en
Feedback
مُنهك..🖤

مُنهك..🖤

Open in Telegram

في عالم من الكلمات، أجد ملجأي. هنا أشارككم شذرات من روحي وأحلامي، وأدعوكم في رحلة عبر خيالي لستُ كاتب ولكنني شغوف بالكلمات، أكتب عن كل ما يستهويني... اتمنى لكم قراءة ممتعه🖤 OWNER: @OSS1S @athkkarr

Show more
993
Subscribers
-324 hours
-3727 days
-52530 days
Attracting Subscribers
September '26
September '260
in 0 channels
August '26
+3
in 0 channels
Get PRO
July '26
+1 107
in 0 channels
Get PRO
June '26
+3
in 0 channels
Get PRO
May '26
+2
in 0 channels
Get PRO
April '26
+7
in 0 channels
Get PRO
March '26
+2
in 0 channels
Get PRO
February '26
+1
in 0 channels
Get PRO
January '26
+3
in 0 channels
Get PRO
December '25
+5
in 0 channels
Get PRO
November '25
+5
in 0 channels
Get PRO
October '25
+500
in 0 channels
Get PRO
September '25
+825
in 0 channels
Get PRO
August '25
+248
in 0 channels
Get PRO
July '25
+7
in 0 channels
Get PRO
June '25
+7
in 0 channels
Get PRO
May '25
+2 170
in 0 channels
Get PRO
April '25
+586
in 0 channels
Get PRO
March '25
+6
in 0 channels
Get PRO
February '25
+102
in 0 channels
Get PRO
January '25
+12
in 1 channels
Get PRO
December '24
+9
in 0 channels
Get PRO
November '24
+5
in 0 channels
Get PRO
October '24
+114
in 0 channels
Get PRO
September '24
+219
in 0 channels
Get PRO
August '24
+173
in 1 channels
Get PRO
July '24
+468
in 0 channels
Get PRO
June '24
+10
in 0 channels
Get PRO
May '24
+14
in 0 channels
Get PRO
April '24
+16
in 0 channels
Get PRO
March '24
+153
in 0 channels
Get PRO
February '24
+900
in 0 channels
Get PRO
January '24
+811
in 2 channels
Get PRO
December '23
+145
in 2 channels
Get PRO
November '23
+117
in 0 channels
Get PRO
October '23
+361
in 0 channels
Get PRO
September '23
+792
in 0 channels
Get PRO
August '23
+468
in 0 channels
Get PRO
July '23
+1 011
in 0 channels
Get PRO
June '23
+1 729
in 0 channels
Date
Subscriber Growth
Mentions
Channels
04 September0
03 September0
02 September0
01 September0
Channel Posts
ليس كل ما تفقده في طريقك يستحق أن تبكي عليه، فبعض الخسارات لا تأتي لتعلن نهايتك، بل لتفتح في جدار الروح نافذة لم تكن تعرفها، وبعض الجراح لا تكون نهايات، بل أبوابًا خفية يعبر منها الإنسان إلى نفسه، فلا تقف طويلًا عند ما سقط منك، ولا تجعل من خساراتك وطنًا، فالأيام تمضي، والزمان لا ينتظر من اختار أن يقيم على أعتاب خيبته، وما تلك الندبات التي تركتها المعارك في صدرك إلا شهادات صامتة على أنك نجوت من أشياء كان يمكن أن تطفئك، فلا تجعل جراحك صراخًا يستجدي العطف، بل اجعلها سرًّا للقوة التي وُلدت فيك من قلب الألم، كن في عملك وبيتك ومحرابك إنسانًا يعرف وجهته، حتى حين تضطرب في داخلك الجهات، ولا تجعل وجعك سببًا لتعثر خطاك، فليس مطلوبًا منك أن تمضي بلا ألم، بل أن تمضي دون أن تمنح ألمك زمامك، وتأمل هذا العالم من حولك، كم من إنسان يبتسم وفي صدره معركة لا يراها أحد، ومع ذلك يمضي، لأن الحياة لا تتوقف عند جرح، ولا تؤجل موعدها لأجل حزن، فلا تنتظر من العالم أن ينقذك، ولا تجعل خلاصك معلّقًا على يد أخرى، خذ بيد نفسك، وابدأ من حيث أنت، إن اليأس ليس قدرًا مكتوبًا عليك، ولا بيتًا ينبغي أن تسكنه، إنه ليل، ومهما طال الليل فله فجر، فلا تمنح لحظة عابرة حقًّا أن تكتب بقية عمرك، ولا تجعل يومًا مثقلًا بالخسارة يحكم على غدٍ لم يولد بعد، فأنت لا تملك إلا هذه الساعة، فلا تهدرها في عدّ ما فقدت، خذ منها خطوة، ولو كانت صغيرة، فالخطوة التي تمضي بها اليوم قد تكون المسافة التي تفصل بينك وبين حياة أخرى، يا من أقمرت سماؤه ثم انطفأت، لا تظن أن انطفاء الضوء يعني موت الفجر، فبعض الصباحات تولد من أعمق العتمات، ولتكن الشمس في داخلك قبل أن تبحث عنها في الأفق، ولتكن في صريف الفأس، وفي وقع الخطى، وفي صهيل المهرة التي تعرف طريق الماء، إشارات توقظ ما خبا فيك، وتذكّرك بأن الحياة ما زالت تناديك، رتّب شتاتك قبل أن يصبح الشتات طبيعة، وأنقذ ما بقي منك قبل أن يتحول التعب إلى عادة، والخوف إلى حياة، واليأس إلى هوية، وإذا تهدمت بعض الأشياء في داخلك، فلا تقف عند ركامها طويلًا، اجمع ما بقي منها، فقد يكون في حطام الأمس ما يصلح لبناء غدك، فالضوء يدخل الأرواح أحيانًا من الشقوق التي صنعتها المصائب، وما تركته الأيام فيك قد يصبح منفذًا لشيء لم يكن ليولد لولا الألم، فلا تسأل فقط: لماذا حدث هذا لي، بل اسأل: ماذا سأصنع مما حدث لي، ثم اقبض على زمام يومك بيد قوية وقلب رحيم، كن شديدًا على ضعفك دون أن تكون قاسيًا على نفسك، وامضِ ولو كنت خائفًا، فالقوة ليست أن تغيب الرهبة، بل أن تمضي وهي معك دون أن تقودك، ولا تنتظر من الحياة أن تمنحك الطريق الذي تتمناه، اصنع من خطاك طريقًا، ومن جرحك قوة، ومن عثرتك بداية، ومن خسارتك بصيرة، ثم امضِ، فبعض الانتصارات لا تبدأ حين نربح، بل حين نرفض أن نبقى أسرى لما خسرناه، وبعض النجاة لا تكون في استعادة ما فقدناه، بل في استعادة أنفسنا التي كادت أن تضيع ونحن نبحث عنها، وحين تقف بعد كل ما مررت به، ستدرك أن الحياة لم تكن تريد منك أن تعبرها بلا جراح أو عثرات، بل أن تخرج منها أكثر بصيرة، وأشد عودًا، وأعرف بنفسك، وأن ما ظننته نهاية لم يكن إلا بابًا لم تكتشفه إلا بعدما اضطررت إلى المضي...♡ -السُميعي

2
إنها المأساة القديمة الجديدة، مأساة هذا الكائن الذي حُملت إليه أمانة النور في تجويف من طين، فكلما أضاء له الفكر شمعة هبّت عليها نفحة من زفرات الراحة فأخمدتها، ولعمري ما كان العقل يومًا عاجزًا عن إدراك الحق، وإنما كانت فجيعته أن يعرفه ثم يلتمس لنفسه عنه مخرجًا، وأن يرى الطريق ثم يستعين بذكائه ليقنع نفسه بغيره، فيغدو العلم الذي خُلق لكشف الغطاء سادنًا في محراب الهوى، ويبتذل الذهن شرفه ليكون محاميًا تحت الطلب، يصوغ من ناصع الحجة أغطيةً لداكن الرغبة، وأي حزن أشف من أن ترى الفكرة الشريفة تُساق كالأميرة الأسيرة لتخدم نزوة قاطع طريق، فيغدو المرء وهو يملك النص والبرهان والحقيقة أشبه بظامئ يرى السراب، فيحيله ببيانه إلى ماء رواء، لا لأنه جهل حقيقته، بل لأنه اشتهى أن يرتوي من الوهم، وهنا تبلغ الخديعة غايتها؛ إذ لا يعود الإنسان بحاجة إلى كاذب يخدعه، فقد صار عقله نفسه يتولى صناعة الكذبة وتجميلها، وإن الروح لتبكي حظ هذا الإنسان حين يستدعي المعرفة ليحمي رغبته، والمنطق ليبرئ هواه، حتى يغدو خصمه يتحدث بلسانه ويرتدي عباءة منطقه ويحمل سيفه ثم يطعنه به، وما أيسر أن تخدع العالم ببلاغتك وأن تجمع حول رأيك من يصفق له، ولكن كيف تفر من نظرة عينيك إلى عينيك حين ينفض الليل عنك ضجيج الناس وتبقى وحدك أمام حقيقة لا تصفق ولا تجامل، هناك يبدأ الامتحان الحقيقي؛ أن تقف الحقيقة أمام رغبتك ثم تختارها، وأن تخلع نعل الهوى لتطأ أرض الحق حافيًا، وأن تفطم الروح عن أسر الأمنيات، فليس البصير من أبصر ما يحب، وإنما من أبصر ما يكره ثم لم يصرف وجهه عنه، وعرف أن الحق لا يصير باطلًا لأنه يؤلم، وأن الوهم لا يصير حقيقة لأنه يريح، وما أشد شجاعة الإنسان حين يجلس مع نفسه، فينزع عن رغبته أسماءها الجميلة، وعن خوفه أعذاره، وعن كبريائه حججه، ثم يسأل: لو لم يكن هذا ما أريد، فهل كنت سأراه حقًا؟ عندها ينكشف مقدار ما كان العقل يعمل للحقيقة ومقدار ما كان يعمل لصاحبه، فقد يكون المرء شديد الذكاء، واسع المعرفة، قوي الحجة، ثم يكون ذكاؤه سياجًا حول وهمه، ومعرفته خادمًا لرغبته، وبلاغته ستارًا يحجب عنه ما لا يريد أن يراه، إن أعظم انتصار للمرء ليس أن ينتصر على خصمه، ولا أن يثبت للناس أنه كان على صواب، وإنما أن ينتصر على ذلك الصوت المختبئ في أعماقه حين يطلب من عقله مخرجًا من الحقيقة، ومن علمه عذرًا، ومن منطقه زخرفًا لما تشتهي النفس، هنالك فقط يقف أمام مرآته عاريًا من كل حجة، ويقول بلسان صدق: قد يعجبني ما هو سراب، وقد أضيق بما هو شمس، ولكن الحق لا يتغير بميل قلبي إليه أو نفوري منه، وسأمنحه أجنحة الطيران ولو كان على جثة رغبتي، فإذا رأيت الصبح ينبلج من بين ركام الخديعة الذاتية فاعلم أن شيئًا عظيمًا قد انكسر في الداخل؛ انكسرت الحاجة إلى أن تكون دائمًا على حق، وسقطت أقنعة التبرير، واستعاد العقل عرشه لا ليكون عبدًا للعاطفة ولا خصمًا لها، بل شاهدًا عليها، يزنها ولا يعبدها، ويفهمها ولا يستسلم لها، هنالك فقط يستعيد الفكر طهارته الأولى، وتنقشع الغشاوة عن عين لا ترى ما تمنت أن يكون، بل ترى ما هو كائن، ثم تمضي إليه، ولو أدمى القدمين، فالحقيقة لا تحتاج إلى محام يدافع عنها، وإنما تحتاج إلى قلب يملك شجاعة قبولها حين تأتي على خلاف هواه، وتلك هي الحرية: أن يتحرر الإنسان من حاجته إلى أن تكون الحقيقة كما يريد، وأن يقول لنفسه: ليس الحق ما أحب، ولا الباطل ما أكره، وإنما الحق حق، ولو خالفني، والباطل باطل، ولو وافقني...♡ -السُميعي
1 188
3
-السُميعي
1
4
سرُّ الحياةِ ليس أن تملك منها أكثر بل أن تعرف منها ما يستحقُّ أن يُعاش فكم من إنسانٍ ملأ يديه من الدنيا ثم عاد إلى نفسه خاليَ القلب وكم من روحٍ امتلكت كلَّ ما تشتهي ولم تجد في داخلها موضعًا صغيرًا تستريح فيه فلا تُتعب قلبك في مطاردة كلِّ ما يفوتك فليس كلُّ ما مضى كان لك ولا كلُّ ما تأخّر قد حُرمتَ منه وربما كان بعضُ ما حسبتَه خسارةً رحمةً جاءت في ثوبٍ لم تعرفه حينها وربما كنتَ يومًا تبكي على بابٍ أُغلق في وجهك ثم مرّت بك الأيام حتى حمدتَ الله أنَّه لم يُفتح فالإنسان لا يرى من الحكمة إلا ما يقع في عينيه أما ما يُدبَّر له في غيب الأيام فأوسع من أن تحيط به ظنونُه لا تُرهق نفسك بمحاولة أن تكون محبوبًا عند الجميع فبعضُ القلوب لا يرضيها صدقك وبعضُ العيون لا ترى منك إلا ما تبحث عنه ولو أنفقتَ عمرك كلَّه في استرضائها لبقي في روحك شيءٌ جائعٌ إلى أن تكون أنت عِش لنفسك بقدر ما تستطيع لا أنانيةً بل نجاةً واختر من الناس مَن تستطيع أن تجلس معه دون أن تشرح تعبك مَن يكون صمته إلى جوارك طمأنينةً وكلامه مأمنًا وقربه راحةً لا تحتاج بعدها إلى استرداد نفسك واعلم أنَّ القلب ليس آلةً لا تهدأ وأنَّ الإنسان لا يُلام إذا تعب ولا يُلام إذا احتاج إلى العزلة ولا يُلام إذا أغلق بعض الأبواب ليسمع صوت روحه من جديد فامنح نفسك حقَّها من السكون ولا تجعل الراحة ذنبًا ولا العزلة هزيمةً ولا البكاء انكسارًا فحتى الأشجار تحتاج إلى فصلٍ تسقط فيه أوراقها كي تعرف كيف تُخرج في الربيع ما هو أجمل اترك عنك ما لا تستطيع تغييره وسلّم ما استعصى عليك إلى الله فليس مطلوبًا منك أن تحمل العالم على كتفيك ولا أن تعرف كيف ستنتهي كلُّ الطرق قبل أن تمشيها يكفيك أن تمضي اليوم بما تستطيع وأن تترك للغد ما يخصُّ الغد فكم من أمرٍ أخاف قلبك طويلًا ثم مرَّ كأنَّه لم يكن وكم من ليلةٍ ظننتَ أنَّها لن تنتهي ثم أشرق الصباح من حيث لم تحتسب لا تحزن على نفسك إن تأخّر ما تتمنى فالأشياء الجميلة لا تأتي دائمًا حين نريدها وقد تتأخر بعض الأمنيات لا لأنَّها رُفضت بل لأنَّ قلبك كان يحتاج أن ينضج قبل أن يستقبلها فلا تستعجل الوصول ولا تقارن طريقك بطريق أحد فلكلِّ إنسانٍ توقيته ولكلِّ قلبٍ معركته التي لا يراها الناس وإذا أثقلتك الحياة يومًا فلا تظن أنَّك ضعفت ربما كنتَ فقط بحاجةٍ إلى أن تستريح أن تبكي دون أن تشرح أن تصمت دون أن تعتذر وتقول لقلبك في رفقٍ لا يسمعه أحد لقد فعلتَ ما استطعت ولستَ مطالبًا بأكثر من استطاعتك وما عجزتَ عنه اليوم قد ييسّره الله لك غدًا وما لم تستطع حمله وحدك فليس عيبًا أن تضعه بين يدي الرحمن ثم اترك الباقي لله فالعمر أقصر من أن نقضيه في الندم وأثمن من أن نهبه لمن لا يعرف قيمته وأجمل من أن نعيشه خائفين من فقدان ما ليس لنا وما يبقى في نهاية الطريق ليس عدد الذين أعجبوا بك ولا الأشياء التي امتلكتها ولا المعارك التي انتصرت فيها بل ذلك السلام الخفيُّ الذي يسكن أعماقك حين تنطفئ حولك الأصوات ولا يبقى لك إلا قلبك فتجده هذه المرّة لا يطالبك بشيء بل يشكرك لأنك لم تتخلَّ عنه فاختر لقلبك ما يطمئنه ولروحك ما يحييها ولأيامك ما يجعلها أخفَّ وطأةً وأصدقَ معنى وإذا لم تستطع أن تجعل حياتك كلَّها جميلة فاجعل فيها مواضع صغيرةً للنجاة دعوةً صادقةً وصديقًا يؤنس وحدتك وسجدةً تضع فيها أثقالك كلَّها ثم امضِ لا تحمل معك من الأمس إلا ما علّمك ولا من الغد إلا ما ترجوه أما ما بينهما فدع قلبك يعيش يومه كما ينبغي فالحياة لا تُعاش دفعةً واحدةً والأيام لا تطلب منك إلا أن تكون حاضرًا فيها واذكر دائمًا أنَّ بعض الأبواب حين تُغلق لا تكون نهاية الطريق بل بداية النجاة وأنَّ بعض التأخير ليس حرمانًا وأنَّ بعض الفقد ليس عقوبةً وأنَّ الله قد ينزع من يدك شيئًا لأنَّه يعلم أنَّ بقاءه فيها سيؤذي قلبك فاطمئن ليس كلُّ ما فقدتَه خسارةً وليس كلُّ ما تأخّر عنك شرًّا وليس كلُّ ما لم تفهمه الآن سوف يبقى غامضًا إلى الأبد ستأتي أيامٌ تنظر فيها إلى الوراء فتفهم لماذا انكسر شيءٌ ولماذا تأخّر شيءٌ ولماذا ابتعد شخصٌ وحينها ستدرك أنَّ بعض الطرق التي أوجعت قدميك كانت تقودك إلى المكان الذي سيُريح قلبك فاطمئن أكثر ما دام في قلبك نبضٌ يدعوك إلى الحياة فلم يفتك الطريق وما دمتَ تستطيع أن تبدأ من جديد فلم تخسر كلَّ شيء وربما كان أجمل ما في قصتك أنك بعد كلِّ ما أتعبك ستصل يومًا إلى نفسك فتجلس معها في هدوء ولا تعاتبها على ما مضى ولا تخيفها مما سيأتي بل تربّت على كتفها كمن عاد من سفرٍ طويل وتقول لها لقد تأخرنا كثيرًا لكننا وصلنا ثم تكتشف أنَّك لم تكن تحتاج إلى الدنيا كلَّها ولا إلى أن يصفّق لك الجميع كنتَ تحتاج فقط إلى قلبٍ مطمئن وروحٍ راضية ونفسٍ لا تقسو على نفسها كلما تعثّرت ويَقينٍ صغيرٍ يكبر كلما ضاقت بك الحياة وأن تعرف أخيرًا أنَّ السلام ليس شيئًا نجده في آخر الطريق بل شيءٌ نتعلّم أن نحمله معنا ونحن نمشي...♡
1 615
5
ما أشرقت شمسٌ على وجه الأرض إلا حملت إلى الناس شيئًا من الأمل، غير أن فجر محمد ﷺ لم يكن فجر يومٍ يجيء ثم يمضي، بل كان فجر معنى، أشرقت به القلوب قبل أن تشرق به الآفاق، وانزاحت به ظلمات الجهل، وأقبلت به رحمة الله على عالمٍ أضناه التيه، فكان ﷺ رحمةً مهداة، ونورًا يهدي الحائرين إلى ربهم، وسراجًا أضاء للإنسان طريق الهداية محمد ﷺ، اجتمعت في سيرته من محاسن الخلق خصالٌ لو تفرقت في الرجال لكان لكل واحدةٍ منها شأن، فكان الصدق فيه سجيةً، والأمانة عهدًا، والحياء جمالًا، والتواضع رفعةً، والشجاعة ثباتًا، والحلم سعةً، والرحمة قلبًا يتسع للخلق، والعدل ميزانًا لا تميله الأهواء كان ﷺ جميل السمت، طلق المحيا، قريبًا من الناس، يسمع لضعيفهم، ويواسي حزينهم، ويجبر خاطر مكسورهم، ويمنح الفقير من عنايته قبل أن يمنحه من ماله، فلم تكن رحمته كلامًا يُقال، بل خلقًا يُرى في معاملته، وكان جماله أوسع من ملامح الوجه، فقد امتد من هيئته إلى سيرته، ومن كلماته إلى مواقفه، فإذا تكلم صدق، وإذا وعد وفى، وإذا حكم عدل، وإذا قدر لم يجعل القدرة ذريعةً للبطش وكان تواضعه ﷺ من تواضع العظماء، لا تحجبه منزلته عن البسطاء، ولا تجعل النبوة بينه وبين الناس حجابًا من الكبر، وكان حلمه من أعظم خصاله، يؤذى فيملك نفسه، ويُجهل عليه فيملك لسانه، ويعفو حين يقدر، ليبقى عفوه شاهدًا على أن القوة تبلغ كمالها حين تحرسها الرحمة ومضى ﷺ في طريق الرسالة من مكة إلى المدينة، يحمل أمانةً أعظم من أن تثقل بها زخارف الدنيا، فلاقى التكذيب والأذى والحصار، وفارق وطنه، وثبت حين اضطربت القلوب، وصبر حين اشتدت المحن، لا يطلب لنفسه مجدًا، وإنما يحمل رسالةً تخرج الإنسان من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، ومن ضيق الجاهلية إلى سعة التوحيد ثم عاد إلى مكة قادرًا على الانتقام ممن آذوه، فإذا بالنصر عنده بابٌ للعفو، وإذا بالقدرة تُثمر صفحًا، لا ثأرًا، فكان في ذلك درسًا خالدًا بأن أعظم الانتصارات ما كان انتصارًا على النفس قبل أن يكون انتصارًا على الخصم وأقام ﷺ أمةً جمعها التوحيد، وشد أركانها العدل، وأحياها الإخاء، ورد إلى الإنسان كرامته، وجعل التقوى ميزان التفاضل، ثم كان في بيته كما كان في أمته، رحيمًا بأهله، حسن العشرة، قريبًا منهم، لتبقى سيرته شاهدًا على أن الخلق العظيم لا يتبدل بتبدل المواضع، ولا يسقط حين يغيب عن صاحبه نظر الناس وكان قيامه بين يدي ربه سرًا من أسرار عظمته، فكلما ارتفع مقامه عند الناس ازداد خضوعًا لله، وكلما اتسع ذكره في الأرض ازداد افتقارًا إلى ربه، فكانت النبوة عنده عبوديةً قبل أن تكون منزلةً، وأمانةً قبل أن تكون شرفًا، ولذلك كان أعظم الناس خشيةً، وأصدقهم افتقارًا، وأشدهم تعلقًا بربه وأما فضله ﷺ، فأعظم من أن تستوفيه كلمات مادح، فقد اصطفاه الله لرسالته، وختم به النبوة، وأنزل عليه كتابه، ورفع له ذكره، وجعله رحمةً للعالمين، فبقيت سيرته نورًا يهدي، وسنته هديًا يربي، وظل أثره ممتدًا في القلوب ما بقي في الأرض من يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله ولذلك فإن محبته ﷺ ليست كثرة المدح فحسب، بل أن يتحول حبه في القلب إلى أثر، فنصدق كما صدق، ونرحم كما رحم، ونعفو حين نقدر، ونتواضع حين نُرفع، ونثبت حين تشتد الطريق، فليس أصدق في المحبة من خُلُقٍ يشهد لها، ولا أجمل في المديح من حياةٍ تحمل شيئًا من هديه صلّى الله وسلّم وبارك على محمد، عبد الله ورسوله وخاتم أنبيائه وخيرته من خلقه ورحمة الله المهداة إلى العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على هديه وأحب سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين...♡ -السُميعي
1 637
6
ليس الإيمان أن تطيل سجودك بين طمأنينة السواري، ولا أن تجرَّ رداء الصلاح والناس قعودٌ ينظرون، إنما الإيمان جمرةٌ تخبئها في راحتك يوم تشبُّ المعامع، وشهادةٌ سريةٌ لا يوقعها إلا القلب حين تسقط الأقنعة، إن العبادة ليست كلماتٍ تتسق في السحر، ولا أورادًا نديةً نتوارثها بلا عناء، بل هي صخرةٌ صماءُ يتحطم عليها هواك حين تمتد يدك إلى الحرام وهي قادرةٌ، وينكتم فيها صوتك عن مظلمةٍ ولو كان الصمت يورثك الهوان، ما أسهل أن يدعي الفتى الزهد وهو لم تمسسه الفتنة، وما أيسر أن يلبس جلباب الرضا وهو في سعةٍ من العيش، لكن المحك حقًّا يوم تقف على شفير الانتقام ومقادير العقاب بين أصابعك، فتكل مظلمتك إلى الله كأنك لم تُظلم، ويوم يخيم الليل ولا جليس إلا السواد، فتؤدي الأمانة ولا عينٌ ترقبك، ولا يدٌ تصفق لك، ولا أجرٌ ترجوه من الناس، يا هذا، إن الدنيا مسرحٌ كبيرٌ، يتقن فيه الجميع تمثيل دور الصالحين حتى تهتز خشبة الظروف، فيسقط الديكور الرهيف، ونكتشف جميعًا أن العباءات كانت أوسع من أصحابها، موقفٌ واحدٌ كفيلٌ بأن يطوي دواوين سنواتٍ من التبتل المصنوع، ومحكٌّ واحدٌ قادرٌ أن يزن الروح بميزان الحق فلا يحابيها، هناك، في تلك اللحظة الفاصلة، ينخلع السرد السهل، ويسقط زيف المظاهر، ويخرج من بين الرماد معدن الروح، حيث يموت الكلام وتتحدث الأفعال، فاحذر أن تكون هباءً يطير مع أول هبةٍ من الكبرياء، وتثبت إذا تزاحمت الفتن وضاقت المسالك، فإنما يُعرف الذهب تحت وطأة النار، وإنما يُعرف العابد حين يخسر هواه ليربح مولاه، حين يكون قادرًا على الظلم فيختار العدل، وقادرًا على الأخذ فيختار العفو، وقادرًا على الخيانة فيحفظ الأمانة، وقادرًا على الانتقام فيترك الأمر لمن لا تضيع عنده المظالم، فهناك، لا في كثرة ما تقول، ولا في طول ما تصلي، تظهر حقيقة ما استقر في القلب...♡ -السُميعي
1 858
7
حين ينهض الإنسان من ضيق نفسه إلى سعة المعنى، ويكسر في داخله ما اعتاد أن يسميه عجزا، يكتشف أن الوصول ليس خاتمة الطريق، بل امتحانه الجديد؛ فقبل الغاية كان يسأل: هل أستطيع؟ وبعدها يصبح السؤال أعمق: ماذا سأفعل بما أصبحت أستطيع؟ ليس الارتقاء أن تبلغ موضعا تراك فيه العيون، وإنما أن تبلغ في نفسك موضعا لا تعود فيه أسيرا لنظرة الآخرين، أن تنجز دون أن يتحول إنجازك إلى قيد، وأن تتقدم دون أن تصبح صورتك القديمة حارسا على خطوتك التالية، فما أقسى أن يقضي المرء عمره حارسا على مجد صنعه يوما، يخشى أن يقترب من غد قد يطالبه بأن يصنع مجدا أكبر، إن بعض الناس حين يبلغون ما تمنوا يستريحون، لا لأن الطريق انتهى، بل لأنهم يخافون أن يكتشفوا أن وراء ما بلغوه أفقا أوسع، فيتحول النجاح من سلم إلى عرش، ومن وسيلة للنمو إلى ذريعة للركون، أما من عرف معنى الارتقاء حقا، فإنه ينظر إلى ما حققه بعين الرضا، ثم يرفع بصره إلى ما لم يولد بعد، ولا يعني السعي بعد الإنجاز أن يظل الإنسان جائعا إلى المزيد، يطارد الأرقام والأسماء والمواقع حتى يفقد نفسه؛ فذلك ليس طموحا، بل عبودية جديدة بثوب أنيق، السعي الحقيقي أن تتسع قدرتك كلما اتسعت معرفتك، وأن يصبح نجاحك امتدادا لما تعلمته، ومساحة أوسع لما تستطيع أن تمنحه، لا ذريعة لتضخيم ذاتك، فإن تعلمت، فلا تجعل علمك جدارا يفصلك عن الناس، بل جسرا يعبرون عليه، وإن بنيت شيئا، فلا تكن غايتك أن يقف اسمك على بابه، بل أن يبقى أثره بعد أن يغيب اسمك، وإن فتحت لك الحياة بابا لم يفتح لغيرك، فلا تغلقه خلفك، بل اترك فيه منفذا لمن يأتي بعدك، وهنا يظهر الفرق بين من يطلب المجد ومن يصنع الأثر؛ الأول يريد أن يراه الناس، والثاني يريد أن يجد الناس شيئا نافعا بعده، الأول يسأل: كم بلغت؟ والثاني يسأل: ماذا تركت؟ ولا تخف من بطء الطريق، فليست كل حركة تقدما، وليست كل سكينة تأخرا، هناك أشياء تنضج في الظلام قبل أن تظهر في الضوء؛ جذور تمتد دون أن يراها أحد، وأفكار تتشكل في العزلة، ونفس تعيد بناء نفسها بصمت، ثم يأتي يوم يبدو فيه التغيير مفاجئا لمن لم ير السنوات التي سبقته، وقد تسقط بعد أن تنجح، وتتعب بعد أن تقوى، وتتردد بعد أن كنت واثقا، فلا تجعل العثرة دليلا على أنك عدت إلى الصفر، بعض السقوط لا يهدم ما بنيته، بل يهدم الوهم الذي صنعته عن نفسك، يعلمك أن القوة ليست في ألا تنكسر، وإنما في أن تعرف كيف تجمع شتاتك كلما بعثرتك الأيام، ثم تمضي دون أن تجعل العثرة تعيد تعريفك، لذلك لا تجعل إعجاب الناس بك أثقل من حلمك، ولا تجعل خوفك على صورتك أكبر من رغبتك في النمو، اخرج من حدود ما أتقنت إلى آفاق ما لم تجربه، واترك لنفسك حق أن تكون مبتدئا مرة أخرى؛ فربما كان أعظم ما ينتظرك مختبئا خلف باب لا تستطيع فتحه إلا حين تتخلى عن يقينك بأنك أتقنت كل شيء، واسأل نفسك، لا كل صباح: ماذا ربحت؟ بل: ماذا أصبحت؟ لأن الإنسان قد يربح كثيرا ويبقى فقيرا في داخله، وقد يخسر شيئا من الدنيا ويخرج من التجربة أوسع عقلا، وأصفى قلبا، وأشد معرفة بنفسه، فالقيمة الحقيقية للإنجاز ليست فيما يضيفه إلى يدك، بل فيما يضيفه إلى روحك، وما أجمل أن يتحول النجاح من تاج فوق الرأس إلى عهد في القلب؛ عهد بأن تكون أقدر مما كنت، وأنفع مما كنت، وأقل غرورا مما كنت، أن تمضي وفي داخلك طموح لا يبتلعك، وتواضع لا يطفئك، وثقة لا تحتاج إلى تصفيق كي تبقى واقفا، وفي النهاية، لا تكن غايتك أن تصل إلى مكان لا يعلوك فيه أحد، بل أن تصل إلى موضع في نفسك لا تعود فيه كما كنت، اجعل كل إنجاز سلما لا عرشا، وكل نجاح بداية لا خاتمة، وكل قمة موعدا مع أفق جديد، فأعظم ما يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يقول للعالم: لقد وصلت، بل أن يستطيع بعد الوصول أن يمضي؛ أن يحمل ما تعلمه إلى ما لم يتعلمه بعد، وأن يحول ما امتلكه إلى ما ينفع به غيره، وأن يظل قلبه متسعا للحلم حتى بعد أن تتحقق أحلامه، لأن الرحلة الحقيقية لا تنتهي حين تصبح الشخص الذي حلمت أن تكونه، بل تبدأ حين تسأل نفسك بهدوء: ومن أستطيع أن أصبح الآن؟ ثم تمضي، لا لتثبت أنك أفضل من أحد، وإنما لتكون أوفى بما أودعه الله فيك من قدرة، وأصدق مع الوعد الذي قطعته يوما على نفسك؛ ألا يكون العمر مجرد أيام تعبر، بل نفسا تنضج، وأثرا يمتد، وإنسانا تصير إليه في الخفاء قبل أن يراه العالم في العلن...♡ -السُميعي
2 054
8
بين معرفةٍ تتكئ على أرفف العقول ككتبٍ مهجورة، وفقهٍ ينفذ إلى شغاف القلب فيتحول يقينًا يحكم الروح، وسلوكًا تقوده الجوارح، برزخٌ لا يعبره إلا من رزقه الله نورَ البصيرة، فما أزمتنا أن الحقائق غائبةٌ عنا، بل أن كثيرًا منها حاضرٌ في عقولنا غائبٌ عن قلوبنا؛ نعرف ولا نستيقظ، ونبصر ولا نعتبر، كم من عقلٍ يحفظ أن الدنيا إلى زوال وأن الطاعة نجاةٌ ثم يمضي في غفلته كأن بينه وبين الفناء عهدًا لا ينقض، وما أثقل العلم حين يتحول من نورٍ يكشف الطريق إلى حجابٍ يمنع صاحبه من السير، إن العلم الذي لا يوقظ خشيةً ولا يرد شهوةً ولا يدفع إلى عملٍ لم يبلغ منزلة البصيرة؛ فالعبرة ليست بكثرة ما تحفظ وإنما بما يصنعه فيك ما تعلم، ثم يأتي الطريق بما فيه من ضعفٍ وفتور، وخسارةٍ وغضب، وشهوةٍ وعثرة، وربما عدت إلى خطأٍ ظننت أنك تجاوزته حتى يخيل إليك أن كل ما مضى من جهادك قد ذهب سدىً، وهنا يأتي أخطر ما في السقوط، أن يقنعك اليأس بأن النهوض لم يعد له معنى، فالشيطان لا يريد ذنبك وحده، بل يريد أن يحول ذنبك إلى يأسٍ وعثرتك إلى هويةٍ وندمك إلى استسلام، فلا تصدقه، ليس مطلوبًا منك أن تكون معصومًا بل أن تقاوم، أن تسقط فلا تقيم في سقوطك، وأن تضعف ثم تستعين، وأن تذنب ثم تتوب، وأن تعود إلى الطريق كلما أبعدتك نفسك، ولا تدع أعاصير الأيام تقتلع ما زرعته في روحك، فالمحن لا تكشف المعادن فحسب بل تصنعها أيضًا، والثبات ليس ألا تهتز وإنما أن تهتز ولا تنكسر، وأن تنحني للعاصفة دون أن تفقد جذورك، كن كالنخلة، تعصف بها الرياح لكنها لا تنسى أين جذورها، قد تثقلها العاصفة وقد يطول عليها الليل، لكنها تظل مشدودةً إلى الأرض متطلعةً إلى السماء، فاختر مواضع قدميك وامض ولو ببطء، لا تنتظر دائمًا أن تشعر بالقوة حتى تتحرك، فبعض أعظم خطوات الإنسان يخطوها وقلبه متعبٌ ونفسه مثقلةٌ، وإذا أخبرك اليأس أنك لن تتغير فاجعل استمرارك في المحاولة جوابًا عليه، اثبت، فالعاصفة مهما اشتدت ليست خالدة، والغبار مهما حجب الأفق لا يستطيع أن يلغي وجود الشمس، وربما لم تكن النجاة في أن تصل دون أن تتعب، وإنما في أن تظل سائرًا كلما أتعبك الطريق، حتى تبلغ وتدرك أن الذي حفظ خطوتك في العتمة هو نفسه الذي أضاء لك أول الطريق...♡ -السُميعي
2 161
9
رويدك، فما أنت إلا مسافر، وإن طال بك المقام، وما الدنيا إلا منزل بين منزلين، دخلته يوم خرجت إلى النور، وستغادره يوم يناديك من لا يرد نداءه أحد، فلا يغرنك طول الأمل، فإن الأيام لا تمضي بك وحدك، بل تمضي منك أيضًا، وكل شروق شمس يطوي صفحة من عمرك، حتى تُطوى صحيفتك، وليس معك إلا ما قدمت، أتظن أن العمر طويل، خذ سنواتك، واطرح منها طفولة لم تعقل فيها غاية وجودك، وساعات نومك، وأيام مرضك، وأوقات غفلتك، ثم انظر إلى ما بقي، كم بقي لك من زمن يصلح أن يكون زادًا ليوم تلقى فيه ربك، ثم انظر إلى الدنيا التي شغلت قلبك، مال تجمعه ثم تتركه، ومنصب تستعيره أيامًا ثم يسترده الزمن، وبيت تتعب في بنائه ثم تغادره بكفن لا جيوب فيه، ووجوه تحبها ثم يفرق بينكم السفر أو الموت، فلا يبقى معك إلا عملك، ولا يؤنس وحشتك إلا ربك، وربما أقبلت عليك الدنيا حتى خيل إليك أن الأمر إليك، فإذا بمرض يوهن قوتك، أو مصيبة تبدل حياتك، أو قدر يأتيك من حيث لا تحتسب، لتعلم أن القوة لله جميعًا، وأن الإنسان، مهما اشتد عوده، يبقى فقيرًا إلى ربه في كل نفس، ولكن لا تجعل هذا الحديث بابًا إلى اليأس، بل اجعله طريقًا إلى الرجاء، فإن الذي خوّفك من حسابه، هو الذي فتح لك باب رحمته، والذي يعلم ضعفك، هو الذي دعاك إلى التوبة، فلا يغلب ذنب رحمة الله، ولا يضيع عبد صدق في الرجوع إليه، ورب دمعة خفيت عن أعين الناس، رآها الله، فأحيا بها قلبًا، وغفر بها ذنبًا، وفتح بها بابًا ظن صاحبه أنه لن يفتح أبدًا، فما انكسر قلب لله إلا جبره، ولا وقف عبد ببابه صادقًا إلا فتح له من رحمته ما لم يكن يحتسب، واعلم أن الله لا يريد منك قلبًا لا يزل، وإنما يريد قلبًا إذا زل رجع، وإذا ضعف استعان، وإذا أذنب استغفر، فإن خير القلوب ليس أقلها خطأ، وإنما أسرعها رجوعًا إلى ربها، أما الجنة، فلا تُنال بالأماني، وإنما بالصبر والمجاهدة، فإنما التعب أيام، ثم يطويه الزمن، ويبقى جزاؤه حيث لا يفنى النعيم ولا يزول، فهنيئًا لمن باع ساعة من هواه، فاشترى بها راحة الأبد، فيا هذا... ما دام في صدرك نفس، فأنت لم تُحرم الطريق، وما دام باب التوبة مفتوحًا، فلا تؤخر رجوعك، فإن العبرة ليست بكثرة العثرات، وإنما بصدق الرجوع بعدها، وما طرق عبد باب الله صادقًا إلا وجده مفتوحًا، فخذ من أيامك ما يضيء ليل قبرك، ومن عملك ما يثقل ميزانك، ومن رحمتك بالخلق ما ترجو به رحمة الخالق، فإن المرء إذا واراه التراب، لم يبق منه إلا أثر صالح، أو دعوة صادقة، أو علم نافع، أو قلب يلهج له بالدعاء، فإذا انكشف الغطاء، علمت أن ما كان لله هو الباقي، وأن ما كان لغيره قد تفرق كالدخان، وأن العمر لا يقاس بطوله، وإنما بما عمر الله به القلب، وأن السعيد من باع عمرًا يفنى، فاشترى برحمة الله حياة لا تفنى،(والآخرة خير وأبقى)، اقم الصلاة...♡ -السُميعي
2 267
10
لا تنسوا قراءة سورة الكهف والصلاه على نبينا محمدﷺ، قال رسول الله ﷺ: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى عليَّ صلاةً واحدةً ، صلى الله عليه عشر صلوات...♡
2 087
11
..
..
2 394
12
إذا ضاقت بك السبل، فلا يداخل قلبك أن الله قد ضيق عليك، فإن أقداره لا تأتي لتخذل عبدًا احتمى به، وإنما لتقوده إلى الخير من طريق لم يكن ليهتدي إليه بنفسه، فكم من ضيق كان أول السعة، وكم من انكسار أقام الله به قلبًا ما كان ليبلغ تمامه بغيره، وكم من ليل طال حتى حسبه صاحبه آخر الطريق، فإذا الفجر يطلع من الجهة التي لم يخطر له أن النور يأتي منها، وما أكثر ما جاءت رحمات الله في صورة ما كرهته النفوس، حتى إذا انقضت الأيام، وانكشفت وجوه الأقدار، أيقن القلب أن اللطف كان يصحبه منذ أول الطريق، ولكنه لم يكن يبصره، ولست مطالبًا أن تنكشف لك الحكمة قبل أوانها، فليس كل ما خفي عنك شرًا، وليس كل ما آلمك عقوبة، بل ربما ساقك الله إلى خيرك على طريق لو كشف لك آخره في أوله، لسجد قلبك شكرًا قبل أن تخطو فيه، وربما أغلق في وجهك بابًا، لأنه أراد أن يفتح لك أبوابًا أوسع، وأبقى، وأقرب إلى صلاحك، فإن ربك يدبر أمرك بعلم لا يحده زمان، ورحمة لا يحيط بها وهم، ولطف تتجدد آثاره كلما مضت بك الأيام، فلا تحمل معك ندم الأمس، فإنه لن يرد ما مضى، ولا تستقبل الغد بخوف يسلب منك سكينة اليوم، فالأيام كلها بيد الله، والمستقبل الذي تخشاه في علم من لا تضيع عنده الودائع، أما يومك هذا فهو عطية من الله، أخفى فيها من الخير أكثر مما ترى، وجعل في ساعاتها من الفتح ما لا يعلمه إلا هو، وما دام في صدرك نفس، فباب الرجاء مفتوح، وما دامت السماء فوقك، فباب الدعاء لا يغلق، وما دام الله ربك، فلا سبيل لليأس إلى قلب عرف ربه، وإن أثقلتك الحياة، فاذكر أن الله يعلم ما لم تخبر به أحدًا، ويعلم الحزن الذي واريته حتى لا تثقل به قلبًا آخر، ويعلم الدموع التي رجعت إلى عينيك قبل أن تسقط، والدعوات التي ارتجفت بها روحك ولم ينطق بها لسانك، ويعلم طول الانتظار، ووحشة الطريق، وثقل الصبر إذا امتد، ثم يدبر ذلك كله برحمة لا تخطئ موضعها، ويهيئ لك من الخير ما تعجز أمنياتك عن بلوغه، فكم من منع حرسك من بلاء لم تره، وكم من تأخير ساق إليك الخير حين اكتمل أوانه، وما كان الله ليحجب عنك فضلًا، وإنما كان يدخره لك حتى يجيء في أجمل صوره، وليس أشد على النفس من عثرة الطريق، إلا أن ترى القلوب تضيق بما وسعه الله، وأن يتحول الخلاف إلى قطيعة، والرأي إلى خصومة، والنصيحة إلى جفاء، مع أن الإنسان أكبر من رأي، وأكرم من زلة، وأوسع من لحظة غضب، فالنفوس الكبيرة لا تجعل الاختلاف نهاية للمودة، ولا تسمح للهوى أن يغلب ميزان العدل، لأنها تعلم أن الكلمة الطيبة أبقى من الغلبة، وأن الإنصاف عند الخصومة أشرف من الانتصار في الجدل، وأن سلامة القلب منزلة لا يبلغها إلا من زكى نفسه لله، فليس النصر أن تغلب خصمك، وإنما أن يغلب الحق هواك، وأن يظل قلبك نقيًا، ولو ازدحمت حوله أسباب القسوة، وليس أعظم القوة ألا تبكي، ولا ألا تتعب، وإنما أعظمها أن يبقى قلبك حسن الظن بربه حين تتكاثف الغيوم، وأن يثبت يقينك حين تضطرب الأسباب، لأن المؤمن يعلم أن وراء كل قدر رحمة، ووراء كل مشقة تيسيرًا، وأن الله إذا أغلق بابًا فتح من فضله أبوابًا لم تكن تخطر على قلب بشر، وأن العطاء إذا جاء في الميعاد الذي اختاره الله، جاء أجمل مما استعجلته النفس، وأكمل مما رسمه الخيال، وأبقى أثرًا مما تمنته الأمنيات، فامض مطمئن القلب، فما قصد عبد ربه صادقًا إلا وجده أقرب إليه من همه، وما فوض إليه أمره إلا كفاه، وما أحسن الظن به إلا أكرمه، فإذا ضاقت بك السبل، فتذكر أن الطريق إلى الله لا يضيق أبدًا، وأن من آوى إليه آواه، ومن استند إليه أقامه، ومن رضي بتدبيره ألقى في قلبه سكينة لا تمنحها الدنيا، ولا تنزعها الأيام، وحين تنقضي الأعوام، وتنقشع عنك غشاوة الاستعجال، ستعلم أن الله لم يؤخرك إلا ليهيئك، ولم يمنعك إلا ليعطيك، ولم يبتلك إلا ليقربك، وستقول وقلبك يسبق لسانك يقينًا ورضًا، حسبي أن الله يدبر أمري، ومن كان الله مدبر أمره، فلن يضيع...♡ -السُميعي
1 664
13
علموا أولادكم أن العقل ليس وعاءً يحفظ، بل ميزانًا يزن، ونورًا يفرق به صاحبه بين الهدى والهوى، وأن العلم إذا لم يثمر حكمةً كان حجة على صاحبه لا له، وأن التأني ليس إبطاءً عن المقاصد، بل تثبتٌ يعصم من الزلل، وأن التقوى ليست مظهرًا تراه الأبصار، بل حياةٌ تستقر في القلوب، فتستقيم بها السرائر قبل الظواهر، ويعلو بها قدر المرء وإن خفي اسمه، علموهم أن المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تكلم بان عقله، وانكشف أدبه، ورب صمتٍ ستر صاحبه أعوامًا، ثم هدمته كلمة لم يزنها بميزان الحكمة، غير أن الصمت ليس فضيلةً في كل موطن، كما أن الكلام ليس مذمةً في كل حال، وإنما الفضيلة أن يسكت إذا كان السكوت حكمة، وأن ينطق إذا كان الكلام حقًا، علموهم أن الإساءة لا تحتاج إلا إلى طيش ساعة، وأن ردها بمثلها لا يطفئ نارها، بل يزيدها اشتعالًا، وأن أقوى الناس ليس أسرعهم إلى الانتقام، بل أملكهم لنفسه عند الغضب، فإن من غلب هواه مرة، كان أقدر على غلبة خصومه مرات، علموهم أن الأدب ليس حسن العبارة فحسب، بل حسن المعاملة قبلها، وليس زينة المجالس، بل زينة الأخلاق، وأن العلم لا يقاس بما يحمله المرء من شهادات، وإنما بما يهدي إليه من حق، ويدفعه من باطل، ويتركه من أثر صالح، علموهم أن يفرقوا بين من زلت قدمه، ومن فسد قلبه، فإن زلة اللسان يمحوها الاعتذار، وزلة القدم يجبرها الرجوع، أما فساد الضمير، فإذا تمكن من القلب، أفسد على صاحبه دينه ومروءته، وأعياه بعد ذلك كل إصلاح، علموهم أن صلاة الفجر ليست أول أعمال اليوم، بل أول العهد بالله، فمن أصلح عهده مع ربه في مطلع نهاره، أصلح الله له شأن يومه، ومن هانت عليه الصلاة، هان عليه ما سواها، علموهم أن كرامة الإنسان في دينه، وعزته في استقامته، وأن الأمة وإن باعدت بين أقطارها الحدود، جمعها الإيمان، ووحدتها العقيدة، وأن الحق لا يعرف بكثرة أتباعه، وإنما بثبات أهله عليه، وازرعوا في قلوبهم أن المبادئ لا تباع، وأن العقيدة ليست بابًا من أبواب الحياة، بل الأصل الذي تقوم عليه الحياة كلها، وأن القلب إذا صلح، صلح ما وراءه، وإذا فسد، لم يغن عن صاحبه عقل، ولا مال، ولا جاه، علموهم العلم النافع، الذي يورث خشية، ويهذب خلقًا، ويقيم فكرًا، واحذروا أن تملؤوا عقولهم بكل ناعق، فإن فساد الفكرة يسبق فساد العمل، ومن استقام فكره، استقام أكثر أمره، وربوهم على أن الشدائد لا تصنع الضعفاء، وإنما تكشفهم، وأن النفوس الكبيرة لا تنبت في ظلال الراحة، بل تشتد في ميادين الصبر، وأن من اعتاد أن يجد كل شيء مهيأً له، عجز إذا طلبت منه الحياة أن يشق طريقه بيده، ولا تجعلوا محبتكم لهم سببًا في عجزهم، ولا رحمتكم بهم بابًا إلى اتكالهم، فإن اليد التي اعتادت الأخذ، ثقل عليها العطاء، والنفس التي ألفت الاعتماد على غيرها، ضاقت بأدنى مسؤولية، ولا تجعلوا ميراثهم منكم مالًا يفنى، بل دينًا يهدي، وخلقًا يبقى، وعقلًا يرجح، فإن هذا ميراث لا تنقصه الأيام، ولا تمتد إليه يد الفناء، وتذكروا دائمًا أنكم لا تربون أبناءً ليعيشوا في ظلكم، بل لتبقى مبادئكم فيهم إذا غبتم، فإذا استقاموا بعدكم، فقد أحسنتم التربية، وإن خلفتم لهم خزائن الأرض، ولم تخلفوا في قلوبهم إيمانًا، ولا في أخلاقهم استقامة، فما تركتم لهم إلا متاعًا يزول، وأثقلتم عليهم ميراثًا لا ينفعهم عند الله ولا عند الناس...♡ -السُميعي
1 531
14
إن من أعظم نعم الله على المرء أن يرزقه قلبًا إذا اضطربت الدنيا من حوله سكن إلى ربه، وإذا تكاثفت عليه الخطوب آوى إلى رحمته، فيرى من لطف الله ما لا تراه العيون، ويجد من سعة فضله ما تضيق العبارة عن وصفه، فإن المصائب لا تثقل لعظمها، ولكنها تثقل إذا حملها القلب منفردًا، فإذا ردها إلى الله خف حملها، وهان أمرها، وصارت بعد أن كانت سوادًا حالكًا نافذةً يطل منها نور الرجاء، وما أكثر ما يتوهم الإنسان أن الأسباب هي التي ترفع وتضع، ولو كشف الله له الغطاء لرأى أن الأسباب جنودٌ مسخرة، لا تتقدم إلا بإذنه، ولا تتأخر إلا بحكمته، وأن الأمر كله له، يؤتيه من يشاء كيف يشاء ومتى يشاء، وما الخوف إلا حجابٌ كثيفٌ إذا أرخاه القلب على نفسه أظلمت عليه المسالك، حتى يخيل إليه أن كل باب قد أوصد، وأن كل أفق قد انطمس، وليس الطريق هو الذي يضيق، وإنما تضيق به النفس إذا نسيت أن لها ربًا لا تضيق عنده الطرق، ولا تستغلق عليه الأبواب، فكم من أمرٍ أيأس العقول، ثم جاءه الفرج من حيث لم يخطر على قلب، وكم من أمنية دفنها الناس في مقابر المستحيل، ثم أحياها الله بكلمةٍ من أمره، ليعلم عباده أن قدرته لا تحدها ظنونهم، ولا تبلغها مقاييسهم، فلا تقف إذا عثرت، فإن الوقوف هو العثرة الحقيقية، وأما السقوط الذي يعقبه قيام فليس إلا درجةً أخرى في معراج السائرين، وما خلق الله إنسانًا كامل الخطى، لأن الكمال في هذه الدار ليس أن تخلو من الزلل، بل أن تعرف كيف تعود بعده، وكيف تجعل من الخطأ معلمًا، لا قيدًا، ومن الألم نورًا، لا ظلمة، فحاسب نفسك حساب المربي الرحيم، لا حساب الخصم الشامت، وأدبها كما تؤدب الغصن الغض، فإنك إن بالغت في شده كسرته، وإن أهملته تركته معوجًا، وإنما يستقيم بالرفق الذي لا يضيع معه الحزم، والحزم الذي لا يغيب عنه الرفق، ولا تنتظر من الناس أن يحملوا عنك همَّ رسالتك، فإن لكل قلبٍ شاغله، ولكل نفسٍ حديثها، وإنما جعل الله في صدرك ذلك الحلم لأنه أرادك أنت أن تسير به، فلا تستوحش من قلة الموافقين، ولا تستثقل وحدة الطريق، فإن البذرة حين تشق التراب تكون وحدها، ولكنها ما تلبث أن تصير شجرةً يستظل بها العابرون، فاصحب حلمك كما يصحب المؤمن يقينه، واسع به كما يسعى الظمآن إلى الماء، وجدد في كل يوم عهدك بالله، فإن القلوب إذا استمدت قوتها منه لم تهزمها الأيام، وإن أرهقتها السنون، ثم امض ولا تلتفت كثيرًا إلى من يسبقك أو يتأخر عنك، فإن القوافل لا تبلغ منازلها بكثرة الضجيج، وإنما تبلغها بثبات السير، وسيجعل الله لك من عباده قلوبًا تعرف قدرك، لا لأنها سمعت باسمك، ولكن لأنها رأت في عملك صدقًا لا يخفى، وأما الذين ينصرفون عنك، فدعهم وشأنهم، فإن الشمس لا يضيرها أن يغلق بعض الناس نوافذهم، والبحر لا ينقصه أن يجهل الغريق عمقه، وإنما قيمة الإنسان فيما بينه وبين ربه، فإذا استقامت تلك الصلة، استقام له من أمر دنياه ما شاء الله أن يستقيم، وكان في معيةٍ لا يضل معها الطريق، ولا يخيب معها الرجاء...♡ -السُميعي
2 257
15
أنا سيد الوقت، لا لأن الساعات تؤخر خطوي، ولا لأن الأيام تدين لي بشيء، بل لأنني كلما ضاق بي الزمن، اتسعت بالله روحي، وكلما تكاثفت حولي الطرق، اهتديت إلى الطريق الذي لا يضل، ما هزني ليل، ولا أخافتني المسافات، فقد تعلم قلبي أن السماء أقرب من الأمنيات، وأن اليقين إذا استقر في الصدر، صار العمر كله نافذة لا سجنًا، تعلم الجمر من كفي كيف يحفظ النار في داخله ولا يحترق، واستعار الصخر من صمتي وقاره، حتى إذا مرت الريح قالت، ما لهذا القلب كلما اشتدت العاصفة ازداد طمأنينة، وما لهذه الروح كلما أثقلها الليل ازداد ضياؤها، كأنها كلما أوغلت في العتمة ولدت من جديد، عبرت المنايا، ولم ألتفت إليها، فما رأيت الموت إلا جسرًا تعبره الأرواح إلى رحابة الوعد، وما رأيت النهاية إلا اسمًا يطلقه الخائفون على بداية لم يبلغوها بعد، وخلف ظهري تساقطت وجوه، كانت تزدحم حول دفء الأيام، فلما أقبل الشتاء عرفت الأشجار أي الأوراق كان الربيع يسكنها، وأيها كان لونًا يستعيره من الضوء، فعلمت أن الرجال لا تلدهم المجالس، بل تلدهم الشدائد، وأن النار لا تصنع الذهب، بل تكشفه، ولا ترفع قدره، بل ترفع عنه ما ليس منه، ورأيت الضجيج يصعد كلما هبطت الأرواح، ورأيت الصمت يعظم كلما علت القامات، فعرفت أن النهر لا يشرح عمقه، وأن البحر لا يفاخر بمائه، وأن الشمس لا تستأذن نافذة كي تشرق، وأن الفجر لا يفاوض الليل على موعد ميلاده، فالحق يكفيه أن يكون حقًا، ولا يحتاج إلى صخب ليثبت نفسه، فقل لمن يخاف القيظ، إن النخيل لا يتعلم الثمر في الظلال، وقل لمن يشكو الريح، إن الجبل لم يولد جبلًا، بل ظل يصعد في جسد الصخر، حتى نسي كيف ينحني، وصارت الريح تزيده رسوخًا كلما ظنت أنها تهزه، قرأت الماء في عطش الصحراء، وقرأت الصحراء في صمت الماء، فعرفت أن الأسرار لا تفتح أبوابها إلا لمن جاءها خفيف القلب، نظيف المقصد، وأن الطريق لا يمنح اسمه إلا لمن يمشيه ولا يساوم عليه، ولو مضى وحيدًا بين ألف قافلة، ولذلك ما بعت كرامتي لسوق، ولا علقت عزتي في يد، ولا بدلت وجهي بوعد تذروه الرياح، فالحر قد يجوع، لكن الجوع يرحل، وقد يعطش، لكن العطش ينقضي، أما الذل فإذا دخل القلب، أغلق أبوابه، وأطفأ مصابيحه، وجعل الروح غريبة في جسدها، يا صاحب الوهم، لا تقس البحر بمرآتك، فالمرآة لا ترى إلا وجهها، أما البحر فيرى السماء، ولا تسم السراب يقينًا، فكم من باب صرفه الله عنك، وكان خلفه عمر من الندم، وكم من منع حسبته قسوة، وكان في باطنه رحمة ادخرها الله لك، حتى إذا مضت الأعوام علمت أن النجاة كانت فيما فقدت، لا فيما نلت، والوحدة ليست فراغًا إنها أوسع الأمكنة حين تضيق بكل أحد، وفيها يتعلم القلب أن يقف بلا سند ويمضي بلا تصفيق ويبتسم بلا شاهد ويستغني بالله حتى تصبح الدنيا كلها أصغر من أن تملأ فراغًا فيه أنا هنا لا أعد الراحلين فالريح لا تعود لتجمع أوراقها ولا أعاتب من اختاروا الغياب فالطرق لا تتوقف لتنتظر من أدبر ومن عرف وجهته لم يلتفت إلى ظلال المتأخرين وفي صدري يقين لو نزل على بحر لأهدأ موجه ولو مر على خوف لأطفأه وفي دعائي أبواب تعرف الطريق إلى السماء ولي من الله ركن إذا اضطربت الأرض ثبت وإذا أظلم العالم أشرق وإذا تكاثرت الفتن ظل قلبي واقفًا، كشجرة تعلمت من السماء أن تمد جذورها كلما اشتدت الريح دع المواكب تمضي، فالذهب لا يخاف الطلاء والبحر لا ينافس الجداول والنسر لا يهبط ليشرح للعصافير معنى التحليق فالقمم لا تنشغل بمن لم يغادر السفوح والسحاب لا يحمل غبار الطريق في قلبه وقفت في أقصى الفيافي لا أعد الغيم ولا أخشى الجدب لأن الذي أنبت الربيع في غصن يابس قادر أن ينبت الطمأنينة في قلب أرهقته الأعوام، فالرزق ليس ما يقع في اليد، بل ما يفيض في القلب، والغنى ليس كثرة ما تملك، بل أن يقل ما يحتاجه قلبك ليطمئن، وما انحنى جبيني إلا لله، ولا انكسرت نفسي إلا بين يديه، فكلما ضاقت المسالك، شق لي في العسر منفذًا، وكلما تكاثفت الظلمات، أوقد في صدري نورًا، تعجز الريح أن تطفئه، وتعجز الأيام أن تحجبه، فكل نور أشعلته السماء، لا تقدر الأرض على إخماده، فإن سألوا، من أين تأتيك هذه الهيبة، فقل ليست من صوت يرتفع، ولا من اسم يتكرر، ولا من مال يجتمع، ولا من أتباع يتكاثرون، ولكنها من قلب، عرف ربه، فاستغنى به عمن سواه، فلما امتلأ بالله، خلت الدنيا من سلطتها عليه، ولما صار الله أكبر ما في قلبه، صار كل ما سواه أصغر من أن يخيفه، فألبسه الله وقارًا لا تمنحه الأعوام، وهيبة لا تصنعها المناصب، ونورًا كلما ادلهمت الخطوب ازداد صفاء، فصار يمشي هادئًا، كأن الطمأنينة تسبق خطاه، وصامتًا، كأن الجبال تتكلم من خلاله، وثابتًا، كأن الزمن هو الذي يعبر أمامه لا لأنه سيد الناس بل لأنه عبد، إذا عرف ربه تحرر من كل شيء، ومن تحرر بالله لم يعد الوقت يقوده بل صار يمضي في الوقت كما يمضي النور في الفجر هادئًا، راسخًا، لا يستعجل الوصول، لأنه وصل قبل أن يبدأ السير...♡ -السُميعي
1 754
16
خطبة الجمعة| يا ابن الأيام إلى متى تمضي، كأن الزمن مدينٌ لك، بأيامٍ لم تُكتب بعد، وكأن الساعة، إذا أدبرت، ستعود لتستأذنك، قبل أن ترحل، تطارد أمنيةً، فإذا بلغتَها، أنبتت في قلبك أمنيةً أخرى، حتى غدوت، تجري خلف ظل، كلما حسبت أنك أدركته، ازداد عنك بُعدًا، والعمر، لا يركض، ولا يضج، ولا يلتفت إلى أحد، يمضي، في سكونٍ مهيب، كانسياب الضوء، عن آخر نافذةٍ عند الغروب، حتى إذا التفتَّ وراءك، وجدت المساء، قد سبق خطاك، كم أرهقت روحك، في خصوماتٍ، لو انكشف لك آخرها، لاستحييت من أولها، وكم نافست، على متاعٍ، سيحمله غدًا، رجلٌ، لا يعرف اسمك، تبني، وتجمع، وتؤمل، وتنسى، أن الأرض، لم تحفظ لأحدٍ أثرًا، إلا بمقدار، ما حفظه الله له، كم مشت عليها، خطى الملوك، وصليل السيوف، وزهـو الجبابرة، ثم سكتت عنهم جميعًا، كما يسكت البحر، بعد أن يبتلع السفن، كل صباح، ينتقص من أجلك يومًا، وكل مساء، يطوي من عمرك صفحةً، لن تُفتح مرةً أخرى، وأنت تؤجل، وتؤجل، كأن بينك، وبين الموت، عهدًا لا ينقض، ثم تأتي الحقيقة، دون موعد، فتسقط الأسماء، وتبهت الألقاب، ويذوب البريق، ولا يبقى، إلا قلبٌ، عمره الإيمان، وصحائف، ازدانت، بصالح العمل، هناك، تعلم، أن الدنيا، لم تكن وطنًا، بل معبرًا، وأن كل ما تشبثت به، أفلت منك، ولم يبق لك، إلا ما رفعته، إلى الله، فيا حسرة قلبٍ، طال مقامه، في الدنيا، وقصر سيره، إلى مولاه، ويا خيبة عبدٍ، حسب الإمهال، أمانًا، وما كان، إلا رحمةً، يمد الله بها، حبل الرجوع، كم جرحت، بقسوة كلمة، وكم أغلقت، بابًا، في وجه محتاج، فأغلقت القسوة، باب الرحمة، في قلبك، وكم خضت، في أعراض الناس، ونسيت، أن الكلمة، قد تغيب، عن الأسماع، ولكنها، لا تغيب، عن السماء، وأي صلاة، ترتفع، إذا كان القلب، ساجدًا للدنيا، وأي دمعة، تنفع، إذا كان الندم، مؤجلًا، إلى غدٍ، قد لا يأتي، إن أخوف، ما يهلك الإنسان، ليس الذنب، فالذنوب، تمحوها التوبة، ولكن، أن يألف التأجيل، حتى يصير الغد، وهمًا، يؤجل إليه، كل رجوع، وكل إصلاح، وكل توبة، حتى يفجأه، أجلٌ، لم يكن، في حسبانه، (كُلُّ نَفسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ)، آيةٌ، لو استقرت في القلب، لما ازدحم، بغير الله، ولما عظمت الدنيا، في عين صاحبه، فما دام، في صدرك، نفسٌ يتردد، فالعودة، ما زالت ممكنة، وما دام، قلبك، يعرف الندم، فالرحمة، أقرب إليك، من ذنوبك، فطهر قلبك، قبل أن يطهر جسدك، وأصلح سرك، قبل أن ينكشف علنك، ورد المظالم، إلى أهلها، قبل يومٍ، لا يقضي فيه، إلا العدل، وأقبل، على ربك، بقلبٍ، أثقلته الخطايا، وأضاءه الرجاء، فما رفع الله، عبدًا، إلا بصدق إنابته، ولا قربه، إلا بانكساره، ولا تؤخر يقظتك، فإن الليل، لا يعد أحدًا، بالفجر، ولا العمر، يعد أحدًا، بالغد، وكم من مؤملٍ، رتب سنواته، فسبقته، لحظة، وكم من ضاحكٍ، ملأ المجالس، حديثًا، ثم صار، هو الحديث، فاستيقظ اليوم، قبل أن تستيقظ، على حقيقةٍ، لا يؤخرها ندم، ولا يغيرها اعتذار، يوم، تنقطع الأسباب، وتسكت الأصوات، ولا يبقى معك، إلا وجه عملك، فإن كان نورًا، أضاء لك الطريق، وإن كان غير ذلك، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)...♡ -السُميعي
1 755
17
لا تنسوا قراءة سورة الكهف والصلاه على نبينا محمدﷺ، قال رسول الله ﷺ: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى عليَّ صلاةً واحدةً ، صلى الله عليه عشر صلوات...♡
1 793
18
سبحان من جعل للروح أبوابًا، لا تُفتح كلها بالمفاتيح، بل بما يمر بها من أقدار، وبما تنقشه الأيام في أعماقها من أسرار، وسبحان من أخفى لطفه في المواضع التي تخشاها القلوب، فكم من أمرٍ حسبه الإنسان نهاية الطريق، وكان في علم الله بداية نجاة، وكم من بابٍ أُغلق في وجهه، لأنه كان يحمل خلفه ما يثقله، لا ما يرفعه، وما الحزن إلا غيمة عابرة، تمر على سماء القلب، فتحجب النور حينًا، ثم تمضي، فتترك في الأرض حياةً لم تكن فيها قبل نزولها، فلا تظن أن كل ما يؤلمك جاء ليهزمك، فبعض الرياح لا تهب لتحطم الأغصان، بل لتسقط عنها ما أثقلها، وبعض الطرق لا تضيق بالمسافر، إلا لتعلمه أن يسير بقلبه، حين تعجز قدماه عن حمل الطريق، ولولا تلك اللحظات التي خفت فيها من السقوط، لما عرفت أن هناك لطفًا كان يسندك وأنت لا تشعر، ولولا انطفاء بعض الأنوار من حولك، لما تعلمت أن تبحث عن نورٍ لا تطفئه الأيام، يا صاحب القلب المتعب، رويدك، فما تأخر عنك شيء كُتب لك، وما سبقك إلى رزقك أحد، وما أخطأك ما أراده الله لك، ولو اجتمعت الطرق كلها على صرفه عنك، فكم من أمنية بكى صاحبها لأنها لم تأت، ثم مرت الأيام، فحمد الله أنها لم تأت في الوقت الذي أرادها فيه، وكم من انتظارٍ ظنه القلب حرمانًا، ثم اكتشف بعد حين، أنه كان رحمةً تأخرت، حتى تصل إليه في صورتها التي تليق به، فلا تستعجل الفرج، فإن الأشياء العظيمة لا تأتي دائمًا حين نطلبها، بل حين نصبح قادرين على استقبالها، فالثمرة لا تنضج لأن الغصن تعب من انتظارها، ولا يشرق الفجر لأن الليل ضاق بنفسه، بل لأن الموعد الذي كتبه الله له قد جاء، دع الأقدار تمضي كما أراد لها خالقها، ولا تقف طويلًا أمام الأبواب المغلقة، فرب بابٍ أُغلق رحمةً بك، ورب طريقٍ لم تُسلكه كان يحمل عنك تعبًا لا تراه، واعلم، أن أثقل ما يحمله الإنسان، ليس ما يحدث له، بل ما يضيفه هو إلى ما يحدث، من خوف، ومن ظنون، ومن أسئلة يطلب لها القلب جوابًا قبل أوانها، ولو ألقى قلبه بين يدي ربه، وترك ما لا يطيق لمن لا يعجزه شيء، لعاد أخف مما كان، وأهدأ مما ظن أنه يستطيع، فلا تجعل للحزن عرشًا في قلبك، ولا تمنحه وطنًا يقيم فيه، فهو ضيف، مهما طال مقامه، فإن له ساعة ويرحل، وتبسم، لا لأن الحياة خالية من التعب، بل لأن الله لم يتركك في تعبك وحدك، ولأن وراء كل قدرٍ حكمة، ووراء كل ضيقٍ مخرجًا، ووراء كل دعاءٍ رحمة تسمعه، وإن تأخر الجواب، وكن كالشجرة، لا تعاتب الريح حين تأتي، ولا تسأل الشتاء لماذا طال، بل تمد جذورها أعمق، كلما اضطرب وجه الأرض، فالأشياء العظيمة لا تُعرف حين تسكن الأيام، بل حين تثبت وهي تعبر الفصول كلها، وما بينك وبين السكينة، ليس طريقًا تقطعه القدم، ولا زمنًا تحصيه الأيام، بل لحظة في القلب، يكف فيها عن مقاومة ما اختاره الله، ويبدأ يثق بمن اختاره له، وحين تبلغ تلك اللحظة، لن تقول إن البلاء انتهى، بل ستدرك أن البلاء انتهى منك، ستنظر إلى الأيام التي أثقلتك، لا بعين الألم، بل بعين الفهم، وستعرف أن بعض الأبواب التي أُغلقت، كانت تحميك من طرق لم تكن تعرف نهايتها، وأن بعض الدموع التي ظننتها ضعفًا، كانت تغسل من روحك ما لم يكن يليق ببقائها، وأن الله لم يكن يؤخر عنك الفرج، بل كان يصنع في داخلك قلبًا يعرف قيمة العطاء، ويحفظ أثر النعمة، ولا ينسى صاحب الفضل فيها، فإذا جاء الفرج، لن تستقبله كشيء ضاع منك ثم عاد، بل كشيء كُتب لك منذ البداية، لكنه جاء في اللحظة التي أصبحت فيها مستعدًا له، وستدرك أن كل ما مر بك، لم يكن إلا الطريق، إلى قلبٍ أكثر هدوءًا، وروحٍ أكثر قربًا، ونفسٍ عرفت أخيرًا، أن الطمأنينة لم تكن في غياب الألم، بل في وجود الله، وسط كل ما يؤلم...♡ -السُميعي
1 769
19
يخالُ الإنسانُ، كلما أثقلته الأيام، أن الأرض قد ضاقت بما رحبت، وأن الطرق لم تعد تعرف وقع قدميه، وما ضاقت الأرض يومًا، ولكن القلب إذا أكثر من حمل ما لا يُحمل، ضاق عن أوسع الفضاء، وأصبح السجنُ فيه، لا حوله، وما أشبه التعلّق بغصنٍ يابس؛ كلما اشتدَّت القبضة عليه، ازداد انكسارًا، حتى إذا أفلتته اليد، أدركت أن الريح لم تكن عدوًّا، بل كانت تدعوك إلى أفقٍ لم تكن تراه، نمضي... ونحسب أننا نسبق العمر، وأن الأيام تتوارى خلف ظهورنا، ثم يهبُّ علينا صفاءٌ عابر، فنلتفت، فإذا نحن الذين تراجعنا، وإذا الزمن هو الذي عبر فينا، لا من حولنا؛ أخذ من العيون دهشة البدايات، ومن الأصوات امتلاء الرغبة، ومن الأمنيات حدّتها الأولى، ثم ترك في الروح سكينةً لا يهبها إلا السفر الطويل، وليس العمر عددًا من السنين، بل عددُ المرات التي خرجت فيها من نفسك، وعدت إليها إنسانًا أرحب؛ فكم من عامٍ مرَّ ثقيلًا، فلم يترك في القلب إلا غباره، وكم من لحظةٍ خاطفةٍ غيّرت مجرى روحٍ كاملة، حتى غدت أعوامًا تُقاس بها الحياة، رأيتُ مدنًا تتلألأ ليلًا، كأنها نجومٌ هبطت إلى الأرض، لكن البرد كان يسكن نوافذها، ورأيتُ بيتًا متواضعًا، تتسلل الريح من شقوق جداره، غير أن الدفءَ فيه كان يكفي ليؤنس قلبًا أنهكه التيه؛ فعرفت أن العمران يرفع الجدران... أما السكينة، فلا يرفعها إلا الحب، ولا يحرسها إلا الإيمان، والإنسان عجيب... يقضي عمره يحرس ما سيرحل عنه، ويؤخر ما سيرحل معه، يجمع الأشياء حوله، ويغفل عن جمع نفسه، ويُحصي ما في يده، ولا ينتبه لما يتساقط من قلبه، قطرةً بعد قطرة، ولو أنه علم أن معروفه لا يضيع، لأنه لا يبحث عن شاهد، لخفَّ عنه كثيرٌ من عناء المقارنة، ولأدرك أن الخير لا يترك أثره في الطرقات، بل يتركه في الأرواح، وهناك لا تمحوه السنون، ما أسرع ما يشيخ الضجيج... يولد عاليًا، ثم لا يلبث أن يأكله الصمت، أما الرحمة... فلا تعرف الصراخ، ولهذا تعيش؛ تمرُّ من قلبٍ إلى قلب، كما يمر الضوء على صفحة الماء، لا يترك ضجيجًا، لكنه يترك العالم أكثر صفاءً، وليس العطاء أن تُنقص ما في يدك، بل أن يضيق في داخلك موضعُ الأنانية، ويتسع مكانُ الرحمة، فكل يدٍ امتدت لتنهض بغيرها، كانت في الحقيقة ترتفع بصاحبها قبل أن ترفع أحدًا سواه، وكل قلبٍ وسع وجع الناس، ضاقت عليه الدنيا أقل، لأن الله يفتح للرحماء من السعة ما لا تفتحه الأسباب، وحين يميل النهار إلى آخر ضوئه، ويهدأ صخب الأعوام، لن يلتفت الإنسان إلى عدد الأيام التي عاشها، ولا إلى الأبواب التي امتلك مفاتيحها، ولا إلى الأسماء التي حفظت اسمه... سيلتفت إلى شيءٍ واحد: إلى القلوب التي غادرها وهي أكثر طمأنينةً مما كانت، هناك يسقط كل وهم، ويظهر المعنى نقيًّا، كما لو أنه كان ينتظر هذا الصمت الطويل، ندرك أخيرًا... أن أثقل ما يرفعه العبد إلى الله، ليس ما ادخره في خزائن الأرض، بل ما أودعه في صدور خلقه من رحمة، وما تركه في طرقاتهم من خفة، وما زرعه في أرواحهم من رجاء، فلعل أجمل ما ينجو من الإنسان، بعد أن تخبو الأسماء، وتذوب الحكايات، وتغلق الدنيا آخر أبوابها... أن يهدأ قلبٌ بعيد، دون أن يعرف السبب، وأن تشرق في روحٍ غريبة نافذةٌ من سكينة، كأن عابرًا مرَّ من هنا... ولم يترك خلفه أثرَ قدميه، بل ترك أثرَ قلبه...♡ -السُميعي
1 722
20
للانتظار قدرةٌ غريبة على تضييق الأفق، حتى ليخال المرء أن الأيام استنفدت ما في يدها، وأن الغد لن يحمل إلا صورة الأمس، يمر الوقت ببطءٍ يرهق القلب، فيحسب أن الصمت جواب، وأن تأخر الإجابة يعني غيابها، بينما الحقيقة أن أكثر ما يصنعه الله في حياة عباده يجري في المواضع التي لا تصل إليها العين، ولا يبلغها الظن، ما من قدرٍ يولد فجأة، بل لكل نعمةٍ جذورٌ تمتد في الخفاء، تسقيها حكمة الله حتى إذا اكتمل أوانها، خرجت إلى النور كأنها جاءت بغتة، وما كانت بغتةً إلا لمن لم يرَ كيف كانت تنمو في الغيب، ولهذا لا يكشف القدر أوراقه مبكرًا، ولا يهب الإنسان تفسير الأحداث وهو لا يزال في قلبها، فمن يقف في منتصف الطريق لا يرى إلا جزءًا منه، أما النهاية وحدها فهي التي تعيد ترتيب المشاهد، وترد كل موقفٍ إلى موضعه، حتى يصبح ما أحزنك يومًا سببًا في طمأنينتك، وما حسبته انكسارًا أول الطريق إلى النجاة، كم من أمنيةٍ لو نزلت على القلب قبل أوانها لأثقلته، وكم من أمرٍ تأخر حتى ظنه صاحبه بعيد المنال، فلما حضر أدرك أن التأخير لم يكن حرمانًا، بل رحمةً كانت تحفظ النعمة من أن تأتي في زمنٍ لا يحتملها، وليس المنع دائمًا ضد العطاء، فكثيرًا ما يكون وجهه الآخر، فما يفوتك اليوم قد يكون هو الذي يفسح المكان لما هو أوسع، وما يغيب عن يدك قد يكون هو الذي يحفظ قلبك من ضيقٍ لم تكن تراه، إن الله لا ينظر إلى رغبتك وحدها، بل ينظر إلى عاقبتها أيضًا، ويختار لك من الأقدار ما ينسجم مع رحمته، لا مع استعجالك، والانتظار ليس مساحةً فارغة بين دعاءٍ وإجابة، بل مرحلةٌ يتبدل فيها الإنسان من داخله، ففيه تتعلم الروح أن تتخفف من قلقها، وأن تسند أمرها إلى من لا تضيع عنده الودائع، وأن تدرك أن اليقين لا يعني أن ترى الطريق، بل أن تطمئن إلى من بيده الطريق، ثم يأتي اليوم الذي تنكشف فيه الحكمة دفعةً واحدة، فتلتفت إلى ما مضى فلا ترى سنواتٍ ضاعت، بل إعدادًا طويلًا لما أنت فيه الآن، وتفهم أن لطف الله لم يبدأ حين جاء الفرج، وإنما بدأ منذ اللحظة التي ظننت فيها أن كل شيء قد تأخر، وأن الأقدار كانت تسير نحوك بصمت، بينما كنت تظن أنك وحدك من يمشي إليها، وحين تستقر النعمة بين يديك، ستدرك أن الله لم يكن يؤخرها عنك، بل كان يؤخرها لك؛ حتى تأتي كاملةً، في وقتها الكامل، إلى قلبٍ صار قادرًا على أن يعرف قيمتها، ويحسن شكرها، ويرى في كل ما مضى أثرًا من آثار الرحمة التي كانت تعمل في الخفاء، حتى اكتمل موعد اللقاء...♡ -السُميعي
1 797