Kaaishiii
Open in Telegram
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ - سورة هود
Show more1 247
Subscribers
+124 hours
-77 days
-2630 days
Posts Archive
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
+1
اتهام ألمانيا في محكمة العدل الدولية بأنها تساعد إسرائيل في "الإبادة الجماعية" للشعب الفلسطيني في غزة.
القضية رفعتها نيكاراغوا ضد ألمانيا الموجودة اليوم في لاهاي لتدافع عن نفسها وتحاول إسقاط الدعوى، بينما نيكاراغوا تتمسك بموقفها الذي يقول بأن الدعم الألماني ساهم بتسهيل الإبادة الجماعية في غزة.
1 247
إنما يتشبث بإنكار عذاب القبر ونعيمه من أسرف على نفسه بالخطايا، فاستثقل فكرةَ الحساب المباغت بعد خروج الروح، ورجا في قرارة نفسه أن يكون الموتُ عدماً بارداً ينام فيه نومةً لا استيقاظ بعدها؛ وهيهات أن تكون نهايةُ الإنسان فناءً أعمى يستوي فيه الظالمُ والمظلوم، والتقيُّ والفاجر في ترابٍ واحد بلا ميزانٍ ولا قصاص. كلا، بل الموتُ في عقيدة المسلم بوابةُ الحق والعدل الكبرى، وعتبةُ الانتقال إلى أول منازل الخلود؛ والدينُ الحق الذي حذّرك بصدقٍ من هوة العذاب في ظلمة الحفرة، هو الدينُ ذاتُه الذي شرح صدرك وبشّرك بأن روضةَ المؤمن في قبره تُفسح له مدَّ البصر، وتفيض عليه نوراً وسكينةً إلى يوم يُبعثون.
إن الصادقَ المصدوق الذي صدَقَك في أدقِّ شرائع دينك وتفاصيل دنياك، لا يمكن أن يُخبرك إلا بالحق المبين في أنباء الغيب وأحوال البرزخ؛ فبدل أن تُفني أنفاسَك المعدودة وأيامَ عمرك في مراءٍ عقيم لإنكار حقيقة القبر، بادر إلى تمهيده وفرشه بصالح العمل والتوبة الصادقة قبل أن تُسلَم إلى ضيقه وحيداً فريداً؛ فوالله متى أُدرج المعاندُ في كفنه، ووُسّد في حفرته، وانصرف عنه المشيعون، وباشر أولَ منازل الآخرة وروعها، فلن ينفعه حينئذ جدالٌ ولا لجاج، ولن يرفع عنه العذابَ أن يقول متعللاً: لم أجد ذلك في كتابي!
1 247
ومن أنكر عذابَ القبر، لزمه بالضرورة أن يُنكر نعيمَه وبشارته؛ فيحرم نفسه من رجاء هذا الفضل العظيم والكرامة السابغة في أول منازل الآخرة، ويُصيّر البرزخَ عدماً بارداً وظلاماً موحشاً، مخالفاً بذلك ما نطق به صريحُ التنزيل وما اطمأنت إليه قلوبُ المؤمنين عبر القرون. وما أوقع هؤلاء في هذا الإنكار الشنيع إلا ردُّهم للسنة النبوية المطهرة التي فصّلت مشاهدَ هذا النعيم وحقائقَ ذلك العذاب؛ فظنوا بجهلهم أنهم بالاكتفاء بظواهر أفهامهم للقرآن يستغنون عن مبيّنه المعصوم ﷺ، فوقعوا في التناقض والاضطراب؛ إذ كيف يُفهم كتابُ الله بمعزلٍ عمن أُنزل عليه؟
ثم اعلم أن الربَّ الذي أنزل هذا الكتاب، هو القائل لرسوله المصطفى ﷺ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ فجعل للنبي وظيفةً تشريعيةً جليلة سمّاها «التبيين»، وهي رتبةٌ زائدة على مجرد البلاغ ونقل الألفاظ؛ فلو كان القرآن مستغنياً بنفسه عن الشرح والتفصيل، ومستقلاً عن البيان النبوي، لكان جعلُ الرسول مُبيِّناً له لغواً يتنزه عنه كلام الحكيم العليم.
وقد مارس النبي ﷺ هذا البيان النبوي بأجلى صوره؛ ففصّل مجملات الشريعة، وشرح أحكامها، وبيّن أحوالَ البرزخ ونعيمَ القبر وعذابه بأحاديث متواترة مقطوعٍ بصحتها، وكان يقرن هذا البيان النبوي بالعمل المتصل، فيستعيذ من عذاب القبر دبرَ كل صلاة يُصليها بالمسلمين.
وههنا أسألك سؤالاً عملياً يقطع دابر المكابرة: أنت تصلي الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً، وتُخرج زكاتك بنصابٍ معلوم، وتركع وتسجد بهيئةٍ مخصوصة، فمن أين جئت بتفصيل ذلك كله وهو غير مذكورٍ في القرآن؟
لا مهرب لك من الإقرار بأنك أخذته من النقل المتواتر عن الصحابة الذين حفظوا تفاصيل الصلاة والبيان النبوي ونقلوه للأمة. والمفارقةُ الفاضحة التي تسحق مذهبك: أن أولئك العدول الذين نقلوا لك عددَ الركعات وهيئةَ الركوع والسجود وتفاصيلَ حركات الصلاة خطوةً بخطوة، هم أنفسهم بأعيانهم وأسانيدهم الذين نقلوا لك أن النبي ﷺ كان يدعو في آخر تلك الصلاة بعينها قائلاً: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر»؛ فبأيِّ ميزانٍ تقبل نقلهم العملي في «حركات الصلاة» المجردة، وتردُّ نقلهم الصريح في «دعاء الصلاة» وطلب النجاة من عذاب البرزخ؟ أفتأخذ حركاتِ البدن وتترك حقيقةَ المناجاة وما نطق به لسانُ المعصوم في الموقف نفسه؟ إن هذا تحكّمٌ بالهوى؛ فإما أن تقبل البيان النبوي كله فتؤمن بعذاب القبر وتستعيذ منه كما صلى رسول الله ﷺ، وإما أن ترده كله فتعجز عن أداء ركعةٍ واحدة على وجهها الذي فرضه الله.
فإن راوغتَ وهربتَ من هذا الإلزام العقلي وقلتَ -مقتفياً أثرَ متبوعك الفايد في التزهيد في شعائر الإسلام والتنفير من أركانه-: «أنا لا ألتزم بهذه الصلاة أصلاً ولا أصليها»، فقد أهويتَ بنفسك في دركٍ أشنع وأعظم ضلالاً؛ إذ كيف تدّعي تعظيمَ القرآن وأنت تضرب بأعظم فرائضه عُرض الحائط؟!
إن كتابَ الله الذي تزعم الاكتفاءَ به قد أمر بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعاً، وقرنها بالإيمان في محكم التنزيل فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، وجعل تركَها أولَ أسباب سَوق المجرمين إلى النار إذ يقول في محكم آياته: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾.
فأيُّ إسلامٍ تدّعيه وأنت لا تركع لله ركعة؟ وأيُّ اتباعٍ للقرآن تزعمه وأنت تُسقط عمودَ الدين الذي تواتر في آياته؟
إنك بهذا المسلك المشؤوم لم تتبع السنةَ ولم تتبع القرآن، بل نبذتَ الوحيين معاً وراء ظهرك، واتبعتَ هواك وشبهاتِ رجلٍ خاض في دين الله بجهلٍ فاضح فأوردك المهالك؛ فلا أنت ظفرتَ بنور الاتباع، ولا سلمتَ من وعيد سقر.
واعلم أن ما يجري على الألسنة من قول منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم: «من مات فقد قامت قيامته»، وإن لم يصح إسنادُه حديثاً مرفوعاً، فإن معناه حقٌ ثابت في الصحيحين؛ إذ قيامة كل عبد إنما هي موته وانقطاع مهلته وبدء حسابه. وما هذه الاستماتة التي يبديها دعاتكم -كأمثال الفايد- لنفي البرزخ وإشغال الناس به، إلا حيلة نفسية مفضوحة؛ قومٌ انتكسوا وباعوا ضمائرهم لخصوم الملة، فطاردهم الرعب من قرب الحساب وكونه على مرمى نبضة واحدة تتوقف، فراحوا يغالطون ضمائرهم بإنكار الحفرة كمن يغمض عينيه عن الهاوية ظناً أنها تتلاشى. أما المؤمن الصادق فلا يفر من الحقيقة ولا يستبد به الهلع، لأنه مستمسك بحسن الظن بربه، قائم بما استطاع من أمره، يرجو فضله ويستبشر برحمته؛ وإنما يستوحش من القبر من علم من نفسه الخيانة وسوء المنقلب.
وبهذا أختم حديثي معك، فأطلب منك طلباً واحداً مشفقاً: أن تُخلّي قلبك من كِبر الجدال، وتجلس بين يدي كتاب ربك تائباً باحثاً عن النجاة، قبل أن يُغلق عليك بابُ التوبة وتلقى ما كنت به تكذّب.
1 247
فسلْ عقلك الصريح الذي تحتكم إليه: متى يقع هذا العرضُ المستمر الذي يسبق قيامَ الساعة؟
أفي دار الدنيا التي فارقوها وبادوا فيها غرقاً، أم في حياة «البرزخ» التي تكابر وتُنكر عذابَها؟
فإن لم يكن البرزخ، فدلّنا على زمنٍ ثالثٍ بين موتهم وبين قيام الساعة، وإلا فأنت تكذّب صريحَ ما تنطق به الآية.
واقرأ قوله جل شأنه في المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، لتقف على التقسيم القرآني الدقيق الذي لا يدع مجالاً للمكابرة؛ فعذابٌ أول في الدنيا بالخزي والغم، وعذابٌ ثانٍ في ظلمات البرزخ، ثم جاءت «ثم» التي تفيد التراخي لتفصل بين عذاب القبر وبين ردهم إلى العذاب العظيم يوم القيامة. فما هو العذاب الثاني الذي يسبق البعث إن لم يكن عذاب البرزخ؟!
وتأمل كذلك ما حلّ بقوم نوح إذ قال سبحانه: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾؛ حيث جاءت «فاء التعقيب» في لسان العرب لتفيد السرعة والمباشرة، وتخبرك أن النار تلقّفت أرواحهم فور غرقهم في الماء دون تراخٍ زمني، وقبل قيام الحساب الأكبر في الآخرة؛ فأين تذهب بهذا البيان القرآني الجلي، وكيف تعطل دلالات لغة التنزيل المحكمة لتنكر ما نطقت به الآيات صراحة؟
وافتح عينيك على مشهد الاحتضار وقبض الأرواح في سورة الأنعام، حيث يقول الله تعالى كاشفاً حقيقة ما يجري للظالمين عند الموت: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ تأمل دلالة كلمة «اليوم» في لسان العرب؛ فالملائكة تبسط أيديها بالضرب والإهانة وتقول للمحتضر الظالم لحظة نزع روحه: «اليوم تُجزون عذاب الهون»، وظرف الزمان «اليوم» صريحٌ في وقوع العذاب فور خروج الروح، لا بعد آلاف أو ملايين السنين عند قيام الساعة ونفخ الصور؛ فهل يُعقل أن تخاطبهم الملائكة بعذابٍ يقع «اليوم» ثم يُرجأ هذا العذاب إلى يوم القيامة؟ بل هو عذاب البرزخ الذي يبدأ في ذلك اليوم المشهود.
ثم اقرأ قوله سبحانه في سورة الطور، بعد أن أنذر الكفار بيوم القيامة وأهواله فقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فتأمل هذا اللفظ القرآني الحاسم: «عذاباً دُونَ ذلك»؛ و«دون» في لغة التنزيل تعني العذاب الذي يسبق ذلك اليوم الأكبر ويكون قبله، فما هو هذا العذاب الذي أعده الله للظالمين قبل يوم القيامة إن لم يكن عذاب البرزخ في قبورهم؟ ولهذا فسرها حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس وجماهير المفسرين من السلف بأنه عذاب القبر؛ لأن النص صريح في إثبات عذابٍ يقع «دون» عذاب الساعة، أي يسبقه في الزمان والرتبة.
وانظر إلى سورة الواقعة كيف فَصّلت مصائر الخلق تفصيلاً قاطعاً عند لحظة خروج الروح: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، ثم بيّن الله سبحانه ما يلقاه المحتضر فور تلك اللحظة؛ فإن كان من المقربين فله «رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ»، وإن كان من أهل التكذيب: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾؛ والـ «نُزُل» في لسان العرب هو أول ما يُستقبل به النزيل فور وصوله، فجعل الله للمكذبين نزلاً من حميمٍ يبدأ فور بلوغ الروح الحلقوم ودخولها عالم البرزخ، تمهيداً لـ «تصلية الجحيم» الكبرى يوم الحساب الأكبر؛ فهل تكون هذه الضيافة من العذاب في عدمٍ مطلق، أم في حياة البرزخ التي يُكابر فيها متبوعك الفايد وأضرابه من أصحاب الأهواء؟
واعلم -رحمك الله وشرح صدرك بنور الهداية- أننا ما بسطنا لك هذه الآيات لتستوحش من ربك أو يمتلئ قلبك قنوطاً؛ فحاشا لله أن يكون البرزخُ سياطاً للعذاب المحض، بل كما جعل الله في القبر هواناً ونكالاً لأهل الظلم والتكذيب، فإنه سبحانه قد أعدّ فيه لأهل الإيمان والصدق نعيماً موصولاً، وفسحةً من النور، وسلاماً يغمر الروح بأعظم مما تتخيله العقول.
إن المؤمن الذي عَمَر قلبه بتعظيم الله ولزوم طاعته، لا يلقى في البرزخ إلا الرأفة والكرامة؛ فيكون قبره روضةً من رياض الجنة، ينال فيها الراحةَ الكبرى من عناء الدنيا وأوصابها، ويبيت على فرش الكرامة تحفّه نسائم الرضوان، محاطاً ببشارة ملائكة الرحمة التي تطمئنه عند فراق الدنيا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
فما سُقنا إليك نذيرَ الوعيد إلا لتتقيه فتنجو منه، ولتكون من أهل ذلك النعيم الوارف؛ فإن رحمة الله سبقت غضبه، ومن أقبل عليه بقلبٍ سليم، وجد رباً كريماً رحيماً، يبسط يده بالرحمة، ويجعل أولَ منازل الآخرة للمؤمنين برداً وسلاماً وبدايةً لفرحٍ لا ينقطع أبداً.
1 247
دخل عليّ أحدهم متشنجاً، ليواجهني باعتراضٍ ظنه قاطعاً؛ قال: «لماذا تُخوّفون الناس وتملؤون صدورهم بالرعب؟ الدكتور الفايد قال صراحةً إنه لا يوجد دليلٌ واحد على عذاب القبر في كتاب الله، فلماذا تصرون على تخويفنا من أمرٍ لا نجده في القرآن؟».
نظرتُ في سؤاله، فلم أرَ فيه طالباً للحق بقدر ما رأيتُ ضحيةً جديدة من ضحايا ضجيج هذا الفاسد!
ولأن هذا النقاش كان نموذجاً مكرراً لشبهةٍ خبيثة بات يرددها هؤلاء كالببغاوات في كل مجلس ومنصة، آثرتُ أن أجمع ردي عليه في هذا المقال الطويل؛ بعد أن أعدتُ صياغته وبناءَه بأسلوبٍ بلاغيٍّ وبيانيٍّ رصين، يجمع بين قوة الاستدلال القرآني، وصرامة الإلزام العقلي، ودفء الموعظة المنصفة؛ ليكون تذكرةً للغافل، وعاصماً للمسترشد، وبياناً شافياً يكشف زيفَ من اتخذوا القرآنَ حجاباً لردّ بيانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد ابتدأتُ خطابي معه بمحاكمة هذا المنطق المعكوس، فقلتُ له: تقول مستنكراً: «لماذا تُخوّفون الناس؟» وكأن الذي يُحذّرك من الهلكة قد أساء إليك!
عجباً لمن يُنبّهه الطبيبُ الحاذق إلى موطن الداء ويُحذّره من عاقبة السم فيرميه بالقسوة، بينما يرى فيمن يُهوّن عليه الخطر ويُسكّت ألمه صديقاً رحيماً!
الذي يُخوّفك اليوم لتنال الأمان غداً، خيرٌ لك ممن يمنحك أماناً كاذباً لتلقى العطب غداً؛ وكتابُ الله الذي تدعو إلى لزومه لم ينزل بشارةً محضةً تُعطّل جانب الحذر وتُسكّن القلوب على التقصير، بل نزل بميزان العدل: بشيراً لأهل الإيمان والطاعة بالجنة والرضوان، ونذيراً لأهل الكفر والعناد بالنار والخسران، وموقظاً لأهل الغفلة والعصيان من سوء المآل؛ غير أن النفسَ إذا غلبها الهوى وأرادت الإقامةَ على ذنبها بلا كدر، استثقلت صوتَ النذير وسمّت النصيحةَ «تخويفاً».
وقد وصف الله تنزيله فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
فلا تحسبن هذا الإنذارَ الذي تضيق به تهمةً نتبرأ منها؛ ولا تظنن -في المقابل- أن القرآن نزل لمجرد التخويف وبث الرهبة، فحاشا لكتاب ربنا ذلك؛ بل أصلُ التنزيل وغايتُه الكبرى أنه كتابُ هدى، ورحمة، ونور، وشفاء لما في الصدور.
وإنما كان «التخويف» في كتاب الله وسيلةً لا غاية، ودواءً يُستعمل لإيقاظ القلوب لا أصلاً تُحبس فيه النفوس؛ افتح المصحف لترى أن الله جل جلاله لم يُخوّف عباده ليعنتهم أو ييئسهم، بل تولى تخويفهم في مواضع الوعيد إشفاقاً عليهم، ليسوقهم بسوط الحذر إلى رحاب رحمته وجنته.
اقرأ قوله تعالى بعد أن بسط مشاهد الوعيد: ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾؛ فسمّاه سبحانه «تخويفاً» بصريح اللفظ، وجعله جسراً موصلاً إلى تقواه؛ فكيف يستنكر مسلمٌ ما سمّاه الله به في محكم التنزيل؟
واقرأ قوله جل شأنه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، وقوله في كشف عاقبة المعاندين: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
إن التخويف في القرآن دواءٌ يوقظ الغافلَ عن رقدته قبل أن تزلّ به القدم؛ وقاعدةُ النجاة قائمةٌ على أن من خاف مقامَ ربه في دار التكليف، فاز بالأمان يوم الفزع الأكبر، ومن عاش مسترسلاً في أمان الغفلة، تداركته الحسرة حين لا ينفع الندم.
واستحضر قول ربك العظيم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾؛ فكيف يرجو العبدُ فوزَ الجنتين وهو يفرُّ من الخوف المحمود الذي جعله الله شرطاً لبلوغهما وباباً لرضوانه؟
وقد زعمتَ، تَبَعًا لمن تقرأ لهم أو تشاهد مقاطعهم -أمثال المدعو محمد الفايد وغيره- أن عذاب القبر ونعيمه لا أصل لهما في كتاب الله. واعلم أن هذا المتبوع الذي يقطعك عن سنة نبيك، ما هو بفايدٍ لك، بل فاسد الفكر والمعتقد، ويريد أن يوردك المهالك! وهذا زعم من قرأ القرآن بعين هواه، لا بعين الباحث عن هداه. ألستَ تحتج بالقرآن وحده؟ فافتح المصحف، واقرأ كلام الله بلا وساطة أحد.
اقرأ قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. تأمل هذه الآية بمحضِ عقلك الذي تتبجح به، ما دمتَ قد عطّلتَ بصيرتك، ونبذتَ وراء ظهرك ما سارت عليه أمةُ الإسلام وأجمع عليه سلفُها طوال أربعة عشر قرناً؛ فالنصُّ القرآني الصريح كافٍ لنسف مذهبك بالعقل والمنطق المجرد.
الآية فرّقت بوضوحٍ لا يقبل التأويل بين عذابين متمايزين في زمنين مختلفين: عذابٌ أول: هو «عرضٌ على النار غدواً وعشياً»، وعذابٌ ثانٍ: هو «إدخالٌ في أشد العذاب» حين تقوم القيامة.
1 247
إنما يتشبث بإنكار عذاب القبر ونعيمه من أسرف على نفسه بالخطايا، فاستثقل فكرةَ الحساب المباغت بعد خروج الروح، ورجا في قرارة نفسه أن يكون الموتُ عدماً بارداً ينام فيه نومةً لا استيقاظ بعدها؛ وهيهات أن تكون نهايةُ الإنسان فناءً أعمى يستوي فيه الظالمُ والمظلوم، والتقيُّ والفاجر في ترابٍ واحد بلا ميزانٍ ولا قصاص. كلا، بل الموتُ في عقيدة المسلم بوابةُ الحق والعدل الكبرى، وعتبةُ الانتقال إلى أول منازل الخلود؛ والدينُ الحق الذي حذّرك بصدقٍ من هوة العذاب في ظلمة الحفرة، هو الدينُ ذاتُه الذي شرح صدرك وبشّرك بأن روضةَ المؤمن في قبره تُفسح له مدَّ البصر، وتفيض عليه نوراً وسكينةً إلى يوم يُبعثون.
إن الصادقَ المصدوق الذي صدَقَك في أدقِّ شرائع دينك وتفاصيل دنياك، لا يمكن أن يُخبرك إلا بالحق المبين في أنباء الغيب وأحوال البرزخ؛ فبدل أن تُفني أنفاسَك المعدودة وأيامَ عمرك في مراءٍ عقيم لإنكار حقيقة القبر، بادر إلى تمهيده وفرشه بصالح العمل والتوبة الصادقة قبل أن تُسلَم إلى ضيقه وحيداً فريداً؛ فوالله متى أُدرج المعاندُ في كفنه، ووُسّد في حفرته، وانصرف عنه المشيعون، وباشر أولَ منازل الآخرة وروعها، فلن ينفعه حينئذ جدالٌ ولا لجاج، ولن يرفع عنه العذابَ أن يقول متعللاً: لم أجد ذلك في كتابي!
1 247
ومن أنكر عذابَ القبر، لزمه بالضرورة أن يُنكر نعيمَه وبشارته؛ فيحرم نفسه من رجاء هذا الفضل العظيم والكرامة السابغة في أول منازل الآخرة، ويُصيّر البرزخَ عدماً بارداً وظلاماً موحشاً، مخالفاً بذلك ما نطق به صريحُ التنزيل وما اطمأنت إليه قلوبُ المؤمنين عبر القرون. وما أوقع هؤلاء في هذا الإنكار الشنيع إلا ردُّهم للسنة النبوية المطهرة التي فصّلت مشاهدَ هذا النعيم وحقائقَ ذلك العذاب؛ فظنوا بجهلهم أنهم بالاكتفاء بظواهر أفهامهم للقرآن يستغنون عن مبيّنه المعصوم ﷺ، فوقعوا في التناقض والاضطراب؛ إذ كيف يُفهم كتابُ الله بمعزلٍ عمن أُنزل عليه؟
ثم اعلم أن الربَّ الذي أنزل هذا الكتاب، هو القائل لرسوله المصطفى ﷺ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ فجعل للنبي وظيفةً تشريعيةً جليلة سمّاها «التبيين»، وهي رتبةٌ زائدة على مجرد البلاغ ونقل الألفاظ؛ فلو كان القرآن مستغنياً بنفسه عن الشرح والتفصيل، ومستقلاً عن البيان النبوي، لكان جعلُ الرسول مُبيِّناً له لغواً يتنزه عنه كلام الحكيم العليم.
وقد مارس النبي ﷺ هذا البيان النبوي بأجلى صوره؛ ففصّل مجملات الشريعة، وشرح أحكامها، وبيّن أحوالَ البرزخ ونعيمَ القبر وعذابه بأحاديث متواترة مقطوعٍ بصحتها، وكان يقرن هذا البيان النبوي بالعمل المتصل، فيستعيذ من عذاب القبر دبرَ كل صلاة يُصليها بالمسلمين.
وههنا أسألك سؤالاً عملياً يقطع دابر المكابرة: أنت تصلي الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً، وتُخرج زكاتك بنصابٍ معلوم، وتركع وتسجد بهيئةٍ مخصوصة، فمن أين جئت بتفصيل ذلك كله وهو غير مذكورٍ في القرآن؟
لا مهرب لك من الإقرار بأنك أخذته من النقل المتواتر عن الصحابة الذين حفظوا تفاصيل الصلاة والبيان النبوي ونقلوه للأمة. والمفارقةُ الفاضحة التي تسحق مذهبك: أن أولئك العدول الذين نقلوا لك عددَ الركعات وهيئةَ الركوع والسجود وتفاصيلَ حركات الصلاة خطوةً بخطوة، هم أنفسهم بأعيانهم وأسانيدهم الذين نقلوا لك أن النبي ﷺ كان يدعو في آخر تلك الصلاة بعينها قائلاً: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر»؛ فبأيِّ ميزانٍ تقبل نقلهم العملي في «حركات الصلاة» المجردة، وتردُّ نقلهم الصريح في «دعاء الصلاة» وطلب النجاة من عذاب البرزخ؟ أفتأخذ حركاتِ البدن وتترك حقيقةَ المناجاة وما نطق به لسانُ المعصوم في الموقف نفسه؟ إن هذا تحكّمٌ بالهوى؛ فإما أن تقبل البيان النبوي كله فتؤمن بعذاب القبر وتستعيذ منه كما صلى رسول الله ﷺ، وإما أن ترده كله فتعجز عن أداء ركعةٍ واحدة على وجهها الذي فرضه الله.
فإن راوغتَ وهربتَ من هذا الإلزام العقلي وقلتَ -مقتفياً أثرَ متبوعك الفايد في التزهيد في شعائر الإسلام والتنفير من أركانه-: «أنا لا ألتزم بهذه الصلاة أصلاً ولا أصليها»، فقد أهويتَ بنفسك في دركٍ أشنع وأعظم ضلالاً؛ إذ كيف تدّعي تعظيمَ القرآن وأنت تضرب بأعظم فرائضه عُرض الحائط؟!
إن كتابَ الله الذي تزعم الاكتفاءَ به قد أمر بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعاً، وقرنها بالإيمان في محكم التنزيل فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، وجعل تركَها أولَ أسباب سَوق المجرمين إلى النار إذ يقول في محكم آياته: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾.
فأيُّ إسلامٍ تدّعيه وأنت لا تركع لله ركعة؟ وأيُّ اتباعٍ للقرآن تزعمه وأنت تُسقط عمودَ الدين الذي تواتر في آياته؟
إنك بهذا المسلك المشؤوم لم تتبع السنةَ ولم تتبع القرآن، بل نبذتَ الوحيين معاً وراء ظهرك، واتبعتَ هواك وشبهاتِ رجلٍ خاض في دين الله بجهلٍ فاضح فأوردك المهالك؛ فلا أنت ظفرتَ بنور الاتباع، ولا سلمتَ من وعيد سقر.
واعلم أن ما يجري على الألسنة من قول منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم: «من مات فقد قامت قيامته»، وإن لم يصح إسنادُه حديثاً مرفوعاً، فإن معناه حقٌ ثابت في الصحيحين؛ إذ قيامة كل عبد إنما هي موته وانقطاع مهلته وبدء حسابه. وما هذه الاستماتة التي يبديها دعاتكم -كأمثال الفايد- لنفي البرزخ وإشغال الناس به، إلا حيلة نفسية مفضوحة؛ قومٌ انتكسوا وباعوا ضمائرهم لخصوم الملة، فطاردهم الرعب من قرب الحساب وكونه على مرمى نبضة واحدة تتوقف، فراحوا يغالطون ضمائرهم بإنكار الحفرة كمن يغمض عينيه عن الهاوية ظناً أنها تتلاشى. أما المؤمن الصادق فلا يفر من الحقيقة ولا يستبد به الهلع، لأنه مستمسك بحسن الظن بربه، قائم بما استطاع من أمره، يرجو فضله ويستبشر برحمته؛ وإنما يستوحش من القبر من علم من نفسه الخيانة وسوء المنقلب.
وبهذا أختم حديثي معك، فأطلب منك طلباً واحداً مشفقاً: أن تُخلّي قلبك من كِبر الجدال، وتجلس بين يدي كتاب ربك تائباً باحثاً عن النجاة، قبل أن يُغلق عليك بابُ التوبة وتلقى ما كنت به تكذّب.
1 247
فسلْ عقلك الصريح الذي تحتكم إليه: متى يقع هذا العرضُ المستمر الذي يسبق قيامَ الساعة؟
أفي دار الدنيا التي فارقوها وبادوا فيها غرقاً، أم في حياة «البرزخ» التي تكابر وتُنكر عذابَها؟
فإن لم يكن البرزخ، فدلّنا على زمنٍ ثالثٍ بين موتهم وبين قيام الساعة، وإلا فأنت تكذّب صريحَ ما تنطق به الآية.
واقرأ قوله جل شأنه في المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، لتقف على التقسيم القرآني الدقيق الذي لا يدع مجالاً للمكابرة؛ فعذابٌ أول في الدنيا بالخزي والغم، وعذابٌ ثانٍ في ظلمات البرزخ، ثم جاءت «ثم» التي تفيد التراخي لتفصل بين عذاب القبر وبين ردهم إلى العذاب العظيم يوم القيامة. فما هو العذاب الثاني الذي يسبق البعث إن لم يكن عذاب البرزخ؟!
وتأمل كذلك ما حلّ بقوم نوح إذ قال سبحانه: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾؛ حيث جاءت «فاء التعقيب» في لسان العرب لتفيد السرعة والمباشرة، وتخبرك أن النار تلقّفت أرواحهم فور غرقهم في الماء دون تراخٍ زمني، وقبل قيام الحساب الأكبر في الآخرة؛ فأين تذهب بهذا البيان القرآني الجلي، وكيف تعطل دلالات لغة التنزيل المحكمة لتنكر ما نطقت به الآيات صراحة؟
وافتح عينيك على مشهد الاحتضار وقبض الأرواح في سورة الأنعام، حيث يقول الله تعالى كاشفاً حقيقة ما يجري للظالمين عند الموت: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ تأمل دلالة كلمة «اليوم» في لسان العرب؛ فالملائكة تبسط أيديها بالضرب والإهانة وتقول للمحتضر الظالم لحظة نزع روحه: «اليوم تُجزون عذاب الهون»، وظرف الزمان «اليوم» صريحٌ في وقوع العذاب فور خروج الروح، لا بعد آلاف أو ملايين السنين عند قيام الساعة ونفخ الصور؛ فهل يُعقل أن تخاطبهم الملائكة بعذابٍ يقع «اليوم» ثم يُرجأ هذا العذاب إلى يوم القيامة؟ بل هو عذاب البرزخ الذي يبدأ في ذلك اليوم المشهود.
ثم اقرأ قوله سبحانه في سورة الطور، بعد أن أنذر الكفار بيوم القيامة وأهواله فقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فتأمل هذا اللفظ القرآني الحاسم: «عذاباً دُونَ ذلك»؛ و«دون» في لغة التنزيل تعني العذاب الذي يسبق ذلك اليوم الأكبر ويكون قبله، فما هو هذا العذاب الذي أعده الله للظالمين قبل يوم القيامة إن لم يكن عذاب البرزخ في قبورهم؟ ولهذا فسرها حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس وجماهير المفسرين من السلف بأنه عذاب القبر؛ لأن النص صريح في إثبات عذابٍ يقع «دون» عذاب الساعة، أي يسبقه في الزمان والرتبة.
وانظر إلى سورة الواقعة كيف فَصّلت مصائر الخلق تفصيلاً قاطعاً عند لحظة خروج الروح: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، ثم بيّن الله سبحانه ما يلقاه المحتضر فور تلك اللحظة؛ فإن كان من المقربين فله «رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ»، وإن كان من أهل التكذيب: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾؛ والـ «نُزُل» في لسان العرب هو أول ما يُستقبل به النزيل فور وصوله، فجعل الله للمكذبين نزلاً من حميمٍ يبدأ فور بلوغ الروح الحلقوم ودخولها عالم البرزخ، تمهيداً لـ «تصلية الجحيم» الكبرى يوم الحساب الأكبر؛ فهل تكون هذه الضيافة من العذاب في عدمٍ مطلق، أم في حياة البرزخ التي يُكابر فيها متبوعك الفايد وأضرابه من أصحاب الأهواء؟
واعلم -رحمك الله وشرح صدرك بنور الهداية- أننا ما بسطنا لك هذه الآيات لتستوحش من ربك أو يمتلئ قلبك قنوطاً؛ فحاشا لله أن يكون البرزخُ سياطاً للعذاب المحض، بل كما جعل الله في القبر هواناً ونكالاً لأهل الظلم والتكذيب، فإنه سبحانه قد أعدّ فيه لأهل الإيمان والصدق نعيماً موصولاً، وفسحةً من النور، وسلاماً يغمر الروح بأعظم مما تتخيله العقول.
إن المؤمن الذي عَمَر قلبه بتعظيم الله ولزوم طاعته، لا يلقى في البرزخ إلا الرأفة والكرامة؛ فيكون قبره روضةً من رياض الجنة، ينال فيها الراحةَ الكبرى من عناء الدنيا وأوصابها، ويبيت على فرش الكرامة تحفّه نسائم الرضوان، محاطاً ببشارة ملائكة الرحمة التي تطمئنه عند فراق الدنيا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
فما سُقنا إليك نذيرَ الوعيد إلا لتتقيه فتنجو منه، ولتكون من أهل ذلك النعيم الوارف؛ فإن رحمة الله سبقت غضبه، ومن أقبل عليه بقلبٍ سليم، وجد رباً كريماً رحيماً، يبسط يده بالرحمة، ويجعل أولَ منازل الآخرة للمؤمنين برداً وسلاماً وبدايةً لفرحٍ لا ينقطع أبداً.
1 247
دخل عليّ أحدهم متشنجاً، ليواجهني باعتراضٍ ظنه قاطعاً؛ قال: «لماذا تُخوّفون الناس وتملؤون صدورهم بالرعب؟ الدكتور الفايد قال صراحةً إنه لا يوجد دليلٌ واحد على عذاب القبر في كتاب الله، فلماذا تصرون على تخويفنا من أمرٍ لا نجده في القرآن؟».
نظرتُ في سؤاله، فلم أرَ فيه طالباً للحق بقدر ما رأيتُ ضحيةً جديدة من ضحايا ضجيج هذا الفاسد!
ولأن هذا النقاش كان نموذجاً مكرراً لشبهةٍ خبيثة بات يرددها هؤلاء كالببغاوات في كل مجلس ومنصة، آثرتُ أن أجمع ردي عليه في هذا المقال الطويل؛ بعد أن أعدتُ صياغته وبناءَه بأسلوبٍ بلاغيٍّ وبيانيٍّ رصين، يجمع بين قوة الاستدلال القرآني، وصرامة الإلزام العقلي، ودفء الموعظة المنصفة؛ ليكون تذكرةً للغافل، وعاصماً للمسترشد، وبياناً شافياً يكشف زيفَ من اتخذوا القرآنَ حجاباً لردّ بيانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد ابتدأتُ خطابي معه بمحاكمة هذا المنطق المعكوس، فقلتُ له: تقول مستنكراً: «لماذا تُخوّفون الناس؟» وكأن الذي يُحذّرك من الهلكة قد أساء إليك!
عجباً لمن يُنبّهه الطبيبُ الحاذق إلى موطن الداء ويُحذّره من عاقبة السم فيرميه بالقسوة، بينما يرى فيمن يُهوّن عليه الخطر ويُسكّت ألمه صديقاً رحيماً!
الذي يُخوّفك اليوم لتنال الأمان غداً، خيرٌ لك ممن يمنحك أماناً كاذباً لتلقى العطب غداً؛ وكتابُ الله الذي تدعو إلى لزومه لم ينزل بشارةً محضةً تُعطّل جانب الحذر وتُسكّن القلوب على التقصير، بل نزل بميزان العدل: بشيراً لأهل الإيمان والطاعة بالجنة والرضوان، ونذيراً لأهل الكفر والعناد بالنار والخسران، وموقظاً لأهل الغفلة والعصيان من سوء المآل؛ غير أن النفسَ إذا غلبها الهوى وأرادت الإقامةَ على ذنبها بلا كدر، استثقلت صوتَ النذير وسمّت النصيحةَ «تخويفاً».
وقد وصف الله تنزيله فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
فلا تحسبن هذا الإنذارَ الذي تضيق به تهمةً نتبرأ منها؛ ولا تظنن -في المقابل- أن القرآن نزل لمجرد التخويف وبث الرهبة، فحاشا لكتاب ربنا ذلك؛ بل أصلُ التنزيل وغايتُه الكبرى أنه كتابُ هدى، ورحمة، ونور، وشفاء لما في الصدور.
وإنما كان «التخويف» في كتاب الله وسيلةً لا غاية، ودواءً يُستعمل لإيقاظ القلوب لا أصلاً تُحبس فيه النفوس؛ افتح المصحف لترى أن الله جل جلاله لم يُخوّف عباده ليعنتهم أو ييئسهم، بل تولى تخويفهم في مواضع الوعيد إشفاقاً عليهم، ليسوقهم بسوط الحذر إلى رحاب رحمته وجنته.
اقرأ قوله تعالى بعد أن بسط مشاهد الوعيد: ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾؛ فسمّاه سبحانه «تخويفاً» بصريح اللفظ، وجعله جسراً موصلاً إلى تقواه؛ فكيف يستنكر مسلمٌ ما سمّاه الله به في محكم التنزيل؟
واقرأ قوله جل شأنه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، وقوله في كشف عاقبة المعاندين: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
إن التخويف في القرآن دواءٌ يوقظ الغافلَ عن رقدته قبل أن تزلّ به القدم؛ وقاعدةُ النجاة قائمةٌ على أن من خاف مقامَ ربه في دار التكليف، فاز بالأمان يوم الفزع الأكبر، ومن عاش مسترسلاً في أمان الغفلة، تداركته الحسرة حين لا ينفع الندم.
واستحضر قول ربك العظيم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾؛ فكيف يرجو العبدُ فوزَ الجنتين وهو يفرُّ من الخوف المحمود الذي جعله الله شرطاً لبلوغهما وباباً لرضوانه؟
وقد زعمتَ، تَبَعًا لمن تقرأ لهم أو تشاهد مقاطعهم -أمثال المدعو محمد الفايد وغيره- أن عذاب القبر ونعيمه لا أصل لهما في كتاب الله. واعلم أن هذا المتبوع الذي يقطعك عن سنة نبيك، ما هو بفايدٍ لك، بل فاسد الفكر والمعتقد، ويريد أن يوردك المهالك! وهذا زعم من قرأ القرآن بعين هواه، لا بعين الباحث عن هداه. ألستَ تحتج بالقرآن وحده؟ فافتح المصحف، واقرأ كلام الله بلا وساطة أحد.
اقرأ قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. تأمل هذه الآية بمحضِ عقلك الذي تتبجح به، ما دمتَ قد عطّلتَ بصيرتك، ونبذتَ وراء ظهرك ما سارت عليه أمةُ الإسلام وأجمع عليه سلفُها طوال أربعة عشر قرناً؛ فالنصُّ القرآني الصريح كافٍ لنسف مذهبك بالعقل والمنطق المجرد.
الآية فرّقت بوضوحٍ لا يقبل التأويل بين عذابين متمايزين في زمنين مختلفين: عذابٌ أول: هو «عرضٌ على النار غدواً وعشياً»، وعذابٌ ثانٍ: هو «إدخالٌ في أشد العذاب» حين تقوم القيامة.
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
الصحف والحسابات العبرية والسياسيون ينفجرون غضبًا جراء الكشف الذي نشرته بداية صحيفة "هآرتس" العبرية، والذي أثار هجومًا كبيرًا ضد نتنياهو قبل فترة قصيرة من الانتخابات.
هارتس : قبل أسبوع ونصف من 7 أكتوبر 2023، اتصل رئيس الإمارات محمد بن زايد بنتنياهو وأبلغه خلال مكالمة استمرت نحو 45 دقيقة بتحذير يفيد بأن السنوار يخطط لعملية كبيرة ضد إسرائيل، قائلا: "عليكم الاستعداد لحدث مروع".
مكتب نتنياهو ينفي الخبر بسرعة .
تامر
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
#مساجدنا #تستباح ولا من #ينكر!!
لم يعد الاعتداء على المساجد في بلدنا مقتصرا على المساس بحرمتها من الخارج؛ مثل تنظيم السهرات والمهرجانات الموسيقية بباحاتها والفضاءات المحيطة بها، أو تعليق الملصقات الدعائية لهذه الأنشطة على حيطانها وجدرانها، أو الإبقاء على صوت الموسيقى مرتفعا أوقات الأذان والصلوات...بل تجاوز المفسدون في اعتدائهم على بيوت الله كل الخطوط الحمراء؛ بعد أن امتد فسادهم إلى داخل المسجد نفسه؛ حيث وثقت عدسات الكاميرا مشاهد صادمة لأحد المرشحين من حزب الأحرار وهو يوزع الرشاوي من داخل أحد المساجد في جرأة كبيرة وخطيرة لم يعهدها المغاربة من قبل!
أمام هذا الشر المستطير، والفساد الكبير، والظلم المتزايد في حق بيوت الله؛ يتساءل الجميع أين موقف وزارة الأوقاف من هذا كله!!؟ وزارة الأوقاف التي تصر على إغلاق جميع المساجد مباشرة بعد الصلوات! وزارة الأوقاف التي عطلت سنة الاعتكاف في المساجد في شهر رمضان وحرمت المصلين من ممارسة حقهم في تطبيق سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم!وزارة الأوقاف التي لم تسمح بفتح بيوت الله بالأمس القريب في نازلة الكسوف، وعللت قرارها بكراهية الصلاة بعد العصر التزاما منها بقواعد المذهب المالكي، وكان يكفيها أن تنبه الناس على كراهية الصلاة، وتحثهم على التجمع في المساجد للذكر والدعاء، ولكنها لم تفعل! وزارة الأوقاف التي فعلت كل هذا وغيره كثير وكثير؛حفاظا على حرمة المسجد - كما تقول - وحرصا على أمنه، ومنعا للتشويش عليه...!! هي نفسها لم نسمع منها - ويا للعجب - أي استنكار على الاعتداءات المتكررة على بيوت الله؛ من أهل الفسق والفجور تارة، ومن المفسدين السياسيين تارة أخرى!!
إن الاعتداء على حرمة المساجد، ما عادت حوادث عابرة؛ بل أصبحت مظالم متكررة، بل ومتعمدة؛ الأمر الذي يتطلب من أهل الشأن الديني والسلطات المحلية إنكارها وإصدار العقوبات الزاجرة في حق أصحابها؛ حفاظا على هيبتها، وصونا لها من عبث العابثين، وجرأة الظالمين والمفسدين، فلا ظلم أبشع من التطاول على بيوت الله والاعتداء على حرمتها، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ادريس الادريسي
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
وقد أنتج الوثائقي صانع المحتوى "روحي تشينيت" وحمل على اليوتيوب عنوان: أكثر المجتمعات اليهودية تكتمًا في العالم "اليهود الحسيديون" قضيت 48 ساعة بالداخل، والباحث السوري أحمد دعدوش تساءل: ماذا لو انعزل مجتمع مسلم في أي مدينة أمريكية بهذه الطريقة وفرض الحجاب على نسائه؟
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
المؤرّخ العبري آفي شلايم :
"لا تستطيع اسرائيل تطويق ايران و تركيا و باكستان.
عدد شعوب هذه البلاد يبلغ 440 مليون، بينما شعب اسرائيل 9 مليون فقط
هذا التوسّع سيجعل الدولة تنهار من الداخل."
غريب انّ هذا المؤرخ لم يأتي للإشارة على العرب.. رغم انّ عددهم نصف مليار نسمة، و هم اقرب الى اسرائيل من الفرس و التُرك و البِنْجاب.
اقرأ
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
تنامي خطاب الكراهية للمغرب و المغاربة نتاج أحداث سبتة وما تبعه... كل هذا ساهم في شعبية الأحزاب اليمينية و الاديولوجيات الكارهة للمسلمين عموما و المغاربة خصوصا وهذا سيضر بأزيد من مليون مغربي مقيما باسبانيا
بركات التطبيع
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
وتخيّل مجموعة من الشباب الذين لم يألفوا العمل في السياسة الدولية ووجدوا أنفسهم فجأة بين عمالقة السياسة بكوادر ضعيفة وأيدٍ مرتعشة (تذكّروا إزالة راية التوحيد من خلف رئيس الحكومة الأول بعد التحرير بعد ضجّة إعلامية صغيرة)، سيكونون تحت ضغط دائم وسيكون المسار الأسهل لتخفيف شيء من الضغط وتسويغ الحاجة إلى التفرّغ للملفات المهمة والشائكة هو مسار التنازلات.
هنا يكون تركيز أنظارهم على ردود أفعال المجتمع الدولي وأذنابه من العلمانيين في الإعلام والمجتمع والدول الإقليمية، أكثر من تركيز أنظارهم على ردود أفعال مجتمعهم وحاضنتهم المسلمة. وهذا هو المحكّ، فبشكل مفارق يدرك قادة المجتمع الدولي قيمة هذه الحاضنة في حراسة المشروع، ويدركون أكثر من النخبة السياسية الإسلامية خطورة تفكيك هذه الحاضنة وإزعاجها مرارا ليأتي يوم وينفضّ كثير منها عن هذه النخبة.
مشكلة كثير من الإسلاميين هي أنّهم لم يخرجوا حقّا من "الاستبداد" الذي عاشوا في ظلاله عقودًا، فقد تشرّبوا هذا الاستبداد ومارسوه في تنظيماتهم وحكمهم الذاتي، وهم ينطلقون من وجهة نظر يسوّغها أنصارهم بأنّهم هم الأدرى بالواقع وهم الذين أنجزوا الإنجاز الأهم، ومن ثمّ لا ينبغي التشغيب عليهم، فكل ناقد أو مطالب بشيء مخالف لمسارهم فهو في نظرهم "مشغّب" أو "طاعن". فلم يملكوا سعة صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في تقبّل النقد الحادّ بل والأقل من الحادّ، وأهمَلوا الكثير من النصائح والشورى بوصفها تصدر عمّن لا يعرف خبايا الأمور في أروقة المجتمع الدولي!
وبهذه النفسية يتعاملون مع الموقف، فيستمر المجتمع الدولي ببثّ سياسة "نريد المزيد"، وهو يراقب في الخلفية بشغفٍ تفاصيل تفتُّت الحاضنة الشعبية، بينما تستمر النخبة السياسية الإسلامية بتقديم المزيد من التنازلات، معتمدة على ما يُبثّ لها من تطمينات وهمية بأنّها على الطريق الواصل، ومتجاهلة الغليان والتفتّت الحادث في حاضنتها الراسخة مع الانتقال المستمر إلى حاضنة هشّة سريعة الانفضاض، وهنا يأتي دور الجوقة الإعلامية والنخب السياسية المطبّلة ذات المعايير المضروبة، التي تقيس نجاح التجربة بمدى رضا المجتمع الدولي ورؤوسه وقولهم "برافو" للنخبة السياسية، مع تصفيق الحاضنة الجديدة غير الراسخة وسريعة الانفضاض.
والخلاصة بكلمات وجيزة ولغة سياسية: السلطة السورية تعلم أن فاعلين إقليميين ودوليين سيقرؤون ممارساتها الثقافية والاجتماعية بوصفها مؤشرات على طبيعة هويتها الجديدة، ولذلك تصبح الممارسة الثقافية نفسها أداة لإرسال الإشارات وبناء الثقة وإعادة تعريف الذات أمام الداخل والخارج. والخطير أنّ استمرار حاجة الحكومة إلى إثبات الاعتدال ينشئ "آلية حوافز" تدفعها إلى مزيد من التنازلات، وفي الوقت نفسه قد يؤدي تراكمها إلى إضعاف ثقة قاعدتها الأصلية بها.
وهذه المشكلة ليست خاصة بسورية، بل هي أزمة قديمة في الممارسة السياسية الإسلامية، تحتاج إلى تفكيك وإعادة نظر، وأول طريق الإصلاح هو أن تحيط النخبة الحاكمة نفسَها بمجلس من حكماء الأمة وقادتها الشرفاء غير الوصوليين، من أهل الدين والرأي والنظر والفهم والخبرة الذين لا يطلبون السلطة، بل يطلبون نجاة هذه الأمة وصالحها. وأن تجعل لهم دورًا حقيقيًّا في ترشيد السلطة وتنبيهها ومحاسبتها، فتأخذ نصائحهم الجماعية على محمل الجدّ وبوصلةً لمساراتها.
أما الاستئثار بالحكم وإضعاف قوى الأمة التمثيلية والرقابية التي تأطر السلطة على الحق وتحاسبها وترشّدها؛ فهو الطريق السريع نحو فشل التجربة، كما حدث مع عدد من تجارب حكم الإسلاميين في العالم الإسلامي وليست تجربة الإخوان (2012-2013) وتجربة السودان (1989-2019) عنّا ببعيد، لأنّ الدائرة التنظيمية الضيّقة حول مرسي ودائرة الموالين الضيّقة حول البشير بعد صراع 1999 كانت من أبرز عوامل عزل التجربة سياسيا وتضييق قاعدتها وقدرتها على مواجهة السقوط.
شريف علي جابر
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
لماذا تصرّ الدولة السورية على رعاية حفلات لمروان خوري وأصالة؟
هذا السؤال مهم ليس للجدل، ولكن لفهم السياسة التي تقف خلف هذه التصرّفات ومناقشتها. وبغير فهم الطريقة التي تفكّر فيها هذه الحكومة ستظل ردود الأفعال مرتبطة بـ "الأعراض" لا بـ "المحرّكات".
فلا شكّ أولا أن العصبة التي استلمت السلطة بقيادة أحمد الشرع هي المسيطرة على مفاصل الدولة السورية، ولا شكّ أنها هي التي عيّنت وزير الثقافة الحالي بوصفه واجهة "لطيفة"، وتساوقا مع سياستها في استقطاب الوجوه المألوفة للعوام (إعلاميون ويوتيوبرز وتيكتوكرز) لزيادة منسوب شرعيّتها الشعبية، لا لكونه يحمل القيم الشرعية المنضبطة أو الإرث الثقافي الثقيل لمنصب خطير كهذا.
ومنذ اللحظة الأولى لاستلام "الهيئة" السلطة كانت لديها أزمة عميقة جدًّا تدفعها مرارا وتكرارا لمثل هذه المواقف، وهي تتمثّل في محاولة دفع "الوصمة" عنها، بسبب خلفيّتها المليئة بالمواقف والشعارات والأفكار المعادية لقيم المجتمع الدولي، فقد دخلت السلطة وهي مثقلة بحمولة تاريخية ستظل الأطراف الدولية تضغط عليها من خلالها لممارسة المزيد من التنازلات.
وفي هذا السياق تبدو "المبادرة" بتقديم تنازلات خطّةً لوذعية قديمة ألِفَها بعض الإسلاميين، بوصفها "قرابين" تقدَّم للمجتمع الدولي والقوى الإقليمية من أجل "خداعها" أو "تخديرها" أو فلنقل "طمأنتها". وهنا تأتي حفلة مروان خوري وأصالة نصري وغيرها من الأنشطة التي ستكون المبادرة إليها بمنزلة "الإثبات" الدامغ للمجتمع الدولي وللقوى الإقليمية بأنّنا نقدّم نموذجًا تعدّديًا يسمح لمختلف التوجهات في المجتمع بالنموّ والنشاط.
وهذا لا يلغي وجود أهداف أخرى كاستيعاب فئات أوسع من المجتمع السوري وكسب رضاها، وهم روّاد الحفلات والخائفون من نموذج "إسلامي" يمنع هذه الأنشطة، إلى جانب محاولة إعادة السياحة إلى سورية وما يجرّه ذلك من أموال. لكني أركّز هنا على الجانب الذي أراه أكثر أهمية وأكثر خطورةً في الآن نفسِه، وهو: إرضاء المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، ولأنّ طبيعة النظام الانتقالي تجعل مسألة الشرعية والصورة الخارجية ذات وزن حقيقي. أما إذا كان المحرّك الأساسي هو تغيّر وجهة نظر الممسكين بالسلطة حول "شرعية" مثل هذه الحفلات أو شرعية السماح بها، فهذا شأن آخر لن أخوض فيه حتى يتّضح أكثر.
هنا سيقفز أحدهم ليقول: إن المجتمع الدولي والدول الإقليمية لا يهمّها ما ستمارسه في دولتك، بل يهمها الحفاظ على مصالحها معك فحسب.
والواقع أنّ هذه نظرة قاصرة، فالذي يحرّك سياسات الدول ليس "المصالح" فحسب، بل هو مزيج من "المصالح" و"الأيديولوجيات" وإنْ شئت قلت "الآراء الشخصية" للمتحكّمين بتلك الدول. فالدولة التي فيها أطراف قوية ذات مزاج علماني (لبنان مثلا) ستشعر بالحساسية والانزعاج من دولة مجاورة تمنع قبول حفل لمروان خوري، والأخطر هو الشخصيات النافذة في العالم الغربي وفي الدول الإقليمية الأكثر تأثيرا، يكفي نفورها الشديد من أي ملامح "حكم ديني" (كما تسمّيه) ليجعلها تعادي تجربة ما، حتى لو كانت تلك التجربة مستعدّة لتلبية المصالح!
وليس بالضرورة أن تكون الحكومة قد خططت لمثل هذه الحفلات، بل يكفي أن تكون هناك جهات موظّفة هي التي رتّبت هذا، وهنا قد تجد المستويات العليا من السلطة أنّه من "الدهاء" تمرير الأمر والتغاضي عنه (وهو لا يخفى عليها) لتفويت فرصة إحداث ضجّة مفادها أنّ "الحكومة السورية تمنع حفل مروان خوري"، وهو ما سيثير حملة إعلامية وحساسية إقليمية ودولية سعتْ منذ استلامها السلطة إلى تجنّبها، وهنا نعود إلى العقدة الأولى.
فمشكلة هذه الحكومة هي هذه الحمولة التاريخية التي تخلّت عنها، ولكنها تحمل الآن جهدًا إضافيّا لإقناع الآخرين بأنّها تخلّت عنها، وهم يضحكون بخبث من خلف الكواليس متظاهرين أنّهم لم يقتنعوا بعد!
وفي الواقع هذه خطة مارسها بعض الإسلاميين الخائضين غمار السياسة، وأثبتت فشلها مرارا، لكن مشكلة العاملين في السياسة من الإسلاميين أنّهم لا يملكون دراسات جادة للتجارب السابقة، وكلٌّ يرى أنّه الفهلوي اللوذعي الذي سيفعل ما فشل فيه السابقون، مع أنّه يسير – من حيث لا يدري – على السكّة التي أسلمتهم للهاوية!
ربما تكون كلمة السرّ في فهم هذه "العلاقة السامّة" مع المجتمع الدولي بعبارة "نريد المزيد"، وهي سياسة قديمة يمارسها المجتمع الدولي والقوى الإقليمية بموازاة سياسة الإسلاميين في المبادرة إلى التنازلات، أي أنّهم على وعي بأهداف الإسلاميين من سياسة المبادرة إلى تقديم تنازلات، ويستثمرونها لصالحهم بنجاعة عالية!
كيف ذلك؟
يحافظون على خطّ رفيع من إظهار عدم الرضا التامّ، ويبثّون فيهم الشعور الدائم بالحاجة إلى تقديم مزيد من التنازلات.
1 247
Repost from خواطر بالدارجة
شخصية العلماني العربي شخصية انتهازية وقحة، تخيل أنه يدافع عن الحرية ولكن حتى تكون على هواه، الفايد مكانوش محترمين حريته كإنسان بغض النظر عن معتقده ولكن نهار رجع معاهم تحول فجأة إلى دكتور وقامة علمية وكذا
هادشي ماشي فالمغرب فقط ولكن في كل الوطن العربي والسبب أنهم عندهم عقل واحد، كي المغرب كي مصر كي الكويت كي العراق، وهادشي لي خلى السي محمد عابد الجابري يدرس العقل العربي كبنية واحدة
يونس برزا
1 247
يوتيوبر تركي أنتج فيلما وثائقيا عن مجتمع اليـ@ـود الحسيديين في نيويورك، وخلال 12 يوما شاهده أكثر من 60 مليون شخص. الفيلم أحدث ضجة جديدة في المجتمع الأمريكي، وتساءل الكثير من الشباب الأمريكي لماذا تحصل تلك الطائفة على المساعدات وتتفرغ لدراسة التوراة وإنجاب عشرات الأطفال بدون عمل؟ لماذا يحق لهم الانغلاق في مجتمعهم وتطبيق قوانينهم الخاصة في حي بروكلين في قلب نيويورك؟ ماذا لو انعزل مجتمع مسلم في أي مدينة أمريكية بهذه الطريقة وفرض الحجاب على نسائه؟
الفيلم أعاد إلى السطح قصة اكتشاف نفق تحت معبدهم قبل سنتين، وما زالت قصته غامضة.
د. أحمد دعدوش
