en
Feedback
Multifarious Writings

Multifarious Writings

Open in Telegram

I jot down stuff when possible

Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
1 036
Subscribers
-124 hours
+107 days
+3130 days
Posts Archive
أحدث الإيمان بالثواب والعقاب الإلهيين ثورة في المنظومة الاجتماعية من خلال ترسيخ فكرة المسؤولية أمام الله، المسئولية التي تفترض قدرا من الاستقلالية الفردية، وإلا على ماذا سيحاسب المرء أصلا؟. قديما في العصور القديمة المتأخرة (Late antiquity) كان ينظر إلى حق احتكار جنسانية المرأة كسلعة يملكها الوالد ثم الأخوة ثم الأقرباء الذكور، والزوج فيما بعد، ولذلك عندما كان يتم تزويج المرأة في هذا العصر، يدفع العريس مهرا لوالدها أو غيره من الأقارب الذكور، ليحتكر هذه السلعة، وبالتالي حق الإنجاب. في هذا السياق، هيمن على الزواج نظام يمكن أن نعده دنيويا صرفا، حيث يتم التعامل مع حق الهيمنة الجنسية على أساس القرابة. أما بعد هيمنة الرؤية الثيوقراطية التوحيدية على كافة مناحي الحياة، وترسيخ الإيمان بالمسؤولية الفردية التي يفترضها الثواب والعقاب، أُدخلت المرأة في المعادلة باعتبارها مسؤولة أمام الله، وفي سياق منظومة الزواج، اكتسبت الجنسانية نوعا من الاستقلالية عن المنظومة الاجتماعية (استقلال جزئي طبعا)، فعلى النقيض من الرؤية القديمة التي حيّدت المرأة من الموضوع تماما، أدخلت الرؤية الثيوقراطية فكرة أن المرأة أيضا مسئولة عن حياتها الجنسية لأنها ستحاسب عليها في الآخرة. بناء على ذلك، تحوّل المهر في الأنظمة التي احتفظت بهذا الإرث (الأنظمة الإسلامية) إلى شيء يُقدم للزوجة نفسها وليس لأهلها أو أقاربها. كانت هيمنة النظام الثيوقراطي عملية تدريجية، فقبل الإسلام مثلا كانت الثيوقراطية موجودة لكن لم يكن هذا التحوّل قد تبلور تماما. وهناك من يرى أن هذا التحوّل هو تحديث أدخله الإسلام (هارالد موتزكي) إلى المنطقة، إذ يقر أنه على الرغم من وجود تحول ثيوقراطي سابق، وحده الإسلام هو الذي تطرق إلى هذه النقطة تحديدا بإسهاب. بالطبع حتى بعد أسلمة المنطقة تماما، ظل النظام التقليدي "القديم" مهيمنا في نواح كثيرة، لأن الإسلام ظل لفترة لا بأس بها دين النخبة الحاكمة، وكان السواد الأعظم من سكان المنطقة يحتكمون بأنظمتهم القديمة، خصوصا في المناطق البعيدة عن المراكز الإسلامية، ولهذا حتى يومنا هذا، لا زال التصوّر "الدنيوي" مهيمنا في أماكن كثيرة. بالطبع فكرة المسؤولية الفردية هذه ليست إسلامية فقط، وإنما ثيوقراطية حاضرة في كافة الأديان التي تقر بأولوية المسؤولية الفردية أمام الله على أي نظام اجتماعي. هذه المسؤولية لم تكن معروفة قبل هذا التحوّل الثيوقراطي، التحوّل الذي بدونه كان من المستحيل أن نتحدث عن مسؤولية فردية تشمل البشر على اختلافات طبقاتهم. في هذا السياق، تُعد الحرية الجنسية الحديثة بمثابة احتفاظ بالمسؤولية الفردية التي رسختها الثيوقراطية الدينية، مع تحييد تام للإله ونفي الثواب والعقاب. في التصوّر الوثني القديم للعالم، كان الحديث عن وجود مسئولية فردية لكل فرد من أفراد المجتمع ضربا من ضروب الجنون، ولهذا فُرضت وصاية على كافة فئات المجتمع عدا النخبة الأرستقراطية التي كانت حكرا على الرجال النبلاء وحدهم. لا يقصد بذلك طبعا أن الثيوقراطية دمرت الرؤية الأرستقراطية للعالم، بل أنها حيدتها ورسخت قدرا من الاستقلالية، وفرضت حقوقا لكل فئة من فئات المجتمع، وجعلت الأرستقراطية مرتبطة بالوصاية المحكومة بالثيوقراطية حكما صريحا. ففي الإسلام مثلا، يظل السلطان وصيا على المجتمع، حتى إن كان فاسقا لا تنتفي وصايته، مادام يقر بهذه الثيوقراطية. لم يحيّد التحوّل الثيوقراطي الأرستقراطية لكنه ربطها بالإله، فغدت رعاية الفئات المستضعفة مسؤولية أمام الله تحاسب عليها الفئات المتسيّدة، وتم الفصل بين هذه المسئولية وبين حق الاحتكار الكلي، الذي هو لله وحده في الرؤية الثيوقراطية.

من الأمور الطريفة في النقاشات الثقافية العربية المعاصرة إصرار العلمانيين على اتهام غير العلمانيين بالتأخر الزمني والثقافي، رغم أنهم يتحدثون عن العلمانية وكأننا نعيش في عصر فولتير. هناك طفرة كبيرة في فهم العلمانية حدثت في آخر قرنين، وهي تتمحور حول سؤال "هل العلمانية علمانية أصلا في المقام الأول؟"، أو بكلمات أخرى، "هل يمكن تصوّر وجود علمانية صافية لا تمت بصلة للمسلمات الميتافيزيقية والثقافية المسيحية التي جعلتها ممكنة في المقام الأول؟". من الصعب حاليا الحديث عن وجود استقلالية خاصة للعلمانية تجعلها تجربة كونيّة من الممكن توحيدها على كافة البلدان بنفس الطريقة، وحتى إمكانية العلمانية الخصوصية هي مجرد تحايل نظرا لتباين طبيعة المسلمات التي تجعل الحديث عن العلمانية ممكنا أصلا. بالنسبة للإغريق والرومان مثلا، لم يكن سؤال العلمانية مطروحا، لأن الفصل بين المملكة الدينية والمملكة الدنيوية لم يكن قد حدد بعد، والأمر نفسه ينطبق على كل الحضارات اللامسيحية، فمن الصعب تحديد تجربة تاريخية وُجد فيها أي نمط مشابه للعلمانية. صحيح أن فكرة وجود عالمين لا تنفرد بها المسيحية، لكن لا يوجد دين شدد على هذا الفصل بنفس القدر على الإطلاق، وطبعا لا يقصد بذلك أن المسيحية هي العلمانية، بل أن المسيحية وضعت شروط إمكانية الحديث عن نطاق "علماني"، النطاق الذي توسع وغدا مستقلا بفعل ظروف تاريخية محددة. والأكثر طرافة الحجج الشائعة التي تُقدم لأجل تبرير العلمانية في سياقات غير مسيحية، مثل أن الدين شيء بين العبد وربه، أو دع الخلق للخالق وما إلى ذلك من الحجج التي تستند إلى الحساب الإلهي، في نفس الوقت الذي يتم التأكيد فيه على ضرورة تنحية الدين جانبا وتأسيس نظام دنيوي تماما لتنظيم حياة الناس. بالطبع كل هذا ونحن لم نتعرض بعد للأسئلة الجوهرية الضرورية لبناء أي تنظيم بشري، كسؤال الحقوق ومصدرها، أو غاية هذا التنظيم أصلا، أعنى المسلمات الأساسية التي يبنى عليها التنظيم: أيوجد ما يجبرنا على تبني نظرية كرامة الإنسان سوى التحيّزات "الدينية"؟ ما الذي يدفعنا لقبول هذه الحمولة الميتافيزيقية التي لم تكن معروفة أصلا قبل ظهور شكل معين من أشكال التدين في حقبة تاريخية معينة سوى أننا لا زلنا محكومين بنفس الدين الذي نريد تنحيته جانبا من بعض جوانب التنظيم الاجتماعي؟ لن تجد إجابة غير دينية لهذا التساؤل أبدا. في المجمل، الحجج الأقوى ضد العلمانية هي التي تسعى إلى تبيين عدم وجود تلك العلمانية "المحايدة" بالصورة التي يتم تقديمها، من خلال توضيح جذورها التاريخية الدينية ونزع صفة الكونيّة عنها. المشكلة لا تتعلق بأن العلمانية ستؤدي إلى تنظيم اجتماعي أسوأ، لأنها من الممكن في ظروف معينة أن تقود إلى تنظيم اجتماعي أفضل، وهذا ما اعترفت به الفئات الإسلامية المغلوبة على أمرها بعد أن وجدت استحالة فرض الهيمنة. وإنما السؤال الأساسي هو: "هل العلمانية المحايدة تلك موجودة أصلا أم لا؟"

التركيز على المحتوى السياسي وحده بات مملا وغير ذي فائدة، خصوصا بعد أن تعرضنا لكافة المسائل الجوهرية هنا وعلى القنوات السابقة وبعد رفع عشرات الأعمال التي تناقش هذه القضايا من كل زاوية ممكنة. لذلك، سأقلل المحتوى السياسي الخالص قدر الإمكان، وسيقتصر التعرض له على الأبعاد الفلسفية والثقافية. لم تعد غاية هذه القناة الترويج لاتجاهات معينة بقدر ما هي مكان لمشاركة المحتوى الذي أهتم به عموما، ومن الآن فصاعدا لن اتقيد بمحتوى محدد.

"الدهر شر كله مفصله ومجمله، إن أضحك ساعة أبكى سنة، وإن أتى بسيئة جعلها سنّة، ومن أراد منه غير هذا سيرة، أراد من الأعمى عينا ب
"الدهر شر كله مفصله ومجمله، إن أضحك ساعة أبكى سنة، وإن أتى بسيئة جعلها سنّة، ومن أراد منه غير هذا سيرة، أراد من الأعمى عينا بصيرة، ومن ابتغى منه الرعاية، ابتغى من الغول الهداية." ـــــ قابُوس بن وَشْمگير (رابع ملوك الزيارين: آل زيار: سلالة من الديلم حكمت في شمال إيران 927-1090 م)

The_Philosophy_of_Technology_The_Technological_Condition_An_Anthology.pdf5.34 MB

كان الشاعر الفارسي يذم العمل لأنه يبدو في عالمه كنشاط تافه يمجد الدنيا الزائلة، لأنه بدا له في "عالمه" كشيء يجسّد التعلق بوضع حقير، أما الإنسان الحديث- أيا كانت عقيدته ورؤيته فهي لم تعد مهمة بعد أن أفسدتها الحداثة - فهو يمجّد العمل لأنه مرتبط بالأفق التقدمي حيث ينظر إلى التاريخ كشيء يسير نحو وضع أفضل من حيث الرخاء والوفرة (الفردوس المُعلمَن). طبعا عندما يجرّ الجدال ذيله بين الناس في معظم نقاشاتهم الأيديولوجية التي يراد من خلالالها تحقيق غايات محددة أو انتقاد وضع ما، بعد أن ظنوا طبعا أنهم بلغوا أعلى مراحل التفكير النقدي، يتم التعامل مع كافة القضايا بوضوح تام كأنها "بديهية" تماما، ومن ثم يقسمون أنفسهم إلى رجعيين وتقدميين ويمين ويسار وشرق وغرب، وفي واقع الأمر، كل التيارات على اختلافات توجهاتها تستمد نظرتها للأمور من نفس الأفق. والطريف أنهم يعدّون أنفسهم في وضع أفضل من أسلافهم الذين حصروا نقاشاتهم في مسائل تنحصر في مرجعية واحدة. ٥

بالطبع لم يفهم التحديثيين هذه النقطة جيدا، وانصب تركيزهم على البعد المادي للحداثة، التي كانت مدفوعة أصلا بأسباب مرتبطة بالخسائر العسكرية والتخلف التقني الذي ضيع الأراضي الإسلامية، فكان همهم استعادة المجد الغابر أكثر من أي شيء، لكنهم لم يفهموا أن الماكينة الأوروبية ليست شيئا "محايدا"، بل ترتبط بسياق كامل – فلسفي ولاهوتي وفكري وثقافي – وكذلك طرّ الأشياء المستوردة، بداية من الدساتير والقوانين والمؤسسات وحتى أبسط المنتجات المادية. آنذاك للتغلب على هذه "الممانعة" الثقافية، أعادت النخبة العثمانية تأويل التراث القديم ليوافق الثقافة المستوردة، والعقلية التقدمية الانتاجية الحديثة التي تعظم من شأن العمل وتعلي مكانته. وتم هذا على نحو شامل عبر وسائل كثيرة منها ما استند إلى القوة صراحة ومنها ما اقتصر على الوسائل الناعمة. سأذكر مثالا يوضح النهج الذي سار عليه هذا التحوّل: نُشر في إحدى الصحف العثمانية لتشجيع العامة وحثهم على العمل رسالة لشيخ الإسلام ابن كمال الذي تولى أعلى منصب ديني في عهد السلطان سليم الأولى، موضوعها "الكسل"، كُتبت ردا على الجماعات الصوفية القلندرية التي ذمت كل أشكال العمل ذما شبه ديني وفضلت التسوّل عليه، أي أن موضوعها يقتصر على سياق ديني محدد لا علاقة له بالسياق المستورد، المرتبط بالرؤية التقدمية التنويرية ذات الخلفية المذكورة أعلاه (طبعا لا نقصد وجود خلفية موّحدة، بل سياق ثقافي غير متجانس)، فالكسل الذي قصده شيخ الإسلام ليس هو الكسل الذي رأته السلطة العثمانية من الناس الرافضين لنمط الإنتاج الحديث، فما حدث إذا هو تحوير وتلاعب بكلام ينتمي إلى سياق مختلف تماما. ما حدث مع رسالة ابن كمال هو ما حدث في عصور التحديث بوجه عام، لن نقول أن المؤسسات والأنظمة تغيرت فحسب، فهذا أمر جزئي، بل ما تغير أساسا، وهو الأهم، هو الخلفية الثقافية التي تُستقى منها الدلالات، فلم يعد "العمل" هو العمل بالمعنى المعهود، فالأول ينتمي إلى كون فيه إقرار ضمني بحرية فردية وبتصور معين عن الإرادة البشرية وعن مسار التاريخ ووظيفة الإنسان في الكون، والثاني ينتمي إلى كون يميل إلى التسليم الكلي للقدر والإرادة الإلهية. لهذا على سبيل الكلام، يُرى المسلم المعاصر كلام العلماء التقليديين عن ضرورة الفقر كجزء من الوضع الإنساني كشيء غير مقبول، مع أن قبله من شهد ظروفا أشد وطأة مما يمر به الآن، لهذا تبددت خصال كالقبول والرضا بمجرد هيمنة التصورات الحداثية عن الكون وموضع الإنسان فيه، ربما ظل الناس على عقائدهم اسميا، لكن آفاقهم تنتمي إلى إطار مناقض تماما. طبعا لا نعني أنه بالضرورة يجب على الشخص أن يعرف ماهية الحداثة وما تشمله من رؤى وفلسفات وتصورات ليكون على هذا النحو، أو أن يتبنى أيدولوجية حداثية مثلا، فالمؤسسات التي تهندس أفق الإنسان المعاصر محددة بهذا السياق. عندما يخرج رئيس بوذي أو مسلم أو أيا كان، ليتحدث عن ضرورة العمل والنهوض بالأمة، فهو لا يستند ضمنيا إلى دينه التقليدي، وإنما يستند إلى "التحوير" الذي استوعبت به بلاده الأفق الحديث وصارت به حداثية وإن سميت بمصطلحات وكلمات تقليدية. هذا الأمر لا ينطبق على العمل فحسب، بل على كل المفاهيم بنسب متفاوتة. فالفرد الحديث أيا كان إيمانه، هو وظيفيا حداثي ليبرالي، يعيش كـ"مواطن" وتتحدد آفاقه وتطلعاته الشخصية ضمن هذا الإطار الذي تطوّر في سياق ثقافي "أوروبي" ثم تم تعميمه على العالم بأسره في عصر الإمبريالية. ما أردت أن أقوله أن كافة المفاهيم والتصورات لا تقال هكذا في الهواء، ليست حرة من التصورات المسبقة، وهذه التصورات دائما مرتبطة بآفاق ثقافية مختلفة، تمتد لتشمل كافة جوانب الأنشطة البشرية والمؤسسات التي تنظمها وتقعّد أسسها. يُقال أن المؤسسات الحديثة مصممة لتستوعب كافة العقائد والانتمائات وما إلى ذلك، لكنها في واقع الأمر، تفرض نموذجا موحدا من الناحية الفعلية والتطبيقية، وتشوه العقائد والانتمائات التقليدية، فيسود نمط واحد في نهاية الأمر، ومهما تباينت الأيديولوجيات تظل هناك خلفية واحدة تحكم هذا الوحدة المزعومة. طبعا عن التعرض للإسمانيّة والبروتستانتية والإنسانوية لم نوف الأمور حقها، فهذه المسائل كما ذكرت آنفا متشعبة جدا، وإنما المراد من ذلك كان تبيين أن الإنسان المسيحي في العصور الوسطى ليس هو إنسان عصر النهضة، وكلاهما يختلف عن الإنسان المسلم أو البوذي أو الإغريقي إلخ، ما تحسبه أنت كفرد حديث "بديهي" وصاف من الأحكام المسبقة هو في حقيقته تصور خصوصي لا يصح تعميمه، وإن عممته فأنت تمارس نوعا من العنف الثقافي، عنف يفوق العنف العسكري الذي يبيد البلاد عن بكرة أبيها، لأنك بذلك تفرض عالمك الخاص. لم يكن التعرض للتحولات المفاهيمية تعرضا كافيا كما قلت، فالغاية من المنشور أصلا ليست شرح ما طرأ على المفاهيم من تغير على نحو تفصيلي، بل تبيين الكيفية التي تُستمد من المعاني والدلالات في سياق حضاري معين. ٤

بادئ ذي بدء، ساد المذهب الأسمى في إنكلترا، وذاع صيته في البلدان البروتستانتية وتدريجيا غدا هو المصفوفة الفلسفية للعصر الجديد: في الدين (العلاقات الفردية للإنسان مع الله)، في العلم (الذرية والمادية)، في السياسة (الشروط المسبقة للديمقراطية البرجوازية)، في الاقتصاد (السوق والملكية الخاصة)، في الأخلاق (النفعية، الفردية، النسبية، البراغماتية)، إلخ."" (ألكسندر دوغين) بالتوازي مع الأسمانية (الخلفية الأنطولوجية) والإنسانوية (الخلفية الثقافية والروحية)، جاء عصر الإصلاح الديني بفكرة جديدة عن العمل تناقض الرؤية الكاثوليكية التي ورث تحقير العمل من العالم القديم وفهمته في إطار الخطيئة الأصلية ودونية هذا العالم، مفادها أن النجاح في العمل علامة على الخلاص الشخصي، وبذلك أخذ العمل مكانة ميتافيزيقية ودينية سامية حيث ارتبط بالغاية النهائية من هذا الوجود بأسره، فالمسيحي لا يطمع في شيء سوى الخلاص، كما يطمع الوثني النوردي في الفالهالها والمسلم في الجنة وكما يسعى البوذي والهندوسي إلى التحرر، لكن لا الوثني ولا المسلم ولا البوذي ولا الهندوسي يرى في العمل شيئا مرتبطا بالغاية العظمى لهذا الوجود، أي أن ارتباط العمل بالخلاص، على اختلاف مسمياته رؤية خصوصية تقتصر على مذهب ديني محدد وثقافة معينة مرتبطة به. المقصد من كل هذا الكلام، أن العمل، كأي نشاط بشري، لا يأخذ قيمته من ذاته، أو من أبعاده المادية، بل من ارتباطه برؤية كونيّة (worldview) معينة، وعلى هذه الرؤية تُبنى المؤسسات وتتفرع الأنشطة وتستمد قيمتها. بالطبع عند التعرض للأنطولوجيا الاسمانية أو لإنسانوية بترارك أو للبروتستانتية فهذا مجرد مرور سطحي، فالمكان هاهنا لا يسع التفرع في مثل هذه المسائل، بالاضافة إلى أن تبيين العلاقة بين التحولات اللاهوتية والفكرية والفلسفية وما يقابلها من تحولات ثقافية وأنشطة مسألة عويصة لا يوفيها إلا المختصين، ونحن عندما نتعرض لهذه المسائل نستند على أعمالهم في المقام الأول، وبالطبع عند التعمق في هذه الأعمال نجد اختلافات متعلقة بأمور في غاية التقنية، لكن على الرغم من ذلك، لا تعارض بين الفكرة الأساسية لهذا المنشور وبين هذه الاختلافات، وفي كل الأحوال، سيقتصر الخلاف على أمور لن تخل بالتصور العام. بالإضافة إلى تلك التحولات المذكورة، لعب المفهوم التقدمي للتاريخ نقطة الإتصال التي ربطت التأكيد على إرادة الإنسان الحرة واستقلاليته الخاصة (الإنسانوية) وارتباط العمل بالغاية النهائية للوجود الإنساني (البروتستانتية)، وبلغ هذا المفهوم أوجه في الأيدولوجيات الحديثة التي علمنت الرؤية التاريخية المسيحية التي تنظر إلى التاريخ كخط يسير إلى غاية محددة بدلا من الرؤية الدورية للتاريخ (العصور الأربعة). كمثال، الليبرالية لا معنى لها إلا في ضوء هذا السياق اللاهوتي والثقافي- التي لا يجب أن يُنظر إليها كوحدة متجانسة مع ذلك- فالليبرالية لا تهم الإنسان الجبري الذي يرى نفسه مجرد دمية تحركها الآلهة، ولا معنى لها في ضوء الرؤى الوثنية القديمة، وهي بالتأكيد غير مفهومة في ضوء الرؤية الدورية للتاريخ، وباطلة من منظور أنطولوجي "واقعي" يقر بالكليات، وغير علمية من منظور وضعي يرى في "حالة الطبيعة" أسطورة لم تحدث تاريخيا. أي في المجمل، لا معنى لمسلمات الليبرالية، أو أي أيدولوجيا من الأيديولوجيات الحديثة، إلا في ضوء رؤية كونية سابقة، وفي هذا الصدد، تحددت الرؤية الكونية التي تفرعت منها الخلفيات الأيديولوجية الحديثة في ضوء الثقافة المسيحية وما شملته من خلافات لاهوتية وثقافية. وليست تلك الأشياء بتصورات بديهية مستمدة من مسلمات عقلية كما يروَّج في أيامنا هذه. رجوعا إلى العمل والخلفية الفلسفية والروحية المرتبطة به في سياقنا نحن تحديدا: إبّان عهد الإصلاحات في الدولة العثمانية المتأخرة، وجدت الدولة نفسها في مواجهة مشكلة عويصة بخصوص التحولات الاقتصادية المراد تطبيقها، فعلى الرغم من قدرة الدولة آنذاك على استيراد الماكينات الأوروبية، كان هناك عائق أكبر يمنع المجتمعات العثمانية من فهم غاية هذه الأشياء فهما أوروبيا خالصا، وهو اختلاف الأفق المهيمن، فبالنسبة للإنسان العثماني المسلم ليس الإنسان هو ذاك الكائن صاحب الإرادة الحرة التي يسعى إلى تحقيق خلاصه بصورة علمانية حديثة من خلال المؤسسات المستوردة، وليس العمل شيئا قيما كما هو في انكلترا أو ألمانيا، إذ لا يرتبط بالغاية العظمى لهذا الوجود، وليس النشاط الاقتصادي بصورته الحديثة بأمر راسخ عنده أصلا كما عند سكان البندقية أو الأراضي المنخفضة أو انكلترا والبلدان التي سادت البحار وأسست شبكات تجارة عالمية. في المجمل، كان هذا التحول العثماني بمثابة فرض رؤية كونية شاملة على عالم لا يعرف شيئا عن الخلفيات الروحية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا النظام المفروض، فبدا الأمر وكأن لغة جديدة تُفرض عليه عنوة. ٣

" اعتقد بيترارك بأن الحياة المسيحية لا تتطلب مجرد إيمان ومناسك بل ممارسات أخلاقية أيضا، وأن هذا الشكل من الأخلاق لا يتحقق إلا من خلال فهم أعمق لما يعني أن تكون انسانا وهذا لا يستوحى من الكتاب المقدس فحسب بل من النماذج الاخلاقية للعصور القديمة. نحى بالتالي إلى احياء حب الشرف والجمال كدوافع بشرية مرموقة، في تناقض حاد مع التورع المسيحي في أواخر العصور الوسطى. على الرغم من أن فكره ظل مسيحياً بشكل عام، إلا أنه استوحى مفهوما جديدا للإنسان بقيم جديدة، لا بوصفه مواطنا في مدينة الدولة أو الجمهورية ولكن كموجود شخصي كامل مستقل له سيادته المطلقة. ميّز بيترارك بأن مثل هؤلاء الأفراد قد يحيطون أنفسهم بأصدقاء أو ينضمون إلى آخرين كمواطنين، ولكنه كان مقتنعاً بأنهم يستطيعون فعل ذلك على أكمل وجه إذا ما كانوا أفرادا مستقلين في البداية. كان هذا المثال للفردانية البشرية الذي ألهم الحركة الإنسانوية. لم يكن مثل هذا التركيز على الفرد في العالم القديم معهوداً . فلم يكن النموذج المثالي للفنان والمواطن الاغريقي في تكوين سمة الفرد أو شخصيته ولكن من خلال استيعابه لنموذج مثالي. لم يضع بيترارك وأتباعه الإنسانويين الإنسان بحد ذاته كمركز للأشياء بل وضعوا الإنسان بوصفه فرداً، ومن هذا المنطلق فقد دانوا للإسمانيين أنطولوجياً أكثر من العصور القديمة. فالفرد بالنسبة للإنسانويين ليس حيواناً ناطقاً يقف على قمة الخلق. فقد اعتقد الانسانويين حالهم كحال اوكهام بأن البشر لا يمتلكون تكويناً أو غاية طبيعية. بالتالي فقد توصلوا أيضاً إلى أن ما يميز البشر هو إرادتهم الحرة. وهذه الإرادة كما استوعبتها الانسانوية تختلف في اعتبار جوهري عن الإرادة التي عزاها اوكهام والاسمانيون للبشر. فهي ليست مجرد إرادة مخلوقة ولكنها إرادة خالقة بنفسها. فقد منح الإله البشر القدرة على الإرادة، ثم يقومون بتكوين أنفسهم بالطريقة التي يشاؤون. هذا المفهوم عن الموجود المريد بذاته شبيه جدا بالإله الاسماني. فهذا الإنسان صانعٌ حاله كحال الإله الذي خلقه، ولكنه صانعٌ يتجلى بديع صنعه في ذاته، هو شاعر بالمعنى الحرفي للمصطلح، قادر على الانتماء إلى أي موجود وتحويل نفسه إلى أي واحد منهم." (آلين غيليسبي) مثلّت الرؤية الإنسانوية المتفرعة من المسيحية تحولا راديكاليا في مفهوم الفرد، تحول عزز مكانة الإختيار الحر والضمير، وأعاد تأويل التراث الإغريقي والروماني على نحو مسيحي ليؤسس لصورة جديدة من الاستقلالية الفردية، وعلى الرغم من أن التصورات القديمة عن القدر والعناية الإلهية ظلت حاضرة، باتت بالتدريج أقل هيمنة مما سبق نظرا لتوسيع نطاق الإنسان وإرادته الحرة. هذه النزعة الفردانية امتلكت أساسا أنطولوجيا في اللاهوت الاسماني الذي جاء بفكرة مفادها أن الكليات مجرد مفاهيم خاوية لا أصل لها في الواقع، تلك الأنطولوجيا التي تطوّرت تدريجيا وهيمنت إلى أن شكلت المصفوفة الفلسفية للحداثة وأيدولوجياتها المختلفة، وخصوصا الرأسمالية الليبرالية التي توجت المشروع الحداثي بعد أن صمدت في وجه القومية والشيوعية: "ترجع جذور النظام الليبرالي (الرأسمالي) إلى الجدل المدرسي حول مسألة الكليات. قسم هذا الجَدَل لاهوتيي الكاثوليكية إلى فريقين: أقر البعض بوجود الكليات المشتركة (الأنواع، الأجناس، الأسماء الكلية)، والبعض الآخر آمن بالأشياء الملموسة الفردية فقط، وفسروا الأسماء التعميمية كأنظمة تصنيف خارجية اصطلاحية بحته، تمثل "كلمات فارغة". أولئك الذين صدقوا على وجود العمومِيّ استندوا إلى تقاليد أرسطو وأفلاطون الكلاسيكية، وأطلق عليهم اسم "الواقعيين"، أي أولئك الذين صدقوا بواقعية الكليات. كان توما الأكويني أبرز ممثلي هؤلاء الواقعيين، وبوجه العموم، كان هذا تقليد الرهبان الدومينيكان. أصبح مناصرو فكرة أن الأشياء والموجودات الفردية هي الحقيقية يدعون بالأسميين. يرجع طلب أنه لا ينبغي الإكثار من شيء إذا لم تقتضي الضرورة ذلك (نصل أوكام) إلى واحد من أنصار المذهب الأسمي الكبار، وهو الفيلسوف الإنكليزي ويليام الأوكامي. وحتى قبل ذلك، دعمت نفس الفكرة من قبل روسيلنيوس ( فيلسوف مدرسي فرنسي). وعلى الرغم من أن الواقعيين قد كسبوا المرحلة الأولى من الصراع وأن تعاليم "الأسميين" قد تم تحريمها، فيما بعد، تبعت الفلسفة الغربية الأوروبية - خاصة فلسفة العصر الجديد - نهج الأوكامي. أرسى المذهب الأسمى أساس ما أصبح في المستقبل الليبرالية، على الصعيدين الأيديولوجي والاقتصادي. ههنا اعتبر البشر أنهم مجرد أفراد لا أكثر، وأنه ينبغي إلغاء كل صور الهوية الجماعية (الدين، الطبقة، إلخ). بِالمِثل، كان يُنظر إلى الشيء على أنه ملكية خاصة مطلقة، باعتباره شيئا ملموسا ومنفصلا يمكن بسهولة أن يُنسب كملكية لهذا المالك الفردي أو ذاك. ٢

تستمد الأنشطة البشرية معانيها ودلالاتها وقيمتها من رؤية أولية تكون راسخة ثقافيا فتظهر للفرد في حياته اليومية كبديهات خالصة لا مراء فيها، ومنزلة هذه الرؤية من الأنشطة والمؤسسات التي تنظمها كمنزلة المخرج الذي ينظم العمل السينمائي ويُشرف عليه ويحدد إطاره إن شبهنا المجتمع في عمومه بما يشمله من أنشطة ومؤسسات بهذا العمل الفني. لتوضيح هذه النقطة، فلنأخذ "العمل" كمثال: في الرؤى التقليدية المعهودة في الحضارات القديمة، عُدّ العمل في حد ذاته مشقة مذمومة تنبع من الحاجة، فهو ضرورة بقدر ما يكون المرء مقيدا ومحتاجا، وهذا وضع معيب في حد ذاته، وإن نظرنا إليه في عمومه وجدنا أن طرّ المخلوقات مقيدة به بصورة أو بأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر، أي أنه، إلى حد كبير، جزء من الحالة الإنسانية. لكنه وإن كان كذلك، ظل مذموما ومعيبا، ففي التنظيمات الاجتماعية التقليدية، نجد أسمى الفئات وأعلاها منزلة هي تلك التي تنحصر علاقتها بالعمل في إطار ضيق جدا، أو في حالات نادرة، تنتفي تماما، أما الفئات التي يشترط وجودها بوجود العمل فهي في أسفل مكانة، فالعامل بيديه على سبيل المثال، عُدّ أسفل السافلين، والذي لا يملك زمام أمره فيما يخص العمل عدّ من العبيد أو المماليك، إلخ. إذا، في هذه الرؤى التقليدية، ارتبط مقدار العمل بالمنزلة الاجتماعية، فكلما زاد كلما انحط قدر المرء، والعكس بالعكس. ثمة تفسيرات اقتصادية واجتماعية متباينة سعت إلى تفكيك بنية هذه الأنظمة والرؤى المُشكلة لها، فالماركسي، مثلا، بدافع من رؤيته المادية والاقتصادوية، سيختزل المسألة برمتها في أنماط الانتاج والخلفية الاقتصادية للمجتمع. طبعا ليس المقصود أن التفسير الماركسي باطل في مجمله، بل هو محدود من حيث أنه لا يقيم أي وزن للعوامل الأخرى ويردها إلى بُعدها الاقتصادي والمادي بصورة أوليّة. لم يكن العمل مذموما بالنسبة لتلك الحضارات لأن " جماعة من الوحوش الكواسر شقراء البشرة" سادت وفرضت نفسها ورسخت سلطانها وعقيدتها واستعبدت الفئة المغلوبة على أمرها فحسب فما من جماعة إلا وهي مدفوعة برؤية محددة تحدد أفعالها على أرض الواقع، بل كان مذموما في ضوء وجود رؤية محددة عن ماهية الإنسان وسبب وجوده في هذا العالم في المقام الأول. نظرة الحضارات القديمة لهذا العالم عدّته سقوطا من حالة أعلى (الساتيا يوغا عند الهنود، العصر الذهبي عند الإغريق، الفردوس في الأديان الإبراهيمية)، والدين في حد ذاته على اختلاف مسمياته عُدّ بمثابة سبيل لإعادة الاتصال مع شيء قد فقده الإنسان بالفعل في حقبة معينة. حُفظت عقيدة العصور الأربعة، التي تشرح هذا السقوط، في مواضع كثيرة، أهمها أعمال الشاعر الإغريقي هيزيود، الذي تحدث في أعماله عن الموت كشيء ظهر كنتيجة لسقوط الإنسان من حالة أعلى. من هذا المنظور، عدّ القدماء المعرفة الحقيقة شيئًا وُجد في قديم الأزل ثم فقده الإنسان، وكانوا يرون أن جميع سبل المعرفة الدنيوية محاولة لاستعادة تلك المعرفة المفقودة. بالنسبة للإنسان القديم، حدثت جميع الأحداث المحورية في العصور القديمة، والحالة البشرية في حد ذاتها على هذا النحو كنتيجة لنفي الإنسان من موطنه الأصلي. أجمعت تلك التقاليد على دونية هذا العالم، وأن الوجود فيه نتيجة لسقوط حدث في حقبة معينة. من هذا المنظور، يظهر العمل كشيء مرتبط بوضع السقوط (لا ينبغي أن يُحمّل السقوط دلالة أخلاقية)، وتمجيده، بالتبعية، بمثابة رضى بالدنيا والوضع البشري البائس، ونجد في الأشعار الإغريقية والفارسية والعربية القديمة مثلا ذم لمن يعلّق نفسه بالعمل والمال عموما، وفي ضوء الرؤية القائلة بسيادة القدر وهشاشة التخطيط البشري، بدا التعلّق بالعمل وتعظيمه كأنه شكل من أشكال الكفر بسنة الكون. لم تكن الإرادة الحرة والفردانية ذات شأن في الحضارات الوثنية القديمة، لدرجة أنه في رؤى كثيرة نظر البشر لأنفسهم كدمى تحركها الآلهة. فقط في الحضارات التي آمنت بالثواب والعقاب الفردي غدت الإرادة الحرة للإنسان موضع اهتمام وتساؤل أكثر فأكثر، ودارت حولها فلسفات ورؤى وعقائد كثيرة متنازعة فيما بينها، ومن هذه الحضارات برزت حركات دينية مقلوبة – هرطوقية- وتوجهات ثقافية وفلسفية تسلم بهذه الإرادة تسليما "بديهيا"- مع أنها خارج الرؤية الدينية والتسليم الإيماني تغدو شيئا بلا أي معنى- كالإنسانوية والبروتستانتية في السياق المسيحي، وهما المذهبان اللذان يجب التعرض لهما نظرا لأنهما كانا سبب تحريف الرؤية "التقليدية" إلى حد كبير، ولدورهما التاسيسي في العالم الحديث كخلفية ثقافية وروحية. فيما يخص الإنسانوية: يُعد الإيطالي فرنشيسكو بترارك "أب الإنسانوية"، فهو من أوائل من رسخوا الانقسام التاريخي بالغ الأثر الذي ميّز عصره عن ما سبقه من "العصور المظلمة"، حيث لم تكن الآداب والمعارف الاغريقية سائدة واقتصرت المعرفة على الوحي، إذ آمن بترارك أن الحياة الإنسانية لا يجب أن تحدد بالإيمان الديني فحسب: ١

قال بعض الأشراف لصديق له: لا تسلم ابنك في شيء من أنواع الكسب، فإنها تورث لا محالة لؤم الطبع وظلمة القلب وقصور الهمة وعي اللسان وسوء الأدب. ــــ الثعالبي

Repost from Takieddine Benfifi
هي مفارقة عندما يعارض من يزعم اليمينية و اليسارية المسلمين بشدة بوصفهم تهديدات للمجتمع الغربي الليبرالي المعولم والعلماني، كما لو أن الغرب المعاصر يمثل بأي شكل من الأشكال القيم اليمينية التقليدية. الإسلام هو واحد من بين ما تبقى من التراثية والمحافظية القليلة في العالم. يشير سوروس إلى الإسلام وروسيا باعتبارهما الحصنين المتبقيين ضد العالم الجديد الشجاع. إن ما يرغب فيه الأوليغارشيون هو هجرة المسلمين ليكونوا جزءًا من أجندتهم من أجل اقتصاد معولم. ومع ذلك، فإن ما لا يريدونه هو جيوب من المسلمين يحتفظون بالمعتقدات التقليدية ويقاومون الأجندات الليبرالية والعالمية. إنهم يريدون مسلمين علمانيين، ومن ثم يحاولون إغواء الشباب المسلم المجتث من أصوله بثقافة الانحلال في الغرب. إنهم يريدون مسلمين مروضين مثلما أرادوا السود المروضين، مثل مارتن لوثر كينغ، وليس متشددي الغيتو القوميين السود. كيري بولتون

"As man moves away from order, anguish presses around him. He is the king of his own misery, a degraded sovereign in revolt a
"As man moves away from order, anguish presses around him. He is the king of his own misery, a degraded sovereign in revolt against himself, without duties, without bonds, without community. Alone, in the midst of the universe, he runs, or rather he seeks to run, into nothingness.” ~Félicité de La Mennais "If civilized man falls into disbelief and immorality, the way is prepared for some gigantic and colossal tyrant, universal and immense." ~Juan Donoso Cortés

جملة القول، حجج الدفاع عن الوضاعة والخسة واحدة.

من نفس الكتاب: تقبيح الْعلم من أَمْثَال أهل بَغْدَاد: " جهل يعولني خير من علم أعوله ". وَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم: وَمَا أصنع بِالْعلمِ ... إِذا أَعْطَيْت بِالْجَهْلِ وَمن أمثالهم: " كف بخت خير من كنز علم ". وَمن أشعارهم: المَال يستر كل عيب فِي الْفَتى ... وَالْمَال يرفع كل نذل سَاقِط فَعَلَيْك بالأموال، فاقصد جمعهَا ... وَاضْرِبْ بكتب الْعلم عرض الْحَائِط وَلابْن أبي الْبَغْل: الصفو يصفر آمنا، ولأجله ... حبس الهزار لِأَنَّهُ يترنم لَو كنت أَجْهَل مَا علمت لسرني ... جهلي، كَمَا قد سَاءَنِي مَا اعْلَم وَمِمَّا ينْسب إِلَى الجاحظ فِي ذمّ الْعُلُوم، وَهُوَ منحول إِيَّاه، مَوْضُوع على لِسَانه، إِنَّه قيل لَهُ: مَا تَقول فِي الْقُرْآن، قَالَ: رياضة الصَّغِير، ومعول الضَّرِير، لَا ينَال مِنْهُ الْغنى وَلَا تدْرك بِهِ الدُّنْيَا. قيل: فالأثر والْحَدِيث. قَالَ: متناقض الْأُصُول، قَلِيل الْمَحْصُول، همه مدر وَآله محارف. قيل: فالفقه، قَالَ: يعْتَقد بالآراء، ويتقلد بالأهواء، دقيقه لَا يدْرك، وجليله لَا يتَّفق. قيل: فَالْكَلَام، قَالَ: يستوعب الخواطر ويستكد الضمائر، وَصَاحبه معرض للتفكير، وَهُوَ من عُلُوم المدابير. قيل: فالفلسفة، قَالَ: كَلَام مترجم وَعلم مرجم، بعيد مداه، قَلِيل جدواه، مخوف على صَاحبه بَطش الْمُلُوك وعداوة الْعَامَّة. قيل: فالطب، قَالَ: رَأْي مستعجل، وَقِيَاس منتحل، مَوْضُوع على التخمين والحدس، وتعليل النَّفس، لَا يُوصل مِنْهُ إِلَى الْحَقِيقَة، وَلَا يحكم لَهُ بالوثيقة. قيل: فالتنجيم، قَالَ: صَوَابه عسير، وغلطه كثير، وَكله ترجيم وشيطانه رجيم، حرفه مَحْدُود، وَصَاحبه محروم. قيل: فالتعبير، قَالَ: ظنون وحسبان، لَا يثبت بِهِ دَلِيل، وَلَا يقوم عَلَيْهِ برهَان، علم ضَعِيف، وبضاعة كفيف.

من نفس الكتاب: تقبيح الْعقل كَانَ يُقَال: الْعقل والهم لَا يفترقان. وَقَالَ ابْن المعتز: وحلاوة الدُّنْيَا لجاهلها ... ومرارة الدُّنْيَا لمن عقلا وَمن فصوله الْقصار: من كَانَ عَاقِلا لم يسم إِلَّا غافلاً. وَمِنْهَا فصل فِي نِهَايَة الْحسن وجودة التَّمْثِيل، وَهُوَ قَوْله: الْعقل كالمرآة المجلوّة، يرى صَاحبهَا مساوئ الدُّنْيَا، فَلَا يزَال فِي صحوه مهموماً مُتَعَذر السرُور، حَتَّى يشرب النَّبِيذ، فَإِذا ابْتَدَأَ بشربه صدئ عقله بِمِقْدَار مَا يشرب. وَإِن أَكثر مِنْهُ غشيه الصدأ كُله، حَتَّى لَا تظهر لَهُ صور تِلْكَ المساوئ، فيفرح ويمرح. وَالْجهل كالمرآة الصدئة (فَلَا يرى صَاحبهَا إِلَّا مَسْرُورا) قبل الشّرْب وَبعده. وَمن قلائد أبي الطّيب المتنبي قَوْله: ذُو الْعقل يشقى فِي النَّعيم بعقله ... وأخو الْجَهَالَة فِي الشقاوة ينعم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح ابْن جني: هَذَا مثل قَوْلهم: مَا سر عَاقل قطّ. وَقَالَ آخر: ثَمَرَة الدُّنْيَا السرُور، وَلَا سرُور للعقلاء.

الغاية من نشر هذا الكلام أبعد ما تكون عن الموافقة طبعا، بل لأنه كلام عصري شبيه بما نسمعه هذه الأيام.

من نفس الكتاب: تقبيح الأدب كَانَ يُقَال: مَال عقيم خير من أدب ولود، وكلب صيود خير من أَسد قعُود. وَيُقَال: إِذا كثر الْأَدَب قل خَيره، وَإِذا قل خَيره كثر ضيره. وَقَالَ بَعضهم: حِرْفَة الْأَدَب حِرْفَة لَا يسلم مِنْهَا أديب. وَقَالَ آخر: أَي أديب لم تُدْرِكهُ حِرْفَة الْأَدَب. وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد، ويروى للحمدوني، وَغَيره: مَا ازددت فِي أدبي حرفا أسر بِهِ ... إِلَّا تزيدت حرفا تَحْتَهُ شوم إِن الْمُقدم فِي حذق بصنعته ... أَنى توجه فِيهَا فَهُوَ محروم وأنشدني أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ لغيره: إِذا سرك أَن تحظى ... وَأَن تلبس قوهيّا من الْخَزّ مَعَ الوشي ... يَمَانِيا وسوسيا وَأَن تصبح ذَا عز ... فَكُن علجاً نبيطيا وَإِن سرك حرمَان ... بِهِ تصبح مقليا فَكُن ذَا أدب جزل ... وَكن مَعَ ذَاك نحويا وَهَذَا مِمَّا ينْسب إِلَى الجاحظ فِي تقبيح الْآدَاب، وَهُوَ منحول إِيَّاه كَمَا تقدم فِي تقبيح الْعُلُوم. قيل لَهُ: مَا تَقول فِي النَّحْو، قَالَ: علم مخترع، وَقِيَاس مُبْتَدع، ثقيل على الأسماع، قَلِيل الأمتاع، علم معدم، وصناعة معلم، قيل: فالشعر، قَالَ: سلَاح دني الأعاريب، مَبْنِيّ على زخرف الأكاذيب. قيل: فَمَا الْعرُوض، قَالَ: علم مولد، وأدب مستبرد، وَكَلَام مَجْهُول، يستكد الْعُقُول، بمستفعل ومفعول، من غير فَائِدَة وَلَا محصول. قيل: فالغريب، قَالَ: كَلَام وَحشِي، وَعلم بِذِي، تمجه الأسماع، وتستثقله الطباع، وَصَاحبه مَمْلُوء بغضاً للعامة وتحامل السفلة. قيل: فالحظ، قَالَ: قَلِيل الرَّد، يسير الرفد، صناعَة محروف وأداة مُورق.