تَمَاْيُز
Відкрити в Telegram
إِنْ يَغْلِب اَلصَّبرُ فَالْعُقْبَى لِمُصطَبِرٍ أَوْ يَغْلِب اَلْوَجدُ فَالدُّنيَا لِمَن غَلَبَا
Показати більше3 224
Підписники
-224 години
+227 днів
+8130 день
Архів дописів
3 224
إنّ الأرض هي أمنا، وإنّ ما يجري للأرض يجري على كلّ أبناءها، إنّ ما نعرفه أنّ الأرض لا تخص الإنسان بل إنّ الإنسان هو الذي تملكه الأرض. إنّ الأشياء كلّها مرتبطة برباط كرباط الدم الذي يوحد بيننا، إنّ الإنسان لا ينسج شبكة الحياة، بل إنّه مجرد حبل أو جديلة فيها، وما يفعله بالشبكة يجري عليه هو نفسه. وهناك شيء واحد نعرفه، إنّ إلهنا هو أيضًا إلهكم والأرض عزيزة غالية عليه، والإضرار بالأرض يعنى تكديس المهانة على خالقها. إنّ مصيركم سر بالنسبة لنا، فما الذي سيحدث عندما تُذبح كلّ قطعان الجاموس؟ وتستأنس كلّ الجياد البريّة؟ وماذا سيحدث عندما تصبح الأركان الخفيّة في الغابة مُثقلة برائحة الكثير من الرجال، وعندما تختفي التلال الناضجة وتلطخها أسلاك أجهزة الحديث؟ إنّنا نحبّ هذه الأرض كما يحبّ الطفل الرضيع دقات صدر أمه، وكما أنّنا جزء من الأرض فأنت أيضًا جزء من الأرض، فالأرض عزيزة غالية علينا، ولا بدّ أنْ تكون عزيزة غالية عليك.
– جوزيف كامبل| سلطان الأسطورة-1988م
3 224
مثل كلّ شيء يتواجد تمامًا، فالأرض أيضًا يجب أنْ تمتلك مراحلها وأعضائها التي تلعب دور الوسيط لوجودها وتجعله ممكنًا، الأرض، ينبغي أنْ تكون لها خلفيتها. وكون الأرض هي الوجود الحيّ، هي الوجود الذي يحتوي الحياة، فالأجرام السماويّة، دونما احتواء للحياة في ذواتهم ولأجل ذواتهم، هم فقط شروط الحياة، هم فقط افتراضات مسبقة للأرض، هم فقط التحضيرات، والتدريبات المدرسيّة، تمامًا مثلما أنّ الجسد هو فقط التحضير للنفس. ولأنّ اللحظة الماضية هي الشرط للحظة الحاضرة، فإنّ شروط الواقع الحاضر هي ماضيه. وهكذا، كي نتحدث عن هذه المسألة بشكل مجازيّ، فالنجوم هي حقًا المعاني المتعلّقة بالأسلاف والشعارات الشرفيّة للأرض ليس إلّا؛ والسماء برمتها ليست سوى نصب تذكاريّ لما قبل تاريخها. ففي السماوات، تحتفل الطبيعة بعيدها المتعلّق بجميع الأنفس؛ والأنوار التي تراها في الأعلى هناك ليست أبعد وليست أكثر من شموع تذكاريّة على قبور الماضي. النجوم ليست سوى حوليات للأرض، سجلات لها. حينئذٍ لا يبقى فهمك مخدوعًا على الدوام برؤية الحجم الكبير لهذه الأجرام العالميّة.
– لودفيغ فويرباخ| أفكار حول الموت والأزلية
3 224
الاصطفاء مفهوم لاهوتيّ، يعني قرارًا فوق الطبيعيّ صادرًا عن إرادة حرة، إنْ لم يكن عن نزوة، بموجبها يصطفي الإله أحدًا، من غير أيّ استحقاق، لمهمة استثنائيّة وخارقة، إنّه اليقين الذي سوّغ للقديسين إنهاك قُواهم في تحمُّل أقصى الآلام الجسديّة. لا بدّ أنّ كلّ واحد منّا ساورته أوهام أشعرته أنّه خليق بهذا الارتقاء، وأنّه مرصود له ومُصطفى لتحقيقه. الإحساس بالاصطفاء حاضر، مثلًا، في كلّ علاقة حبّ، لأنّ الحبّ، في تعريفه، يعني هدية استثنائيّة، بل هذه الهدية هي أساسًا الدليل على حبّ حقيقيّ. إنّ امرأةً قالت لي: أحبّك لذكائك ونزاهتك وإخلاصك، لأنّك تخصُّني بالهدايا؛ أُصابُ بالخيبة، لأنّ هذا الحبّ تحكمه المصلحة. بالمقابل، ما أبهى أنْ يُقال لك: أنا مجنونةٌ بكَ وإنْ لم تكن ذكيًا ولا نزيهًا، مجنونةٌ بكَ وإنْ كنتَ كذابًا وأنانيًا ودنيئًا. لربّما يشهد الإنسان أولى حالات وهم الاصطفاء في فترة الرضاعة، بفضل العناية التي تخصه الأمّ بها من غير استحقاق، ويُطالب بإلحاح بمضاعفتها. في حين يتعيّن على التربية لاحقًا أنْ تُحرّره من هذا الوهم، وتجعله يستوعبُ أنّ لكُلّ شيء في الحياة ثمنًا.
– ميلان كونديرا| البطء-1995م
3 224
إنّ كآبة الأنظمة هي التي تسيطر اليوم من بين الأشكال الشفافة الساخرة التي تحيط بنا، هي النغمة الأولى لأنظمة وظيفيّة، لأنظمة الاصطناع الراهنة، أنظمة البرمجة والمعلوماتيّة. الكآبة هي سمة ملازمة لنمط زوال المعنى، لنمط تبخر المعنى في الأنظمة الرقميّة، ونحن جميعنا في حال الكآبة. الكآبة هي زوال التعاطف الحاد الذي هو سمة الأنظمة المشبعة. هي هذه الحال عندما يضمحل الأمل بالموازنة بين الخير والشر، بين الحق والخطأ، بل تضمحل فيها المقارنة بين قيم من النوع نفسه، وعندما يضمحل الأمل العام بميزان قوى ورهان؛ عندها يصبح النظام في كلّ مكان، وعلى الدوام أقوى ممّا يجب، يصبح نظام هيمنة. إنّه حرية الارتكاس التي تمحو كلّ ما عداها، كابتسامة ساخرة واحدة تمحو خطابًا بكامله، كومضة إنكار واحدة تمحو كلّ قدرة ومتعة. فكلّما كان النظام أكثر هيمنة، كلّما كانت المخيلة أكثر تأثرًا بأقل مساوئه. والتحدي، وإنْ يكن متناهي الصغر، هو صورة فشل متسلسل، ووحدها هذه المعكوسيّة المتناهية تترك أثرًا اليوم على ساحة السياسيّ العدميّة والمرتجلة.
– جان بودريار| المُصطنَّع والاصطناع
Film: The Unbearable Lightness of Being
3 224
في الواقع لم تعد ثمّة حدود، فلا حدود لارتفاع الرواتب وانخفاضها، ولا حدود لتفاهة السيدات الوقحات، أو لخفّة الرؤساء الصفقاء. كذا فإنّ فحش هذا العصر لا ينشأ عن الفائض بل عن الخسارة في الحدود. لم يعد من حدود بين الشؤون العامة والمصالح الخاصة، بين المواطن والفرد، بين الـ«نحن» والأنا، بين الكائن والمظهر، بين المصرف والكازينو، بين الخبر والإعلان التجاريّ، بين التعليم من جهة، والمعتقدات والمصالح من جهة أخرى. بين الدولة وجماعات الضغط (اللوبي)، بين غرفة نوم رئيس الجمهوريّة ومكتبه، وقس على ذلك، نزاع على المصالح وعلاقات خطرة تنجم عن الخلط في المجالات. الآن هو الوقت المناسب، وقت إقامة معالم الحدود، وإلّا فإنّنا لن نكون بعيدين من «نهاية العالم» تلك التي أعلنها فيورباخ مؤلف كتاب «جوهر المسيحيّة». على الأقل، بعيدين من هذا العالم ذي الوجوه المتعددة، العالم الذي لم تكن إمبراطوريّة الأرقام والصورة قد شكّلته بعد، إذ كانت له أشكال يجب احترامها. هذا ما أدى اليوم إلى التخبط في ما لا شكل له، لأنّ المقصود كان بلوغ الحقائق مباشرة، والهدف المراد من ذلك هو تلقائية من دون عقد، لكن هذا ينمّ عن الاصطناع.
– ريجيس دوبريه| في مديح الحدود
3 224
لقد قيل كلام كثير عمّا يحققه المجتمع الصناعيّ المتقدم من درجة أكبر في الحرية الجسديّة، ولكنّه لا يحقق ذلك إلّا بقدر ما تصبح هذه الحرية قيمة بضاعيّة وعنصرًا من عناصر الأعراف المؤسساتيّة. ففي علاقات العمل وفي عالم العمل يباح للجسم بأنْ يعرض صفاته الجنسيّة من غير أنْ يكف في الوقت نفسه عن أنْ يكون أداة عمل. وتلك هي إحدى السمات النادرة للمجتمع الصناعيّ، سمة أضحت ممكنة لأنّ العمل الشاق والملوَّث قد تقلص، ولأنّ الملابس رخيصة الثمن والجذابة قد أضحت في متناول الجميع، بالإضافة إلى الاهتمام بالتجميل، ولأنّ صناعة الإعلان والدعاية فرضت مقتضياتها. في الأنظمة الكبيرة والضواحي البورجوازيّة تَحطم الحاجز الذي كان يفصل بين الحياة الخاصة والحياة العامة. وهكذا أمست الصفات الجذابة التي يتمتع بها زوج أو زوجة عرضة لجمهور واسع من أزواج وزوجات آخرين. إنّ مستخدمات المكاتب «الفاتنات» والبائعات «الفاتنات» والمدراء الشبان: هم بضائع لها قيمة تجاريّة كبيرة، أما صحبة عشيقة ظريفة محببة فإنّها تسهل التقدم في عالم الأعمال، فالجنس قد اندمج بالعلاقات العامة وبعلاقات العمل.
– هربرت ماركيوز| الإنسان ذو البعد الواحد
3 224
إنّ روح الثورة، روح أصحاب الثورة، تكره العبقريّة والقداسة وتقضي عليهما، ويجتاحها حسد أسود من العظماء والعظمة، وهي لا تطيق النوعيّة وتتعطش دومًا لإغراقها بالكميّة. لم يعرف عهد الثورة في يوم من الأيّام ازدهار الرُّوح الإبداعيّة، ولا قيام نهضة دينيّة وثقافيّة، ولا انتعاش «العلوم والفنون». إنّ مقياس الثورة هو التسطيح لا العمق، ليس في الثورات حراك داخليّ حقيقيّ، الثورة تعني توقف الحراك الداخليّ. الثورة ديناميّة في الظاهر فحسب، أما في الداخل فهي ساكنة. الثورات لا تُقدر أبدًا رجالات الحراك الرُّوحي والإبداع الرُّوحي، وهي تلفظ هؤلاء البشر، وغالبًا ما تكرههم، ودائمًا تعتبرهم غير مفيدين لقضيتها. إنّ حراكاتكم الخارجيّة الصاخبة، أنتم يا أصحاب الثورة، ينبغي ألا تخدع أحدًا. في هذه الحراكات ثمّة دوران لا مخرج له، وفي الدوران هذا يتم توليد الأهواء الفارغة. يقضي حراك الثورة دائمًا على ذاته، وهو لا يُفضي إلى حياة جديدة. هذا ليس حراكًا في العمق، بل هو حراك على سطح السطح، وهو يتناثر عن السطح كما الغبار.
– نيكولاي بيردياييف| فلسفة اللامساواة
3 224
لم يكن عبد الكريم قاسم شجاعًا، وللشجاعة مفاهيمها ومرادفاتها. أما الذي يقوله هو بنفسه ويقوله التاريخ ليلة تموز وصباحها، فهو ما كان من أمر زحفه بلوائه التاسع عشر على بغداد وتأخير موعده حتّى ظهيرة يوم ١٤ تموز بعد أنْ يكون قد اتضح كلّ شيء، فإما أنْ يكون الزاحف الأول عبد السلام عارف قد أتم المهمة الشاقة والحمل الثقيل الملقى على عاتقه، وإما أنْ يكون قد فشل وعلقت له ومن معه المشانق، فأين هي الشجاعة المفترضة؟ ولو لا أنّ كلّ حديث عن المقارنات والمفارقات لا بدّ أنْ ينجر إلى الأشباه والأضداد، لكنت في غنى عن القول أنّ الرجل كان جبانًا. فهذا المهووس نفسه هو الزاحف على بغداد، وهو الذي أباد العائلة المالكة ومهّد بكلّ معنى هذه الكلمة لنظامه الجمهوريّ المزعوم بوصفه صاحب البيان الأول، ولكن للطبيعة موازينها ومعادلاتها، والجبن عاهة، والعاهة نقص، والطبيعة قادرة كلّ القدرة أحيانًا في علاجها على عقدة النقص، وفيها تهب الإنسان من قدرة على الصمود وقوة على المقاومة حتّى لكأنّه الشريك الأول في ذلك، لكنّ قدرته هي عاجزة أحيانًا، وبخاصة عندما تتراكم هذه العقد، ليس عن حلها فحسب، بل حتى عن الوقوف في وجهها.
– الجواهري| مذكراتي-1988م
3 224
أصبحت الدولة تخلو من الجوهر المعياريّ الذي كانت تدين به للطموح المتجسّد فيها. وهي لم تعد تظهر بمظهر المرجع العالي ذي الموقع المستقل والسامي الذي يتحقق فيه العيش الجماعيّ، إنها تصبح تمثيليّة وحسب، إذا عنينا بذلك أنّها تميل للتحول إلى ساحة لتمثيل المجتمع المدنيّ، من دون أن تتجاوزه في التقدم الهرميّ، ومن دون أن يكون لها دور الجذب التاريخيّ. ولم تعد شرعيتها تقوم إلّا على حفظ الملِكيّة والتغلب على العقبات التي تواجه العيش المشترك، ويستمر ذلك من دون انقطاع، وفي علاقة تطبيق مباشر أو توسّع فوريّ تحت شعار المشابهة. ولم يعد من الوارد التذرع بضرورات التراتبيّة المتعلقة بالتحول الاستباقيّ أو التراجع الشامل. وبمعنى آخر: من الآن فصاعدًا يُنزع كلّ ما هو عائد للمجتمع المدنيّ إلى الانعكاس في الدولة، من دون التفريق بين ما هو عام ومشترك، وبين ما هو صائر إلى البقاء في دائرة الخاص. ليس هناك من شيء في حياة الأفراد والجماعات لا يقبل العلنيّة، ولا يكون من حقه المطالبة بحرية التعبير، وبأنْ يعتد به داخل الحقل العام.
– مارسيل غوشيه| الدين في الديمقراطية
3 224
إنّ الزعم بوجود حكومة صالحة في حدود الدولة الحديثة تضعفه الدراسة المتفحصة لتنظيمها الدستوريّ. وفي ما يخص حكم القانون؛ ليس لدى الحكم الإسلاميّ النموذجيّ إلّا القليل مما يمكن أنْ يتعلمه من نظيره الحديث، لأنّ طبيعة الفصل بين السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة في الإسلام كانت أكثر دقة في تجسيد معنى هذا الفصل وهدفه، وأكثر تفوقًا قيامًا بما نجده في الدولة الحديثة النموذجيّة. تستدعي هذه النتيجة الجليّة لأي شخص على معرفة بالشريعة والنظرية الدستوريّة الحديثة؛ بحثًا إضافيًا في التنظيم الدستوريّ كما تطرح تساؤلًا جديًا بصدد الرغبة الإسلاميّة في دولة حديثة قائمة على مبادئ إسلاميّة. بيد أنّ هذه ليست سوى مشكلة واحدة من بين مشكلات متعددة ينبغي على المسلمين أنْ يتعاملوا معها، فيما هم يسلكون بلهفة طريق محاكاة الدولة الغربيّة. ليست الدولة الحديثة وإرادتها السياديّة المتمثلة في القانون، جزءًا لا يتجزأ من رؤية العالم هذه فحسب، بل هي أيضًا واحد من معماريها الأساسيين. وعندما كان جون أوستن يكتب محاضراته الشهيرة في القانون أوائل القرن التاسع عشر، كانت الدولة قد أصبحت بالفعل حقيقة قانونيّة مسيطرة.
– وائل حلاق| الدولة المستحيلة
3 224
غالبية الشعوب-أعني تلك التي تحافظ على أرواحها أو حميّتها-ترتبط بعلاقات وجدانيّة وتامة القدسيّة مع حدودها. فلننزع عن اللفظ الأخير "القدسيّة" غموضه وضبابيته، ولنحط استراحة لما يتعذّر قوله، وما يتعذّر سبره. ولننظر عن كثب: المقدس هنا هو الملموس والصلب، فهو مصنوع ممّا هو صلد، لأنّه صُنع من أجل البقاء، هو مرئيّ بالعين المجردة، ونحسه بأقدامنا وبأيدينا. ما الفائدة من الحدود في نهاية المطاف؟ الالتصاق، ومن أجل ذلك فإنّها تشرئب. السور يمجد كلّ ما هو مائل، ويغطي هامة ما هو غير مرئيّ. وإذا كانت الأديان ترمي ببذورها في كلّ مكان بعيدًا من مهدها ومنبتها، فإنّ هذا لا يعني أنّها ستمتزج وتندمج بلطف ويسر في المشهد العام. فالأديان تبرز بالتنافس، وبطريقة ساخرة ومستهزئة. يشبه الأمر ما يحدث في المدينة وأرباضها وضواحيها، ويشبه التجمعات السكنيّة ذات المداخن الملوثة للبيئة التي تطالب بحصتها السنويّة من الشمس والكلوروفيل.
– ريجيس دوبريه| في مديح الحدود
3 224
في كلّ ما ينبغي أنْ يثير ضحكًا شديدًا مُقهقهًا لا بدّ من وجود شيء لا معقول، لا يستطيع حتّى الفهم نفسه أنْ يجد ما يسره فيه، والضحك هو انفعال ناتج عن تحول مفاجئ لتوتر إلى العدم. وهذا التحول بالذات، وهو بكلّ تأكيد لا يسر الفهم، إلّا أنّه يسره مع ذلك بشكل غير مباشر وبقوة شديدة للحظة. ومن هنا يجب أنْ يكون السبب في تأثير التمثّل على الجسد وتفاعله مع النفس؛ وذلك ليس بالفعل، لأنّ التمثّل يشكل موضوعيًا موضوع متعة (لأنّه كيف يمكن لتوقع لم يتحقق أنْ يَسرَّ؟)، وإنّما لمجرد كونه ليس أكثر من لعبة تمثّلات، فإنّه يخلق توازنًا بين القوى الحيويّة في الجسم. روى أحد أنّ هنديًا قد شاهد على طاولة إنگليزيّ قارورة جعة، تُفتح وتطفح منها الجعة وقد تحولت إلى زبد، فراح يبدي دهشته الكبيرة بكثير من التعجب، ثم أجاب الإنگليزيّ الذي سأله: وما الذي يثير الدهشة مما يحدث هنا إلى هذا الحد؟ فأجاب الهنديّ: ليس ما يدهشني هو كيف تطفح الجعة من القارورة، وإنّما كيف استطعتم أنْ تدخلوها إلى داخلها! عندئذٍ نضحك، وذلك ليس لأنّنا ربّما نحسب أنفسنا أشد ذكاءً منه، أو لأي شيء آخر؛ وإنّما لأنّ توقعنا كان مشدودًا ثمّ انعدم فجأة.
– إيمانويل كانط| نقد ملكة الحكم
3 224
كلٌ ما في الشخص الإنسانيّ يُمكن أنْ يغدو مُضحكًا ما عدا الأمور التي تعني عاطفتنا ويمكن أنْ نتأثر لها. ويمكن القول، بمعنى من المعاني، أنّ كلّ «طبع» يُضحك، إذا كنا نعني بالطبع ما هو «جاهز» فى شخصيتنا، أي ما يشبه الآلة التي نعبئها فتشتغل من تلقاء ذاتها. وإنْ شئتَ فقل: هو ما به نكرر أنفسنا. فالشخصية المُضحكة هي شخصية «نموذج» وعكس هذا صحيح أيضًا، أي أنّ الشبه بنموذج ما مُضحك كذلك. فقد نعاشر إنسانًا من غير أنْ نجد فيه ما يُضحك، حتّى إذا استفدنا ذات يوم من شبه عرضيّ؛ فأطلقنا عليه اسم بطل معروف من أبطال دراما أو رواية؛ كاد يصبح في نظرنا مُضحكًا ولو إلى حين. وقد لا تكون شخصية هذا البطل مُضحكة في ذاتها، ولكن الشبه بها يُضحك، يضحكنا الدخول في إطار جاهز إنْ صح التعبير، ويُضحكنا قبل كلّ شيء أنْ يكون المرء كإطار يمكن لآخرين أنْ يدخلوا فيه بسهولة، أي أنْ يتجمد الإنسان في طبع. فأشخاص الحياة الواقعيّة من جهة، لا يضحكوننا إلّا إذا استطعنا أنْ ننظر إلى أفعالهم نظرنا إلى مشهد من المشاهد التمثيليّة من أعلى الشرفة، فإنّهم ليسوا مضحكين في نظرنا إلّا لأنّهم يمثلون لنا مهزلة من المهازل.
– هنري برغسون| الضحك
3 224
البراهين لا يمكن أبدًا أنْ تصلح أساسًا يقوم عليه الإيمان، ولا سيما البراهين الماديّة. إنّ القديس توما لم يؤمن لأنّه رأى المسيح يُبعث، بل لأنّه كان ظامئًا إلى الإيمان قبل ذلك. انظر مثلًا إلى أولئك الذين يدعون الاتصال بالأرواح، أنا من جهتي أحبّهم كثيرًا، تخيل أنّهم يتصورون أنفسهم ينفعون الدين لأنّ الشيطان يظهر لهم قرونه من حين إلى حين. هم يقولون: «ذلك برهان ماديّ في أقل تقدير على وجود العالم الآخر». فانظر إلى هذا التفكير: يؤمنون بالعالم الآخر ويريدون براهين ماديّة! ثمّ هبهم برهنوا على وجود الشيطان، فهل يترتب على ذلك أنّ اللّٰه موجود أيضًا؟ في نيتي أنْ أنتسب إلى جمعية من جمعيات المثاليين لأنشىء فيها حزبًا معارضًا، سأقول لهم: «أنا واقعيّ، لا ماديّ». قال إيفان فيدوروفيتش وهو ينهض فجأة بقوة: اسمع، يخيّل إليّ أنّني الآن أهذي، أنا أهذي يقينًا، فاكذب ما شاء لك هواك أنْ تكذب، سيّان عندي! لن تفلح في إثارة غضبي وغيظي كما فعلت في المرة الماضية. هناك لحظات تغيب فيها عني، فلا أراك ولا أسمع صوتك، تمامًا كما في المرة الماضية، ولكنني أحزر دائمًا ما ستقوله لي، لأنني أنا الذي أنطق بهذه الأقوال.
– ف. دوستويفسكي| الإخوة كارامازوف
3 224
تتفاوت أساطير الأبطال تفاوتًا شديدًا من حيث التفاصيل، لكن بقدر ما يدقق المرء النظر فيها أكثر يرى أنّها متشابهة، من حيث البنية والتراكيب، تشابهًا كبيرًا، إذ إنّ لها نمطًا عالميًا شاملًا، رغم أنّها ظهرت لدى جماعات أو أفراد لا تربطها ببعضهم البعض الآخر أية علاقات ثقافيّة مباشرة. إذ يسمع المرء هنا وهناك حكاية تصف مولد بطل معجزة متواضع المنشأ، يبرهن منذ وقت مبكر على امتلاكه لقوة خارقة للعادة، ثمّ ارتقاءه السريع مدارج الظهور أو السلطة، ثمّ صراعه الباهر مع قوى الشر، ثمّ سقوطه ضحية الخيانة والغدر أو قيامه بتضحية بطوليّة تؤدي به إلى الموت. هؤلاء الأشخاص أشباه الآلهة، هم بالحقيقة ممثلون رمزيون للحياة كلّها، تلك الذات الأكبر والأكثر شمولًا التي تزود بالقوة التي تفتقر إليها أنا الإنسان. ويدل دورها الخاص على أنّ الوظيفة الأساسيّة لأسطورة البطل هي تطوير الوعي الذاتيّ لدى الفرد، أي وعيه لنقاط قوته وضعفه، بطريقة تعده للمهام الشاقة التي ستلقيها على كاهله الحياة. وما إنْ ينجح المرء في اختباره الأوّل ويتمكن من دخول طور البلوغ؛ حتّى يصبح الموت الرمزيّ للبطل، إنْ جاز لنا القول، هو هدف طور البلوغ ذاك.
– كارل يونغ| الإنسان ورموزه
3 224
Repost from Hussein.A.Salim
على وجه العموم، التاريخ البشريّ لا يخلو من الوقائع التي تفوق آثارها مجرى المألوف، ومع ذلك فإنّ معظمها يذوب مع الزمن حتّى لا يبقى منه سوى أثر ذكر في كتب المؤرخين. فهناك معارك أكثر دمويةً ممّا نعرفه عن عاشوراء، وأحداث سياسيّة كانت نتائجها أشد تأثيرًا في تأليب الثورات وإعادة تشكيل الأنظمة، وبنفس الوقت نراها بالكاد حاضرة في ذاكرة الشعوب. في المقابل، ثمّة أحداث تستمر في إنتاج المعنى بعد انتهاء شروطها التاريخيّة بقرون طويلة، حتّى تبدو وكأنّها تحدث من جديد كلّما استعيدت في الذاكرة. فثقلها الأكبر يتكأ على ما وراء التاريخ، حيث تتوقد الأساطير بكلّ مفاعيلها الخلاقة. بيد أنّ بعض الأحداث تملك قدرة استثنائيّة على تجاوز فرديتها الزمنيّة، فتتحول من وقائع مرتبطة بزمن معين إلى نماذج قابلة للتكرار الرمزيّ. لا يعود الإنسان في هذه الحالة يستحضر الحدث باعتباره ذكرى للماضي، وإنّما يعبر من خلاله عن معضلات جوهريّة تؤرق روحه، مشتركةً في مسرات أساطيره وآلامها. فكربلاء، لا تُستعاد فقط كواقعة ذات تأثير واضح داخل التاريخ، بل لأنّها تستحضر توترًا وجوديًا بين أضداد رمزيّة. كان جوزيف كامبل يرى أنّ الأساطير العظمى تمنح الإنسان صورًا رمزيّة يفهم بها تجربته الخاصة، فالأسطورة تقدم نموذجًا لما يمكن أنْ يحدث دائمًا، متجاوزةً ما هو كائن، ولهذا تتسم بعض الشخصيات والأحداث بالديمومة عبر الأزمنة المختلفة، لأنّها تغادر حدودها الذاتيّة لتصبح لغة رمزيّة متعاقبة. ومن هذا المنظور لا تكون الأسطورة نقيضًا للتاريخ، بقدر ما تكون إحدى الصيغ التي يتجاوز بها التاريخ ذاته.
3 224
أول ما على البطل القيام به هو أنْ ينسحب من المشهد الثانويّ للعالم إلى المناطق الأكثر فاعليّة في النفس، حيث تكمن الصعوبات الحقيقيّة، وهناك يعمل على إدراك تلك الصعوبات والقضاء عليها بطريقته الخاصة، ويمر بتجربة مباشرة غير مشتتة لاستيعاب ما سماه كارل يونغ الصور الأوليّة. البطل إذن هو رجل قادر على تحدي ومواجهة حدوده الشخصيّة والمحليّة التاريخيّة ليصل إلى الصالح العام لكلّ أشكال الوجود البشريّ. أفكار مثل هذا الشخص ورؤاه ومصادر إلهامه، تأتي نقيّة مباشرة من المنابع الأوليّة للحياة والفكر البشريّ، لا من النفس ومجتمعها الحاضر المتحلل، ولكن من المصدر الأصليّ الملتهب بسر الحياة الذي تولد منه المجتمعات. مات البطل كإنسان معاصر، لكنّه كإنسان أبدي كامل؛ غير محدود الوجود. يولد دائمًا من جديد، وعليه بعدها أنْ يأخذ الخطوة التالية (مثلما يقول توينبي ومثلما تقول كلّ أساطير البشريّة) ويعود إلينا متجددًا ليعلمنا الدرس الذي تعلمه خلال إعادة ولادته، ومن ثمّ يتجلى فيه معنى حياته في أوضح صورة. ولا حاجة للقول بالطبع أنّ البطل لا يكون بطلًا إنْ كان في قلبه أي خوف من الموت، فأول الشروط هو المصالحة مع الموت.
– جوزيف كامبل| البطل بألف وجه
3 224
السؤال الذي يجب علينا طرحه ليس هو "ما الكذب؟" ولكن: "ما هي طبيعة الكذب وما المقصود من فعله؟" ففعل الكذب يعني أنّنا نتوجه بالكلام إلى الآخرين (فلا يمكن لنا الكذب إلّا على الآخرين، ومن المستحيل الكذب على الذات إلّا في حالة اعتبارها بمثابة آخر) لكي نسمعه قولًا أو مجموعة من الأقوال الإنجازيّة أو أقوال المعاينة، نعرف وفق وعي بيّن وهادف وحالي أنّها ادعاءات خاطئة جزئيًا وربّما كليًا. هذه المعرفة ضرورية لفعل الكذب، وحضور هذه المعرفة لذاتها لا يتعلق فقط بمحتوى ما يُقال، بل كذلك بمحتوى ما نحن ملزمين به اتجاه الآخرين، بحيث أنّ فعل الكذب يبدو للكاذب كليًا على أنّه خيانة وأذى وتقصير في رد دين أو القيام بواجب. من الضروري أنْ يكون الكاذب على علم بما يقوم به وما ينوي القيام به عندما يُقدِم على الكذب، وإلّا فهو لا يُعتبر كاذبًا. هذه الأفعال المقصودة يُقام بها دائمًا اتجاه الآخرين قصد أولًا وقبل كلّ شيء خداعهم، أو إلحاق الأذى بهم أو تضليلهم، وذلك بمجرد دفعهم إلى اعتقاد أشياء يعرف الكاذب أنّها خاطئة.
– جاك دريدا| تاريخ الكذب
