تَمَاْيُز
Open in Telegram
إِنْ يَغْلِب اَلصَّبرُ فَالْعُقْبَى لِمُصطَبِرٍ أَوْ يَغْلِب اَلْوَجدُ فَالدُّنيَا لِمَن غَلَبَا
Show more3 314
Subscribers
-124 hours
+57 days
+4530 days
Posts Archive
3 314
كونه يزدري سعادته ومأساته، فضائله ورذائله، ونفسه باعتبارها مقياسًا لكلّ الأشياء، فإنّه لا يأمّل أي شيء من نفسه ويريد أنْ يرى في كلّ الأشياء هذا العمق اليائس. تكمن قوته في ترك نفسه؛ وإذا فکر في نفسه فإنّه يقيس المسافة بين نفسه وبين هدفه السامي، ويشعر كما لو أنّه يرى خلفه وتحته مجرد كومة صغيرة من النفايات. سعى المفكرون القدماء إلى السعادة والحقيقة بكلّ قواهم، ويقول مبدأ الطبيعة الظالم: إنّه لن يعثر أحد في يوم ما على ما أُجبروا على البحث عنه. لكن بالنسبة للذي يبحث عن اللاحقيقة في كلّ شيء ويتحالف بطواعية مع المأساة فربّما سيجرب شيئًا أخر، خيبة من نوع آخر: شيئًا لا يمكن التعبير عنه، حيث السعادة والحقيقة ليسا سوى شعاع كاذب يدنو منه، فتفقد الأرض جاذبيتها، وتصبح أحداث وقوى الأرض كحلم، وينتشر حوله ضياء الصحو كما في أمسيات صيفيّة. بالنسبة للذي يرى تلك الأشياء كما لو أنّه بدأ يستيقظ للتو، وكما لو أنّ غيمات قليلة فقط من حلم هارب ما تزال تحوم حوله. يومًا ما هي الأخرى ستختفي أيضًا، من ثمّ سيكون النهار.
– فريدريك نيتشه| شوبنهاور مربيًا
3 314
إنّ المصدر الرئيسيّ لكلّ هذا الشغف هو التفكير بما هو غائب وبالمستقبل، والذي يمارس في حالة الإنسان، تأثيرًا قويًا جدًا على كلّ أفعاله. هذا هو الأصل الحقيقيّ لكلّ اهتماماته وآماله ومخاوفه: تلك المشاعر التي تؤثر فيه أعمق بكثير إذا ما قورنت بأي شيء من المتعة والمعاناة التي يخضع لها الوحش. فمن حيث قدرته على تأمُّل الماضي والذاكرة، والتبصر إلى الأمام؛ يمتلك الإنسان، إذا صح التشبيه، آلة لتكثيف متعه وآلامه وتخزينها. ولكنّ الوحش ليس لديه شيء من هذا القبيل، فمتى تألّم يكون ذلك وكأنّه يعاني الألم أول مرة، على الرغم من أنّ الشيء نفسه لا بدّ قد حصل له مرات لا تحصى. هو لا يملك القدرة على تجميع مشاعره، وهذا سبب مزاجهِ غير المكترث والهادئ، وكم يُحسد على ذلك! ولكنّ التأمُّل يتدخّل لدى الإنسان، مع كلّ المشاعر التي يثيرها. ولأنّ الإنسان لديه نفس عوامل المتعة والألم، المشتركة بينه وبين الوحش، فإنّ هذا يطوّر قابليته للسعادة والتعاسة، إلى درجة يدخل فيها الإنسان في وقتٍ ما حالةً من السعادة التي قد تصل إلى حد الموت، وفي وقت آخر يرتمي إلى أعماق اليأس.
– آرثر شوبنهاور| تهمة اليأس
3 314
إنّ حُبّ الاستطلاع الذي حملني على التجوال لم يكن ممتعًا فقط، بل مثمرًا أيضًا من نواحٍ عديدة. ولكن رغم ذلك لا بدّ للإنسان من مرسى ينطلق منه، ويستطيع العودة إليه دائمًا، وإدراكي هذا اليوم أفضل منه في أي وقت مضى، بما أنّ تجوالي في العالم لم يعد اختيارًا عابرًا. كان يستحوذ عليّ شعور خفيّ بأنّ الأشياء كلّها مؤقتة، لقد أقنعتُ نفسي بأنّ شيئًا ممّا قمتُ به لم يكن واقعيًا، سواء أكان في عملي الذي اعتبرته مسودات مفضية إلى الشيء الحقيقيّ، أم مع النساء اللواتي كنتُ أودهن. وهذا ما أعطى شبابي إحساسًا بالتخفف من الأعباء، وميلًا غير مقيد إلى التذوق، والاختبار، والتمتع. وفي حين كان أترابي قد تزوجوا من وقت طويل، وأنجبوا أطفالًا، وشغلوا مناصب مهمة، وقدموا ما عندهم وبكلّ طاقتهم، فقد بقيتُ أنا أعتبر نفسي شابًا ومبتدئًا، أمامه زمن غير محدود. وكما اعتبرتُ عملي تحضيرًا للشيء الحقيقيّ، وبطاقة زيارة عليها أنْ تعلن وجودي في دنيا الأدب. إنّ هذا التدرب على المؤقت بقيت أراه خطأ أعوامًا عديدة، ولكن عندما رأيتُ كلّ ما حولي ينهار، تبيّن لي أنّه كان عونًا لي، فاكتسابه المبكر قد هون عليّ كلّ خسارة، وكلّ مغادرة.
– ستيفان زفايغ| عالم الأمس-1942م
3 314
كما يتوسط النهار الصباح والمساء، تتجاذب حياتي بين الرغبة الملحة في السفر والحنين إلى الاستقرار، وأحس سيأتي يوم أبلغ فيه حدًا يغدو معه الترحال جزءًا من روحي، وقتذاك سأحتفظ بالصور والانطباعات في داخلي، غير مضطر إلى نقلها أدبيًا ووسمها بالواقع. وربّما سأجد أيضًا ذلك البيت السري في داخلي، فأكف عن مغازلة الحدائق والبيوت الصغيرة، سأمكث في بيتي مع ذاتي! كم ستكون الحياة مختلفة؟ سيكون ثمّة مركز، ومن هذا المركز ستنتشر كلّ القوى. ولكن ما من مركز لحياتي؛ إنّ حياتي لتتأرجح بين أقطاب عديدة وأقطاب معاكسة، توق إلى الإقامة من جهة، وتوق إلى التجوال من جهة أخرى، رغبة في الوحدة والانعزال هنا، ونزعة إلى الحُبّ والمخالطة هناك. لقد عنيتُ بجمع الكتب واللوحات الفنيّة زمنًا ثمّ تخليتُ عنها، وتعهدتُ شهواتي الحسيّة ورذائلي بالرعاية ثمّ أنكرتها وارتدعت عنها في سبيل الزهد والتكفير، لقد بَجّلت الحياة بإخلاص على أنّها جوهر، وأدركتُ من ثمّ أنّ بإمكاني معرفتها وحبّها باعتبارها وظيفة فحسب. بيد أنّ ما أسعى إليه ليس تغيير ذاتي، فوحدها المعجزة تملك ذلك. إنّ ما أسعى إليه هو أنْ أَقبِض في التأرجح الدائم بين عنف المتضادات.
– هرمان هسه| تجوال
3 314
لا توجد مشكلات مسيطرة وأخرى تابعة، كلّ المشكلات تتداخل ببعضها البعض. وتحليل الزمن ليس استخلاص النتائج من مفهوم مسبق للذاتيّة، فهو الوصول عبر الزمن إلى بنيتها الملموسة. إذا نجحنا في فهم الذات، فلن يكون ذلك في شكلها المحض، بل في البحث عنها عند تقاطع أبعادها. علينا إذن أنْ نأخذ الزمن بذاته، وباتباعنا لجدليته الداخليّة نصل الى إعادة صهر فكرتنا عن الذات. الزمن ليس إذن مسارًا متتابعًا وتعاقبًا فعليًا قد اكتفي بتسجيله، فهو ينشأ من علاقتي بالأشياء. إنّ المستقبل والماضي في الأشياء بالذات يبدوان وكأنّهما في نوع من الوجود السابق والأحياء الأزليين: فالمياه التي ستمر غدًا هي في هذه اللحظة عند المنبع، والمياه التي مرت قبل قليل هي الآن في الوادي المنخفض، فما هو ماضٍ ومستقبل بالنسبة لي هو حاضر في العالم. فالإدراك لا يُعطى أولًا كحدثٍ في العالم باستطاعتنا أنْ نطبّق عليه مثلًا مقولة السببيّة، ولكن كإبداعٍ جديد أو كتكوين جديدٍ للعالم في كلّ لحظة. إذا كنا نؤمن بماضي العالم، بالعالم الماديّ الفيزيائيّ، بالجسم كما نتصوره، فذلك لأنّنا نملك حقلًا إدراكيًا حاضرًا وراهنًا، ومساحةً للتماس مع العالم.
– موريس مرلوبونتي| ظواهرية الإدراك
3 314
في كلّ طرفة عين من وجودنا نسمع ونبصر ونحس أشياء كثيرة لا تستوعبها ذاكرتنا، وهذه كلّها، عن غير وعي منّا؛ تصبح خيوطًا في نسيج الحياة التي هي حياتنا. وفي كلّ طرفة عين نفكر أفكارًا ونشتهي شهوات ونحلم أحلامًا، ونعمل أعمالًا لا حصر ولا عدّ لألوانها. وهذه جميعها تفعل فعلها فينا وفي الآخر، فتغدو خيوطًا في نسيج حياتنا وحياته، وهذه الخيوط تمتد إلى أبعد من مجال بصرنا وإدراكنا بكثير، فكيف لنا أنْ نحدد مدى تأثيرها فينا وفي الغير؟ لو كان لأيّ عمل أو فکر نتيجة تنتهي إلى حد، ولكنّ النتائج لا تقف عند حد، بل تمتد وتتغلغل في المستقبل إلى غير نهاية. فهي أبعد بكثير من مجال إدراكنا ما دمنا نجهل القوى التي تسيرها، والقوانين التي تمشي عليها. وهذه القوى والقوانين هي التي تسيطر، في الواقع، على نتائج أفكارنا وأعمالنا فتردها إلينا، إما خيرًا وإما شرًا، حسبما تقتضيه متطلبات نموّنا وتطوّرنا الجسديّ والرُّوحي. فما أكثر ما نسعى بكلّ قوانا إلى أشياء بعينها فتمتنع علينا، وما أكثر ما نهرب من أشياء فإذا بها تلاحقنا كظلنا، وقد يكون في ما نسعى إليه شقاء لنا جسيم، وفي ما نهرب منه خير لنا عميم.
– ميخائيل نعيمة| دروب-1954م
Series: 11.22.63
3 314
يخشى البشر من التركيز لأنّهم يخشون أنْ يفقدوا ذواتهم إذا استغرقوا للغاية بشيء آخر، أو بفكرة ما، أو بحدث ما. وكلّما ضعفت ذات المرء تعاظمت خشيته من فقدانها أثناء التركيز على ما هو ليس ذاته. وبالنسبة لشخص لديه نزعة تملك مهيمنة، فإنّ خوفه من ضياع ذاته هو أحد العوامل الأساسيّة الذي يجعله يتوجه إلى عكس التركيز. وأخيرًا، فإنّ التركيز يتطلب حيويّة داخليّة وليس حالة من الإنهاك، وهذا النوع من النشاطات نادر في يومنا هذا. تكمن صعوبة التركيز، تبعًا للتحليل الأخير، في حصيلة البنية الكاملة لنظام الإنتاج والاستهلاك المعاصر. فكلّما ازداد عمل الإنسان لخدمة الآلة، أو تصرفه وكأنّه جزء من آلة يتم تصنيعها من الحديد أو الفولاذ، تقلصت فرصه للوصول إلى التركيز. إنّ إجراءات (عمليّة) العمل شديدة الرتابة لأن تسمح بالوصول إلى التركيز الحقيقيّ، وكذلك الأمر مع فعل الاستهلاك. فالسوق يعرض أكبر قدر ممكن من أجزاء مختلفة من السلع المسليّة، وبوجود هذه التشكيلة الكبيرة من المسليات لا يعود من الضروري أو حتّى من الممكن التركيز على شيء واحد فقط.
– إريك فروم| فن الوجود
3 314
كان إحساسي بأنّني محاط أينما ذهبت بأشخاص «يبثون» لكنّهم لا «يستقبلون» يُبادِر إلى ذهني أنّ النرجسيّة أيضًا حالة من فساد الانتباه. ففي ثقافة تسرق تركيزنا باستخدام هذه المحفزات الهامشيّة، ينسى البشر إنّ في داخلنا قوة تجعلنا قادرين على التركيز لفترات طويلة من الزمن وعلى الاستمتاع بذلك؛ وهي كفيلة بجعلنا أكثر غنى وأوفر عافيةً إذا هيّأنا الشروط المناسبة كي نعيش حالة الفيض. بعد أنْ أدركتُ هذا، فهمت السبب الذي كان يجعلني لا أعاني انزعاجًا فحسب، بل أرى نفسي قليل الشأن، مُقصِرًا، عندما أحس بأنّ انتباهي مشتت دائمًا. وذلك لعلمنا أنّنا لا نستخدم واحدة من أعظم قدراتنا عندما نكون بعيدين عن أي تركيز. عندما نحرم أنفسنا من حالة الفيض، نتقلّص إلى أنْ نصير «أجزاء» من ذواتنا فحسب، لأنّنا نحسّ أنّ لنا القدرة على ما هو أكثر من ذلك بكثير. لكن، ما هو ذلك الأمر؟ حتّى نتوصل إلى فهم أفضل، علينا ملاحظة البشر المنخرطين في نشاطات معيّنة. قال أحد متسلّقي الصخور ذات مرة: «سحر تسلّق الصخور هو التسلّق نفسه، تبلغ أعلى الصخرة وتكون فَرِحًا. مبرر التسلّق هو التسلّق، مثلما يكون مبرّر الشعر هو كتابة الشعر!».
– يوهان هاري| تركيزنا المسلوب
3 314
إنّ أنبل البشر اعتادوا أنْ يكونوا أكثرهم تواضعًا. لا يقوم التواضع الفاضل إلّا على التفكير الذي نقوم به حول ضعف طبيعتنا، وحول الأخطاء التي قد نكون ارتكبناها في الماضي، أو أنّنا قادرون على اقترافها، والتي لا تقل عن الأخطاء التي يمكن أنْ يرتكبها الآخرون. إنّ الذين هم نبلاء بهذه الطريقة هم ميالون طبيعيًا إلى عمل أشياء عظيمة، وعلى كل حال فهم لا يبادرون إلى القيام بأي شيء دون أن يشعروا بأنهم قادرون عليه. لذلك فهم دومًا بالتمام كيسون ودودون غير متكلفين. أضف إلى هذا أنّهم كليةً أسياد انفعالاتهم، وبشكل خاص أسياد الرغبات والغيرة والحسد، وسبب ذلك أنّهم يعتقدون بأنّ ليس هناك من شيء اكتسابه لا يتوقف عليهم يساوي الكثير كي يستحق بأنْ يتمنوه بشدة، وهم يتحكمون أيضًا في انفعال الكراهية نحو البشر، وكذلك هم أسياد خوفهم، لأنّ الثقة التي عندهم في فضيلتهم تمنحهم القوة، وأخيرًا فهم أسياد غضبهم ومردّ ذلك أنّهم لما كانوا لا يحترمون كلّ الأشياء التي تتوقف على إرادة الغير إلّا قليلًا جدًا، لذا فإنّهم لا يعطون أبدًا لأعدائهم أية أفضلية تجعلهم يعترفون بأنّهم قد أهينوا بسببها.
– رينيه ديكارت| انفعالات النفس
3 314
لو حاولنا مرة أنْ نتفحص أنفسنا، وأنْ نستخدم في سَبر أغوارنا الوقت الذي نقضيه في مراقبة الآخرين ومعرفة الأمور التي هي خارجنا، فإنّنا سندرك بسهولة كيف أنّ نظامنا الباطن مُكوّن من عناصر ضعيفة وغير مكتملة. أليس عجزنا على الاكتفاء بأي شيء تحت سطوة الهوى والخيال، وعدم قدرتنا على تمييز ما يلزمنا، دليلًا قاطعًا على عدم كمالنا؟ وما يشهد على ذلك هو الجدل الكبير الذي ثار بين الفلاسفة عن الخير المتأصل في الإنسان، وهو جدل لا يزال دائرًا وسيدوم إلى الأبد، من غير أنْ يتوصلوا إلى إجماع عليه ولا لحل قاطع له. مهما كان ما يدخل في معرفتنا وما نملك، فإنّنا نحس أنّ ذلك لا يرضينا البتة، بحيث نجري دومًا وراء الأشياء المستقبليّة والمجهولة؛ لأنّ أمور الحاضر لا تنجح في إشباعنا. رغبتنا حائرة ومتقلبة؛ فهي لا تحافظ على شيء ولا تتمتع بشكل لائق بأي شيء، والإنسان يعزو علّة ذلك لعيب في الأشياء التي يملكها، ويتغذى ويحشو نفسه بتلك التي لا يعرفها ولا يفهمها، ناسبًا إليها رغباته وآماله. وكما قال يوليوس قيصر: «إنّه لخطأٌ شائع وطبيعيّ لدى الإنسان أنْ يحس بثقة متزايدة أو برهبة أكثر حدةً إزاء وضعيّة مجهولة وجديدة».
– ميشيل دو مونتيني| المقالات
3 314
الخير الأعظم في اعتقادنا هو أنْ نحسن الاكتفاء بذاتنا، نحن واثقون من أنّ أقل الناس حاجةً إلى الثراء هم الذين يتمتعون بهِ أكثر من غيرهم، فكلّ ما هو طبيعيّ يتيسر الحصول عليه، وكلّ ما هو غير طبيعيّ يصعب مناله. والمتعة التي نجدها في تناول طعام بسيط ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أنْ يزول الألم المتولد عن الحاجة. وإنّ قليلًا من خبز الشعير والماء يجعلنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. وبناءً على ذلك فإنّ التعود على العيش البسيط والقنوع لهو أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيّدة وما يُيسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضروريّة، كما أنّه يجعلنا، عند وجودنا أمام ما لَذ وطَابَ من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حقّ التمتع، وهو أخيرًا ما يجعلنا لا نخشى تقلبات الدهر. وبالتالي فعندما نقول إنّ اللّذة هي غايتنا القصوى، فإنّنا لا نعني بذلك اللذات الخاصة بالفساق أو اللذات المتعلقة بالمتعة العابرة، كما ذهب ببعضهم الظن، نظرًا لجهلهم بمذهبنا، أو لعدم موافقتهم عليه، أو لتأويلهم الخاطئ له، بل اللذة التي نقصدها هي التي تتميّز بانعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس.
– إبيقور| رسالة إلى مِينيسي
3 314
عندما يكون المرء مضطرًا لأن يجعل من العقل طاغية، كما فعل ذلك سقراط، فإنّ الخطر لن يكون هينًا أنْ يحول شيء آخر أيضًا إلى طاغية. لقد تم اعتبار المنحى العقليّ آنذاك منقذًا، ولم يكن لا لسقراط ولا لـ«مرضاه» خيار في أنْ يكونوا عقليين؛ كان ذلك أمرًا محتمًا، وكان ذلك وسيلة علاجهم الأخيرة. قد كان المنحى الأخلاقيّ لدى فلاسفة اليونان منذ أفلاطون محددًا بمرضهم، وكذلك الاعتبار الذي كانوا يقيمونه للجدل. إنّها لمغالطة للذات من قبل الفلاسفة والأخلاقيين ذلك الاعتقاد بأنّه بإمكانهم الخروج من وضع الانحطاط بإعلان الحرب على الانحطاط، هذا أمر يتجاوز طاقتهم: ما اختاروه كعلاج، وكوسيلة إنقاذ ليس سوى تعبير هو أيضًا عن الانحطاط. النور الساطع والعقل بأي ثمن، والحياة الواضحة وضوح النهار، الرتيبة، الواعية، دون غرائز وفي تعارض مع الغرائز= لم تكن في حد ذاتها سوى حالة مرضيّة، مرضًا آخر؛ وليست بالمرة عودة إلى «الفضيلة» وإلى «العافية»، وإلى السعادة. ضرورة مكافحة الغرائز، تلك هي القاعدة التي يتأسس عليها الانحطاط، طالما ظلت الحياة في حركة صعود فإنّ السعادة تساوي الغريزة.
– فريدريك نيتشه| غسق الأوثان
3 314
لا يمكننا الانحياز إلى الحياة الحقيقيّة للعالم إلّا حين نمتلك إرادة أكثر ممّا نمتلك الذكاء، أو أنْ نمتلك نبضًا أكثر ممّا نمتلك منطقًا. إلّا أنّ ثمّة كبرياء، أكثف من ذاك الذي قتلني، والذي سيقتلني، لا يمكنه احتمال أنْ يتم عرض أمام العار المفترض في العصور المقبلة، هذا الجسد المشوه وغير المحدد لعدم الكمال الذي لا يمكن تجنبه: عدم الكمال العائد للرُّوح التي يسكن فيها والتي يحددها. يتطلب كبرياء الذكاء أنْ يعترف بأنّه محدود، كما أنّ الكون موجود خارجه. الاعتراف-أأعجبنا ذلك أم لم يعجبنا-بأنّ القوانين الطبيعيّة لا تنثني لرغباتنا، وأنّ العالم موجود بشكل مستقل عن رغبتنا، بأنّ فتنتنا لا تثبت شيئًا فيما يخص البشر الذين يمرون تحت شبابيكنا: ها هو الاستعمال الحقيقيّ للمنطق، ولعزة النفس التقليديّة للرُّوح. إنّنا جميعًا جنود في كتيبة هذه الحياة الغريزيّة؛ يلزمنا أنْ نعيش وفق قانون المنطق، أو حتّى من دون أي منطق. لا يملك الرجل، من جهته، حيزًا مكتملًا، غير قابل للتصرف، سوى الشرف أو الصمت. شعرتُ بذلك، بشكل أقوى من ذي قبل، في نيران المدفأة التي انتهت فيها مخطوطاتي دومًا.
– فرناندو بيسوا| تربية الرواقي
3 314
يغلب على حديث شميت في كتابه ناموس الأرض وكتاباته السابقة الحديث عن إنتاج القوانين التي شرعنتها هذه الأجهزة القانونية بغير أنْ يصدر منها تحليل شامل للعمليات الاقتصاديّة من إنتاج لمواد الطبيعة والاستيلاء عليها. ومع ذلك، فإنّ شميت كان من أوائل من أدركوا أنّ الليبرالية كانت في حقيقتها شكلًا أحال الدولة والسياسة إلى اقتصاد. ربما تكون النيوليبرالية هي "ناموس الأرض" الجديد بالمعنى الشميتي المثير، لكنها خلافًا للفهم الشائع أمكر من مجرد الهيمنة والنهب والاستغلال وأخفى وأدق من ذلك، فكما ذكرت في موضع آخر، إنها شكل جديد نافذ على صياغة للإنسان باعتباره رأس مال يمكن استغلاله بلا حدود، من خلال آلة ضخمة من العلامات تعمل مع التناقض العابر مع مثلنا العليا ورغباتنا وتصوراتنا. يذكرنا شميت الذي ابتكر مفهوم "اللاهوت السياسي" أنه من السهل على الهلوسة العالميّة عن سلام نيوليبراليّ عالميّ مؤسس على مبادئ التوزيع الزائفة للهوية الشخصيّة والرغبة الفرديّة أن تغرينا. كما يذكرنا أنه على اللاهوت السياسي أن يتعامل دائمًا مع مسألة الناموس انطلاقًا من ضرب من التفرد السيادي، وهو ما يسري على "ناموس الأرض"
– كارل راشكه| ما هو ناموس الأرض الجديد؟
3 314
جميع القواعد اللاحقة، المكتوبة منها وغير المكتوبة، تستمد قوتها من المقياس الداخليّ لفعل أصليّ تأسيسيّ لترتيب المكان. وهذا الفعل الأصليّ هو الناموس (Nomos)، أما جميع التطورات اللاحقة، فهي إما نتائج لهذا الفعل وامتدادات له، أو عمليات إعادة توزيع، إما استمرارًا على الأساس نفسه، أو تفككًا وانحرافًا عن فعل التأسيس للترتيب المكانيّ الذي أنشأه الاستيلاء على الأرض، أو تأسيس المدن، أو الاستعمار. ومن المؤكد أنّ مثل هذه العمليات التأسيسيّة ليست أحداثًا يوميّة، لكنّها في الوقت نفسه ليست مجرد مسائل تنتمي إلى عصور غابرة، ولا تقتصر أهميتها اليوم على الاهتمام الأثريّ. فما دام تاريخ العالم لا يزال مفتوحًا ومتغيرًا، وما دامت الظروف لم تُثبت وتتحجر؛ أي ما دام البشر والشعوب لا يملكون ماضيًا فحسب، وإنّما يملكون مستقبلًا أيضًا، فإنّ ناموسًا جديدًا سينشأ في المظاهر المتجددة باستمرار للأحداث التاريخيّة العالميّة. فالناموس بالنسبة إلينا هو مسألة العمليّة الأساسيّة لتوزيع المكان، وهي العملية الضروريّة لكلّ عصر تاريخيّ؛ أي إنّها مسألة التلاقي، المحدد للبُنية، بين النظام والتوجيه في تعايش الشعوب على هذا الكوكب.
– كارل شميت| ناموس الأرض
3 314
Repost from Hussein.A.Salim
حينما نصف شيئًا بكونه غير جدير لما بذلناه له، أو إنّه لا يستحق منّا العطاء الممنوح؛ فإنّنا ندين أنفسنا قبل أنْ ندينه. إذ ينطوي هذا الحكم على مفهوم مفاده أنّ قيمة الفعل كانت معلقةً على قيمة متلقيه، وأنّ العطاء لم يكن يحمل كفايته في ذاته، بل كان يُنتظر من موضوعه أنْ يسبغ عليه معناه، وما إنْ يتداعى ذلك الموضوع حتّى يتداعى معه الفعل كلّه. فوصفنا يفترض ضمنًا أنّ قيمة الفعل كامنة في مصيره، وأنّ معناه يتحدد بما يلقاه من مردود، حتّى يصبح الاستحقاق هو المعيار الذي يُضفي على البذل شرعيته أو ينتزعها منه. والحق أنّ الفعل الصادق يحمل مبرره بذاته قبل أنْ يحمله خلال نتائجه، فمن يمنح بدافع الإيمان بالعطاء، أو يخلص لوعد قطعه، يكون قد استوفى معنى فعله لحظة صدوره، إذ لم يكن ينتظر من العالم شهادةً على صحة اختياره. أما حين يتوقف الرضا عن الفعل على حجم ما يعود به من تثمين أو وفاء أو مقابلة، فإنّ الإخلاص يغدو ناقصًا بقدر ما يترضيه من عوائد يستحسنها. ولذلك يكشف الندم، إذا أمعنا النظر فيه، عن شكل من أشكال إيهام الذات، فهو لا يتمثل عبر القول الصادق، وإنما في إضفاء صفة الإخلاص على فعل غايته الحقيقيّة تكمن في أثره المرتقب. وحالما يتعذر الأثر المعنيّ؛ يتبدل معنى الفعل إجمالًا، فيشعر صاحبه أنّه قد خُذل، مع أنّ الخذلان قد انبثق منذ اللحظة التي ربط فيها قيمة ما يفعل بما سوف يجنيه. فالندم في هذه الحالة هو نوع من التعلق الخفيّ بالثمرة أكثر من تعلقه بالفعل ذاته. فهو يعلن أنّ ما مضى كان يستمد قيمته من شعورٍ ما، أو من نتيجة بعينها، إذا انهارت تلك الصورة انهار معها كلّ شيء. أما الصدق، فهو يمنح الفعل استقلاله، ويحرره من الارتهان بعواقبه.
3 314
قبل أنْ يسعى المرء إلى الفوز برضا اللحظة بثنائه على المحبّة، عليه أنْ يتأكد أولًا الى أي مدى تمتلك اللحظة الحاضرة تصورًا حقيقيًا للمحبّة. هل تستطيع اللحظة الحاضرة التي توجد الآن، أو هل يمكن للحظة الراهنة على الإطلاق أنْ يكون لها تصوّر حقيقيّ عن ماهيّة المحبّة؟ كلا، وهذا محال. ذلك أنّ المحبّة وفقًا لفهم اللحظة الحاضرة أو الفوريّة لا تعدو أنْ تكون حبًا للذات. وبالتالي، يكون من الأنانيّة أنْ نتحدث على هذا النحو عن المحبّة، ومن الأنانيّة أيضًا أنْ نفوز بهذا الرضا. الحبّ الحقيقيّ يعني أنْ نتخلى عن اللحظة الحاضرة وعن الفوريّ، ولكن من المستحيل تمامًا في هذه الحالة إذن اكتساب رضا اللحظة الحاضرة بحديث صادق عن المحبّة، والتي لا تكون حبًا إلّا لأنّها تخلت عن اللحظة الحاضرة. وعلى هذا فإنّ ما يعتبره العالم عامّةً جديرًا بالمحبّة، ينظر إليه الأبديّ بالطبع على أنّه شيء خليق بالعقوبة. وما يصفه العالم بأنّه شخص محبوب؛ هو قبل كلّ شيء إنسان يحرص كلّ الحرص ألا يلبي من صميم قلبه مطالب الأبديّ، أو مطالب الرب لكي يحيا وجودًا جوهريًا أو وجودًا متقدًا في جوهرهِ.
– سورين كيركيغارد| أعمال المحبّة-1847م
3 314
الآن تتحدث واشنطن علنًا وبأشد درجات الصراحة والوضوح عن خططها لإقامة ترتيبات أمنيّة في المنطقة ترقى إلى درجة "الحلف" على نموذج حلف الأطلسيّ، كما قال كلّ من بيكر وتشيني وزيري الخارجيّة والدفاع الأمريكيين في الأسبوع الماضي، بحجة ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة وحتّى لا يتكرر غزو جديد كغزو العراق للكويت. فهل كان صدام حسين بقراره الطائش باغتيال الكويت واحتلالها، مدركًا لكلّ ذلك، ضالعًا في سيناريو المتغيرات، أم كان ضحية السذاجة السياسيّة التي تتحكم في معظم سياسي المنطقة؟ قد يبدو التساؤل ساذجًا، لكنّ المؤكد أنّ تفجير الصراع في الخليج منذ الثاني من آب الماضي، لم يكن اعتباطًا ولا رمية طائشة في بحر ساكن. الأرجح عندي أنّ القضية متكاملة القواعد والأهداف ومعروفة الأساليب والوسائل، سواء كان صدام حسين متواطئًا أو كان ساذجًا مخدوعًا، فهو في الحالتين قام بالدور وأدى المهمة. فإنّ الأزمة التي فجرها غزو العراق للكويت ستطول لأنّها أزمة تحول استراتيجيّ عالميّ، وليست مجرد أزمة عسكريّة عاجلة أو مؤقتة بين طرفين محدودين، ولأنّها وقعت في منطقة لها أهميتها الجيوبوليتيكيّة التي لا تخفى على أحد.
– سفر الحوالي| وعد كيسينجر-1991م
