تَمَاْيُز
Open in Telegram
إِنْ يَغْلِب اَلصَّبرُ فَالْعُقْبَى لِمُصطَبِرٍ أَوْ يَغْلِب اَلْوَجدُ فَالدُّنيَا لِمَن غَلَبَا
Show more3 364
Subscribers
+424 hours
+87 days
+5730 days
Posts Archive
3 363
من الخطر الاعتماد الزائد في الأمور الأخلاقيّة على قضايا الدافع والإرادة، وحيث إنّ الفعل الصالح عرضة للشك في دوافعه؛ فإنّ كانط أخطأ في افتراض أنّ الإرادة لها اليد العُليا في المسائل الأخلاقيّة، فالأهم في مثل هذه المسائل هو ما تفعله وليس ما تريده أو تنويه. كما أنّ فكرة كانط التي اعتبرها حقيقيّة عن الإرادة تبدو بعيدة كلّ البعد عن أنْ تحظى بالاستحسان، مقارنةً مثلًا بمفهوم الإرادة عند توما الأكويني. فالإرادة عند الأكويني ليست دافعًا عقليًا غير مشروط، بل هي نوع من التوجه الأولي في وجودنا، ونزعة داخلية إلى الخير أو الطبيعيّ موجهة نحو صلاح المعيشة؛ فبالنظر إلى وجودنا الجسديّ فنحن لدينا رغبة في الخير ليست اختياريّة في حد ذاتها، فمسائل الاختيار كما رأى الأكويني تعتمد في النهاية على تكوين أجسادنا الماديّ؛ فهو مفهوم للإرادة يتمتع بقبول أكثر من معظم نظائره الحديثة. يقع كانط في خطأ جوهريّ في كتاباته الأخلاقيّة، وهو افتراض أنّ الفرق الأخلاقيّ المهم هو الفرق بين النزعة الطبيعيّة والالتزام. إنّ كانط قبل غيره هو من أدى بالفكر الأخلاقيّ إلى المساواة الزائفة بين الأخلاق والواجب.
– تيري إيغلتون| مشكلات مع الغرباء
3 363
لا شَكّ أنّ ثمّة آلاف الإغراءات تنحرف بنا كلّ يوم عن جادة الصواب، لكنّ أشدها خطرًا هو محاولة الإنسان أنْ ينسلخ عن طبيعته التي وُلد بها، وأنْ يضع نصب عينيه مُثُلًا عُليا ومبادئ أخلاقيّة يعجز عن بلوغها، بل لا ينبغي عليه من الأساس أنْ يفكر فيها. وهذه الإغراءات أشد أثرًا وخطرًا على البشر من وساوس النفس العادية، وسبب خطورتها أنّها ترتدي-ظاهريًا-قناعًا وهميًا اسمه المثالية والأخلاق. ما يحدث في الحقيقة أنّ الخيال البشريّ يجرب إمكانات المستقبل المتاحة أمامه، لكنّ الحياة لا تسمح بتحقق هذه الأمنيات، فسرعان ما تتبدد أحلام الطفولة والشباب، غير أنّ الإنسان رغم ذلك لا يتوقف عن أنْ يمنّي نفسه ببلوغ آمال ليست من نصيبه، فيعذب نفسه بمتطلبات فوق طاقته، ويُثقل روحه، وهذا هو حال كلّ واحد منا. لكن في لحظات اليقظة الداخليّة نشعر أنْ لا سبيل أمامنا ولا خلفنا إلّا القبول بمواصلة الحياة بحلوها ومُرها، وبكلّ ما فيها من مزايا وعيوب. الحقيقة أنّ أرواحنا لا تتوق إلى شيء أكثر من توقها لأن تنضج نضوجًا هادئًا لا تقيده القيود، وعند تلك اللحظة يصل الإنسان إلى التوافق مع هذا العالم.
– هرمان هسه| أنت جواب السؤال
3 363
إذا كان هنالك تمييز نوعيّ فيما يتعلق بجميل الطبيعة، فإنّه ينبغي تعقبه في درجة التعبير التي لما هو ليس من صنيع البشر، أي عبارته. الجميل في الطبيعة هو ما يظهر على أنّه أكثر ممّا يكون عليه حرفيًا، في موضعه ومحله، من دون قابلية تأثر. لن تكون هنالك مثل تلك العبارة الموضوعيّة، ولكنّها لا تختزل ولا ترد إلى الذات، فالجميل الطبيعيّ يدل على أوليّة الموضوع في التجربة الذاتيّة. والمرء لا يدركه إلّا بما هو ذلك اللازم الذي لا يُفهم ولا مناص منه، ذلك الذي يُنتظر مُستشكلًا حلَّه. فلا شيء ينتقل بالتمام من الجميل الطبيعيّ إلى الآثار الفنّية أكثر من ذلك الطابع المزدوج. من هذا المنظور تحديدًا، الفن هو تقليد للجميل الطبيعيّ بدلًا من أنْ يكون تقليدًا للطبيعة. والجميل الطبيعيّ ينمو بقدر ما ينمو مقصد الاستعارة الذي يطعن فيه من دون أنْ يفك شفرته، وبقدر ما تنمو الدلالات التي لا تتموضع على العكس من اللغة الدالة، ولهذه الدلالات على الإطلاق ماهيّة تاريخيّة. عبارة «ما أجمله!» إنّما تتناسب مع التركيز الموتور بالنظر إلى الآثار الفنيّة، وليس مع الطبيعة، فالإدراك الخام يعرف أكثر من غيره عن جمال الطبيعة.
ثيودور أدورنو| نظريّة استطيقيّة-1969م
3 363
قد أدى انفصال الإنسان بالتدريج عن الطبيعة، هذه الطبيعة التي لا يزال من مخلوقاتها رغم أنّه يواجهها كخالق بشكل يتزايد باستمرار، أدى إلى نشوء قضية من أعمق قضايا الوجود الإنسانيّ، فهناك أساس حقيقيّ للحديث عن «الطبيعة المزدوجة» للإنسان. إذ أنّه مع استمرار انتمائه للطبيعة؛ أوجد «طبيعة مضادة» أو «طبيعة عليا». لقد أنشأ من خلال العمل نوعًا جديدًا من الواقع: هو واقع حسيّ وفوق حسيّ في الوقت ذاته. وليس الواقع في أي حال مجرد تراكم لوحدات منفصلة تقوم إحداها إلى جانب الأخرى دون رابطة فيما بينها. فكلّ شيء ماديّ متشابك مع كلّ شيء مادي آخر، وهناك بين الأشياء علاقات متعددة، وهي علاقات واقعيّة كواقعيّة الأشياء الماديّة ذاتها. ولا يتشكل الواقع من الأشياء إلّا في ارتباطها بغيرها من الأشياء، وكلّما زادت هذه الارتباطات غنى وتعقيدًا، زاد الواقع هو الآخر كذلك. إنّ العلاقات الجديدة بين الإنسان والطبيعة، وبين إخوته من البشر، قد تغلغلت في هذه الكتلة من المادة وأضفت عليها مضمونًا ووصفًا جديدًا لم يكونا لها من قبل. وهكذا، فالإنسان، أي الكائن العامل، هو الخالق لواقع جديد، ولطبيعة متفوقة، وأعجب نتاج لها هو العقل.
– إرنست فيشر| ضرورة الفن
3 363
Repost from منارة الفن | Beacon of Art
حين نتحدثُ عن الفن، لا يمكن أن تكون الطبيعة والنباتات بِمنأى عنهُ، حيثُ يستلهم الكثير من الرسامين والمصممين الألوان والتقسيمات منها، وعليهِ أُشارككم موسوعة The Pocket Encyclopaedia of Indoor Plants.
هذا الكتاب ليس مجرد دليلٍ للعناية بالنباتات، بل هو معرضٌ فنيٌ مُصغر. اللوحات الملونة في صفحاته تُظهر النبات كمنحوتةٍ حية.
التناظر الهندسي في الأوراق، وانحناءات الساق، وتداخل الضوء والظل، يجعلنا ندرك أن الطبيعة هي المُعلم الأول لكل فنان.
وهذا التأثر بالجمال النباتي هو ذاته ما
نراه مجسدًا في فن التوريق (الأرابيسك) في الزخرفة الإسلامية، حيث لم يقف الفنان عند حدود التأمل، بل نقل انسيابية الجذوع المتشابكة وحركة الأوراق إلى جدرانٍ ومخطوطاتٍ تنبض بالحياة والنماء المستمر.
الكتاب تذكيرٌ ملهم بأن الفن لا يقتصر على لوحةٍ معلقة، بل قد يتجلى في تفاصيل ورقة نباتٍ نتأملها.
📌زُوروا موقعنا الإلكتروني عَبر الضغط على الرابِط أدناه:
https://bnscience.org
3 363
عندما يفتح الجد في رواية إميل كليرمون بموسهِ براعم الزهور ليُسلّي حفيدته، فإنّ ما يظهر لعينَي الطفلة المنتشية، إنّما هو داخل تفاصيل منظمة. إنّ صورة الطفلة هذه لا تقوم إلّا بالتعبير عن إحدى حالات السعادة الراسخة لعلماء النبات. كتبَ جوفروا في كتابه المادة الطبّية: «إنّنا نعرف، ولا يمكن أنْ نعرف دون لذّة، بأيّ مهارة أمكن تنظيم فروع النباتات، وهي مزيّنة بأوراقها وبأزهارها وبثمارها، في البراعم». هل علينا أنْ نلاحظ أنّ لذّة تأمُّل هذه الزهور قد كبرتها إلى أبعد الحدود؟ فأنْ نرى في البرعم والزهرة والثمرة؛ هو أنْ نرى بعينَي الخيال. يبدو إذن أنّ الخيال هو أمل مجنون في الرؤية بلا حد، كما يظهر للحالم أنّه بقدر ما تكون الكائنات صغيرةً، تكون الوظائف فعالة. فالكائنات التي تعيش في فضاء صغير، تعيش زمنًا سريعًا، فبسجننا للحُلميّة نقويها. لهذا السبب تكون أحلام اليقظة التصغيريّة قوية ونافعة جدًا، وهي مناقضة لأحلام يقظة الهروب التي تحطم الرُّوح. هكذا يريد الخيال الدقيق أنْ يتسلّل إلى كلّ مكان، وهو لا يكتفي بدعوتنا إلى أنْ ندخل في صداقتنا، بل يدعونا إلى أنْ نتسلل أيضًا في كلّ صدفة لنعيش فيها.
– غ. باشلار| الأرض وأحلام يقظة الراحة
3 363
يحيا الإنسان، من الميلاد إلى الموت، مثل عبد مملوك لخارجيّة ذاته على غرار الحيوانات. لا يعيش الحياة بكاملها، وإنّما يحياها بخمول بملء إرادته وبطريقة أكثر تعقيدًا. حياته تسير وفق قواعد لا يعرف أنّها موجودة، ولا أنّ حياته تسير وفقها، وأفكاره، عواطفه، أفعاله، لاواعية كلّها ليس بسبب افتقارها إلى الإدراك، ولكن لانعدام وعيِيِّن فيها. أتابعُ، بتفكيرِ شارد، التاريخ العاميّ للحيوات العاميّة، وأرى كيف أنّها خاضعة تمامًا في كلّ شيء للسليقة اللاواعية، للظروف الخارجيّة الغيريّة، لدوافع من نمط عائليّ ومن حاجة ملحة إليه. كم مرات سمعتهم يتلفظون بالعبارة نفسها التي ترمز إلى تمام اللامعقوليّة، تمام اللاشيء، تمام الحمق الناطق بحيواتهم. إنّها تلك العبارة التي ينطقون بها بصدد أي متعة ماديّة: «هذا ما سيأخذه الواحد منّا من الحياة».. إلى أين سيأخذه؟ ولأجل ماذا سيأخذه؟ سيكون من المُحزن إيقاظهم من الظلّ الذي هم غارقون فيه بسؤال من هذه الأسئلة. ماديّ تمامًا مَن يتحدث هكذا، لأنّ كلّ إنسان يتحدث هكذا هو ماديّ، وإنْ على نحو غير واعٍ. لا أعرف عبارة أكثر مأساويّة ولا أكثر تعرية لآدميّة الإنسان من هذه.
– فرناندو بيسوا| اللاطمأنينة
3 363
هناك الكثير ممّا يمكن قوله عن إضاعة الحياة، لكن الذي ضُيّع فقط هو حياة ذلك الإنسان الذي واصل العيش مخدوعًا على نحو ما بأفراح الحياة أو أحزانها، بحيث إنّه لم يصبح أبدًا بصورة حاسمة وأزليّة واعيًا كروح، كذات، أو ما يرقى إلى نفس الشيء. آه، وأيّ بؤس بحيث يواصل العديد من البشر على هذا المسار، مخدوعين بأسعد الأفكار! أيّ بؤس بحيث إنّنا منغمسون فيه، أو بتشجيع الجموع البشريّة على الانغماس في كلّ شيء واستخدامها لتزويدها بالطاقة من أجل مسرحية الحياة، لكن دون تذكيرها أبدًا بهذه الحقيقة. أيّ بؤس يصيب البشريّة عندما تُحشَد وتُضَلّل بدلًا من تفريقها، بحيث يكسب كلّ فرد مرة أخرى: الروح الأسمى، الشيء الوحيد الذي يستحق العيش من أجله، ويكفي العيش فيه إلى الأبد. أعتقد أنّ بوسعي أنْ أبكي بأزليّة على وجود مثل هذا البؤس. عندما يُسكت ضجيج الحياة العلمانيّة، ويصل الزحام المضطرب أو الخامل نهايته، عندما يكون كلّ شيء هادئًا حولك كما هو في الأبديّة، سواء كنت رجلًا أو امرأة، ثريًا أو فقيرًا، مستقلًا أو تابعًا؛ تسألك الأبديّة، وكلّ فرد بين هذه الملايين عن أمر واحد فقط: إنْ كنت قد عشت يائسًا أم لا.
– س. كيركيغارد| المرض حتّى الموت-1848م
3 363
كونه يزدري سعادته ومأساته، فضائله ورذائله، ونفسه باعتبارها مقياسًا لكلّ الأشياء، فإنّه لا يأمّل أي شيء من نفسه ويريد أنْ يرى في كلّ الأشياء هذا العمق اليائس. تكمن قوته في ترك نفسه؛ وإذا فکر في نفسه فإنّه يقيس المسافة بين نفسه وبين هدفه السامي، ويشعر كما لو أنّه يرى خلفه وتحته مجرد كومة صغيرة من النفايات. سعى المفكرون القدماء إلى السعادة والحقيقة بكلّ قواهم، ويقول مبدأ الطبيعة الظالم: إنّه لن يعثر أحد في يوم ما على ما أُجبروا على البحث عنه. لكن بالنسبة للذي يبحث عن اللاحقيقة في كلّ شيء ويتحالف بطواعية مع المأساة فربّما سيجرب شيئًا أخر، خيبة من نوع آخر: شيئًا لا يمكن التعبير عنه، حيث السعادة والحقيقة ليسا سوى شعاع كاذب يدنو منه، فتفقد الأرض جاذبيتها، وتصبح أحداث وقوى الأرض كحلم، وينتشر حوله ضياء الصحو كما في أمسيات صيفيّة. بالنسبة للذي يرى تلك الأشياء كما لو أنّه بدأ يستيقظ للتو، وكما لو أنّ غيمات قليلة فقط من حلم هارب ما تزال تحوم حوله. يومًا ما هي الأخرى ستختفي أيضًا، من ثمّ سيكون النهار.
– فريدريك نيتشه| شوبنهاور مربيًا
3 363
إنّ المصدر الرئيسيّ لكلّ هذا الشغف هو التفكير بما هو غائب وبالمستقبل، والذي يمارس في حالة الإنسان، تأثيرًا قويًا جدًا على كلّ أفعاله. هذا هو الأصل الحقيقيّ لكلّ اهتماماته وآماله ومخاوفه: تلك المشاعر التي تؤثر فيه أعمق بكثير إذا ما قورنت بأي شيء من المتعة والمعاناة التي يخضع لها الوحش. فمن حيث قدرته على تأمُّل الماضي والذاكرة، والتبصر إلى الأمام؛ يمتلك الإنسان، إذا صح التشبيه، آلة لتكثيف متعه وآلامه وتخزينها. ولكنّ الوحش ليس لديه شيء من هذا القبيل، فمتى تألّم يكون ذلك وكأنّه يعاني الألم أول مرة، على الرغم من أنّ الشيء نفسه لا بدّ قد حصل له مرات لا تحصى. هو لا يملك القدرة على تجميع مشاعره، وهذا سبب مزاجهِ غير المكترث والهادئ، وكم يُحسد على ذلك! ولكنّ التأمُّل يتدخّل لدى الإنسان، مع كلّ المشاعر التي يثيرها. ولأنّ الإنسان لديه نفس عوامل المتعة والألم، المشتركة بينه وبين الوحش، فإنّ هذا يطوّر قابليته للسعادة والتعاسة، إلى درجة يدخل فيها الإنسان في وقتٍ ما حالةً من السعادة التي قد تصل إلى حد الموت، وفي وقت آخر يرتمي إلى أعماق اليأس.
– آرثر شوبنهاور| تهمة اليأس
3 363
إنّ حُبّ الاستطلاع الذي حملني على التجوال لم يكن ممتعًا فقط، بل مثمرًا أيضًا من نواحٍ عديدة. ولكن رغم ذلك لا بدّ للإنسان من مرسى ينطلق منه، ويستطيع العودة إليه دائمًا، وإدراكي هذا اليوم أفضل منه في أي وقت مضى، بما أنّ تجوالي في العالم لم يعد اختيارًا عابرًا. كان يستحوذ عليّ شعور خفيّ بأنّ الأشياء كلّها مؤقتة، لقد أقنعتُ نفسي بأنّ شيئًا ممّا قمتُ به لم يكن واقعيًا، سواء أكان في عملي الذي اعتبرته مسودات مفضية إلى الشيء الحقيقيّ، أم مع النساء اللواتي كنتُ أودهن. وهذا ما أعطى شبابي إحساسًا بالتخفف من الأعباء، وميلًا غير مقيد إلى التذوق، والاختبار، والتمتع. وفي حين كان أترابي قد تزوجوا من وقت طويل، وأنجبوا أطفالًا، وشغلوا مناصب مهمة، وقدموا ما عندهم وبكلّ طاقتهم، فقد بقيتُ أنا أعتبر نفسي شابًا ومبتدئًا، أمامه زمن غير محدود. وكما اعتبرتُ عملي تحضيرًا للشيء الحقيقيّ، وبطاقة زيارة عليها أنْ تعلن وجودي في دنيا الأدب. إنّ هذا التدرب على المؤقت بقيت أراه خطأ أعوامًا عديدة، ولكن عندما رأيتُ كلّ ما حولي ينهار، تبيّن لي أنّه كان عونًا لي، فاكتسابه المبكر قد هون عليّ كلّ خسارة، وكلّ مغادرة.
– ستيفان زفايغ| عالم الأمس-1942م
3 363
كما يتوسط النهار الصباح والمساء، تتجاذب حياتي بين الرغبة الملحة في السفر والحنين إلى الاستقرار، وأحس سيأتي يوم أبلغ فيه حدًا يغدو معه الترحال جزءًا من روحي، وقتذاك سأحتفظ بالصور والانطباعات في داخلي، غير مضطر إلى نقلها أدبيًا ووسمها بالواقع. وربّما سأجد أيضًا ذلك البيت السري في داخلي، فأكف عن مغازلة الحدائق والبيوت الصغيرة، سأمكث في بيتي مع ذاتي! كم ستكون الحياة مختلفة؟ سيكون ثمّة مركز، ومن هذا المركز ستنتشر كلّ القوى. ولكن ما من مركز لحياتي؛ إنّ حياتي لتتأرجح بين أقطاب عديدة وأقطاب معاكسة، توق إلى الإقامة من جهة، وتوق إلى التجوال من جهة أخرى، رغبة في الوحدة والانعزال هنا، ونزعة إلى الحُبّ والمخالطة هناك. لقد عنيتُ بجمع الكتب واللوحات الفنيّة زمنًا ثمّ تخليتُ عنها، وتعهدتُ شهواتي الحسيّة ورذائلي بالرعاية ثمّ أنكرتها وارتدعت عنها في سبيل الزهد والتكفير، لقد بَجّلت الحياة بإخلاص على أنّها جوهر، وأدركتُ من ثمّ أنّ بإمكاني معرفتها وحبّها باعتبارها وظيفة فحسب. بيد أنّ ما أسعى إليه ليس تغيير ذاتي، فوحدها المعجزة تملك ذلك. إنّ ما أسعى إليه هو أنْ أَقبِض في التأرجح الدائم بين عنف المتضادات.
– هرمان هسه| تجوال
3 363
لا توجد مشكلات مسيطرة وأخرى تابعة، كلّ المشكلات تتداخل ببعضها البعض. وتحليل الزمن ليس استخلاص النتائج من مفهوم مسبق للذاتيّة، فهو الوصول عبر الزمن إلى بنيتها الملموسة. إذا نجحنا في فهم الذات، فلن يكون ذلك في شكلها المحض، بل في البحث عنها عند تقاطع أبعادها. علينا إذن أنْ نأخذ الزمن بذاته، وباتباعنا لجدليته الداخليّة نصل الى إعادة صهر فكرتنا عن الذات. الزمن ليس إذن مسارًا متتابعًا وتعاقبًا فعليًا قد اكتفي بتسجيله، فهو ينشأ من علاقتي بالأشياء. إنّ المستقبل والماضي في الأشياء بالذات يبدوان وكأنّهما في نوع من الوجود السابق والأحياء الأزليين: فالمياه التي ستمر غدًا هي في هذه اللحظة عند المنبع، والمياه التي مرت قبل قليل هي الآن في الوادي المنخفض، فما هو ماضٍ ومستقبل بالنسبة لي هو حاضر في العالم. فالإدراك لا يُعطى أولًا كحدثٍ في العالم باستطاعتنا أنْ نطبّق عليه مثلًا مقولة السببيّة، ولكن كإبداعٍ جديد أو كتكوين جديدٍ للعالم في كلّ لحظة. إذا كنا نؤمن بماضي العالم، بالعالم الماديّ الفيزيائيّ، بالجسم كما نتصوره، فذلك لأنّنا نملك حقلًا إدراكيًا حاضرًا وراهنًا، ومساحةً للتماس مع العالم.
– موريس مرلوبونتي| ظواهرية الإدراك
3 363
في كلّ طرفة عين من وجودنا نسمع ونبصر ونحس أشياء كثيرة لا تستوعبها ذاكرتنا، وهذه كلّها، عن غير وعي منّا؛ تصبح خيوطًا في نسيج الحياة التي هي حياتنا. وفي كلّ طرفة عين نفكر أفكارًا ونشتهي شهوات ونحلم أحلامًا، ونعمل أعمالًا لا حصر ولا عدّ لألوانها. وهذه جميعها تفعل فعلها فينا وفي الآخر، فتغدو خيوطًا في نسيج حياتنا وحياته، وهذه الخيوط تمتد إلى أبعد من مجال بصرنا وإدراكنا بكثير، فكيف لنا أنْ نحدد مدى تأثيرها فينا وفي الغير؟ لو كان لأيّ عمل أو فکر نتيجة تنتهي إلى حد، ولكنّ النتائج لا تقف عند حد، بل تمتد وتتغلغل في المستقبل إلى غير نهاية. فهي أبعد بكثير من مجال إدراكنا ما دمنا نجهل القوى التي تسيرها، والقوانين التي تمشي عليها. وهذه القوى والقوانين هي التي تسيطر، في الواقع، على نتائج أفكارنا وأعمالنا فتردها إلينا، إما خيرًا وإما شرًا، حسبما تقتضيه متطلبات نموّنا وتطوّرنا الجسديّ والرُّوحي. فما أكثر ما نسعى بكلّ قوانا إلى أشياء بعينها فتمتنع علينا، وما أكثر ما نهرب من أشياء فإذا بها تلاحقنا كظلنا، وقد يكون في ما نسعى إليه شقاء لنا جسيم، وفي ما نهرب منه خير لنا عميم.
– ميخائيل نعيمة| دروب-1954م
Series: 11.22.63
3 363
يخشى البشر من التركيز لأنّهم يخشون أنْ يفقدوا ذواتهم إذا استغرقوا للغاية بشيء آخر، أو بفكرة ما، أو بحدث ما. وكلّما ضعفت ذات المرء تعاظمت خشيته من فقدانها أثناء التركيز على ما هو ليس ذاته. وبالنسبة لشخص لديه نزعة تملك مهيمنة، فإنّ خوفه من ضياع ذاته هو أحد العوامل الأساسيّة الذي يجعله يتوجه إلى عكس التركيز. وأخيرًا، فإنّ التركيز يتطلب حيويّة داخليّة وليس حالة من الإنهاك، وهذا النوع من النشاطات نادر في يومنا هذا. تكمن صعوبة التركيز، تبعًا للتحليل الأخير، في حصيلة البنية الكاملة لنظام الإنتاج والاستهلاك المعاصر. فكلّما ازداد عمل الإنسان لخدمة الآلة، أو تصرفه وكأنّه جزء من آلة يتم تصنيعها من الحديد أو الفولاذ، تقلصت فرصه للوصول إلى التركيز. إنّ إجراءات (عمليّة) العمل شديدة الرتابة لأن تسمح بالوصول إلى التركيز الحقيقيّ، وكذلك الأمر مع فعل الاستهلاك. فالسوق يعرض أكبر قدر ممكن من أجزاء مختلفة من السلع المسليّة، وبوجود هذه التشكيلة الكبيرة من المسليات لا يعود من الضروري أو حتّى من الممكن التركيز على شيء واحد فقط.
– إريك فروم| فن الوجود
3 363
كان إحساسي بأنّني محاط أينما ذهبت بأشخاص «يبثون» لكنّهم لا «يستقبلون» يُبادِر إلى ذهني أنّ النرجسيّة أيضًا حالة من فساد الانتباه. ففي ثقافة تسرق تركيزنا باستخدام هذه المحفزات الهامشيّة، ينسى البشر إنّ في داخلنا قوة تجعلنا قادرين على التركيز لفترات طويلة من الزمن وعلى الاستمتاع بذلك؛ وهي كفيلة بجعلنا أكثر غنى وأوفر عافيةً إذا هيّأنا الشروط المناسبة كي نعيش حالة الفيض. بعد أنْ أدركتُ هذا، فهمت السبب الذي كان يجعلني لا أعاني انزعاجًا فحسب، بل أرى نفسي قليل الشأن، مُقصِرًا، عندما أحس بأنّ انتباهي مشتت دائمًا. وذلك لعلمنا أنّنا لا نستخدم واحدة من أعظم قدراتنا عندما نكون بعيدين عن أي تركيز. عندما نحرم أنفسنا من حالة الفيض، نتقلّص إلى أنْ نصير «أجزاء» من ذواتنا فحسب، لأنّنا نحسّ أنّ لنا القدرة على ما هو أكثر من ذلك بكثير. لكن، ما هو ذلك الأمر؟ حتّى نتوصل إلى فهم أفضل، علينا ملاحظة البشر المنخرطين في نشاطات معيّنة. قال أحد متسلّقي الصخور ذات مرة: «سحر تسلّق الصخور هو التسلّق نفسه، تبلغ أعلى الصخرة وتكون فَرِحًا. مبرر التسلّق هو التسلّق، مثلما يكون مبرّر الشعر هو كتابة الشعر!».
– يوهان هاري| تركيزنا المسلوب
3 363
إنّ أنبل البشر اعتادوا أنْ يكونوا أكثرهم تواضعًا. لا يقوم التواضع الفاضل إلّا على التفكير الذي نقوم به حول ضعف طبيعتنا، وحول الأخطاء التي قد نكون ارتكبناها في الماضي، أو أنّنا قادرون على اقترافها، والتي لا تقل عن الأخطاء التي يمكن أنْ يرتكبها الآخرون. إنّ الذين هم نبلاء بهذه الطريقة هم ميالون طبيعيًا إلى عمل أشياء عظيمة، وعلى كل حال فهم لا يبادرون إلى القيام بأي شيء دون أن يشعروا بأنهم قادرون عليه. لذلك فهم دومًا بالتمام كيسون ودودون غير متكلفين. أضف إلى هذا أنّهم كليةً أسياد انفعالاتهم، وبشكل خاص أسياد الرغبات والغيرة والحسد، وسبب ذلك أنّهم يعتقدون بأنّ ليس هناك من شيء اكتسابه لا يتوقف عليهم يساوي الكثير كي يستحق بأنْ يتمنوه بشدة، وهم يتحكمون أيضًا في انفعال الكراهية نحو البشر، وكذلك هم أسياد خوفهم، لأنّ الثقة التي عندهم في فضيلتهم تمنحهم القوة، وأخيرًا فهم أسياد غضبهم ومردّ ذلك أنّهم لما كانوا لا يحترمون كلّ الأشياء التي تتوقف على إرادة الغير إلّا قليلًا جدًا، لذا فإنّهم لا يعطون أبدًا لأعدائهم أية أفضلية تجعلهم يعترفون بأنّهم قد أهينوا بسببها.
– رينيه ديكارت| انفعالات النفس
3 363
لو حاولنا مرة أنْ نتفحص أنفسنا، وأنْ نستخدم في سَبر أغوارنا الوقت الذي نقضيه في مراقبة الآخرين ومعرفة الأمور التي هي خارجنا، فإنّنا سندرك بسهولة كيف أنّ نظامنا الباطن مُكوّن من عناصر ضعيفة وغير مكتملة. أليس عجزنا على الاكتفاء بأي شيء تحت سطوة الهوى والخيال، وعدم قدرتنا على تمييز ما يلزمنا، دليلًا قاطعًا على عدم كمالنا؟ وما يشهد على ذلك هو الجدل الكبير الذي ثار بين الفلاسفة عن الخير المتأصل في الإنسان، وهو جدل لا يزال دائرًا وسيدوم إلى الأبد، من غير أنْ يتوصلوا إلى إجماع عليه ولا لحل قاطع له. مهما كان ما يدخل في معرفتنا وما نملك، فإنّنا نحس أنّ ذلك لا يرضينا البتة، بحيث نجري دومًا وراء الأشياء المستقبليّة والمجهولة؛ لأنّ أمور الحاضر لا تنجح في إشباعنا. رغبتنا حائرة ومتقلبة؛ فهي لا تحافظ على شيء ولا تتمتع بشكل لائق بأي شيء، والإنسان يعزو علّة ذلك لعيب في الأشياء التي يملكها، ويتغذى ويحشو نفسه بتلك التي لا يعرفها ولا يفهمها، ناسبًا إليها رغباته وآماله. وكما قال يوليوس قيصر: «إنّه لخطأٌ شائع وطبيعيّ لدى الإنسان أنْ يحس بثقة متزايدة أو برهبة أكثر حدةً إزاء وضعيّة مجهولة وجديدة».
– ميشيل دو مونتيني| المقالات
3 363
الخير الأعظم في اعتقادنا هو أنْ نحسن الاكتفاء بذاتنا، نحن واثقون من أنّ أقل الناس حاجةً إلى الثراء هم الذين يتمتعون بهِ أكثر من غيرهم، فكلّ ما هو طبيعيّ يتيسر الحصول عليه، وكلّ ما هو غير طبيعيّ يصعب مناله. والمتعة التي نجدها في تناول طعام بسيط ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أنْ يزول الألم المتولد عن الحاجة. وإنّ قليلًا من خبز الشعير والماء يجعلنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. وبناءً على ذلك فإنّ التعود على العيش البسيط والقنوع لهو أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيّدة وما يُيسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضروريّة، كما أنّه يجعلنا، عند وجودنا أمام ما لَذ وطَابَ من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حقّ التمتع، وهو أخيرًا ما يجعلنا لا نخشى تقلبات الدهر. وبالتالي فعندما نقول إنّ اللّذة هي غايتنا القصوى، فإنّنا لا نعني بذلك اللذات الخاصة بالفساق أو اللذات المتعلقة بالمتعة العابرة، كما ذهب ببعضهم الظن، نظرًا لجهلهم بمذهبنا، أو لعدم موافقتهم عليه، أو لتأويلهم الخاطئ له، بل اللذة التي نقصدها هي التي تتميّز بانعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس.
– إبيقور| رسالة إلى مِينيسي
