أقل نفعًا لدنياك؟
فهناك تبدأ حقيقة الإيمان، وهناك يظهر صدق تقديم ما عند الله على ما ستناله أيدينا.
503
بورقةٍ صغيرةٍ يتقدَّمُ أحدُهم لإيصالِها إلى الإمام، فيُذيعُ الإمامُ أنَّ أحدَهم قد انتقلَ إلى رحمةِ الله.
ويبقى السؤالُ الذي لكلِّ واحدٍ منَّا جوابُه عند نفسِه:
ماذا تعني كلمةُ الانتقال؟
مَن مِنَّا إذا كان لديه موعدُ سفرٍ، لا يتهيَّأ له، ويُجهِّز نفسَه، ويُرتِّب أمورَه حتى يمضي سفرُه على خير؟
إنَّه سفرٌ عظيم، وانتقالٌ مهيب، لن يفوتَك مهما استنكفتَ، أو أجَّلتَ، أو امتنعتَ عن حجزِ تذكرةٍ له.
503
الحمدُ للهِ الذي جعلَ المؤمنَ لا ينظرُ إلى الأحداثِ بعينِ السياسةِ والتطوُّراتِ وحدها، بل بعينِ الإيمانِ أيضًا. فهو يعلمُ أنَّ ما يجري ليس خارجًا عن قَدَرِ الله، وأنَّ سُنَنَه ماضيةٌ في الأمم، وأنَّ الأيامَ يُداولُها بين الناس.
وواللهِ، لو علمَ الإنسانُ معنى قيُّوميَّتِه، والتي هي قيامُه سبحانه على كلِّ نفسٍ، وتدبيرُه لكلِّ أمرٍ، وأنَّه لا يخرجُ شيءٌ في هذا الكونِ عن علمِه وإرادتِه وحكمتِه، لما شغلَ بالَه وفكرَه ووجدانَه إلا رضا خالقِه عنه.
ولكنَّ كثيرًا منَّا أصبح ينظرُ إلى الأمورِ بمنظارٍ دنيويٍّ، حتى كأنَّ الإنسانَ هو الذي يملكُ تدبيرَ المصائر. وهيهاتَ هيهاتَ؛ فما للعبدِ إلا أن يتضرَّعَ إلى ربِّه، ويتذلَّلَ بين يديه، فهو وحدَه المدبِّرُ الحكيم.
503
وبعد رحيل الجبابرة، يتجلى معنى قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.
تتلاشى في لحظةٍ قيمةُ كلِّ ما تملك: من أرصدة، وعلاقات، ومكانات. وكلُّ ما كنت تراه مُلكًا لك، لم يكن إلا عهدةً أُودعت بين يديك، أو صلاحياتٍ مُنحت لك إلى أجل. لكن الفزع الحقيقي أن تنكشف لك هذه الحقيقة بعدما تترك كلَّ شيءٍ وراء ظهرك، فلا تملك أن تستردَّ منه شيئًا.
هكذا الرجوعُ فرادى؛ عزلةٌ مطلقة، لا أهلَ، ولا عشيرةَ، ولا أصحابَ، ولا جاهَ، ولا سلطان. تقف أعزلَ أمام الحقيقة الكبرى: أنك مخلوقٌ ضعيف، لا حولَ لك ولا قوةَ إلا بخالقك. وكلُّ ما كنت تظنه حصنًا يحميك، قد بقي وراء ظهرك، في عالمٍ انقطعت صلتُك به، ولم يَعُد لك إليه سبيل.
503
قد تكثر قائمة معارفك، أو من تسميهم أصدقاء أو أصحابًا، وإن شئت تنقية هذه الدائرة واصطفاء القلة، فالزم صحبة من تعلم أنه كثير الصدقات والإنفاق.
أما إن بلغك، من غير قصد، أن أحدًا كثير الصدقات في الخفاء، فحريٌّ بك أن تُعلمنا به؛ فمثل هذا تُشد إليه الرحال
طلبًا لصُحبته.
فالكرم، والإخلاص، والإيثار على النفس، خصال لا تجتمع في قلبٍ مريضٍ ألبتة.
اللهم هيئهم لنا، وارزقنا الاقتداء بهم، والتشبه بنبل قلوبهم.
503
لا يزال مشهد مُصادفة جِنازة عند دخول المسجد من أكثر المواقف التي تترك أثراً عميقاً وممتداً في النفس.
تدخل بيت الله تلبيةً للنداء، وتسير بخطاك مستحضراً عظمة الخالق وفضله، وأمامك من يُحْمَل على الأكتاف بلا حولٍ ولا اختيار، في آخر عهدٍ له ببيوت الله قبل الوداع.
ويقطع هذا المشهد المهيب نداء الإمام متسائلاً عمّن يتكفل بديون الراحل، فيبادر أحد أبنائه بالالتزام بها. ثم يلتفت الإمام إلى المصلين طالباً منهم العفو والمسامحة الخالصة من القلوب.
هنا تتجلى رهبة الموقف وتتكشف الحقائق؛ فما أثقل الحِمْل على مَن ارتحل ومعه مظالم للناس، أو ديونٌ عالقة، أو حقوقٌ لم تُرَدَّ لأصحابها.
إنها رحلة حتمية ومحطة تنتظرنا جميعاً بلا استثناء، ولن تطمئنّ في استحقاقاتها إلا بصحيفة بيضاء سليمةٍ من حقوق العباد.
503
سبحانَه، ما أبلغَ بيانَه!
بآيةٍ واحدةٍ قصيرةٍ، لا يدعُ مجالًا بعدَها لمزيدٍ من التحليل:
﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
أي إنَّ هروبَك من تقبُّلِ حقيقةِ أنَّ هناك حياةً أُخرى تحتاج إلى تقديمٍ وعملٍ، لتتجنَّبَ الندمَ فيها، إنما هو من اتِّباعِ هوى النفس.
وكأنَّ الآيةَ تُنبئُ بأنَّ الندمَ سيكون حالَ كثيرين يومئذٍ، وأنَّك ما دمتَ اليومَ في دارِ العمل، فلا بُدَّ أن تُقدِّمَ ما يقيكَ ذلك الندم.
هكذا هي معانٍ واضحةٌ، يُدركها قلبُك، ويعي ما تقتضيه من قرارٍ وعمل، ولكنَّك لا تريدُ إلا أن تمرَّ عليها مرورًا عابرًا، وكأنَّك لستَ أوَّلَ المعنيِّين بها!
503
إنَّ في تنصيبِ النَّفسِ وصيًّا على الحقيقةِ المطلقةِ آفةً أخذت تتزايدُ في الآونةِ الأخيرة.
وليستِ المشكلةُ في بيانِ الخطأ، أو التنبيهِ إلى السهو، أو مناقشةِ موطنِ الإشكال؛ فذلك من تمامِ النصحِ والحوار. وإنَّما الإشكالُ حين يتحوَّلُ النِّقاشُ من نقدِ الفكرةِ إلى التشهيرِ بصاحبِها، ويُستبدَلُ تقويمُ الطرحِ بالطعنِ في الشخص.
وإعادةُ نشرِ طرحٍ، أو فكرةٍ، أو رأيٍ، بقصدِ تحجيمِ شخصٍ له نفعٌ ظاهرٌ في ميادينَ أخرى، ليست من سماتِ المؤمن، بل تُخالفُ ما أرشدنا اللهُ إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ولو كان القصدُ صادقًا، وإن ادَّعى صاحبُه ذلك، لانصبَّ الاهتمامُ على تصحيحِ المفاهيم، لا على تضليلِ الأشخاصِ أو النيلِ منهم.
فإذا كان الفضاءُ الرَّقميُّ قد امتلأ بهذا القدرِ من الغِلِّ، والحقدِ، والتربُّصِ، فكيف يُرجى للفضاءِ الواقعيِّ أن يلتئمَ ويجتمع؟
ولو خلصتِ النوايا حقَّ الإخلاص، لما حملتْ أصحابَها على هذا التَّحامل؛ فالرسالةُ هي هدايةُ الناسِ بالحكمة، لا تشتيتُهم بالانقسامِ الذي لا غايةَ له، ظنًّا من المرءِ أنَّه المُصلِحُ المُنتظَر.
وقبلَ أن تكتبَ كلمةً، أو تنشرَ رأيًا، وأنت في هيجانِ نفسٍ، أو تغلبُ عليك شهوةُ الانتصار؛
تذكَّرْ أنَّ نفسَكَ أمانةٌ بين جنبيك، وأنَّك مسؤولٌ عنها. وستُسألُ عن نيَّتِكَ قبل أن تُسألَ عن كلماتِكَ؛ فلأيِّ شيءٍ نشرتَها؟ ولأيِّ قصدٍ كتبتَها؟
