en
Feedback
مُنهك..🖤

مُنهك..🖤

Open in Telegram

في عالم من الكلمات، أجد ملجأي. هنا أشارككم شذرات من روحي وأحلامي، وأدعوكم في رحلة عبر خيالي لستُ كاتب ولكنني شغوف بالكلمات، أكتب عن كل ما يستهويني... اتمنى لكم قراءة ممتعه🖤 OWNER: @OSS1S @athkkarr

Show more
976
Subscribers
-924 hours
-3397 days
-53330 days
Posts Archive
ليس كلُّ ما ارتفع في أعين الناس بلغ منزلته في الحقيقة، ولا كلُّ ما خفي عن الأبصار كان هينًا أو قليل الشأن، فإن للدنيا موازين تُحسن عدَّ الظواهر، وللحق موازين لا تعرف إلا الجواهر، وكثيرًا ما تثاقلت الأسماء بالألقاب حتى ضاقت بها الأسماع، ثم لم يكن لها عند الله إلا وزنُ ما حملته من صدق، وكثيرًا ما عبرت في الحياة نفوسٌ لا تلتفت إليها العيون، فلما غابت، أحسَّ الناس أن شيئًا من السكينة قد ارتحل معها، لأن القيمة لا تُعرف بضجيج الحضور، وإنما بالفراغ الذي يتركه الغياب، ولقد شُغل الناس منذ القدم بما يظهر أكثر مما شُغلوا بما يكون، حتى حسبوا أن الظهور يصنع القيمة، وأن اجتماع الأنظار يهب المكانة، وغفلوا عن أن كل عظيمٍ يبدأ رحلته بعيدًا عن الأعين، فلا يرى الناس اكتماله إلا بعد أن يستوي بناؤه، وكذلك النفوس؛ لا ترتفع بكثرة من يذكرها، بل بمقدار ما تهذب نفسها، وتغالب أهواءها، وتقترب من الحق كلما ابتعدت عن ادعاء الكمال، فالنفس التي تنشغل بإصلاح باطنها، لا يضيرها إن تأخر اعتراف الناس بفضلها، لأن ما ينمو في أعماق الروح أبقى أثرًا مما ينبت على ألسنة المادحين، وما رأيت شيئًا يكسو الإنسان وقارًا كسلامة سريرته، فإن السرائر إذا صلحت، أشرقت آثارها على الملامح قبل الأقوال، وربَّ رجلٍ دخل مجلسًا لا يملك من أسباب الوجاهة شيئًا، فإذا نهض منه بقي ذكره في القلوب أكثر مما بقي صوته في الآذان، لأن الأرواح تعرف الصدق كما تعرف الجذور طريق الماء، وتأنس إلى النفوس النقية وإن قلَّ حديثها، فليست البلاغة فيما يقال، وإنما فيما يوقظه القول من حياةٍ في الأرواح، وكم من كلمةٍ صفق لها الناس، ثم دفنها أول صمت، وكم من كلمةٍ خرجت من قلبٍ صادق، فما زالت تنبض في الأرواح بعد رحيل قائلها، وليس أعجب من إنسانٍ يقضي عمره يرمم صورته في أعين الخلق، بينما يترك قلبه يتداعى في صمت، يعتني بما يراه الناس منه، ويغفل عما يراه الله فيه، حتى إذا خلا بنفسه، وجد أن أكثر ما بناه كان خارجًا عنه، وأن أكثر ما أهمله كان هو أولى الأشياء بالعناية، فالنفس لا تخدع صاحبها طويلًا، وإذا أُغلقت الأبواب، وسكنت الأصوات، وانفضَّ الجمع، وقفت الحقيقة بين الإنسان وقلبه، مجردةً من كل لقب، بعيدةً عن كل ثناء، فلا يبقى إلا ما كان صادقًا، ولا يثبت إلا ما كان خالصًا، ومن أجل ذلك، لم يكن أشرف الانتصارات أن يغلب الإنسان غيره، بل أن يغلب ما في نفسه من كبر، وهوى، ورياء، وتعلُّقٍ خفيٍّ بثناء الناس، فإن الذي ينتصر على الناس قد يغلبه الزمن، أما الذي ينتصر على نفسه، فقد فتح بابًا لا تغلقه الأيام، وما أكرم نفسًا جعلت رضا الله أعظم عندها من رضا الخلق، ومراقبة ضميرها أشد حضورًا من مراقبة العيون، لأن من استقام في خلوته، هانت عليه الاستقامة في علانيته، ومن استقام باطنه، أشرق أثره على ظاهره من غير تكلف، وألقى الله له من القبول ما لا تصنعه الحيلة، ولا تبلغه المظاهر، فاجعل همَّك أن يكون لك وزنٌ في ميزان الحق، لا صدى في مجالس الخلق، فإن الألسنة قد ترفع من لا يستحق، وقد تغفل عمن ملأ الأرض خيرًا، أما الحق فلا ينسى، والله لا يضيع عملًا أُريد به وجهه، وما كان له نما وإن خفي، وما كان لغيره ذوى وإن ملأ الدنيا ضجيجًا، فإذا انفضَّت المجالس، وسكتت الأصوات، وطُويت صحائف الأعمار، لم يبق للإنسان إلا قلبٌ عمره الإخلاص، وعملٌ حمله إلى ربه، وأثرٌ طيبٌ أبقاه في عباده، فذلك هو الوزن الذي لا تنقصه الأيام، ولا تبدله السنون، ولا يزول بزوال الدنيا، لأنه مودَعٌ عند من لا تضيع عنده الودائع...♡ -السُميعي

ليس كل طريقٍ يُرى يُسلك، ولا كل نورٍ يلمع يُتبع، فإن في الحياة بريقًا يخدع الأبصار، ونورًا لا تدركه إلا القلوب التي أخلصت المسير، وما أكثر الذين قطعوا الأعمار وهم يحسبون أنهم يمضون، فإذا بهم يدورون في الموضع نفسه؛ لأن الطريق ليس ما تطؤه الأقدام، بل ما تهتدي إليه البصيرة، وما يورثه السير من صفاء النفس وسكينة القلب، يا بني... إذا اتسعت بك الطرق، فلا تظنن أن كثرتها هداية، فإن الطريق لا يصدق بكثرة سالكيه، وإنما بما يتركه في روح السائر، فكم من دربٍ ازدحم بالخطى ولم يبلغ بأهله غير التعب، وكم من سبيلٍ أوحش الناس من سلوكه فإذا هو أقربها إلى الطمأنينة، فالطريق الحق لا تعرفه الأقدام، بل يعرفه قلبٌ يمشي على بصيرته، فإذا اشتبهت الجهات كان اليقين له دليلًا، فلا تغره كثرة الرفاق، ولا تفتنه الأصوات، فإن الضجيج كثيرًا ما يحجب صوت الحقيقة، واضحك، ولكن حين يجد الفرح موضعًا يليق به، فإن الضحكة التي تولد من فراغ تموت عند أول صدى، أما التي تفيض من قلبٍ امتلأ رضا، فتبقى في الوجوه نورًا، وفي المجالس طيبًا، واجعل لفرحك وقارًا، فإن السعيد ليس أكثر الناس ضحكًا، بل أكثرهم معرفةً بموضع الابتسامة وموضع الصمت، وامشِ على الأرض كما يمشي من يعلم أن التراب سيضم يومًا خطاه، فلا يرفعه الكبر إذا صفق له الناس، ولا يضعه الفشل إذا أعرضوا عنه، فأجمل الخطى ما حملت صاحبها بقلبٍ سليم، فلا يؤذي في حضوره، ولا يترك بعد غيابه إلا ذكرًا حسنًا، ولا تفتش في خزائن القلوب، فإن لكل إنسان بابًا أوصده على وجعه، ولكل روحٍ سرًا بينها وبين الله، ومن جعل عمره واقفًا على أسرار الناس عاد مثقلًا بما لا يعنيه، وضاقت عليه الدنيا؛ لأن الظنون إذا سكنت القلب ضاقت بها أوسع الأمكنة، ولا تجعل قلبك مأوى لكل عابر، فإن الأرواح تترك آثارها في الأرواح، فاختر لمن تمنح قلبك موضعًا كما تختار أطهر الماء لعطشك، واعلم يا بني أن الإنسان لا يعرف حين تكون الأيام رخية، وإنما يعرف حين تضيق به السبل، وتتبدل الوجوه، ويقل الناصر، هنالك يظهر معدن القلب، ويتميز الثابت ممن كان يسير مع الريح، فإذا أقبلت عليك النعمة فلا تجعلها تنسيك التواضع، واعلم أن القوة ليست في غلبة الناس، بل في غلبة النفس، وأن أعظم الانتصارات أن تخرج من خصومتك وقد حفظت قلبك من القسوة، وارحم، فإن الرحمة ليست ضعفًا، بل قوة لا يملكها إلا من انتصر على نفسه، ارحم الضعيف، وكن قريبًا من المنكسر، فما أكثر القلوب التي تحمل أثقالًا لا تراها العيون، وقل خيرًا، فإن الكلمة قد تكون جناحًا يرفع قلبًا أثقله التعب، وقد تكون حجرًا يترك أثرًا لا يزول، فزن حروفك قبل أن تنطق بها، فبعض الكلمات تعيش أكثر من أصحابها، وتأنَّ، فإن الثمار لا تنضج بالعجلة، والفجر لا يولد بالصخب، بل بعد صبر الليل الطويل، فلا تقارن بدايتك بنهاية غيرك، فإن لكل إنسان موعدًا مع اكتماله، ولكل روحٍ طريقًا لا يشبه سواها، وتعلم، فالعلم ليس كثرة ما تحفظه، بل ما يملأ قلبك نورًا، ويزيدك تواضعًا، فالغصن كلما أثقلته الثمار ازداد انحناءً، والعاقل لا يستحي أن يقول: لا أعلم، لأن معرفة الحدود أول أبواب الحكمة، واختر أصحابك بعناية، فإن المرء يأخذ من جليسه ما لا يشعر أنه يأخذه، فاجعل حولك من يذكرك بالله، ويعينك على الخير، ويحفظ غيابك كما يحفظ حضورك، واجعل الصدق وجهك الذي لا تبدله الأيام، والعدل ميزان خطاك، والحلم رداء قوتك، والعفو برهان غناك، والقناعة كنزًا لا يسرقه الزمن، ولا تمد عينيك إلى ما في أيدي الناس، فما كتب لك سيبلغك ولو باعدت بينكما مسافات العمر، وإذا ضاقت بك الأيام فلا تستعجل انقضاءها، فكم من بابٍ ظننته آخر الأبواب وكان أول الفرج، وكم من صبرٍ حسبه الناس تعبًا ثم أزهرت منه الحياة كما يوقظ المطر سر الأرض بعد طول الغمام، واعلم يا بني أن العمر لا يقاس بما مضى منه، بل بما يبقى منه، فلا تجعل همك أن يعرفك الناس، بل أن يعرفوا الخير إذا مر من خلالك، وإذا خلوت بنفسك فلا تسأل كم أخذت من الدنيا، بل اسأل: كم قلبًا جبرت؟ وكم دمعةً مسحت؟ وكم كلمةً طيبة زرعتها في طريق إنسان؟ فإن الإنسان لا يبقى بما جمع، بل بما أعطى، فإذا جاء يوم الرحيل، فليكن غيابك كغياب المطر؛ يرحل عن السماء ويترك الأرض أكثر اخضرارًا، فالأسماء قد تخبو، أما الأعمال الصادقة فتمضي من قلبٍ إلى قلب، والأثر الطيب هو العمر الذي لا ينقضي، فامضِ هادئ القلب، واسع الرحمة، قليل الأذى، كثير النفع، ولا تبحث عن النور في الطرق البعيدة، فإن أعظم نورٍ يهتدي إليه الإنسان هو ذلك الذي يوقظه الله في قلبه، فإذا استنار القلب، استقامت الخطى، وهان الطريق، وبقي بعد صاحبه أثرٌ جميل، ودعاءٌ صادق، وذكرٌ لا يمحوه الزمان...♡ -السُميعي

خطبة الجمعة| إذا أثقل القلق قلبك، وأطال الهمُّ سهرك، وأعياك الركض خلف الأسباب، فاقرأ هذه الكلمات بقلبك قبل عينيك، واعلم أن الطمأنينة لا تُنال بكثرة التدبير، وإنما تُوهب بحسن التوكل على العزيز القدير، فما ضاق أمرٌ على الله، ولا استعصى عليه شأن، وإنما تضيق الأشياء في أعيننا حين نقيس قدرة الله بعجزنا، وننظر إلى الغيب بمنظار الدنيا، فأرخِ لجام القلق عن قلبك، ولا تجعل عقلك أسير الحسابات الضيقة، فإن الإنسان مهما أوتي من الفطنة، فلن يدرك إلا طرفًا يسيرًا من حكمة الله، قد تنقطع الأسباب في نظرك، بينما ينسج الله من لطفه أسبابًا لم تخطر لك على بال، وقد ترى الأبواب كلها موصدة، فإذا بباب الفرج يُفتح في لحظة، وإذا بالعسر ينقلب يسرًا، لأن الله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه، وإذا أراد الله بك خيرًا، سخّر لك من خلقه من يكون سببًا في بلوغه، وإذا صرف عنك شرًا، جعل بينك وبينه من رحمته ولطفه حجابًا لا تراه الأبصار، فلا تيأس من ضعف حيلتك، ولا تجزع من قلة الناصر، فإن الأمر كله لله، بيده العطاء والمنع، والخفض والرفع، وهو سبحانه أرحم بك من نفسك، ثم انظر إلى حال كثيرٍ من الناس، يقلقون على رزقٍ لم يأتِ بعد، ويغفلون عن أنفسهم وهي أحوج ما تكون إلى البناء والإصلاح، وقد جعل الله طلب العلم، واكتساب المهارة، وتهذيب النفس، من أعظم أسباب رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة، فكل علمٍ نافع تتعلمه، وكل مهارةٍ تكتسبها، لا تزيدك معرفةً فحسب، بل تبني فيك عقلًا أرجح، وبصيرةً أنفذ، وروحًا أسمى، واعلم أن التحولات العظيمة لا تبدأ بالأعمال العظيمة، وإنما تبدأ بعادةٍ صغيرة يثبت عليها صاحبها، صفحةٌ من كتاب، أو ساعةٌ مع علمٍ نافع، أو وردٌ من القرآن، أو سجدةٌ خاشعة، أو خلقٌ كريم تداوم عليه، حتى يفتح الله لك من أبواب الخير ما لم يخطر لك على بال، فلا تجعل أكبر همك جمع ما يفنى، واجعل أعظم استثمارك في قلبك، وعقلك، وإيمانك، فإن المال يترك صاحبه أو يتركه صاحبه، أما العلم، والإيمان، والعمل الصالح، فهي الزاد الباقي، والتجارة التي لا تبور، فامضِ في أرض الله مطمئن القلب، آخذًا بالأسباب، مفوضًا الأمر إلى مسبب الأسباب، وأحسن الظن بربك في كل حال، فإن من توكل على الله كفاه، ومن صدق في اللجوء إليه هداه، ومن رضي بتدبيره، أبصر من لطفه ما تعجز التوقعات عن بلوغه، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾...♡ -السُميعي

فكن رفيقًا بنفسك، فالقلب ليس حجرًا، والجسد ليس آلةً لا تكل، بل أمانةٌ، تحتاج إلى رحمةٍ كما تحتاج الأرض إلى المطر، خذ من الرضا سكينةً، ومن الصبر قوةً، ومن الأمل نافذةً، تطل منها الروح حين تضيق الجهات، فليس السعيد من خلت حياته من العثرات، بل من عرف كيف يحملها دون أن تسقطه، وليس القوي من لم يتألم يومًا، بل من نهض بعد التعب، وأكمل الطريق، ففي كل قلبٍ حكايةٌ لا يراها الناس، وفي كل روحٍ معركةٌ صامتةٌ، لا يعلمها إلا الله، فلا تحكم على أحدٍ من ظاهره، فكم من وجهٍ مبتسمٍ يخفي وراءه صبرًا طويلًا، وكم من صمتٍ هادئٍ يحمل حكايات لا يسمعها أحدٌ، وكن جميلًا حين تستطيع، فالجمال ليس صورةً ولا ثوبًا، بل قلبٌ إذا حضر حضر معه السلام، وروحٌ إذا مرت تركت خلفها أثرًا طيبًا، وأكرم جسدك، فهو مركبك في رحلة العمر، ووعاء روحك في طريقك الطويل. فلا تنهكه بغفلتك، ولا تثقله بما لا يطيق، فإن الأرواح العالية تحتاج أوعيةً قويةً، والهمم الكبيرة تحتاج قوةً تحملها، ولا تجعل السعي يأخذ منك حياتك، ولا تجعل الطموح يسرق منك لحظتك، فبعض الناس يصلون إلى الغاية، ثم يكتشفون أنهم فقدوا الطريق. وخير السير، ما جمع بين العمل والطمأنينة، وبين القوة والسكينة، فإذا بلغت آخر الطريق، فلا تسأل كم جمعت، بل اسأل كم من خيرٍ زرعت. ولا تنظر إلى ما تركت يدك، بل انظر إلى ما تركت في القلوب. فالأشياء تفنى، والأسماء تخفت، والأيام تطوي كل ما مر عليها، لكن الأثر الطيب يبقى، كالعطر لا يرى، ولكن تعرفه الأرواح، فلا تجعل عمرك صفحاتٍ فارغةً، ولا تجعل أيامك أرقامًا عابرةً، بل اكتب فيها ما تحب أن تقرأه روحك، حين تقف بين يدي الله، ازرع محبةً تجد محبةً، وابذل خيرًا تجد خيرًا، وارفع عن قلب إنسانٍ ثقلًا، فلعل الله يرفع عن قلبك أثقالًا لا تراها، وعش مستقيمًا، لا لأن الطريق دائمًا سهلٌ، بل لأن الاستقامة نورٌ في العتمة، وثباتٌ حين تضطرب الجهات، واجعل الدنيا في يدك، ولا تجعلها في قلبك، خذ منها ما يعينك، واترك منها ما يثقلك، فأعظم الانتصارات، ليست أن تغلب الآخرين، بل أن تغلب في نفسك الضعف، والكبر، والحسد، والخوف، وأن تبقى إنسانًا حين تمنحك الحياة قوةً، وأن تبقى رحيمًا حين تمنحك القدرة، فإذا غربت شمس الأيام، وبقي منك دعاءٌ في قلب محبٍ، وذكرٌ جميلٌ في لسان صديقٍ، وأثرٌ طيبٌ في طريق عابرٍ، فاعلم أنك لم ترحل تمامًا، بل تركت من روحك نورًا، يبقى بعد الرحيل، وهناك حين يسكن الضجيج، وتنطفئ أصوات العالم، تعلم الحقيقة الكبرى: أن الإنسان لا يخلد بما امتلك، بل بما أحب، ولا يسمو بما جمع، بل بما أعطى، ولا يبقى منه إلا ما كان خيرًا، وما كان نورًا، وما كان رحمةً في قلوب الآخرين. فطوبى لقلبٍ عرف ربه، وطوبى لعقلٍ طلب الحكمة، وطوبى لروحٍ مرت في الحياة، فجعلتها أجمل، ثم مضت، والسلام في خطاها، والنور في أثرها...♡ -السُميعي

25

يا مسافرًا، في متاهات المدى، تمهل قليلًا، فإن الطريق ليس خطوًا تمضي به الأقدام فقط، بل سرًا، تدركه الأرواح التي تعلمت كيف تصغي للصمت، وكيف ترى ما وراء الظاهر، خذ من الريح، كتابًا، ومن النجم هدىً، ومن الفجر بشارةً، ومن الليل سكينةً، ومن الأيام عبرةً، فإن العمر ليس عددًا من السنين، بل أنفاسًا عابرةً، ومواسم تمضي، وأثرًا يبقى، فلا تبدد عمرك في مطاردة سرابٍ، كلما اقتربت منه ابتعد، ولا تجعل قلبك موطنًا للقلق، فإن بعض الطرق تطيل المسير، ولا تقرب المسافر من الغاية، واجعل لنفسك موعدًا مع النور، وخلوتًا تعود فيها إلى روحك، فإن القلب إذا ابتعد عن خالقه، أضناه اتساع الدنيا، وإذا اقترب منه، اتسع السلام في أضيق الأماكن، فإذا أقبل الفجر، فأيقظ فيك الإنسان قبل الجسد، واغسل قلبك قبل وجهك، واسجد لمن بيده مفاتيح المشارق والمغارب، فما انحنت جبهةٌ لله، إلا ارتفعت روحًا، وما امتلأ قلبٌ باليقين، إلا هانت عليه أثقال الطريق، واجعل ذكرك زادك، ودعاءك رفيقك، ورجاءك مصباحك، فإن المسافر بلا نورٍ، تضل به الدروب، وإن طال المسير، وأوقد في داخلك سراج الفكر، فإن العقل أمانةٌ، والفكرة بذرةٌ، إن سقيتها بالعلم، أثمرت حكمةً، وإن تركتها للهوى، ذبلت في صمتٍ، فلا تعش بعين غيرك، ولا تجعل عقلك تابعًا، فقد وهبك الله نورًا، لتبصر به الطريق، لا لتسير مغمض العينين، خلف خطى العابرين، واجعل الكتاب صاحبًا، والمعرفة رفيقًا، والسؤال مفتاحًا، فإن الجهل بابٌ مغلقٌ، لا يفتحه إلا نور التعلم، فالعلم بحرٌ، كلما اغترفت منه، زاد عطشك، وكلما ظننت أنك بلغت ساحله، رأيت وراء الأفق بحرًا آخر، ولا تقل قد اكتفيت، فالعمر أقصر من أن ينام فيه الطموح، والأيام أسرع من أن تنتظر المتأخرين، ثم عد إلى بيتك، فإن البيت ليس حجرًا فوق حجرٍ، بل قلبٌ يحتضن قلبًا، ويدٌ تمسح تعبًا، وصوتٌ يزرع أمنًا، هناك حيث تعرفك الوجوه قبل الأسماء، وتحفظك القلوب قبل الكلمات، تجد وطنًا صغيرًا، لا يشبهه وطنٌ، فامنح أهلك حضورك قبل عطائك، ووقتك قبل مالك، فإن القلوب لا تطلب كثيرًا، بل تطلب صدقًا لا يغيب، وودًا لا يتبدل، وازرع بينهم كلمات الرحمة، فالكلمة الطيبة نسمةٌ عابرةٌ، لكن أثرها قد يبقى عمرًا، وامسح على رأس طفلٍ، ففي تلك اللمسة رحمةٌ، وفي تلك الابتسامة دعاءٌ، وفي ذلك الحنان أثرٌ لا يضيع، وأحسن إلى من حولك، فإن الأيام تدور، وما تزرعه اليوم، ستجده غدًا، في طريقك، ولا تثقل قلبك بما لا تملك تغييره، فإن الأيام ريحٌ تمر، لا يستبقيها أحدٌ، ولا يرد مسارها إلا من بيده الأمر كله...♡ يتبع... -السُميعي

ليس أثقل على القلب من لحظةٍ يستيقظ فيها الإنسان على حقيقةٍ طالما آثر أن يؤجل النظر إليها، فيرى أن العمر الذي حسبه طريقًا ممتدًا لم يكن إلا ومضةً عبرت في عين الزمن، وأن الغد الذي علّق عليه أحلامه، وأرجأ إليه توبته، قد انسلّ من بين يديه حتى غدا صفحةً طواها الأمس، لا سبيل إلى استعادتها، هنالك تتوارى الزينة التي كانت تخدع البصر، وتسقط عن الأشياء أسماؤها التي صاغتها الأوهام، ويغدو الصمت أبلغ من كل بيان، لأن بعض الحقائق لا يطرق بابها اللسان، وإنما يفتحها يقينٌ يستيقظ في أعماق القلب، تأمل ذلك السكون الممدود تحت أطباق الثرى، حيث استقرت الوجوه التي كانت بالأمس تملأ المجالس حضورًا، وتمنح الحياة حركةً، ثم مضت كما يمضي النهار حين يطويه المساء، لا تحمل معها إلا ما اختزنته الأرواح من صدقٍ وعمل، أما ما ازدحمت به الأيدي، فقد بقي وراءها، تتناقلها الأيدي من بعدها كأن صاحبها لم يكد يمسّها يومًا، ولو كُتب لواحدٍ منهم أن يعود إلى الدنيا بمقدار خفقة قلب، لما التفت إلى ما كان يزهو به من زخارفها، بل لفتش في أيامه عن سجدةٍ خشعت فيها روحه، أو دمعةٍ خفيةٍ لم يعلم بها إلا الله، أو كلمةٍ طيبةٍ أعادت الحياة إلى قلبٍ أضناه الألم، فهناك يدرك الإنسان أن ما كان يراه صغيرًا قد يكون عند الله عظيمًا، وأن كثيرًا مما أفنى فيه عمره لم يكن إلا سرابًا أرهق في طلبه خطواته، حتى إذا بلغ منتهاه لم يجد بين يديه إلا ما قدّمه، وما الحياة إلا وديعةٌ جعلها الله بين أيدينا برهةً من الزمن، لا لنعمر بها الأرض وحدها، بل لنعمر بها القلوب أيضًا، فالأيام لا تُقاس بعدد ما انقضى منها، وإنما بما تركته في الروح من نور، وما غرسته في النفس من يقين، ورب ساعةٍ أشرقت فيها النفس بطاعةٍ خالصة، كانت أوسع في ميزان البقاء من أعوامٍ طويلةٍ انقضت في لهاثٍ لا يعرف صاحبه إلى أين يمضي، ويا للعجب، كيف يُحسن الإنسان حساب كل شيء، إلا الشيء الذي لا يملك تأجيله، يرسم للغد خرائطه بإتقان، ويحصي احتمالات السنين، كأن بينه وبين الرحيل عهدًا لا يتبدل، مع أن الأقدار تمضي في طريقها دون موعدٍ يعلنه أحد، ولا تعبأ بما تركه الناس من مشاريع مؤجلة وأحلام معلقة، فإذا جاءت الساعة التي كتبها الله، انطوت الصحيفة، ولم يبقَ منها إلا ما خُطَّ بالإخلاص، ولذلك لم تكن المقابر نهاية الطريق، بل كانت أول موضعٍ يرى فيه الإنسان الطريق على حقيقته، ففي صمتها تسقط كل الألقاب التي استعان بها، وتغيب كل المظاهر التي احتمى خلفها، فلا يصحبه مالٌ جمعه، ولا جاهٌ طلبه، ولا مدحٌ سمعه، وإنما يقف كما يقف المسافر عند آخر الرحلة، لا يحمل إلا زاده، فمن أحسن الزاد هان عليه طول السفر، ومن أفنى عمره في جمع ما يتركه خلفه، أدرك متأخرًا أن أثقل ما حمله لم يكن على كتفيه، بل كان في قلبه، فلا تؤجل خيرًا فتح الله لك بابه اليوم، ولا تؤخر توبةً أضاء الله بها جانبًا من روحك، فإن الأيام لا تعود لتسترد ما مضى، وإنما تمضي كما يمضي النهر؛ يحمل لحظاته إلى غير رجعة، وكل صباحٍ يهبك الله إياه ليس نسخةً من أمس، بل فرصةٌ جديدة، ورسالةٌ صامتة تقول لك: ما دام في القلب نبض، فما زال الطريق مفتوحًا، فإذا جاءت الساعة التي لا يملك أحدٌ ردّها، لم يبقَ من العمر إلا ما استطاع أن يتجاوز حدود التراب، أما ما سواه، فقد عاد إلى الأرض التي خرج منها، ومضى الإنسان إلى ربه بما صنع قلبه، لا بما ملكت يداه، فالسعيد من جعل أيامه زادًا لطريقٍ لا تنتهي مراحله، ومن غرس في الدنيا خيرًا، وجد أثره حين تغيب عنه الدنيا كلها...♡ -السُميعي

حين تنكفئ النفس على مَغانيها، وتُغلق خلفها أبواب الضجيج، تجد في خلوتها الاتساع الذي ضاقت عنه مناكب الأرض، ويغدو السكون وطنًا لا تضيق به الجهات، ولا تحدّه المسافات، فليس رجوع المرء إلى نفسه كبرياءً يترفّع به على الناس، ولا جحودًا للعالم، بل هو أسمى مراتب الصدق، إذ كيف يُقيم الإنسان في الخارج ما تهدّم في داخله، وكيف يهب الطمأنينة لغيره، وقلبه لم يذقها بعد؟ في تلك السكينة التي تغسل الروح من غبار الأيام، وتتساقط فيها عن القلب أثقال المجاملة، تبدأ الرحلة الوحيدة التي لا تُقاس بخطوات القدم، بل بخطوات البصيرة، وهناك حيث يخفت صخب العالم حتى يكاد يتلاشى، ينكشف للمرء وجهه الذي طالما غطّته مرايا الآخرين، فلا زيف يُجامل، ولا مظهر يخدع، ولا صوت يعلو على همس الضمير، وإنما حقيقةٌ عارية من كل زينة، تقف أمامه في هدوء، لا لتؤنبه، بل لتعيده إلى نفسه، فيدرك أن أشقَّ الأسفار ليس ما امتد بين المدن، بل ما امتد بين الإنسان وقلبه، وكم من روحٍ أنهكها السعي وراء رضا الخلق، حتى استنفدت أعوامها وهي تُرمّم صورتها في أعين الناس، وتغفل عن التصدع الذي يتسع في أعماقها، فلا تكاد تبلغ غايةً حتى تُدفع إلى أخرى، ولا تنال قبولًا إلا أعقبه انتظار قبولٍ جديد، كأنها تطارد سرابًا كلما اقتربت منه ازداد بُعدًا، ولو أنها أنصتت إلى صوتها ساعةً واحدة، لوفّرت على نفسها أعوامًا من التيه، فإن النفس لا يجبرها تصفيقٌ عابر، ولا يرممها إعجابٌ مستعار، وما أعجب الإنسان، يرهق عمره في تتبع أحوال غيره، بينما يجهل ما يضطرب في أعماقه، ترى الجموع تستنفد أيامها في تأويل صمتك، واستنطاق غيابك، ونسج الحكايات حولك، كأن الوجود قد عُلِّق على أخبارك، وما دروا أن من ضاقت نفسه اتسعت عنده أخبار الناس، ومن اتسعت نفسه ضاقت عنده مساحة الالتفات إلى العابرين، فليس الفراغ أن تخلو اليد من العمل، بل أن يخلو القلب من المعنى، وحين يفرغ الداخل، يضج الخارج بما لا يستحق الالتفات، وهناك، في خلوةٍ لا يشهدها إلا الله والضمير، تسقط عن الأشياء أسماؤها المستعارة، ويعود لكل معنى قدره، فلا يعود البريق دليلًا على القيمة، ولا الكثرة برهانًا على الصواب، وتغدو النفس كالنخلة التي لا تفاخر بعلوها، لأنها تعرف أن سرَّ ارتفاعها ليس فيما يراه الناس من ساقها، بل فيما خفي عنهم من جذورها، وأن الرسوخ لا يُصنع فوق التراب، بل في أعماقه، وأن كل ما يلامس السماء يبدأ أولًا من مكانٍ لا تبلغه الأبصار، وحين يفرغ الإنسان من إصلاح نفسه، يعود إلى الناس بوجهٍ آخر، لا لأنه تبدّل في هيئته، بل لأنه تبدّل في جوهره، فيغدو أهدأ قلبًا، وأبصر نظرًا، وألين رحمةً، فلا يطلب من أحدٍ أن يحمل عنه نقصه، ولا ينتظر من الناس أن يسكبوا في روحه ما افتقده، بل يمضي بينهم كما يمضي النهر في الأرض، لا يُعلن فضله، ولا يلتفت إلى صداه، غير أن الخضرة تعرفه، والعطاش يهتدون إليه، والأرض تحفظ مروره وإن لم تحفظ اسمه، ولعل أعظم التحولات هي تلك التي لا يسمعها أحد، فالفجر لا يوقظ الليل بصيحة، والبذور لا تُخبر الأرض بأنها على وشك أن تنشق، والينابيع لا تبدأ هديرها، بل تبدأ قطرةً خفيّةً في قلب الصخر، وكذلك النفس، لا تُعلن ميلادها الجديد، وإنما تتركه يترجم نفسه في خُلقٍ أصفى، ونظرةٍ أرحم، وكلمةٍ أصدق، وسكينةٍ تمتد إلى من حولها كما يمتد شذا الزهر مع النسيم، لا يُرى، ولكن يُعرف أثره، وتلك هي الأشياء التي كُتب لها البقاء، تبدأ همسًا، ثم تمضي في الزمن حتى تغدو جزءًا من ضوء الحياة...♡ -السُميعي

..

لم أكن يومًا عابرَ سبيلٍ يمرُّ على حافة الأيام مرور الغمام الراحل، ولا ظلًّا باهتًا يطويه الليل في زوايا النسيان، فتمحوه عواصفُ الغبار وتذروه الرياح، بل كنت أؤمن، منذ أول الخطى، أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه من أسباب، وإنما بما يحمله في صدره من يقين، وما يختزنه في روحه من عزيمة، فإذا رفعتُ بصري إلى السماء، ورامت عيناي سدرة المجد الشاهقة، سرت إليها بقلبٍ لا يعرف التراجع، وعزمٍ لا تفتُّ في عضده الخطوب، حتى غدا البعيد قريبًا، وتعاقبت أمام الإرادة أبوابٌ كانت تُحسب بالأمس من ضروب المحال، وكأنَّ هذا الكون الفسيح، على امتداد آفاقه، كتابٌ لا يفتح أسراره إلا لمن آمن أن الإرادة إذا صدقت، اختصرت المسافات، وهذَّبت المستحيل حتى غدا ممكنًا، ولي مقامٌ في ذُرى السؤدد، حيث تأوي أرواحُ العظماء بعد طول المكابدة، وحيث لا يبلغ المرءُ المكانة حتى يغلب نفسه قبل أن يغلب الناس، صرحٌ لا تشيده الحجارة، وإنما تبنيه مبادئ، وترفع أعمدته المكارم، وتحرس أبوابه التجارب، فإذا تعاقبت الدهور، وتقلبت الأحوال، وتبدلت الوجوه، بقي ثابتًا لا تميل به الرياح، لأن ما أُسِّس على الحق لا تقتلع جذوره العواصف، وما سُقي بالإخلاص لا يعرف الذبول، وما ارتفع بالفضيلة لا تضعه تقلُّبات الزمان، وما جئتُ إلى هذه الأرض لأرضى بالدون، أو لأجعل أيامي ظلًّا يتكئ على جدار غيره، ولا لأعيش عمرًا تعبث به المصادفات، بل جئتُ أفتش عن موضع قدمي في سجلِّ الأثر، مؤمنًا أن الإنسان لا يخلده صخب حضوره، وإنما يخلده صدق أثره، وأن الأعمال هي اللغة الوحيدة التي لا يكذبها الزمن، فأجتهد أن أجعل لكل خطوة معنى، ولكل موقف قيمة، ولكل كلمة روحًا، حتى إذا مضى العمر بقيت آثاره شاهدةً على أن صاحبها مرَّ من هنا، ولم يكن مروره كمرور العابرين، وللصمت عندي هيبةٌ لا يدركها إلا من عرف أن الحكمة لا تُقاس بكثرة ما يُقال، وإنما بموضع ما يُقال، فصمتي ليس خلوًّا من المعنى، بل امتلاءٌ به، وليس انكسارًا، بل وقوفٌ شامخٌ على عتبة التأمل، حتى إذا آن للكلمة أوانها خرجت موزونةً بميزان العقل، وممهورةً بخاتم الصدق، فلا تحتاج إلى ضجيجٍ لتُسمع، ولا إلى زخرفٍ لتُعجب، إذ إن الحق إذا تجرد من التكلف كان أبلغ بيانًا، وأرسخ سلطانًا، وإذا حضرتُ مجلسًا، آثرت أن أزن الرجال قبل أن أزن الكلمات، فإن الأصوات العالية كثيرًا ما تُخفي وراءها خواءً عظيمًا، أما الوقار فلا يحتاج إلى شاهد، وهيبةُ المرء تسبقه قبل حديثه، فإذا تكلمتُ لم أطلب إعجاب الأسماع، وإنما قصدتُ إيقاظ العقول، لأن الكلمة التي تولد من رحم الصدق، وتخرج من قلبٍ صقلته التجارب، تمضي في النفوس أبعد مما تمضي إليه الخطب الطوال، وتبقى بعد أن يخفت الصوت، كما يبقى شذا الطيب بعد رحيل صاحبه، ولستُ أرجو من الناس أن يحملوا اسمي على ألسنتهم، ولا من التاريخ أن ينسج لي تيجان الخلود، فإن المجد لا تمنحه الأماني، ولا تصنعه الألقاب، وإنما يولد من صبرٍ طويل، وعملٍ لا يعرف الكلل، ونفسٍ أبت أن تنحني إلا لخالقها، وما الإنسان في آخر المطاف إلا أثرٌ يمشي بين الناس، فإن كان أثره نورًا امتد بعده، وإن كان هباءً تلاشى قبل أن يغيب وتلك سنة الحياة التي لا تتبدل، فالأعمار تُحصى بالسنين، أما الخلود فيُقاس بما يتركه المرء من نورٍ في العقول، ورحمةٍ في القلوب، وخيرٍ في الأرض، وأثرٍ يبقى شاهدًا على أن صاحبه لم يعش طويلًا فحسب، بل عاش عظيمَ الأثر، كريمَ السيرة، حسنَ الذكر، فما العمر إلا أنفاسٌ تنقضي، وما يبقى من الإنسان إلا ما أودعه في الأرواح من نور، وفي العقول من حكمة، وفي الحياة من عملٍ صالح، فمن أحسن الغرس، أحسن البقاء، وإن غاب الجسد عن العيون، بقي أثره حيًّا لا تطويه الأيام، ولا يبلغه النسيان...♡ -السُميعي

ما بال هذا الليل يمدُّ أظافره في صدور الذين ظنوا أنهم امتلكوا جهات الأرض الأربع؛ لمجرد أنهم أداروا ظهورهم للمرايا المقعَّرة التي تنسجها أوهام النفس، وتبنيها صحارى الوجاهة الزائفة؟ إنها الخديعة الأولى، يا صاحبي؛ أن يحسب المرء أنه بلغ ذروة المجد لمجرد أنه ارتفع قليلًا عن الأرض، وأن يظن الظلَّ قامةً، والصدى صوتًا، والسراب ماءً، وما السلحفاة الوادعة التي تحمل بيتًا من حجر على ظهرها إلا شاهد على أن امتلاك المأوى ليس امتلاكًا للمجد، كما أن النسر، وإن أسلم روحه في فسحة السماء، فقد عاش حرًّا، وترك للريح ريشةً تروي للأفق سيرة التحليق، وبين هذين المشهدين تختنق مأساة هذا العصر؛ فلا يدرك حقيقتها إلا الذين يقفون على الحد الفاصل بين بريق الذهب وعتمة التراب، حيث تتعرى الأشياء من زينتها، ويظهر وجه الحقيقة بلا أقنعة، يا صاحبي، إن الأدب في هذه الدنيا ليس ترفًا للعقول، ولا زينةً تتباهى بها الأرواح، بل هو المحكمة الخفية التي يعقدها ضمير الإنسان لنفسه في ليلٍ بهيم؛ حيث يقف القاضي والمتهم والشاهد والجلاد في هيئة رجل واحد، فلا ينجو أحد من سلطان الحقيقة، ولا يفر من حكم الضمير، وحين يبكي الكاتب في زاوية روحه، فإنه لا يبكي ضعفًا؛ وإنما تبكي رقة الفطرة حين يفيض عليها نور الحق، فتتكشف أمامها قسوة القلوب التي جفَّت حتى حسبت نفسها حجارةً لا تمسها الرحمة، وما أولئك المتحذلقون في ردهات الوجاهة إلا كمن يبيع الماء في حارة السقائين، ثم يزعم أنه أول من دلَّ الغيث على طريق البلاد؛ فساء ما توهموا، وبئس ما سوَّلت لهم عقولهم من أعذار تزين خراب النفوس، وتكسوه ثوب الحكمة الزائفة، وما أشد دهاء الثعالب حين ترتدي عباءة الناصح الأمين، فتبتسم للغافلين وهي تقودهم إلى متاهة التيه، وتوهمهم أن السقوط في بئر المادة ذروة الصعود، وأن امتلاء اليد يغني عن خواء القلب، وتلك هي الدبلوماسية العرجاء؛ تصافح الذئب، ثم تلوم الشاة لأن صوفها أغرى بالافتراس، وفي غمرة هذا الضجيج، ينهض صوت الشعر الأصيل من وراء الغيب، عابرًا رمال الصمت، ليهتف بالقافلة: إن النخلة لا تنبت في الإسفلت، وإن الثمر لا يورق في الأرض الجرداء، وإن التمر لا يُنال بالأماني؛ بل بالارتواء من الجذور، والوفاء للأصل، والصبر على الفصول، وحين يتأمل المرء هذا الامتزاج العجيب بين عطش الروح وجفاف المادة، لا تملك إلا ابتسامةً مرة تختصر المسافة كلها بين السخرية والدموع، وبين يقين القلب وغرور الدنيا، إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحفظه من أجوبة جاهزة، ولا بما يردده من شعارات مصقولة؛ وإنما بما يحمله قلبه من أسئلة صادقة تؤرقه، وبما يملكه عقله من شجاعة في اقتفاء الحقيقة، وبما تختزنه روحه من تواضع أمام اتساع الوجود، فدع عنك ضجيج القائلين، وأعرض عن زيف المدعين، والتمس لنفسك مقامًا في علياء الطهر؛ حيث يكون الكلام نبعًا يروي ولا يغرق، ويكون الصمت نورًا يهدي ولا يعجز، وتغدو صناعة الروح أسمى الفنون؛ لأنها وحدها الباقية حين يفنى كل شيء، وتنطفئ الأسماء، وتذرو الرياح أمجاد المتكبرين، بينما تبقى آثار القلوب الطاهرة شاهدةً على أصحابها، ما بقي في الأرض إنسان يقرأ، وفي السماء نجم يهتدي به السائرون...♡ -السُميعي

كلما صعدت في معارج العز، والتقطت قدمك موطئًا بيد القدر لم يكن لتبلغه بحولك، فاذكر أن الأعتاب التي تقف عليها اليوم، قد غسلتها دموع من كان قبلك، وأن الذي مهد لك وعور الطريق، قادر على أن يبسط البساط لغيرك في لفتة عين، فالأقدار لا تجلس على كراسي الانتظار لأحد، والأبواب المغلقة التي انفتحت لك بمفاتيح اللطف الغيبي، لم تكن موصدة لعجز من سبقك، بل هي منازل دورية يتداولها السائرون، فالذي شرعها لك، هو الذي نشر شعاعها لسواك من قبل، وهو الذي يملك سر أقفالها إذا ما طغى فيك حس الامتلاك، فالعطايا في كف القدرة عواري مستردة، لا صكوك تمليك مؤبدة، من أجل هذا، لم يكن التواضع صفة تستجدى، بل هو روح الفضل وسر بقائه، وهل رأيت غصنًا يمتلئ بالثمر إلا وتراه يميل نحو التراب حياء وثقلاً؟ إن الفراغ هو الذي يشمخ برأسه نحو السماء كبرًا، أما الامتلاء فيهزه الوقار، فكلما اتسعت رقعة قدرك في عيون الخلق، وجب أن تتضاءل نفسك في عين نفسك، وكلما رفعك الله درجة، فامطر في محرابه دمعة شكر، وازدد انكسارًا بين يديه، فما هلك من هلك إلا برؤية نفسه، وما نجا من نجا إلا بيقينه أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه، فالانكسار بين يدي الخالق، هو العز الذي لا يعقبه ذل، والرفعة التي لا تعرف السقوط...♡ -السُميعي

خذ نفسك العميق يا صاحبي وأصخ بسمع قلبك إلى هذا المدى الممتد بين روحك والسماء عش حياتك كأنك رايةٌ منصوبةٌ في مهب الريح لا لتنكسر بل لتعلم الجهات أن هنا ثباتاً يليق بالأرض التي تحملك.. الفراغ؟ الفراغ ليس غياب الحركة بل هو الموت الأبيض الذي يتسلل إلى المسام فيحيل المارد قشاً ويجعل الفارس يستمرئ العتمة ويظن الجبن ملاذاً سلامة الخانعين ليست عقلاً بل هي الخسارة التي ارتدت ثياب العافية وأما هؤلاء الذين يقتاتون على سفاسف الأمور فما هم إلا عابرو ظلٍّ حسبوا أن الوجود نزهةٌ عابثةٌ فيما الحقيقة تقول إن المرء لا يصقل إلا بلظى معاركه النفسية العميقة أعلم أن الليالي قد تشح حتى تجف قرابين الروح وأن الأفكار التي كانت تطير كالحمام قد تحبس في نوافذ ضيقةٍ وأعلم كم هو موجعٌ أن ترى غرساً سقيته من نضارة عمرك وهو يذوي أمام ناظريك كأنه لم يكن شيئاً مذكوراً لكن الروح المنصهرة في بوتقة الكبرياء لا تعرف معنى البكاء المر على أطلال الخيبات إن التباكي رفاهيةٌ لا نملكها والضعف سقطةٌ لا تغفرها المراحل العظام.. ما أطول عمر الشجرة التي تقرر أن تمد جذورها في الصخر لتشرب كبرياء الأرض كلها ولا تموت حتى وهي واقفةٌ هذا ليس زمن العويل ولا موسم الشكوى الخفية التي لا تزيد باطن المرء إلا اهتراءً إنه زمن الإعداد الصامت الذي يشبه صنيع الأرض في الشتاء كي تحشد للربيع أنهار عشبها وتجليات زهرها.. لا تنظر إلى من تركوا الميدان ليلفظوا أنفاس أوقاتهم في تفاهةٍ منمقةٍ فكم من جالسٍ في المقاعد الأولى لا يزيد عن كونه ديكوراً فيه لمعةٌ وليس فيه حياةٌ.. اسخر من كل هذا الضجيج الجوفاء بابتسامةٍ واثقةٍ تعرف أين تضع قدمها ولا تجعل عالمك يسقط في فخاخ الهوان كن بخيرٍ لأن الخير فيك هو العهد بينك وبين كونٍ حائرٍ ينتظر أن تطل عليه كنجمٍ أضاع بوصلته فهدته قافلة الروح.. المع نوراً واصمد جذراً وتألق معنىً فما خلقنا لنكون هباءً يمر على ثرى هذه الدنيا فلا يترك فيها بصمة الأنبياء وحكمة الفلاسفة وثورة الشعراء...♡ -السُميعي

هوّن عليك، فإن الأيام دول، وما أصابك من كدرٍ ليس إلا غمامة صيف عابرة ستنقشع لا محالة، فليست الدنيا دار بقاءٍ لحزن، ولا مقامًا لضيق، فما من دمعةٍ حُبست في المآقي إلا وجفّت، وما من نارٍ استعرت في الفؤاد إلا وأخمدتها عواصف الأيام ومواسم السلوى، ولو دامت الدنيا لأهلها على حالٍ ما تغيّرت، ولكنها سيمفونية من الضياء والظلام، تتعاقب نغماتها في صمت، وتنسج خيوطها على مهل، فاصبر صبرًا جميلًا، فإن للقلوب المكسورة جابرًا لا يغفل، وللنفوس التي أنهكتها عوادي الزمن مأوى لا يضل، تأمل كيف يمضي الليل الثقيل، وكيف ينقشع الغسق، وكيف يزهر الغصن بعد جفاف السنين، وكيف تبتسم الوجوه بعد طول أنين، إن ما تجده اليوم من ألمٍ غائر في حنايا الضلوع سيغدو غدًا سطرًا في رواية حياتك، لن تقرأه إلا بابتسامة العارف الحكيم، وسيبدو لك حينها كطيفٍ عابرٍ مرّ بساحة ذهنك، فتتعجب وتتساءل كيف استطاع هذا الهم أن يطفئ وهج الحياة في نفسي؟ وكيف تمكن هذا الحزن الهزيل أن يقتطع من عمري أجمل سنينه؟ فلا تبتئس، فما بعد الضيق إلا الفرج، وما بعد الشتات إلا اجتماع الشمل، ونورٌ مأمول، وستعلم، حين تدور بك رحى الأيام، أن ما كان يبدو جرحًا لا يندمل قد غدا ندبةً تروي قصة عبورك العظيم، وشاهدًا صادقًا على قوةٍ لم تكن تعلم أنها تسكنك، فامضِ في طريقك مطمئن الجنان، طلق المحيا، فإن الغد يحمل في طياته من الأقدار ما يمسح على قلبك رفقًا، ويجبر ما انكسر فيه لطفًا، وما عليك إلا أن تكل الأمر إلى الله، فهو الكريم الذي لا ينسى نداء المضطرين، ولا يخيب رجاء الصابرين...♡ -السُميعي

تتفتح للحياة أبواب الرضا، وتنساب في الروح غيمات الندى، تنفض عن جفون الصباح غبار التواني، لتكتب بالنور فصلاً جديداً من الأماني، هنا يضحك الفجر في كف المسافاتِ، ويعزف النسيم على وتر الحكاياتِ، لا المدى يضيق ولا الأحلام تنكسرُ، بل كأن الوجود بفيض السَّعد يزدهرُ، والوقت يا صاحِ ليس برحّالٍ يغوينا، بل قاربٌ بالعمل الدؤوب ينجينا، نحيك من خيوط الضياء صروحاً للعُلا، ونجعل من وعورة الدرب سهلاً مبجلاً، فالظل الذي كان يوماً يتبع الخطى، صار اليوم ظلاً لمن بالمجد ارتقى، والنهر في سريانه درسٌ من التدفقِ، يعلم القلب كيف يغدو بغير تمزقِ، هذا المساء ينسدل هادئاً كالحريرِ، يغسل بالتفاؤل كل ما كان عسيراً، والليل ما عاد فتاتاً يلملم الظلامِ، بل سراجٌ يرشد العقل في مهامِ، إن للحياة في أعماقنا ديناً مستحقاً، نوفيه بالعمل، فما كان يوماً حقاً، تتراقص الدروب تحت أقدام الطموحِ، وتزهر في أيدينا شتلات الفتوحِ، فلا رمال الزمان تذرو ملامحنا، ولا صروف الدهر تطفي مصابحنا، بل نحن الضياء، ونحن مورد الفلاحِ، نستقبل الغد بوجوه يملؤها الارتياحِ، تشرق الأيام بما نزرع من جميل الأثرِ، ويظل صدى طموحنا أبدياً في السر والجهرِ...♡ -السُميعي

يا بني، لا تنطفئ، فليس في قاموس الروح مكان للذبول، وإن تلبّدَت سماءُ النفسِ بغيوم الخيبة، أو أثقلت كاهلك أقدام الطريق، اعلم أن تلك الندوب التي تتواري في أغوار ذاتك ليست إلا ملامح لتاريخك المكتوب بحبر الألم والأمل، فلا تحزن، فكلُّ حادثة في حياتك قدرٌ مقدر يصقل به جوهر روحك، لتتجلّى فيك حكمة لا تدركها إلا البصيرة المتوقدة، إنَّ الانطفاء الذي تشعر به ما هو إلا سحابةٌ عابرة، فما وجدت الندوب إلا لتكون شواهد على عظمة الصمود، ونقوشًا تذكرك بأنك خلقت من طين الثبات، لا من هشيم الزجاج، وكن في دنياك كالغيث إذا نزل، يحيي القلوب أينما حل، فإذا رأيت نفساً تائهةً في خلوة الصمت، فكن لها صوتاً وصدى، ولا تدعها تذوي في وحشة التجاهل، وإذا رأيت شغفاً يقدح في عين أحدهم، ولو في صغائر الأمور، فبالغ في احتفائك به، كأنك تُشعل في قلبه نهارًا، فجبر الخواطر عبادةٌ لا يدرك عظمها إلا من رزق قلباً حيّاً، إنّ المعروف ليس بضخامة العطاء، بل بصدق الابتسامة، وبكلمةٍ طيبةٍ تُداوي غُصص الزمان، إنّ ميزان الإنسان ليس بما حملت يداه من شهاداتٍ أو مناصب، بل بما انطوت عليه سريرته من أخلاقٍ ترتقي به إلى مصاف النبل، فكلّ علمٍ لا يتوّج باللينِ والتواضع، هو بناءٌ بغيرِ أساس، اعلم أن تعامللك مع الخلق هو المرآةُ الصقيلة التي ينعكس عليها نورُ عبوديتك لله، فلا تقابلِ الإساءة بمثلها، بل كن أنت الأصل في الخلق، ولا تكن الصدى للآخرين، فمن قابل الناس بأخلاقهم ضاع في طيات دناءتهم، ومن قابلهم بأخلاقه ارتفع عن سفاسفهم، يا صاحبي، إن الحياة دار ممرٍ لا مقر، فما أحرانا أن نمرَّ فيها بقلوبٍ خفيفة، وأيدٍ مُشرعةٍ بالود، لا تقبض على الدنيا ولا تُفلت حبال الرحمة، اجعل من أثرك طيباً يفوح بعد رحيلك، واجعل من كلامك بلسماً يلامس شغاف القلوب، فما بينك وبين الناس اليوم هو السجل الذي سيشهد لك أو عليك غداً عند الذي لا تخفى عليه خافية...♡ -السُميعي

إذا ألمت بك نوائب الدهر، وضاقت عليك مذاهب الأرض بما رحبت، فاعلم أن هذه الشدائد ليست سوى سحابة صيفية عابرة، تظل السماء هنيهة ثم تنجلي ليرجع للكون إشراقُه، فالدنيا في طباعها كالبحر المائج، لا يصفو لراكبٍ، ولا يستقيم على حالٍ لأحدٍ، فمن رضي أن يعيش فيها فقد رضي أن يصارع أمواجها، ومن توهم أن السعادة مستقر دائم فقد أخطأ مأرب العيش، بل السعادة ومضات تتخلل أستار الهموم، يقطفها المؤمن بقلبه الراضي، وعينه التي تلمح النور في غياهب الظلمات، وتلك الأيام التي تظنها دهراً من الضيق، ما هي إلا دهرٌ من الأجر يدخر لك في خزائن الغيب، فليست الشوكة التي تشاكها، ولا الحزن الذي يمر بك، ولا ذاك الوجع الذي يطفئ وهج الروح، إلا نذيراً لرفعة مقامك، وباباً لتمحيص يقينك، فاستمسك بحبل الله، ولا تكن كمن يرى السواد في الليل وينسى أن خلفه فجراً يتنفس، فالله الذي أقدر عليك ضيق الحال، هو الذي يملك بسط الأمل في صدرك، وتذكر أنك عبدٌ مبتلى، والمؤمن في كنف الله كالمعدن النفيس، كلما صهرته النوائب زاد بريقاً، وكلما عضته الخطوب ازداد صلابةً، فلا يبلغ المرء ميزان الصابرين إلا حين يرى في الابتلاء عطاءً مستتراً، وفي الألم دواءً للغفلة، فاصبر الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه لغير الله، وتيقن أن كل ما مر بك من لواعج النفس هو سطرٌ في كتاب حياتك، سيروي حكايتك مع القوة حين تعود تبتسم للحياة، وكأن حزنك ما كان، وكأن وجعك لم يترك أثراً، فهذه سنة الله في خلقه، عسرٌ يليه يسرٌ، وقبضٌ يليه بسطٌ، فكن كما يليق بمؤمنٍ عرف قدر ربه، فلم يهن عليه أن ينكسر أمام الدنيا، بل استعصم بالثقة واليقين، وغدا يرى في الابتلاء اصطفاءً، وفي الصبر سبيلاً للرضوان والنعيم...♡ -السُميعي

لعل أجمل أيامك لم يأتِ بعد، إنها تترقب بزوغ فجر روحك، وتنتظر استواء نضج قلبك، فما الحياة إلا رحلة في مدارج السكينة، وما الأيام المرتجاة إلا انعكاس لما يكتنزه المرء في سريرته من طمأنينة وتسليم، وإننا لنرجو الله أن يكون القادم أبهى وأرقى، وهو أمر لا يداخله ريب ولا يعتريه وهن في قلوب من أودعوا أمانيهم في حفظ المولى، فما خاب من علق بالرجاء حباله، وما تعثر من استضاء بنور الثقة في مآلات الأقدار الجميلة، بيد أن الأوهام قد تحجب الرؤية حين تتوحد النظرة في مظاهر الدنيا وزخرفها، فيظن الرائي أن الأفضل مرهون بسرعة الظهور، أو متوقف على رغد العيش، أو اتساع البيت، أو اعتلاء المنابر، أو استقامة الظروف كما تهوى النفس، فتراهم يعدون الساعات لبلوغ غايات مادية، ناسين أن الأفضل الحقيقي يكمن في مكامن الصدر، في تلك الحالة التي يغدو فيها الإنسان سليم السريرة، نقي القلب، لا يضمر لأحد غائلة، ولا يرتجف لتقلب الزمان، جنانه في صدره أينما ارتحل، يحمل معه سكينة لا تغيب شمسها، وقناعة لا ينضب معينها، تلك هي النعمة التي لا توازيها مغنم، ولا تقاس بجمع ثروة، فأجمل أيامك هي تلك التي يصفو فيها مزاجك عن ضغائن العباد، وتتسامى فيها روحك لتغدو مظلة للخير يفيء إليها الجميع، حين تتمنى للناس من الفرح ما تمنيته لنفسك، بل وتجعل أفراحهم جزءا من بهجتك، تدرك حينها أن السعادة ليست شيئا نقتنصه، بل هي نبع يفيض من الداخل ليعم الخارج، فكلما اتسع قلبك بحب الخير، اتسعت لك الدنيا بفضائلها، وهذا هو الأمل الذي ندين به، والوقود الذي يدفعنا لنعمل بجد، ونمضي بامتنان، موقنين أن الآتي لا بد أن يحمل في طياته من النور ما يغمر أرواحنا، ويجبر كسرنا، ويجعلنا في مأمن من خيبات الزمان، فاستبشر، فإن القادم لا يزال في غيب الله، والغيب لا يحمل إلا الخير لأهل القلوب الصافية...♡ -السُميعي

أربعة عشر قرناً ونيف انقضت، منذ أن ضاقت مكة بأطهر نفس، ليخرج من ظلمات التكذيب ضياء المجد بغير أنس، فمضى المهاجر يطوي المهامه والقفار، يؤنسه في الغار وعد الواحد القهار، وما هي إلا ثمان حجج من النفي والانتظار، حتى تهلل وجه الفتح وانجلى النهار؛ فعاد إليها كالشمس في رابعة السماء، يسوق جحافل النور لتمحو عتمة الظلماء، ودخلها من أبوابها الأربعة دخول الفاتح الأبر، وطأطأ رأسه شكراً لمن أعز ونصر، فصلوات ربي وسلامه تترى على هذا النبي الأمي ما تعاقب الليل والنهار، وصلى عليه الله ما غرد طير في الأسحار، وعلى آله وصحبه الأطهار، عجباً لدين بدأ بقلب رجل وحيد، يتحنث في غار ناء بعيد، هبط من عزلته يحمل مصباح الهدى التليد، ليصنع من أمة الرعاء قادة العالم المجيد، واليوم تمشي تحت رايته أمم ومليار ونصف مؤمن، تعنو لشريعته القلوب وتسكن، وتهتز الدنيا كلما نادى بالحق نادٍ وباح، وصدح باسمه الطاهر صوت المنار والفلاح، فاللهم يا من أيدته بالنصر المبين، وأعززت به قلوب المؤمنين، اجعلنا من أهل شفاعته، واسقنا من حوضه الشريف شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وأحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واجمعنا به في فردوسك الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا...♡ -السُميعي