en
Feedback
كتِبتْ ومَازَالَت

كتِبتْ ومَازَالَت

Open in Telegram

لا شَيء يُشبِه ورَقة بَيضاء نَكتب عَلَيهَا الحُروف لِنَبقى.

Show more
1 644
Subscribers
-224 hours
-127 days
-3730 days
Posts Archive
«مَن زارَ فاطمةَ المعصومةَ بقمٍّ وجبتْ له الجنّة». فهنيئًا لمن حُملَ إلى جوارِها، وسُجِّيَ في رحابِ حرمٍ أشرقتْ فيه أنوارُ ال
«مَن زارَ فاطمةَ المعصومةَ بقمٍّ وجبتْ له الجنّة». فهنيئًا لمن حُملَ إلى جوارِها، وسُجِّيَ في رحابِ حرمٍ أشرقتْ فيه أنوارُ الطهرِ والأمان، وطوبى لروحٍ ارتحلتْ من ضيقِ الدنيا إلى فسحةِ الرحمةِ عند مرقدِها الشريف، فسلامٌ على من نزلَ في هذا الجوارِ المبارك، والتحقَ بركبِ الصالحينَ والشهداءِ، راجيًا شفاعةَ أهلِ البيتِ عليهم السلام، ومتوسلًا إلى الله تعالى بأحبِّ خلقِه إليه.

سقَطَ القمرُ ”أدركْ أخاكَ”، صرخَ المفجوعُ ”انكَسَرَ ظهري”، والمسافةُ الفاصلة بينهما تَعَثُّرٌ بكُفوفٍ مُقَطَّعة، عادَ بصعوبة،
سقَطَ القمرُ ”أدركْ أخاكَ”، صرخَ المفجوعُ ”انكَسَرَ ظهري”، والمسافةُ الفاصلة بينهما تَعَثُّرٌ بكُفوفٍ مُقَطَّعة، عادَ بصعوبة، يدٌ على الظّهرِ المُقوَّس، وأخرى يَجُرُّ بها دموعَه من ورائِه، عِمامَتُه تكادُ أن تَسقُطَ، يُتَمتِمُ بصوتٍ مَبحوح: كَسَرتَ الآنَ ظَهري، يا أَخي ومُعيني.

عانقَ الدَّم عَينَه، والسَّهْمُ قَلبَه، فارتَفَعَ العَمود يَخسِف عَمود خِيام الرِّسالة، هوى بلا كَفَّين، استَقبَله التُّراب، فتَكَسَّرَت السِّهام في جَسَدِه، هُنا تَحضَّر كُلُّ شيءٍ للرَّحيل: لِلسَّبي تحت أَنظار السِّياط.

بعدَ أن تَعَثّرَ بكفّين مُقطّعين، رجعَ من مصرع العبّاس (عليه السّلام) وظهرهُ كالهِلال، يُتَمْتِمُ مُختَنِقاً بدُموعه، وأنفاسهُ تخطِفُها الآهات: يَخويه اِستوَحدوني عَگبَك الگوم.

‏على مُصيبةُ العبّاس (عليه السّلام)، دُموعُنا خَجلى، لأنّها ليسَتْ من دِماء.
‏على مُصيبةُ العبّاس (عليه السّلام)، دُموعُنا خَجلى، لأنّها ليسَتْ من دِماء.

‏في جنْحِ الليل، بدأ دُخان الخيانةِ بالدخولِ إلى بيوتُ الكوفة، خنقَ ضمائرهم، أردى بصائرهم، حتّى ألقوهُ بغَدْرِهِم من على سطحِ الإمارة، ورائحة دمائهِ تُعطّرُ الهواء، وتُطهّرُ تلكَ الأرضُ كلّما جُرَّوا فوق ترابُها جسدهُ الطاهر.

طَرَق خبرُ استشهاد مُسلم مسامِعَ حميدة، أهتزَّ قلبُها ثمَّ خبا صوتُها في صدى بُكاءٍ طويل، وقلبَها خاوِيًا إلّا من خُيوطِ حزنٍ مُعَلَّقة في سقف الغياب، تبكي حتى نَحَلَ صوتُها، وسَكَنَت شهقاتُها في صدرٍ ضاقَ عليهِ الأنين.

أخمشُ وجهَ المعنى، وأقتاتُ على شظايا الحروف، وأغزلُ من أنينِ الروحِ أكفانًا للذاكرة، وقبل أن أُقدمَ على الكتابة أتوضّأُ وجعًا، وأكسرُ في داخلي ألفَ صمتٍ وصمت، لتخرجَ من أعماقِ القلبِ صرخةٌ عتيقةٌ بحجمِ الدهر: ”آه يا حسينُ ومصابَه”. أأجنُّ من فرطِ الحزن، أم أنّ الحزنَ هو الذي اتّخذَ منّي مأوًى، أقفُ على حافّةِ الغياب وأساومُ الدموعَ على البقاء، وأسألُ الجهاتِ كلّها: أين استقرّ بكِ المسيرُ يا مولاتي، أفي أرضِ الطفوفِ حيث تنامُ المآسي على صدرِ الرمال، أم في ظلمةِ الأسرِ حيث كانت الجراحُ تتكلّمُ بدلَ الكلمات. مضتِ الأيّامُ حتى جاء أجلُها بعد صيحة: ”قُتِلَ الحسينُ فأدمُعي مدرارٌ”، صرخةٌ مُشجيةٌ كأنّ بشرًا ينعى بها روحَها، ترحلُ جسدًا في هذه الليلة، أمّا الروحُ ففارقتْها حين وقعتْ تلك الكلماتُ على مسمعِها: ”الجسمُ منهُ بكربلاءَ مُضرَّجٌ، والرأس”.

وهل يُرَدُّ سائلٌ مُتْعَبٌ قد أثقلت أجفانَه الدموع، فوقف عند بابِك هذه الليلةَ سيّدتي يا أُمَّ البنين، طارُقًا بكل أسىٰ.
وهل يُرَدُّ سائلٌ مُتْعَبٌ قد أثقلت أجفانَه الدموع، فوقف عند بابِك هذه الليلةَ سيّدتي يا أُمَّ البنين، طارُقًا بكل أسىٰ.

‏يدينِ ناعمتينْ قد أثقلهما المرض، انحنتا لتحتضنا أطرافَ الخيل، وبكلّ نبضةِ حافرٍ تدقُّ في الأرض مبتعدةً عن الدّار، تتناثرُ سهامُ الألمِ على قِرْبةِ عينيها لتُفجّرَ منها عيوناً تُشبعانِ التُرابَ نداوةً، تُخضرّانِ شوقاً للحُسين (عليه السلام).

فوق تُرابٍ ارتجفَ من وَقْعِ الخُطى، تَمَدَّدت نظراتُها كنخلةٍ مكسورة، تُحصي في زَفَراتِها عددَ السُّيوف التي لم تَنَم، وتُخبّئُ في صَمتِها بقايا صَرخةٍ لم يُسعِفْها الصدى، كان الرَّحيل أوسَعَ من الطريق، وأضيق من ضِلْعٍ مُلتفٍّ على قلبٍ ذابل، كُلّما ابتَعَد صوتُ أبيها، انبثقَ نِداءٌ لا يُقال، بل يُبكى: رَحَلوا وتركوا الحياةَ في عَين قلبِها بلا لَون، بَقِيَت تَسقي الأرضَ دُموعًا، حتّى ذابَ غُصْنُها.

محاولةٌ أخيرة، وكأنّها باتَتْ تُرَتِّلُ على مرضِها آيات الشّفاء "حُسين، حُسين" كي تنهضَ، فألَمُ سفر حُسينِها يأكُلُ من بدنِها
محاولةٌ أخيرة، وكأنّها باتَتْ تُرَتِّلُ على مرضِها آيات الشّفاء "حُسين، حُسين" كي تنهضَ، فألَمُ سفر حُسينِها يأكُلُ من بدنِها أكثر من أيّ مرضٍ آخر.

شمسٌ وقمرٌ وكواكبُ بأرواحٍ طاهرةٍ تمضي نحوَ كربلاء، بإحرامٍ من دماء، وفي كلِّ خطوةٍ يخطونَها تُسبّحُ من حولِهم الأرضُ والسماء، وصلوا كربلاء وخيمةً تُظلّلُ النساءَ والأطفال، ستكونُ لهم ظلالَ دفءٍ وأمانٍ حتى موعدِ التقاءِ السيوفِ والمناحر، ذلك الموعدُ الذي سينتهي بصرخةٍ تتبعُها صرخاتُ بكاءٍ بينَ الشوكِ واللهيب: فرّوا على وجوهِكم في البيداء.

‏(ها هُنا)، بدأتْ بِها حكايةُ البُكاء.
‏(ها هُنا)، بدأتْ بِها حكايةُ البُكاء.

‏أنصِتوا لتسمَعوا حكايا جراحاتهِ من فَمِ قميصهُ المنشورِ في أضلاع السّماء.
‏أنصِتوا لتسمَعوا حكايا جراحاتهِ من فَمِ قميصهُ المنشورِ في أضلاع السّماء.

أفاقَ الأسى مُثقلاً بالنحيب، يطوفُ على أبوابِ القلوبِ صارخاً: ألا من مُفجوعٍ يُشاركُ السماءَ بكاءَها على ذبيحِ كربلاءَ، هلّ الهلالُ، فارتدتِ الأيامُ ثوبَ العزاء، كأنَّ الأرضَ لم تُكملْ أنفاسَها، وكأنَّ الريحَ ما زالت تحملُ أنينَ الخيامِ المحترقة، ونداءَ الأطفالِ بينَ اللهيبِ والعطش، هناك، حيثُ تكسّرتِ السيوفُ على عظمةِ الصبر، وحيثُ بقيَ الرأسُ مرفوعاً وإن هوى الجسدُ على الرمضاء، سالَ الدمُ، لا كدمٍ يُراق، بل كفجرٍ تفجّرَ من الوريد، فصبغَ الدهرَ حزناً، وتركَ في كلِّ قلبٍ: جروحٌ لا تَبردُ أبدا.

«فما أحلى أسمائكم»: لو مررنا بأسماءِ هؤلاءِ الكرامِ الأطهار عليهم السلام، على سائرِ الأسماءِ لأحسسنا الفرقَ الكبيرَ بينهما، إ
«فما أحلى أسمائكم»: لو مررنا بأسماءِ هؤلاءِ الكرامِ الأطهار عليهم السلام، على سائرِ الأسماءِ لأحسسنا الفرقَ الكبيرَ بينهما، إنَّ لأسماءِ الأئمةِ (عليهم السَّلام) معانيَ تؤثِّرُ في نفسِ مَن سُمِّي بها وتغيِّرُها، فإنَّ مَن سُمِّي بـ«أحمد» أو «فاطمة» أو «علي» تظهرُ على سلوكِه وأخلاقِه آثارُ الاسم، فلم يُسمُّونا بهذه الأسماءِ تَشَهِّيًا، بل لأنَّ لهذه الأسماءِ مضامينَ، فما وردَ الأمرُ بالتسميةِ بالأسماءِ الحسنةِ، وما جاءَ التأكيدُ على التسميةِ بها، إلا لآثارِها المعنويةِ في النفوس.

إنَّ ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ليست شأنًا اختياريًا يُقارب بين البدائل، بل هي أمرٌ إلهيٌّ تعلّقت به الإرادة الربانية ولأجل ذلك لم يكن إبليس معذورًا حين رام أن يستبدل السجود لآدم (عليه السلام) بضروبٍ من العبادة يتوهّم فيها القرب والزلفى، إذ إنَّ حقيقة العبودية لا تقوم على ما يستحسنه العبد، وإنما على التسليم المحض لما أراده المولى، فكانت علة سقوطه أنَّه أراد أن يعبد الله على وفق مشيئته هو، لا على مقتضى الأمر الإلهي، فاستحقَّ الطرد واللعن والخذلان. ومن هذا المنطلق يتجلّى أنَّ تكليف الغدير يجري في سنخ التكاليف التي لا يقبل الله تعالى عنها عوضًا، إذ المدار كل المدار على الامتثال لما تعلقت به الإرادة الإلهية دون ما يبتدعه الناس من مسالك وتصورات، فكل تكليف يُظن أنّه يغني عن الولاية أو يقوم مقامها إنما هو مردودٌ لفقدانه روح التعبد الحقيقي، ذلك التعبد الذي لا يتحقق إلا بالسير في دائرة المراد الإلهي كما هو، لا كما تُعيده الأهواء والاجتهادات البشرية.

⁨‏﴿فكَسَوْنا العِظامَ﴾، من حُبّ فاطِمة (عليها السّلام).⁩
+1
⁨‏﴿فكَسَوْنا العِظامَ﴾، من حُبّ فاطِمة (عليها السّلام).⁩

الإنسان، في زحمة أيامه، يحمل في صدره ميزاناً خفياً لا يهدأ، لكنّه كثيراً ما يؤجّل الحساب إلى محطاتٍ كبرى، كأنّ النفس لا تُراجع إلا عند المواسم، مع أنّ العمر كله موسمٌ واحد طويل، وهنا تأتي اللحظات الفارقة، حين تُستعاد النماذج التي ارتقت فوق طبيعة البشر العادية، لا لتكون للتأمل المجرد، بل لتكون معياراً يُقاس به الأقتداء والارتقاء معاً. في العلاقة بين الرجل والمرأة، تتكسر كثير من المعاني حين يغيب الفهم ويحلّ مكانه العرف الجامد أو الانفعال العابر، فكم من رجلٍ ظنّ أن القوّة امتيازٌ مطلق لا يحدّه وعي ولا تهذيب، فاختلط عنده الحق بالسطوة، والرجولة بالغلظة، حتى صار ما يفعله انعكاساً لفراغٍ تربوي أكثر من كونه التزاماً دينيّاً، وكم من امرأةٍ ضاعت بينها وبين ذاتها ملامح الطريق، فلم تعد ترى في الأسرة امتداداً لوجودها بل عبئاً عليه، فتصطدم بالحقوق والواجبات وكأنها قيود لا روابط رحمة، فيختلّ ميزان المودّة الذي بُنيت عليه البيوت. وحين يُستعاد نموذج الصفاء الأول في زواج النورين، لا يُراد منه استنساخ التاريخ، بل أدراك؛ أن المسؤولية ليست عبئاً، وأن المودّة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية تُختبر في التفاصيل الصغيرة التي يصنعها الصبر قبل الكلمات، أن البيت امتحانٌ للوعي قبل أن يكون اجتماع أجساد، أدرك أن كل يوم يمكن أن يكون بداية تصحيح، لا تكراراً لخطأ قديم.