آيـات العـزيبي .
Open in Telegram
رواياتي : فُلك الوقّاد (مُكتمله) انهم يحبون (قيد النشر) تجدونهم علىٰ : - قناة التيليجرام - مُنتدىٰ روايتي - واتباد - فُلك الوقّاد متوفره كمُستند في قناة نُبذه
Show moreIraq246 915The category is not specified
422
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
اصوات نكره، وسواد كُل شيء حولها اسود، وجوه سوداء فحميه مُجعده، ضباب اسود واجساد غريبه مسوده، ولاشيء ابيض سواها وتلك الانياب الطويله ..
شيئاً ما يُعجزها عن النُطق ورُبما هو الهلع والجزع، الخدّر في كُل اطرافها وتشعُر بجسدها بين يدي احدهم ووكأنها علىٰ جُنحي حمامه غادرت المكان وغابت في سراديب مُظلمه
ثم لم تفتح عينيها سوىٰ علىٰ سريرها الابيض، وفي ذات غُرفتها الدافئه، جابت بناظريها في الارجاء قبل ان تشعر بذلك الدفء الذي يُحاوط كفها، نظرت فإذا بغِردام جالساً بجوار السرير علىٰ الارض بصمتٍ بادلها النظر، وعينيه .. عينيه مُثقله بالاقوال منذُ المره السابقه التي رأته فيها، تنهدت ثم بصوتٍ بدا مُتعباً نبست :انت بليك؟
للحظه لمحت الابتسامه التي ارتسمت علىٰ شفتيه بخِفه وبالكاد تُرىٰ ثم ببحته المُميزه اجاب :ماحبيت الاسم، من اليوم الاول
صمتت لثوانٍ ثم هتفت مُستفهمه :عشان معناه؟ كئيب
اومئ ثم هتف قائلاً :كنت كئيب، لكن الحين عندي سبب يرجعني للحياه الصح
فنظرت دِجله ملياً في عينيه، هُناك شيئاً غريباً بِهما، شيئاً يشُدها ووكأنها ترىٰ ذاتها وجُل حُريتها في لمعان محجريه، وبعد نظراتٍ كِسهام مُسالمه ودوده استفهمت :انا؟
اومئ فأردفت مُتعجبه، وفي الامر مايكفي من الغرابه لتعجُبها :انا من عالم وانت من عالم ثاني، كيف حبيتني
رفع يده يُزيح خصلات غِرتها عن حاجبيها واجاب بهدوء :الحُب مايعترف بالعوالم والاختلافات، الحُب نعمه منحها الله لمخلوقاته وحنا كلنا خلقه وعِباده
لوهله شعرت بالآمان من ان يؤذيها، صمتت وطال صمتُها غزاها الشرود وعادت بالذاكره الىٰ فزع ليلة البارحه، بدأ الظلام في الخارج بالتبدد واستقام غِردام في النافذه وبدا هو كذلك شارداً، نظرت اليه وبعد شيئاً من التُردد هتفت قائله :شفتك البارحه وانت تدافع علي، هذاك شكلك الحقيقي!
صمت ولم يُجيب بدا وكأن ذلك سياقاً لايود التطُرق اليه لكن دِجله اصرت فأردفت :ابي اتقبلك بشكلك الحقيقي، مابي ليث الميت، انا ما اخاف لو اخاف ماجلست الحين وسولفت معك
تنهد، واقترب منها بخُطىٰ هادئه حتىٰ توقف علىٰ بُعد بسيط منها ثم نبس قائلاً :ماهو وقته، الحين ابي منك طلبين قبل ما اروح
صمت لثوانٍ اردف بعدما جلس امامها يحتضن كفيها بين كفيه هاتفاً :اول شي مابي احد يدري عني او عن ليلة البارحه، ابي اصل معكِ لبر آمان من غير مايتدخل احد واضطر أذيه
اومئت فأعقب قائلاً :انتِ قويه والحين ابيكِ تكونين اقوىٰ، واجهي الخساره كدِجله اللي مايكسرها فقد ولا ضُعف، وتأكدي اني جنبكِ وسويت وبسوي كل اللي اقدر عليه واللي ما اقدر عليه عشان ماتعيشين هالالم مره ثاني
اهتزت مُقلتي دِجله وبنبره مُهتزه وضعيفه نبست مُستفهمه :ابوي صار له شي؟
لم يُجيب بل سار وابتعد عن ناظريها ثم اختفىٰ من الغُرفه وبقيت وحيده، لدقائق طويله دلفت عُقبها والدتها باكيةٌ مُنكسره، احتضنتها وعن الفقد العظيم افصحت :ابوكِ مات يادِجله
.
.
.
.
.
الفصل السابع
بعد الفجر، في سويعات الصُبح الاولىٰ، حينما اشرقت شمسُ النهار خجوله، وحزينه هذه المره تنشر نورها في ارجاء الكون لعل احدهم يرىٰ مافعله ظلام الليله الماضيه، لعل عابر تسوقهُ خُطاه الىٰ حيث يرقُد ناصر ، جُثه هامده في مُنتصف مزرعه جرداء، لاحياة فيها ولا مُنادىٰ
.
.
.
.
.
الليله الماضيه، قبل الفجر بساعات قليله ..
سيارات شُرطه وعناصر امن يُحاوطون المكان بعد بلاغ قُدم قبل ساعتين، ضجيج لاول مره يزور تِلك المنطقه من قبل سنون عِده، لكن السكون مازال يُحاوط الداخل، لم يتجرأ احد بأن يصدر ضجيجاً بعد ما رأت عينيه كُل تِلك الوحشيه
دِماء في الخارج واشرطه صفراء تُغلق المُحيط والممرات في الداخل، وكُل ذلك كان رتيباً غير لافت لأي انتباه مُقارنةً بذلك الكم من الألم في الداخل، في احدىٰ الغُرف بالذات، تِلك التي مازال آنين ناصر مسموعاً بداخلها والعجز يُقيد الجميع عن الوصول اليه وكأنما خُبأ في احد الجُدران وبات عصياً استخراجه ..
سند في احدىٰ الزوايا يذرُف حُزنه دمعاً حارقاً، جزعه وعجزه وإئتلامه، وذلك المُصاب الجلل والعقيم ارخىٰ سدول ظلام حالك علىٰ الجميع، فبات الوصل عصياً رُغم القُرب الشديد
وبجانب تِلك البوابه الكُبرىٰ تجاوز احد الضُباط الاشرطه الصفراء ونبس حالما استقر بجوار احد رجال الشُرطه :وش عندنا في مسرح الجريمه؟
وبرسميه تامه هتف الرجُل مُفصحاً عن غرابة الحادثه ووحشيتها :مُصاب احد يديه مبتوره بشكل اشبه بالتمزُق او الانتزاع من عند الكوع، والثاني ماعنده اي اصابات لكن حالته اقرب للانهيار العصبي، ويقولون ان في شخص ثالث وهو نفسه مالك المبنىٰ لكن ماغير نسمع انينه في غُرفه وماله اي اثر
سماع كُل ذلك كان كافياً بأن يصمُت الضابط لثوانٍ مذهولاً، حينما كانت تِلك من ابشع الجرائم التي قد يواجهها في كُل مسيرته المهنيه، وبعد بُرهه من الصمت هتف مُستفهماً :ماترك الفاعل اي دليل؟
نفىٰ الرجُل ثم اضاف نابساً :٩٩% ان الفاعل ماهو من البشر
.
.
.
.
.
السلام عليكم
حبايبي اعتذر عن فصل يوم الاحد الماضي وكذلك فصل اليوم، رغم ان الروايه مكتوبه مسبقاً الا اني مالقيت وقت لتعديل الفصول، فأوعدكم بفصل خلال الويكند ذا بأذن الله 🤍🤍
ما اذكر متىٰ كتبت ذا الفصل لكن اتوقع وقتها كان الادرينالين عندي مرتفع لدرجة الاحداث من نار لشرار😂🤍🤍
جلسه هادئه وان حفها القلق، ضمت آيانا، ودِجله مع عائلة سند، امه وزوجة اخيه وشقيقته، ذاتها طيف التي اشارت لدِجله للصعود الىٰ الاعلىٰ حيث غُرفتها، فأومئت دِجله تنهض بالفعل وحينها هتفت آيانا مُستفهمه :دِجله لوين؟
تنهدت دِجله ونظرت لوالدتها مُجيبه بهدوء التزمته من حين رؤيتها لغِردام ورُبما شرود اكثر من كونه هدوء :بروح مع طيف
وتدخلت طيف حينها بإبتسامه قائله :راح نروح فوق، لغرفتي
اومئت آيانا واضافت هاتفه :مري ع اخوك بالمجلس، يمكن صحىٰ ومحتاج شي
ورفضت دِجله ذلك مُبرره بقولها :يمه تو جيت من عنده، الولد في سابع نومه
تنهدت آيانا واومئت بصمت بينما دِجله تبعت طيف الىٰ الاعلىٰ حيث غُرفتها والتي حالما دلفن اليها نبست طيف قائله بينما تجلس علىٰ السرير :من يوم شفتكم تنقلون لبيت عمي وانا ودي اتعرف عليكِ
تبّسمت دِجله رُغم القلق الذي ينتابها حيال والدها، بينما مازالت واقفه وتجوب بناظريها في انحاء الغُرفه :وليه ماجيتي عندنا؟
تربعت طيف ووضعت كفها علىٰ خدها مُتكئه علىٰ ساعدها ثم هتفت مُبرره :ابوكِ وسند اخوي علاقتهم شينه، ماتخيلت راح نجتمع بيوم
اومئت دِجله بينما تتمشىٰ جِهة التسريحه ونبست :لان اخوكِ احرق جدي، وخطف عمتي ويمكن قتلها بعد
صمتت طيف حيال قول دِجله الذي بدا لها قولاً فضاً، تنهدت ثم هتفت تُغير دفة الحديث بينما دِجله مازالت تتأمل ماعلىٰ التسريحه من اشياء بناتيه لفتت انتباهها :الحين كيف بتسوون بالدراسه، هنا مافي مدارس
صمتت دِجله لثوانٍ ثم اجابت بسؤال :انتِ وين تدرسين
وببساطه اجابت طيف ليس وكأن الدمع تكتل في عينيها :ما ادرس
وحينما التفتت دِجله نحوها بصمت اعقبت بإبتسامه :سند مايبي يروح للمدينه، وحنا مُستحيل نخليه ونروح
لوهله شعرت دِجله بالفضول حيال سند، ذلك الذي يُقدم له الحُب المُعتق بالتضحيات علىٰ طبق من الذهب وشيئاً ما بداخلها يُخبرها بأنه لايستحق ذلك اطلاقاً، فأنقادت لفضولها مُستفهمه :ماعندكِ صوره له هالسند، ابي اشوف ذوق عمتي
عقدت طيف حاجبيها وتعجبّت من شخصية دِجله قبل اي شيء آخر ثم اومئت تنهض من مكانها وتقدمت من التسريحه ذاتها تلتقط صوره بإطار كانت مُتجهه الىٰ جهه اخرىٰ غير تِلك التي تقف بها دِجله، نابسه :هذا سند، ابوي
تناولت دِجله الصوره ونظرت اليها بصمت، يُشبه والدها وكأنما هُناك روحاً وحده يتشاركونها، وكأن عينيهما نُسجتا من خيط اسود واحد فتزاحمت شُعيرات الرمشين كجمهور لتِلك اللوحه بهية الصُنع، اعادت ناظريها لطيف ثم قالت :جميل، يشبهكِ
ضحكت طيف ثم لمعت بالحُزن عينيها تلتقط صوره اخرىٰ وتأملتها لوقتٍ قصير بينما تنبُس :ليث اجمل، مثل المُعجزه
ذلك قبل ان تمُدها لدِجله، وليتها ما فعلت!
توسعت عينيها شاعره وكأن الزمان حولها توقف، ذلك الحنطي ذو سِعة المحجرين ابنُ عمها الراحل، اماعاد لاحد ان يراه سواها؟، وضعت الصوره علىٰ سطح التسريحه ونبست بغيةً في الهروب والانزواء لدقائق :وين الحمام
دلتها طيف بالفعل علىٰ الحمام وحالما اغلقت علىٰ نفسها به، بذهول هتفت :غِردام!
حينها تردد صدىٰ صهيل الخيل علىٰ مسمعها وبدا شيئاً اقرب من الصُراخ، فأستغلت سكون المنزل وغياب طيف وخرجت، الىٰ هُناك حيث لم تجِد غِردام ولا رماد، بل رأت حشدٌ من عُجاب المخلوقات وجميعهم ضُد واحد كالضِل الاسود او الدُخان، طويلاً، انامله بدت وكأنها رؤوساً مُدببه وعينيه حمراوتان شديدتي الحُمره
ذُرف الدمعُ من عينيها وجلست علىٰ رُكبتيها بذُعر وخوف عظيمين، ثم وحالما شعرت بالخدّر في اطرافها وشيئاً ما يُمزق جسدها من المُنتصف صرخّت مُتألمه، مذعوره، مهلوعه، ومُحتاجه :غِــردام
.
.
.
.
.
كلحنٍ بهيٍّ خرج عنوةً عن سياق المقطوعة، لكنّه يظل خاطئًا .
بينما سند في الداخل كان يركض وكأنما يُسابق الزمان يصرخ في كُل ثانيه بأسم ناصر، يرجو لو يراه حياً لمره اخرىٰ، واحده فقط، لأحتضنه واعتذر وان لم يُخطأ، لقبّل رأسه ونشر القبُل في كُل انامل يديه واعتذر الف مره، يرجو ذلك اكثر ممايرجو نجاته حتىٰ ..
وان كان السكون في المكان مُريباً فمازال سند يصرخُ يُنادي ناصر ويُنادي حتىٰ وصله صوت انينه البعيد، توقف وتلفت حوله مُحاولاً معرفة مكانه من ذلك الانين الذي يحرق روحه في كُل انه، سار جهة احد الممرات مُتمنياً ان يكون هو المسلك الصحيح وحينما بدأ صوت آنين ناصر يعلو تعجّل بخُطىٰ حتىٰ صار يعدو وشيئاً فشيئاً يقترب حتىٰ بات شديد القُرب حينما توقف امام بابٍ مُغلق بدا وكأن صوت ناصر يأتي من خلفه، توقف هُناك ثم نبس بصوتٍ مسموع :بسم الله الرحمن الرحيم، اعوذ بكلمات الله التامات من شر ماخلق
فتح الباب عُقب قوله، وشعر وكأنه يقف بجوار ناصر، انينه عالياً وكأن فمه بجوار مسمع سند لكنه غير موجود، تلفت يحوم بناظريه في الغُرفه الصغيره بينما ينبُس :ناصر، انت وينك؟
لكن ناصر كان غير مرئياً لايوجد منه سوىٰ الانين ولا شيء غيره.
.
.
.
.
.
شارع خالي، لايحوي سوىٰ مُستودعات مُظلمه، وسكون لايقتطعه صوت او حِراك سوىٰ نُباح الكِلاب وعوائهم، ومكابح سند التي صدحت امام بوابة شركة عمه المهجوره، ترجل بخُطىٰ سريعه وتبعه تُركي بينما يهتف بعلو :سند، سند اياك تتهور
توقفت خُطىٰ سند بالفعل امام بوابة الشركه تماماً حيث يرىٰ من فتحة الباب البسيطه ضياء يُشبه لمعان النيران، ووكأنما الداخل يحترق لكن دون دُخان او حراره ووجود ناصر بالداخل مُحترقاً هو اول ماتخيله سند قبل ان يُمسكه تركي من الخلف مُقيداً حِراكه حينما هم بالدخول ليصرخ بعلو قائلاً :تركي فـكني، فكـني ياتـركي ولد عمي قاعد يموت، نــاصر
فصرخ به تركي مُجيباً، مُعترضاً وصارم :افكك عشان تروح تموت معاه ياغبي، تحسب نفسك بقوة اللي قتل سقراط وليث ياسند
ومازال سند يقاوم ويصرخ بعلوٍ يُنادي ناصر الغائب في المجهول حتىٰ ارتفع صوت ناصر من الداخل ليسكُن بذلك تركي وسند ذاته الذي هتف بعلو :نـاصر!
ومن الداخل اتىٰ صوت ناصر، باكياً مذعوراً ومُحذراً يقول :سنـد لاتجـي، روح تكفـىٰ ياسند لاتجي
هدأ سند وتراجع الىٰ الخلف خطوتين بينما تركي رفع هاتفه ينظُر للساعه ثم نبس هاتفاً بهلع وذُعر شديدين :باقي ثلاث دقائق ويطلع نيشم، واللي يرحم والديك خلنا نروح
فأومئ سند بضع مرات، كذلك تركي الذي بدأ يتراجع حتىٰ توقف بقول سند ونبرته المُهتزه والقريبه من حافة البُكاء :ناصر مايستاهل، انا السبب وانا اللي لازم اموت ماهوب عمي ولا ليث ولاناصر .. انا اللي لازم ادفع الثمن
صمت تركي عاجزاً عن النُطق، تِلك قناعة السنين لدىٰ سند، ابقي قول لم يستخدمه لمحاولة تغييرها؟، لم يسعفه الوقت او الحال للبحث عنه، فأقترب سند يضع مُفتاح سيارته في كف تركي قائلاً :اذا مرت عشر دقائق وماجينا رح من هنا واياك تلحقني، اياك ياتركي
ابتعد عُقبها يتراجع الىٰ الخلف، عينيه تلمعان بل تذرفان دمعاً، خائف لكنه بقلبٍ مُحترق يخاف العيش اكثر من الممات ..
وبصوتٍ خافت مخذول ويائس نبس تركي كمحاوله اخيره مُثيره للشفقه :سند!!
ولم يتوقف سند، بل التفت يدلف الىٰ الداخل بعدما دفع الباب يُفتح علىٰ مصراعيه، عند تمام الساعه الثانيه عشر في مُنتصف الليل وغاب في الداخل
وما رآه تركي من مكانه كان كافياً ليتراجع عِدة خطوات ويسقُط ارضاً بذُعر وهلع كالهلاك لايرحمان، اهتزت عينيه وكذلك نبرته خرجت مهزوزه ومذعوره وباكيه نابساً :لا لاتقتلني، انا مالي شغل، تكفىٰ لاتقتلني
وبـ "ياللّٰه" ارتفعت في الارجاء صرختهُ وتردد صداها في سكون المُحيط.
الفصل السادس
بدت ليله عصيبه، شديدة المراره ووكأنما لاصُبح في آخرها، تقف دِجله بجمود بجانب باب غُرفة والديها تُراقب والدتها بينما تستعد للخروج، تبقت رُبع ساعه من مُنتصف الليل وكان اتصال سند المُفاجئ والغريب واضحاً ودونما تأويل
:يلا امشي قدامي
نفخت دِجله بضجر بعدما استلمت أمر والدتها وبإمتعاض هتفت بينما تسير خلفها بخُطىٰ بالكاد تُجاري سُرعة آيانا :يمه منو هذا سند عشان نسمع كلامه وننفذ اوامره!! ابن عم ابوي ونعم لكن ماله حق يتحكم فينا
توقفت آيانا بشكل مُفاجئ ثم التفت تواجه دِجله وبغضب شديد نطقت هاتفه :تنفذين وانتِ ساكته يادِجله، انتِ ماتدرين بشي لذلك لاتجادلين
رفعت دِجله احد حاجبيها وما الذي لم يستطع احد فهمه الىٰ اليوم بأنها امرأه لم تُخلق لتلقي الاوامر وتنفيذها فقط، ما الشيء العجيب الذي يُطالبون فتاه كدِجله به؟، فار عُمقها وامتلئت بالرفض عينيها فنبست :وش اللي ما ادري فيه ووش اللي بيصير في بيتنا بعد الساعه ١٢؟ انا مابنفذ امر رجال قتل جدي واحرقه حرق لا وبعد يبينا نروح بيته هالصلف
لوهله زار الجمود وجه آيانا، تعجبت وذُهلت، وبإستفهام هتفت :شدراكِ؟
:من هِنا درت
عقدت آيانا حاجبيها والتفتت كلتاهما الىٰ الاسفل، حيث يجلس الفُرات هُناك وفي يده نوته صغيرة الحجم كجواب لإستفهام والدته، ذاتها التي هتفت بينما تنزل الدرجات :وش هذا
صمت الفُرات بينما آيانا اخذت الدفتر وشرعت في تقليب صُفحياته التي تحمل علىٰ متنها جُمل عشوائيه، اسئله ونصوص اشبه بالفضفضه والمُذكرات العائده لجنه شقيقة ناصر، لم يُثير ايها اهتمام آيانا فجميعها تعود لماقبل ليلة الحادثه
كان ذلك قبل ان تتقدم دِجله وتأخذ الدفتر من يد والدتها، فتحت احدىٰ الصفحات والتي كانت آخر ماكُتب بالفعل ثم مدته لآيانا بينما تنبُس به بصوت مسموع :"كان سند اطهر من ان يقتل نمله، لكنه فعل وقتل والدي حرقاً"
الخط، التأريخ، واسم جنه المُدون في آخر الصفحه كُل ذلك شكل ملامح ذهول آيانا، توسع عينيها وارتكاز ناظريها في الفراغ، مامعنىٰ ذلك؟
مامعنىٰ ان يُكتب ذلك بخط جنه وبعد تأريخ اختفاءها؟ ،والأهم .. مامعنىٰ وجود ذلك الدفتر في المنزل الذي لم تعود اليه جنه منذُ تلك الليله؟
ابتلعت ريق فمها وبذات الذهول هتفت شارده :شلون وجنه ماتت!
وتلقائياً اجابت دِجله وكأنما السؤال وجِه اليها :يمكن ما ماتت
فأحتدت عيني آيانا وبدا السُخط جلياً عليها، وبغضبٍ هتفت :الا ماتت
تعجبّت دِجله وقبل ان تشرع في الخوض في جِدال عقيم، نبس الفُرات مُقاطعاً :بقىٰ اقل من عشر دقائق وتصير ١٢
اومئت آيانا ووضعت الدفتر في حقيبتها، سارت الىٰ خلف الفُرات وبدأت تدفع كُرسيه بعجله نحو الخارج بينما دِجله تتبعهم بخُطىٰ بطيئه وترقب لو يحل مُنتصف الليل بينما لازالت بين جُدران المنزل، فقط لإثبات جنون سند ووهي طلبه
تعجب جميعهم حينما وجدوا الباب الرئيسي لحديقة القصر مُغلقاً، فنبست دِجله مُستغربه :منو قفله؟
هزت آيانا كتفيها كدلالة لعدم معرفتها ثم نبست بالإحتمال الأقرب :يمكن ابوكِ
ونفىٰ الفُرات ذلك قائلاً :لا، انا شفته يوم طلع ماقفل الباب وكنت بروح اقفله وراه لو ماسمعتك تهاوشين دِجله
زفرت آيانا وتراجعت خُطاها بينما تدفع كُرسي الفُرات قائله :كله من وراها اصلاً، راح نروح للبوابه الخلفيه
تأففت دِجله وتبعتهم بينما تُجيب والدتها بتهكُم قائله :بسببي انا ولا بسبب هذاك المجنون، لاوبعد معه مُسدس يبي يقتل الجنيه، ع سخفه ذا اقطعي يدي لو مايطلع هارب من مصح عقلي
تجاهلت آيانا الإجابه وعم الصمت عدا من صوت قرع اقدامهم وزفرت آيانا راحةً حينما فُتحت البوابه الخلفيه وعبروها يسيرون جِهة منزل عائلة سند، عدا دِجله التي توقفت حالما عبرت البوابه ترتكز انظارها نحو شجرة الإثل حيث يقف غِردام مُتكئاً عليها، هادئاً ينظُر اليها بصمت، في عينيه الكثير من الأقوال وفي عينيها أكثر، شاعره وكأنما هُناك بضع خطوات فقط تفصلها عن إجابات الاسئله الكامنه في نفسها، ووكأنما غِردام يحمُل إجاباتٍ لاتُنطق
لم ينبس ببنت شِفه لكنه اشار نحو آيانا والفُرات، حينما باتا يبعُدان عن دِجله بضع خطوات، ابتلعت دِجله ريقها وركضت تلحق بوالدتها مُتعجبه من عدم مُلاحظتهم لوجود غِردام، حالما اقتربت هتفت قائله بينما تُشير لشجرة الإثل :يمه هالشجره من متىٰ هنا؟
توقفت آيانا عاقده لحاجبيها حيث بدا سؤال دِجله شديد السخافه، التفتت نحو الشجره كما التفت الفُرات، ثم أجابت بإختصار :من يوم كنت بزره
وتابعت خُطاها دون ان ترىٰ غِردام، لم يراه سواها، توسعت عينيها بينما مازالت تنظُر نحوه ولم تفوتها ابتسامتهُ الهادئه التي وكأنها رِساله تؤكد ظنونها وتسعىٰ لطمئنتها رُغم كونها لم تجزع ولم تخاف لطالما وان بليك كان قِطها المُفضل حتىٰ بعدما علمت بأنه ليس قِطاً، ثم سارت تتبع والدتها بهدوء وصمت.
.
.
.
.
.
حبيت تفاعلاتكم ع الفصول تأكدوا انها مأثره فيني واشكركم كل الشكر علىٰ ماجدتم به .. اتمنىٰ الكل يشارك في ذا الاستفتاء عشان اشبع فضولي😂🤍
في دُجىٰ الليل المُظلم، رافق روحه المُتعبه ورافقته، يُغني صمته تلاحين الهَلاك، ومطفيٌ سواد عينيه، يتوق للرحيل كرُجل لايختبأ خلف الجُدران
توقفت سيارته في مُنتصف الارض الفارغه والمُظلمه، ترجل وسار يعبر من بين الاشجار الكثيفه حتىٰ وصل للمنزل الوحيد في المزرعه، توقف بجوار الباب ونبس قائلاً :ارسلت تبيني، وش السالفه!
حينها فقط تنهد تُركي، ذاته الذي يجلس القُرفصاء بجوار باب منزله، مد لسند ورقه التقطها منه وبدأ يقرأ محتواها بصمت ثم نظر اليه مُستفهماً دونما قول فوضح تُركي الامر قائلاً :بعدما رحت من عندي دخلت بيتي ولقيت هالرساله، تركتها العامله وشردت
عُقدة حاجبيهما وذلك الشيء من التعجُب الذي تحويه تقاسيم وجهيهما يُفصح عن شِدة غرابة الامر، جلس سند بجوار تُركي ونبس مُستفهماً :من متى هالعامله عندك؟
واجابه تُركي قائلاً :من يوم عرفت نفسي
صمت سند لثوانٍ ثم اعاد سؤاله بأسلوب آخر اقرب للاجابه التي يرغبها :لها مُقارب الـ ١٨ سنه؟
فأومى تُركي يُناوله الاجابه التي يسعىٰ اليها نابساً :اكثر من ٢٠ سنه
زفر حينها سند ورفع كفهُ يمرره علىٰ وجهه بضجر، بدا له الامر اكثر تعقيداً من مُجرد مُصادفه وضعته يوماً في مواجهة تِلك الجنيه فنبس مُتسائلاً بشرود :وش علاقة العامله بعنود
تُركي ايضاً يُشارك سند ذات العجب والشِرود، انظاره ترتكز في الفراغ والفراغ في رأسه، وزفر عُقب ثوانٍ يتسائل بغية التأكد مما فهم :وش اللي فهمته من الرساله؟
صمت سند لثوانٍ طويله، استغلها جاهداً لتجميع أقطاب فِكره ولملمة شتاته، وبدا ذلك عصياً ومُستحيلاً، عُقب صمته نبس يُبسط تِلك النِقاط العشوائيه المذكوره في الرساله لعل ذلك اقرب بان يُفهم :عنود يوم عشقتني انطردت من قبيلتها هذي واضحه، طيب منو نيشم اللي يبي ينتقم لها ومسجون لهذا السبب ..
قاطعهُ تُركي طارحاً السؤال الذي بدا لهُ اهم واغرب :الاهم، ليه يبي ينتقم لها ومن منو؟
وهذه المره لم يصمُت سند عبثاً، بدا مذهولاً، مذعوراً، عينيه شاخصه ووجهه شاحب وكأنما هُناك شريطاً شديد السوداوديه يُعرض علىٰ مرءاه، وبقلق اردف تُركي مُستفهماً :سند شفيك؟
وحينها فقط اجاب سند، بذهول قائلاً :معقول عمي قتلها ..!
بدا تركي غير مُستوعب، فكيف لسُقراط ان يقتل عنود وهو لم يعلم بأمرها الا قبل موته بأيام قليله ثم ان ذلك بعيداً عن مقدرة البشر! .. فنبس قائلاً :شدراك، وهو يقدر اصلاً يقتل جنيه!!
تربع سند ووضع الورقه امامه ثم شرع يسرد لتركي شيئاً ما قد حدث معه ذات ليله ولم يستوعب آنذاك خطورة الامر او جديته حتىٰ :قبل الليله اللي توفىٰ فيها بثلاث ايام تقريباً، ارسل لي يقول انه جالس يسوي اللي يقدر واللي مايقدر عليه عشان يخلصني من عنود .. وقتها سألته عن اللي يسويه وقال تعرف في الوقت المناسب .. للامانه انا شكيت من انه لجأ لناس لهم في سوالف الجن خاصه انه طرح علي ذا الاقتراح من اول ورفضته
اتسعت عيني تركي بذهول مما سمِع وهتف قائلاً :راح للسحره واهل الجن عشان يقتلوها!!
اومئ سند وحَل الصمت بينهما، تِلك الحقيقه مُفجعه، تجُر ورائها سِر موت سُقراط مُحترقاً الذي لم يعُد سِراً بالفعل، ومقتل ليث .. والاكثر إفجاعاً هو ما افصح عنه تركي قائلاً :مذكور بالرساله ان نيشم بيطلع في مُنتصف هالليله من السِجن
اومئ سند هاتفاً :من شِركة عمي .. كان يستدرجنا بتشبهه بهيئة جنه عشان يجيبنا له، واللي وقع فيها ليث
في تِلك الاثناء رن هاتف سند، عقد حاجبيه حينما ظهر اسم ناصر كمُتصل، اجاب فوراً وسُرعان ماوصله صوت ناصر مُتسائلاً :سند انت وينك فيه؟
تعجب سند لسؤاله واجابه بآخر قائلاً :ليه تسأل؟
تنهد ناصر بشكل مسموع ونبس موضحاً :قالت لي دِجله انك بتروح للشركه ولحقتك، بس مالقيتك هناك
توسعت عيني سند ونهض مفزوعاً وبنبره امر مُحذره وسريعه هتف قائلاً :ناصر اطلع من هناك بسرعه، لاتجلس ثانيه وحده ..
كان ناصر يُضيء الارجاء بضوء هاتفه بينما يتحدث مع سند مُستخدماً خاصية مُكبر الصوت، وفي طريقه للخروج فِعلاً :ليه؟ وبعدين انت وينك فيه؟
وقبل ان يُجيب سند، صدحت من خلف السماعه صرخة ناصر، ثم صوت ارتطام شيئاً ما بالارض وقُطعت المكالمه ..
.
.
.
.
.
وغرقتُ في الأشجار اقرأ عمرنا
والحبُ غصنٌ ملتوٍ
لن نقرأَهْ
بدايات المساء، رونقها بين العائله دوماً مايبدو خلاباً يحمل رائحه ذات أُلفه ودفء، تُضفي علىٰ الليالي مزيجاً من حُبٍ مِعطاء وأي حُب هو ذلك الذي يُنافس حُب العائله، بعدما تعالت ضحكاتهم في الارجاء وأضيء كونهم بقبس من نور اشع من عُمق السعاده في محاجرهم، غادر الجميع تِلك الجلسه الدافئه، اطفأت دِجله انوار غُرفة الفُرات وخرجت تعود ادراجها لحيث كانوا يجلسون، تُنار الظُلمه من حولها بانوار الحديقه وبين كفيها كوباً من مشروبها الساخن المُفضل ..
عيناها شاردتان، تُنافسان لمعان القمر، وجمال النجوم، وفي قاع فؤادها هُناك شوق كالزمهرير للارض الافغانيه، للصِغر والذِكرىٰ وشغف الحياه، وتبَسمت شفتيها بغتة حينما مر في ذاكرتها طيفٌ من ماضي وشقاوة افضت بها وشقيقها عُشاقاً ورواداً للحي المهجور في المدينه التي يتجنب كُل من فيها ارتياده سواهما ..
وبينما هي مُنهمكه في تقليب صُفيحات الزمان صدح في الارجاء صوتٌ مُحبب، كترنيمة عروبه تأصلت في دواخلها فِطره، تبَسمت ونهضت من مجلسها تسير بخُطىٰ هادئه وان كانت شغفوفه نحو مصدر الصوت، للخيل ذو الصهيل المُتردد صداه، عبَرت البوابه الخلفيه وتوقفت هُناك، تُراقب مظهره الخلاب اسفل الشجره، توسع مبّسم شفتيها وبصوتها الذي يُشبه تهويدات المنام قالت :رمَاد!
فاجابها الصوت المبحوح من جوار رماد قائلاً :لو يقدر ينطق، كان قالك لبيه! وياحيّ هالصوت
غزىٰ الخجل وجنتيها واشاحت ناظريها عن ذلك الجالس بين الشجره ورماد، فنهض يقترب منها حتىٰ بات مابينهما مايُقارب الخمس خطوات، ثم هُناك اعقب نابساً :لاقلت ابي اصير بعيونك بقدر وجلالة رماد، وش السواه؟
صمتت دِجله لثوانٍ تنظُر ملياً لرماد، وكأنها تبحث لغِردام عن حل لمَطلبهُ،ثم نظرت اليه وهتفت :الخيل الاصيل مايسوىٰ دون اصالة خياله
فهربت من بين شفتيه قهقهه قصيره، بدت وكأنها منسوجه من دِفء ومُغلفه بمهابه وهدوء، ثم نبس مُعلقاً :واللي اعجبك في رماد اصالته، ماهي استثنائيته!
امالت دِجله برأسها وتبّسمت ضاحكه ثم اجابت :كُل شيء استثنائي يجذبني، واحبه
فأومئ قائلاً :تميل الروح لما يُشبهها
صمتت دِجله لثوانٍ ثم هتفت مُديره دفة الحديث نحو جِهه أُخرىٰ :ليه جيت، وبهالوقت؟
سار غِردام نحو رماد وامسك برسنه نابساً :رماد جاكِ، مهوب انا
رفعت حاجبيها وهتفت بتهكُم :بسوي روحي مصدقتك، انت من وين؟
وتجاهل غِرادم قولها ثم اجاب علىٰ سؤالها بينما يمتطي خيله هاتفاً :من الارض العربيه
تعجبّت دِجله من إجابته وردَتها بواقعية الحال :كُلنا من الارض العربيه، لكن اصلك من وين، من اي منطقه اقصد
صهل الخيل قبل مسيره، وقبل ذلك اجاب غِردام بدبلوماسيه عاليه :اليمن اصل العرب
صمتت وعلا الجمود تعابيرها، بدا مُراوقاً بإحترافيه، ورُبما لو سألت عن قبيلته لقال ابنُ آدم، رُبما.. رُبما
اختضت عندما سمعت الصوت الآتي من مكاناً ما قريب، في ذلك السكون وخطواتٍ تقترب، فالتفت يُمنه لحيث ظهر ذلك الرجُل ذو القامه الطويله، والجسد النحيل خارجاً من بين منزل والدها والآخر المملوك لابناء عمه وقد كانت الظُلمه كفيله بإخفاء ملامحه، توقفت خُطاه وكِلاهما جامدين في مثبتيهما، ثم صدح عالياً صوته قائلا :عنود كانت تحب هالمكان، تقضي الليالي تحت هالشجره، وما راحت غير لما سودت ليالينا، وانتِ توكِ بزره لاتسمحين لفضولكِ يوديكِ درب مافيه خير
صمتت قليلاً تُراقبه بينما يقترب من سيارته والتي للتو حتىٰ انتبهت لوجودها بجوار باب منزله لاول مره، ثم هتفت بعلو تسأل :منو عنود؟
التفت سند نحوها وفوراً اجاب :اسألي ناصر عنها، يعرفها زين
فور انتهاء قوله صدح صوت شحن السِلاح الذي بين كفيه واتجه نحو مقعد السائق وبفرط فضُول نبست دِجله تستفهم بعلوٍ قائله :اهي اللي قتلت اخوك صح؟، وانت الحين تبي تروح تنتقم منها
تجاهل سند ماقالت وصعد علىٰ متن سيارته، ثم غادر
بخُطىٰ سريعه عدّت دِجله وبالكاد حتىٰ وصلت الىٰ غُرفة والدها بأنفاس مُضطربه ونبره سريعه هتفت حالما قابلته قائله :سمعتك قبل يومين تقول ان ولد عمك قتلوه الجِن، اللي قتلته عنود؟
عقد ناصر حاجبيه وتعجب، ذلك الماضي والحاضر الاسود آخر مايرغب ان يصل الىٰ عِلم ابناءه، بدا مذهولاً وغاضب وبحذَر نبس مُستفهماً :من وين لك اسمها؟
واجابته كانت كافيه لتأكيد ماثار في نفس دِجله من شك، فتوسعت عينيها وبذُعر هتفت قائله :شفت ولد عمك برا، رايح ينتقم منها
فتح ناصر فاهه بذهول، ورُعبٍ غزاه، فذلك يعني بأن سند قد اختار الهَلاك بدلاً من النجاه .. :المجنون
بذلك القول اقتطع ناصر الحديث وغادر المنزل مُسرعاً لرُبما مازال في طريق سند مجالاً للعوده عن هلاكه المحتوم
.
.
.
.
.
الفصل الخامس
هُناك خياراً اسوداً في كُل قلب، يُشكل غصةً هاهُناك في مُنتصف الصميم يستهلك راحة الضمير ويستلذ بعذابه، ولو عادت بنا الايام لما سلكنا له طريقاً وما اخترناه، فماذا لو .. ماذا لو لبىٰ في تِلك الليله نِداء جنّه المُستجنده بطريقةٍ أُخرىٰ واصوب، لربما ماكان رِضا ناصر عسيراً الىٰ مالاحد له!
:لو ماتقدم ولا تأخر ياسند، كلشي كان مكتوب ومُقرر انت ليه مخلي الندم يآكل بروحك هالكِثر؟
اتكىٰ برأسه علىٰ جُذع الشجره ورفع عينيه نحو الاغصان الكثيفه اعلاه تبدو كزخارفٍ تُزين البدر المُكتمل في مُنتصف السماء الصافيه، لطالما شعر بالانتماء لهذه الارض المملوكه لصديقه الوحيد تركي، تنهد ونبّس بعد ثوانٍ صامته :مُكتئب، مُنعزل، يبكيني الشوق كُل ليله ثم يجي النهار يداري سواة الليل وارجع لصمتي، لو مر كُل عُمري علىٰ هالحال انا راضي، هذي جنّه وهذا حُبها انا راضي، لكن ليث ياتركي .. انا وين اودي هالقلب من فقد ليث وهو راح بسببي؟
زفر تركي واعتدل بجلوسه مُتربعاً يصُب من دلة القهوه في الفناجيل وبينما هو يفعل ذلك هتف قائلاً :نفس وضعك اللي قبل ١٨ عام، لاتسمح لنفسك تنهار نفس ذيك المره، انت ماتسببت بموت ليث بالعكس ليث الله يرحمه ويغفر خطاياه تهور يوم راح هناك شي واضح ان السالفه كُل ابوها خُرافه مالها اساس من الصحه وش راح يدور بالضبط!
مد لسند فِنجال القهوه واردف هاتفاً :خذ تقهو واستهدي بالله، رب العالمين كفيل بانه يرقع هالقلب
دقائق مرت في ظِل صمت سند، وحوقلة تُركي وإستغفاره بين الفينه والاخرىٰ، لم يُضيف قولاً مُحاولاً بذلك احترام مساحة سند وكونه لايهرع الىٰ ارضه الا هُروباً من ظَلام رُغم ان الظلام يكمُن في صدره، اقتطع سند ذاته الصمت نابساً :ناصر ما اخطأ، انا اللي لازم اطفي هالنار قبل تاخذ مني احد ثاني
وضع تركي فنجاله ارضاً والتفت لسند، استغفر ثم هتف مُحاولاً بث قناعه بعكس ذلك في نفسه :شلون راح تطفيها؟، اي نعم كان زمان في جنيه تعشقك وعجز عنها كم شيخ، صار اللي صار والحين صارت ١٨ سنه ماشفتها، ماظهرت لك ما آذتك ولاجاتك لابحلم ولا بعلم، هذا وش يعني ياسند، مايعني انها راحت عنك خلاص؟
فتح سند فاهه راغباً بالتعليق او رُبما الاعتراض فقاطعه تركي رادفاً يُجيب مجازاً علىٰ مالم يقُله سند :الشركه مسكونه وذا شي طبيعي، صار لها عُمر مهجوره وش تتوقعون يعني، كان في راسك هالسالفه وتبي تتأكد لاتروح الشركه، رحلك عند شيخ وتعالج بكتاب الله لو تلف هالكون كله ماراح تلاقي شي يطفي هالنار غيره، خذها مني وانا اخوك
ربت علىٰ فخذ سند في نهاية كلامه وماواجه منه الا الصمت، يعلم يقيناً ان سند ابعد مايكون عن الواقع ورُبما هو مُغيباً في وحل الصدمات كغريق لايتخبط يرجو خلاصاً بل يبذُل جُهده للحُظي بالمزيد من الغرق والهلاك
.
.
.
.
.
قد مرت يومان منذُ اختفاء بليك، لكن هذه المره دونما وداع، ولغرابة ما يُضنيها الامر او رُبما لم تعد غرابه بل بات ذلك اشد مايكون غرابةً، تنهدت تعبُر البوابه الكبيره لقصر جدها ذاتها الخلفيه المُطله علىٰ اراضٍ زراعيه شاسعه، في تِلك المنطقه شبه غير المأهوله عدا من بضع منازل مُتباعده وكأن بينها حدوداً ساسيه غير قابله علىٰ التعدي، جميعها كانت تُعتبر لمُلاكها مصايف او مواطن للهدوء في فترات الاجازات لذلك هي خاليه مُعظم الشهور،
توقفت خُطاها بعد بضع خطوات، اسفل شجره اثل عجوزه، نظرت يُمناها حيث يستقر بالقُرب من منزلهم آخر يُقال بانه مملوكاً لابناء عم والدها الذين لم يحدث يوماً وان عرفتهم، جلست بجوار الشجره تُراقب خلو الاراضي من الحياه او الزرع، يبدو جلياً للعيان ان رحيل المالك قد احدّث شرخاً في وريثه فبهت لمعان الدُنيا في عينيه ..
ومَر بين الشرود وقتاً بدا قصيراً وان كان في الحقيقة عكس ذلك، بدأ النهار ينتهي وبينما الظلام يسدل استاره باستحياء فتحت دِجله فاهها بتعجُب، تُراقب ذلك الخيل القادم من بعيد وبدا في بداية الامر كسراب الضمآن ثم قصُرت المسافات حتىٰ اصبح شديد القُرب، نهضت تقف بإبتسامه تُراقب اتجاههُ اليها، تهتز مُقلتيها بفرط حماس وبدت مُتأمله جيده لوجه الخيل، وجسده الممشوق، لم ترفع عينيها ولو للحظه لرؤية من يمتطيه بل اكتفت بتأمل ذلك المخلوق الذي ولطالما عشقته واحبت جُل تفاصيله ..
توقف امامها تماماً كُحلم للتو تحقق او كخيال خضع للرغبه وبات ملموساً ويُرىٰ،
:مدي يدك، المسيه
اُقتطع تفكيرها وفرط سعادتها بذلك الصوت، ذاته المبحوح والعميق، لوهله ظنت انها لو رفعت رأسها لرأت تِلك البشره الشاحبه والعينين الحمراوتين نصب عينيها، ولكن لم يحدُث ذلك، زفرت حينما كان الخيّال ذو ملامح عربية اصيله، حِنطي ذو عينين سوداوتين واسعتين، وشعره كثيف اسود اللون مموجاً قليلاً، زمّت شفتيها تمتثل مادة اناملها الرفيعه حتىٰ لامست وجهُ الخيل ذو اللون الرمادي، ضحكت ضحكةً قصيره وهتفت بحُب وسعاده :اللّٰه، وش اسمه؟
:رماد
بهدوءٍ اجاب مُفصحاً عن اسم اطلقه علىٰ ذاك الحِصان تيمُناً بلونه الرمادي بينما يترجل عنه مُستقيماً بجواره، فنبست دِجله مُتعجبه عُقب ذلك قائله :ظنيت الخيول اسود وابيض وبُني، هالخيل غريب
صمت الشاب لثوانٍ، ثم نبس عُقبها :يشبهكِ
ابتلعت دِجله ريقها تُشيح ناظريها عنه، وبإمتعاضٍ هتفت :حدك عاد
قهقه بخفه قبل ان يُعلق موضحاً :ماهو بغزل، اقصد انكِ غريبه
رفعت دِجله احد حاجبيها تعود للنظر اليه نابسةً بسُخط :انت الغريب، انا دِجله بنت ناصر آل شاهين،بنت مالك هالدار وهالاراضي، انت منو؟
وبدا وكأن ماقالته قد اعجبه، حد اهتزاز بؤبؤي عينيه بشغف يُقرأ دونما عناء، تبّسم ومسح الارجاء بناظريه الثاقبتين، ثم قال مُفصحاً عن هويته :وانا غردام بن نيشم، مالك هالخيل وخيّاله
.
.
.
.
.
فافرح بأقصى ما استطعت
من الهدوء
لأنَّ موتا طائشًا
نسي الطريق إليك
من فرط الزحام
وأجّلَك.
كالعلقَم مرت الايام، ليث رحل وحل ذلك الخبر كالجِبال علىٰ صدر سند، ويشعر انه لو كان صخراً لفتته ذلك الكم العظيم من الحُزن، في آخر ايام العزاء الجميع حُوله حزينون، ويعلم يقيناً بان ليث سيُفتقد كثيراً من قِبل الجميع، ولاشك في انه الاعظم حُزناً ليس لكون ليث شقيقهُ فحسب بل لكونه يعلم بماذا عبَث ليث قبل مقتله، فمنذا يعلم كم عانىٰ قبل الرحيل؟
الصمتُ يسود المكان عدا مِن استغفار الالسن والحُوقله، لايوجد قريب دم حول سند سوىٰ اخواله فمابقي من اهل والده احداً سوىٰ ابن عمه، ذاته ناصر الذي توقف امام باب المجلس، ينظُر الجمع اليه بينما هو لاينظُر سوىٰ الىٰ سند، ولوهله بدا مُقاسماً لابن عمه ذات الحُزن والسقم، وفي حضرة الصمت دلف، بخُطىٰ هادئه، ثابته، وواثقه توجه نحو سند ذاته الذي وقف من مثبته يتبادلان صِفاحاً بارداً وعزاءاً لم يبدو كعزاء بل كسلام بين غُرباء ..
جلس بجواره ينظر للوجوه حُوله، للوطن في تقاسيمهم وشوقه اليه، لوالده في سبحات الرِجال ولروحه الغائبه من ذلك الحشد، ماذا لو كان والده هُنا، اكان سيبدو سند مُنكسراً الىٰ ذلك الحد؟
وبعد انفضاض الجمع، لم يتبقىٰ سواهما، ابناء عم والقرابة ليست الا تُهمه بعد دهراً من الخِصام والفِراق، تنهد ناصر وهتف مُستفهماً لعجبٍ زاره وكيف لا :ليث وش كان يسوي هناك؟
واخيراً وبعدما تجنب ذلك، نظر سند في عيني ناصر، واجاب مُتكهماً :كان لازم اتوقع، هذا هو السبب اللي جابك ماغيره
اطلق ناصر تأففاً ضجِراً وبرر ذلك قائلاً :جيت عزاء ولد عمي، رغم كل شي ياسند
فرفع سند احد حاجبيه مُتعجباً وهتف :رغم وش؟ انت ماتنازلت عن القضيه الا وانت تدري اني ماهو بأنا اللي قتلت ابوك
اومئ ناصر ونبس عُقب ذلك مُضيفاً :مالي غريم في مقتل ابوي، ابوي لعب بالنار نفسها اللي قتلت ليث هاللحين
بدا لسند ذلك الربط مُريباً صمت لثوانٍ طالت بينما عينيه بشتات تحوم في الارجاء، اكانت هي نفسها سببُ كُل ذلك؟
أُقتطع فِكره وشُل بقول ناصر الذي أكد لسند مايدور في رأسه :للحينها وراك؟، كل هالعمر ماحاولت تتخلص منها، ولا خفت ينتهي فيك المطاف مثل ابوي؟
توسعت عيني سند بتفاجئ، يُستحال ان يُرمىٰ ثِقل مقتل شقيقه علىٰ عاتقه كذلك، نهض من مثبته ساخطاً وهتف بقِل صبر راجياً ان يعود ناصر ادراجه عن ذلك الحديث :وش قصدك ياناصر؟
تبعه ناصر يستقيم بجواره ورفع سبابته ينقُر بها كتف سند بينما يؤكد اصرارهُ حيال قوله :مو بس ليث، راح تاخذ منك ناسك واحد ورا الثاني لو ماتتخلص من هالجُبن اللي فيك وتتعالج منها
بعدما انهىٰ ناصر قوله سار يعبُر سند متوقفاً خُطاه هُناك بجوار باب المجلس حينما هتف سند بعلوٍ نسبي قائلاً :ماشفتها من ذاك الوقت، من قبل يموت عمي ماجتني، اللي قاعد تقوله وهم
التف حينها ناصر نحوه وبإستفهام يعلم يقيناً بان سند لايملك اجابته :ووش تفسير مقتل ليث؟
دونما السماح لتردده ان يُسيطر عليه اجاب سند بحقيقة الامر هاتفاً :شاف جنيه هناك، تشبهت بشكل جنه
صمت ناصر لثوانٍ تنهد عُقبها يستفهم بركود نابساً :وراح يواجهها
وحينما مالقي من سند سوىٰ الصمت اردف مُستفهماً او رُبما مُعاتباً، ناهراً، ساخطاً :وليه ماقلت له انها عاشقتك من الجِن ولا ماجاء علىٰ بالك انها هي؟ ليه ماعلمته انها قتلت عمك، والله العالم وش كان مصير اختي!
وكذلك لم يُجيب سند، حينما بات الامر يُكلفه فوق طاقته وقُدرته، حينما بات عصياً عليه التأقلم مع ذلك الكم من الواقع المؤلم والاقرب منه للخيال غير القابل للتصديق عدا في عالمٍ من القِصص والافلام،
غادر ناصر وبقي سند في مكانه، يرجو من الله مزيداً من الثبات، او رُبما خلاصاً فما المرجو من عُمر باتت ثلاثة ارواحٍ مُعلقة به تُحكم خناقه يوماً عن يوم، وكأنما قد وِلد وحرامٌ عليه العيش ولكن لسببٍ ما وِلِد .
.
.
.
.
.
الفصل الرابع
فجراً، وبينما مازالت السماء مُظلمه بل الظلام يشتد في وداعٍ يليق بهيبته، الشُرفه مفتوحه والهواء يتلاعب بالستائر، هُناك ضياء خافت يُنير المكان آتياً بخجل من انوار الحديقه، دِجله تجلس علىٰ سريرها وبساعديها تضُم اقدامها اليها، عينيها تُمعنان النظر في ذلك القِط الاسود ذو العينين الحمراوتان، ذاته الذي يجلس بجوار باب الشُرفه يُبادلها ذات النظَرات..
تنهدت دِجله وبصوتٍ هادئ نبست تُحادثُه :في شي غريب هِنا ..
اشارت باناملها نحو قلبها ثم اردفت بذات الهدوء تُفسح العنان لذلك القلب بان يقود لِسانها :مو خايفه منك، ولا نافره، مدري شفيني بس كُل اللي اعرفه .. انك واحشني!
صمتت لثوانٍ رُبما غير مستوعبه مايتفوه به فؤادها وان كان لاريب فيه، ثم اكملت تُعاتب :ماتقدر تكلمني؟، ابي اعرف ليه رحت ذاك اليوم وليه عذبتني العام الماضي، ليه البارحه كانت عيونك زعلانه علي؟، انا شسويت غير اني كأنسانه طبيعيه خِفت هذاك اليوم .. بليك!
وختمت حديثها بذلك المُسمىٰ ذو الرائحه القديمه التي تأخذها في طوافٍ الىٰ اياماً مضت، الىٰ ذِكرىٰ الماقبل عامٍ من اليوم :
flash baak
تِلك الحيويه والجمال، رُبما لايليقان سوىٰ بها، فتبدو كبُستان مُزهر وفي كُل يومٍ يتورد ويتورد ويفوح في الكون عبيره، دلفت مساءاً بحيويتها بإبتسامها وإشراقتها، وحالما استقرت في مُنتصف الغُرفه نبست بعلوٍ نِسبي تميل برأسها :بليك؟
كانت دِجله في تِلك اللحظه تترقب خُروج قِطها الاسود الكئيب من تحت السرير او من خلف الدولاب، لكن ذلك لم يحدُث فتقدمت بضع خطواتٍ الىٰ الامام حيث باتت قُرب السرير ..
ابتلعت ريق فمها حينما ظهر لها ذلك الشعر الاسود الناعم، يُشبه كثيراً شعر بليك لكنه بدا عائداً لرأس احداً مايجلس ارضاً مُتكئاً علىٰ السرير، بعد تردُد وتعجُب نبست بخفوتٍ تستفهم :يُبه!
كان ذلك الاحتمال الوحيد الحسَن في الامر كون والدها يحمل ذات اللون من الشعر، ذلك قبل ان ينهض من مكانه فبدا لها طول قامته، عُرض منكبيه ومتانه جسده، يتوشح في كُل ملبسه بالسواد وكذا شعره الذي يصل الىٰ نهاية عُنقه كأنسياب الماء وارق، لم يلتفت اليها ولم تراه سوىٰ من الخلف..
تراجعت بخُطىٰ خائفه، مذعوره ترجو الهرب ولاسواه، لتقف في مثبتها حالما نبس بصوتٍ شديد البحه قائلاً :بليك
توسعت عيني دِجله والتفت هو يناولها فُرصة النظر الىٰ ملامحه، شبيه البشر تكتسي بشرته الشحوب كالأموات، شفتيه جافه، مُتشققه وكأنما قد مضىٰ عليه دهراً لم يرتشف شربة ماء، تغيب عينيه خلف سواد شعره المُنسدل حتىٰ مُنتصف انفه، تنهد وبدا بتِلك التنهيده يزفر فحيحاً من نارٍ يستقر في قاع قلبِه يُراقب ذُعر دِجله خوفها الشديد ووقوعها ارضاً علىٰ رُكبتيها وحتىٰ عجزها عن الصُراخ او الاستنجاد بأهلها ..
التفت جانباً حيث تقف احدىٰ فتياتُ عالمه بإبتسامةٍ شامته ومُنتصرةً فَرِحه، ثم اعاد ناظريه لدِجله ومن بين الخصلات بدا لها جلياً لمعان الاحمرار في عينيه، ونبس بذات الصوت المبحوح والحزين والذي بدا لوهله وكأنه صادراً من قُعر جُبٍ سحيق :احبك .. دِجله
ثم تراجع بخُطاه الىٰ الخلف رادفاً عُقبها قبل اختفاءه :كوني بخير
end flash baak
بدا وكأن ليس دِجله فقط من عادت الىٰ خِضم تِلك المواجهه فبليك ايضاً لمعَت عينيه بحُزنٍ يُشبه حُزنه الغريب في ذلك اليوم، سار علىٰ اقدامه الاربعه حتىٰ جِوار السرير، وتمدد هُناك بالقُرب من سرير دِجله كعادته في ايامٍ خوالِ، تنهدت دِجله ثم تمددت هي كذلك علىٰ سريرها وتلحفت، نظرت اليه لثوانٍ ثم اغمضت عينيها تعود ادراجها الىٰ النوم وكأن كل ماحدث ماكان سوىٰ حُلماً زار منامها
.
.
.
.
.
بذُعرٍ لم يُحسب لهُ حِساب توسعت عيني ليث، حينما ظهرت امامه جنه، عينيها تذرُف الدِماء ووجنتيها الورديتين محروقةً ناضِجه، في جبينها نُدبه لجُرحٍ تمّيزت بِه جنه ابنةُ عمه، لكنها شاحبه وجداً، ينسدل سواد شعرها علىٰ جانبيها مُتناقضاً مع بياض بشرتها وثوبها الناصع، ابتلع ريقهُ ونبس بخفوت وتهدج :جنه!
اومئت، تتبّسم عُقبها مُفرجة شفتيها، واشتد رُعبه حينما بدت اسنانها ظاهرة له، لاتُشبه اسنان البشر ولا جنه، بدت جميعها انياباً كخاصة الذِئاب والحيوانات، وفي تِلك اللحظه فقط آمن بأن تِلك ليست جنه .. وانه قد وقع في فخها مُستدرجَاً الىٰ قُعر الهلاك
تراجع بخُطاه نحو الخلف، لايوجد لديه اي جُرأه للسؤال عن مآل ابنة عمه ولو وجدها الان في ذلك المكان تطلُب جندته فلن يمتلك شجاعة مُساعدتها حتىٰ، لم تُبدِ تِلك الجِنيه اي حَراك بينما ليث يتراجع خطوه تِلو خِطوه، وفي الخِطوه الاخيره رأىٰ بطرف عينه سواداً يتحرك من جانبه سريعاً مر حتىٰ استقر خلفه، شاعراً بشيء كالقُماش يُلامس ظهره وساعديه المرفوعه اكمام القميص عنهما
اغمض عينيه يشعُر بتخدر اطرافه، غير قادر علىٰ التقدُم ولا العوده مُحاصراً بين الهلاك ومثيله، ثم تدريجياً شعر بالتفاف القُماش حوله حتىٰ بات كيدين تُحكمان القبض علىٰ كتفيه، حينها لم تبدو مقاومته كشيء يُذكر حينما قُيد الىٰ احدىٰ الزوايا بفِعل ذلك المخلوق الذي يستقر خلفهُ دون ان يراه، رأى تلاشي تِلك الجنيه والباب الذي فُتح، امام ناظريه دلف الحُارس يُضيئ المكان بمصباحه ولم يراه .. كان يشعُر بعجزه عن النُطق او الحراك وكأنما تِلك اليدين قد اصابته بالشلل، راقب مُغادرة الحُراس وابتعاد خطواتهما في الممر الساكن
مازال الباب مفتوحاً والجِنيه لم تظهر، تلاشت تِلك القوه من خلفه واختفىٰ من كان يُقيده، وبرُغم الخدر الذي يغزو اطرافه وجسده نهض ليث يستمد من فزعه بعض الطاقه تُعينه علىٰ المُغادره من ذلك المُستودع
بدا له وكأن الباب شديدُ البُعد ويبعد عنه الافاً من الامتار وترقرقت عينيه بالدمع مهلوعاً حينما شعر بخُطاها خلفه فدفع الباب يعدو خارجاً منه، ذلك قبل ان يقع ارضاً ويصرّخ بعلوٍ ومن صلب الماً لايُحتمّل، نظر لساقه المُصابه والدماء تتدفق منها، ورفع ناظريه اليها تقف علىٰ بُعد خطواتٍ منه مُبتسمه واناملها تتقاطر منها الدِماء، ذاتها دِمائه بعدما اصابته بشقٍ وكأنما سكيناً احدثته، مسح دمعهُ المُثقِل عينيه بساعده ونهض يُكمل طريقه ..
اعرجاً باكياً ومُخضباً بالدماء خُطاه مُسرعه، يعدو وكأنه هارب من جُدران مُتحركه تُسابقه لسحق جسده بينها، بقي مِصباحهُ خلفه والظُلمه تُحاوط مسلكه وكان فُقدانه لنفسه وشيكاً لولا ان وصلت قدماه الىٰ خارج ارض الشرِكه، ورُغم ذلك مازال يشعُر بتِلك الخُطىٰ خلفه وتلاحقه حتىٰ توسطت قدماه ارض طريق السيارات ..
علّت في الارجاء صرختهُ حينما تراءى لعينيه ضياء السياره الذي اخترق بصره، ولم تتوقف حتىٰ بعدما طار جسده في الهواء يرتطم عُقبها ارضاً ونهراً من الدِماء يتدفق من رأسه ذاته الذي انطوىٰ بِه شريطاً يحوي صوراً واصوات، وجُمل شكلت فارقاً يوماً في حياته وعند النهايه شعر بسخافة الأزمات والمواقف يبدو كُل شيء مُقارنة بهاته اللحظه .. لاشيء ودونما قيمه
.
.
.
.
.
إني فتىً كالبرتقالة شاحبٌ
والبرتقالة لا تَخاف
لكنّما ..
يصْفرّ وجه البُرتقالة
كُلما قرُب القطاف .
