سَيْرِة أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ
Open in Telegram
" الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ لَا تَأْتِي بِسَعْيِكَ؛ فَهِيَ رِزْقٌ يُسَاقُ لِمَنْ اتَّقَى رَبَّه " - ابنُ العربيِّ المالكيِّ رَحِمَه اللهُ.
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
2 425
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
~31~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور...
السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها (3 )
شاءت حكمة الله تعالى أن لا يتوافق زيد وزينب رضي الله عنهما في زواجهما ، وأذن الله بالطلاق فطلقها زيد رضي الله عنه بعد أن مكث معها مايقرب من سنة
ومن فوق سبع سموات أمر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج بالسيدة زينب رضي الله عنها بعد طلاقها من زيد رضي الله عنه فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث وقيل سنة خمس من الهجرة .. وأنزل الله في ذلك قوله: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً } (الأحزاب:37) ..
وكان خاطِبُ السيدة زينب رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم هو زوجها الأول زيد رضي الله عنه، ليقطع بذلك ألسنة المتقولين ، وما قد يزعمونه من أن طلاقها وقع بغير اختيار منه ، وأنه قد بقي في نفسه من الرغبة فيها شيء ، وفي هذا يقول ابن حجر : " هذا من أبلغ ما وقع في ذلك ، وهو أن يكون الذي كان زوَّجها هو الخاطب ، لئلا يظن أحد أن ذلك وقع قهراً بغير رضاه .. "
فلما انقضت عدتها رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه: "فاذكرها علي" فانطلق زيد رضي الله عنه إلى السيدة زينب رضي الله عنها حتى أتاها و هي تخمر عجينها قال : فلما رأيتها عظمت في صدري ،حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكرها ، فوليتها ظهري و نكصت على عقبي فقلت : يا زينب ! أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكرك ، فقالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، فقامت الى مسجدها
فأنزل الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 37]. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن " مسلم
ولمَّا نزل قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا...} [الأحزاب: 37] كانت السيدة زينب رضي الله عنها تفتخر على بقيَّة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقول لهنَّ: "ُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ ، وَزَوَّجَنِى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ " البخاري
وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك إمرأة تُدل بهن :
إن جدي وجدك واحد ،وإني أنكحنيك الله من السماء , وكان جبريل السفير في أمري.
وكانت حقا كما قالت رضي الله عنها : أنا أكرمكن وليا و أكرمكن سفيرا زوجكن أهلكن و زوجني الله من فوق سبع سماوات فكانت رضي الله عنها وليها الله تعالى و سفيرها جبريل عليه السلام
وما أَوْلَمَ رسول الله على امرأةٍ من نسائه أكثر وأفضل ممَّا أولم على زينب، وقد أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه(شبعوا) ،فعن انس رضي الله عنه قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب فانه ذبح شاة
وكان من كراماتها رضي الله عنها أن آية الحجاب نزلت بسببها وفي صبيحة يوم عرسها ،فعن أنس رضي الله عنه قال :" بني على النبي صلى الله عليه و سلم بزينب بنت جحش بخبز و لحم فأرسلت على الطعام داعيا ، فيجيء قوم فيأكلون و يخرجون ، ثم يجيء قوم فيأكلون و يخرجون ، فدعوت حتى ما أجد أحدا ادعوا ، فقلت : يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه قال : "ارفعوا طعامكم" وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت ، فخرج النبي صلى الله عليه و سلم فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال :" السلام عليكم أهل البيت و رحمة الله". فقالت:و عليك السلام و رحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك ؟ ، فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما قال لعائشة و يقلن له كما قالت عائشة رضي الله عنها
ثم رجع النبي صلى الله عليه و سلم فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون ،و كان النبي صلى الله عليه و سلم شديد الحياء ، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة ، فما أدري :آخبرته ام أخبر ان القوم خرجوا ، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة و أخرى خارجة ، أرخى الستر بيني و بينه و أنزلت آية الحجاب " البخاري
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأهن على الناس: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِه
~30~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها ( 2 )
قبلت السيدة زينب رضى الله عنها الزواج من زيد رضي الله عنه على مضض لانها كانت تراه دونها في الشرف والنسب فهو مولى وهي شريفة من شريفات بني هاشم ، وكانت الحياة بينهما غير مستقرة تخلو من المحبة والصفاء ،وكان زيد رضي الله عنه يشكوها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويشتكي له من عدم استطاعته البقاء معها
وجاء زيد رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يأذن له في طلاِّق زينب رضي الله عنها ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّه، وقال له: "اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ". فأنزل الله تعالى قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاس وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]
فالله تعالى قد أخبر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن زينب رضي الله عنها ستكون زوجةً من زوجاته، وأنه لابد لزيد رضي الله من مفارقتها وأن الله تعالى سيزوجه اياها ليبطل عادة التبني ،وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستحى من أن يقال عليه صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه وخاف المنافقين وأقوالهم؛ فعاتبه الله تعالى على خشيته من الناس في شئ قد أباحه الله له ؛ ليكون لزواجه من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها حكمة تشريعية عظيمة، وهي إسقاط التبني، هذه العادة الجاهلية المستحكمة في نفوس الناس والتي تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق.
وأول من يُطبِّق هذه الحكمة هو النبي صلى الله عليه وسلم على مَنْ تبنَّاه؛ إذ كان زيد رضي الله عنه منسوبًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يُقال له: زيد بن محمد. ثم أُسقط التبني فنُسب لاسمه الحقيقي زيد بن حارثة رضي الله عنه
ولقد كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها إحدى دلائل نبوته ، وذلك لما تضمنه هذا الزواج من معاتبة الله له صلى الله عليه وسلم ، وهي معاني لو لم يكن عليه الصلاة والسلام نبياً لأخفاها عن الناس ، حفظا لسمعته وصونا لهيبته ، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكتمها ، بل بلغها ، وبلاغه لها صلى الله عليه وسلم دليل صريح على أنه رسول الله حقًا، والمبلغ عن الله صدقًا.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئا مما أُنزل عليه ، لكتم هذه الآية : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } ) ( مسلم )
نزل أمر الله بزواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها لتصحيح المفاهيم الخاطئة وهدم العادات الجاهلية ، وقد ظهر في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين زينب رضي الله عنها ، فضل كلا من زيد والسيدة زينب رضي الله عنهما
ففي قول الله تعالى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا } منقبة عظيمة لزيد رضي الله عنه ،فقد انفرد رضي الله عنه وحده دون الصحابة بذكر اسمه في القرآن الكريم، إذ لم يذكر اسم أحد في القرآن الكريم، إلا لنبي من الأنبياء ولزيد بن حارثة رضي الله عنه
فلما حرم زيد رضي الله عنه من أن يقول : أنا زيد بن محمد، لما نُزِع عنه هذا الشرف وهذا الفخر، أكرمه الله وشرفه بخصوصية لم يخص بها أحدا من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهي أنه ذكره باسمه في القرآن الكريم، وفي ذلك تأنيس له ، وعوض من الفخر بأبوة محمد صلى الله عليه وسلم له.
أما السيدة زينب رضي الله عنها فكان زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، وهو الذي زوَّجه إياها، قال تعالى: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً } (الأحزاب: من الآية37)، وفي هذا شرف عظيم ومنقبة جليلة للسيدة زينب رضي الله عنها ، ومن ثم كانت تفاخر بذلك ..
فعن أنس رضي الله عنه قال: ( كانت زينب بنت جحش رضي الله عنها تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول : زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات ) البخاري
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~29~
📚✏️أمهات المؤمنين في سطور...
السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها ( 1 )
حديثنا اليوم عن زهرة جديدة من زهرات بيت النبوة ،حديثنا عمن كان زواجها بالرسول صلى الله عليه وسلم بأمر من الله من فوق سبع سموات ،عمن نزلت في يوم عرسها آية الحجاب ،عن أطول أمهات المؤمنين يدا ، وأسرعن لحوقا بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عن السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها
هي السيدة زينب بنت جحش بن رئاب وتكنى "بأم الحكم " ،وكانت تسمى برة فسماها الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بعد زواجه منها ، فعن زينب بنت أم سلمة قالت :" كان اسمي برة فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ،ودخلت عليه زينب بنت جحش واسمها برة فسماها زينب بعد زواجه منها" مسلم
وهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمها هي أميمة بنت عبد المطلب ،وأخوالها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه الملقب بأسد الله وسيد الشهداء في غزوة أحد ، والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وخالتها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية ، أم حواري النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام رضي الله عنه
ولها إخوان هما عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه صاحب أول راية عقدت في الإسلام وأحد الشهداء ، والآخر أبو أحمد واسمه عبد بن جحش الأعمى ، وهو أحد السابقين الأولين ومن المهاجرين إلى المدينة ، و أختها حمنة بنت جحش رضي الله عنها من السابقات إلى الإسلام
ولدت السيدة زينب رضي الله عنها في مكة المكرمة في السنة الثالثة والثلاثين قبل الهجرة ،وقد نشأت في بيت شرف ونسب وحسب ، وأنعم الله عليها بالجمال والحسب الرفيع فكانت من علية نساء قريش ، وهي متمسكة بنسبها ، ومعتزة بشرف أسرتها ، وكثيرا ما كانت تفتخر بأصلها ، وقد قالت مرة :"أنا سيدة أبناء عبد شمس".
وما أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلم أخوها عبد الله رضي الله عنه ودعاها وإخوتها للإسلام فأسلموا ودخلوا جميعا في دين الله ،و تحملوا الأذى في سبيل الله حتى أذن رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم بالهجرة فهاجروا إلى المدينة و تركوا بيتهم في مكة خاليا فأخذه أبو سفيان فذكر عبد الله بن جحش رضي الله عنه ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له : "الا ترضى يا عبد الله ان يعطيك الله بها دارا في الجنة خيرا منها"
وحتى هذا الوقت كان التبني لايزال مشروعا في الإسلام ،وقد تبني النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وسماه زيد بن محمد وهذا كله قبل إبطال التبني ،وكان زيد من أعظم وأحب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حبه، وقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه من زينب رضي الله عنها
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على زينب رضي الله عنها ليخطبها لزيد رضي الله عنه فقالت: لستُ بناكحته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بَلْ فَانْكِحِيهِ".
قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدَّثان، أنزل الله تعالى قوله على رسوله : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
فقالت رضي الله عنها: رضيتَه لي يا رسول الله منكحًا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نعم"
قالت: إذن لا أعصي رسول الله ، قد أنكحته نفسي.
وبهذه الواقعة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُحطِّم الفوارق الطبقيَّة الموروثة في الجماعة المسلمة، فيردَّ الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلاَّ بالتقوى، وكان الموالي (وهم الرقيق المحرَّر) طبقة أدنى من طبقة السادة، ومن هؤلاء زيد بن حارثة رضي الله عنه ،فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُحقِّق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم، قريبة النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها ؛ ليُسقط تلك الفوارق الطبقيَّة بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطِّمها إلاَّ فعل واقعيّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم تتَّخذ منه الجماعة المسلمة أسوةً، وتسير البشريَّة كلها على هداه في هذا الطريق
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~28~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور....
السيدة أم سلمة رضي الله عنها ( 6 )
كانت السيدة أم سلمه رضي الله عنها من أشرف النساء نسبًا ولدت في بيت يضرب به المثل في الكرم وعندما أكرمها الله عز وجل بالانتساب إلى بيت النبوة وجدت أن النبي صلى الله عليه وسلم ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر ، ولقد سألت أم سلمه رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لي أجر في بني سلمه أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا فإنما هم بني ؟
فقال لها رسول الله : "نعم لك أجر فيما أنفقت "
وقد جلست إليها جاريتها ذات يوم فأتت نساء فقيرات يسألنها الصدقة ولم يكن لديها شيء فقالت لهن الجارية : اخرجن.. اخرجن ، فقالت أم سلمة رضي الله عنها : ما بهذا أمرنا يا جارية ردي كل واحدة ولو بتمرة تضعينها في يدها
ولما أنزل الله توبة أبو لبابة رضي الله عنه على رسوله صلى الله عليه وسلم ،من آخر الليل وهو في بيت أم سلمة رضي الله عنها ، فجعل يبتسم فسألته أم سلمة رضي الله عنها فأخبرها بتوبة الله على أبي لبابة ،فاستأذنته أن تبشره فأذن لها فخرجت فبشرته فثار الناس اليه يبشرونه وأرادوا أن يحلوه من رباطه فقال والله لا يحلني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى صلاة الفجر حله من رباطه رضي الله عنه وأرضاه
وعن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اشترتني أم سلمة رضي الله عنها وأعتقتني واشترطت علي ان أخدم النبي صلى الله عليه وسلم ما عشت، فقلت: أنا ما أحب أن أفارق النبي صلى الله عليه وسلم ما عشت.
وروى البخاري في صحيحة أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها، فاجتمع أزواجه صلى الله علبه وسلم إلى أم سلمة رضي الله عنها وقلن لها : قولى له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان ، فقالت أم سلمة رضي الله عنها فلما دخل على قلت له ذلك فأعرض عنى ، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها ، ثم لما دار إليها قالت له فقال : " يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فانه والله ما نزل علي الوحي في بيت وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"
ولقد شهدت السبدة أم سلمة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوادع سنة عشرة من الهجرة ، ولكنها مرضت وشكت وجعًا فلم تستطيع الخروج والطواف بالبيت الحرام فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا اقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الناس وأنت راكبة" .
ففعلت أم سلمه رضي الله عنها ذلك وكان هذا بابًا للتوسعة رخص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لغير القادرين أن يحملوا في الطواف ومن باب أولى في السعي بين الصفا والمروة.
كما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمه رضي الله عهنما في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس ليلة النحر ثم مضت فأفاضت إلى منى ، ثم لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع إلا قليلًا حتى توفاه الله عز وجل فأصيب المسلمون بمصيبة قالت عنها أم سلمه رضي الله عنها : "فيالها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم "
عاشت السبدة أم سلمه رضي الله عنها في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمًا للمؤمنين تتعلم وتنهل من معين النبوة وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعد من فقهاء الصحابيات تروي احاديث النبي صلى الله عليه وسلم واخباره وعباداته وبلغ ماروته من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا
وقد أخذت أم سلمة حظّاً وافراً من أنوار النبوّة وعلومها ، حتى غدت ممن يُشار إليها بالبنان فقها وعلماً ، بل كان الصحابة يفدون إليها ويستفتونها في العديد من المسائل ، ويحتكمون إليها عند الاختلاف ، ومن ذلك أن أبا هريرة وبن عباس رضي الله عنهما ، اختلفا في عدة المتوفى عنها زوجها إذا وضعت حملها ، فقال أبو هريرة رضي الله عنه : لها أن تتزوج ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بل تعتدّ أبعد الأجلين ، فبعثوا إلى أم سلمة رضي الله عنها فقضت بصحّة رأي أبي هريرة رضي الله عنهم.
ولما عزمت السيدة عائشة رضي الله عنها على الخروج إلى وقعة الجمل أرسلت إليها ناصحة تطلب منها لزوم بيتها، ومما قالته لها: لو قيل لي يا أم سلمة ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتكة حجاباً ضربه علي، فاجعليه سترك وقاعة بيتك حصنك.
وفي عام تسع وخمسين للهجرة فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها ،وكانت قد بلغت الرابعة والثمانين من العمر ، ولقد آثر فيها استشهاد الحسين بن على رضي الله عنهما .،فلما بلغها الخبر وجمت لذلك وغشي عليها ،وحزنت عليه حزنا شديدا ، ولم تلبث بعده إلا يسيرا حتى انتقلت إلى جوار ربها ،وصلى عليها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه ،وكانت آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم موتا ، وشيع المسلمون جثمانها الطاهر إلى البقيع ليدفن مع بقية أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعًا
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
وفي يوم من الأيام كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابيٌ فقال: ألا تُنْجِزْ لي ما وعدتني ؟ فقال له: " أبشرْ "
فقال: قد أكثرتَ عليَّ من أبشرْ ، فأقبلَ على أبي موسى وبلالٍ كهيئةِ الغضبانِ ، فقال:
" رَدَّ البُشْرى ، فاقْبَلا أنتما " قالا : قَبِلْنا ، ثم دعا بقَدَحٍ فيه ماءٌ ، فغسل يدَيْه ووجهَه فيه ومجَّ فيه ، ثم قال: "اشْرَبا منه ، وأفْرِغا على وجوهِكما ونُحورِكما وأبْشِرا "
فأخذا القَدَحَ ففعلا ، فنادت أُمُّ سلمةَ رضي الله عنها من وراءِ ستارٍ: أن أفْضِلا لأُمِّكُما ، فأفْضَلا لها منه طائفةً.
البخاري
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~27~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور....
السيدة أم سلمة رضي الله عنها ( 5 )
عاشت السبدة أم سلمة رضي الله عنها في بيت النبوة ،تنهل وتتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ، وذات يوم وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها نزل عليه قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنك الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا ) الأحزاب 33
فدعا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فاطمَةَ وحَسنًا وحُسَيْنًا رضي الله عنهم فجلَّلَهُم (غطاهم ) بِكِساءٍ وعلي رضي الله عنهٌّ خَلفَ ظَهْرِهِ فجلَّلَهُ بِكِساءٍ ثمَّ قالَ: "اللَّهمَّ هؤلاءِ أَهْلُ بيتي فأذهِب عنهمُ الرِّجسَ وطَهِّرهم تطهيرًا"
قالَت أمُّ سلمةَ: وأَنا معَهُم يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ:" أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ إلي خَيرٍ"
الألباني
وكانت- رضي الله عنها- من النساء العاقلات الناضجات ، يشهد لهذا ما حدث يوم الحديبية ، بعد كتابة الصلح ، فقد أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة واصطحب معه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، وخرج معه عدد من الصحابة رضوان الله علبهم بلغ عددهم قريب من ألف وأربعمائة ، ولما بلغ الخبر قريش خرجت لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأقمست ألا يدخل بلدهم مسلم
وبدأت المفاوضات بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش ،والمسلمون ينتظرون أن تفتح لهم أبواب مكة فيطوفوا ويسعوا ،ووضع صلح الحديبية ووافق علي النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق إلا أن يسجل في وثيقة يمضيها الفريقان ، إلا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهم أمر وحزن عظيم حين بلغهم شروط الصلح ظنا منهم أنه بخس المسلمون حقهم
وكان الصلح فيه : وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض ،على أنه من آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بغير أذن وليه رده عليهم ، ومن جاء قريش من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه ،وأن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامهم هذا فلا يدخلوا مكة على أن يعودوا إليها للعمرة في العام المقبل
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتحلل من نسكهم ، وحثّهم على النحر ثم الحلق ، فشقّ ذلك على الصحابة الكرام ، ولم يفعلوا ، حتى قالها النبى صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات
فلم يقم من المسلمين أحد
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها مغضبًا، فذكر لها ما كان من أمر المسلمين وإعراضهم عن أمره ، وكانت رضي الله عنها عاقلة حسنة الرأي والفهم ، ففطنت إلى سبب إعراضهم وعدم امتثالهم ، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله أتحب أن يمتثلوا لأمرك ؟ اخرج فلا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنتك وتدعو حالقك فيحلقك ، فقام وخرج ، ولم يكلم أحداً حتى نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأى الناس ذلك قاموا مسرعيت فنحروا هديهم وجعل بعضهم يحلق بعضًا
الإمام أحمد
وثاب المسلمون إلى عقولهم ببركة رأي السيدة أم سلمة رضي الله عنها ،قال الإمام ابن حجر : " وإشارتها على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها "
وكانت السيدة أم سلمة رضي الله عنها ذات شخصية قوية متميزة ورأى صائب جريء ودور قيادي وسط أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، وكان لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب الله عز وجل عنها الغيرة أثرة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكن يتحاكمن إليها لعلمهن ببراءتها من الغيرة.
وعندما علم الفاروق عمر رضي الله عنه، ان نساء النبي يراجعنه في القول دخل على اينته حفصة رضي الله عنها أولا ،ثم دخل على السيدة أم سلمه رضي الله عنها فقال لها : يا أم سلمه تكلمين رسول الله وتراجعنه في شيء ؟!
فقالت السيدة أم سلمه رضي الله عنها : عجبًا لك يا ابن الخطاب !! دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين الرسول وأزواجه ؟!...أي والله إنا لنكلمه فإن حمل ذلك كان أولى به وإن نهانا كان أطوع عندنا منك.
فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عندها نادمًا على كلامه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم
صحبت السيدة أم سلمه رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر وشهدت غزوة الطائف وخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة ، وجاء أخوها عبد الله بن أبي أمية يتلمس الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه أمامه وذلك قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا ، فكلمت أم سلمه رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه واستشفعت له فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول عليه فأسلم .
~26~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة أم سلمة رضي الله عنها (4 )
لما توفي أبو سلمة رضي الله عنه جاءت أم سلمة رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله إن أبا سلمة قد مات
قال : "قولي :اللهم اغفر لى وله وأعقبني (عوضتي ) منه عقبى حسنة ."
قالت : فقلت فأعقبني الله من هو خير لى منه محمدا صلى الله عليه وسلم
مسلم
وفي الصحيح أنها رضي الله عنها تذكرت ما حدثها به زوجها الراحل من أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله :" إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها" إلا أخلف الله له خيرا منها"
فقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي
ثم سكتت ولم تكمل الدعاء و قالت في نفسها : أني أعاض خيرا من أبي سلمة ؟ أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟
وذلك لحبها الشديد له ، ثم ألهمها الله أن تكمل الدعاء فقالت : "واخلف لي خيرا منها"
فأخلف الله عليها بمن هو خير منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فكانت تقول : وأنا أرجو أن يكون الله قد أجرني في مصيبتي
وشعر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصاب أم سلمه رضي الله عنها العظيم وحقها عليهم فما كادت تنتهي عدتها بعد وفاة أبي سلمه رضي الله عنه، حتى أرسل إليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطبها لنفسه فأبت أن تستجيب لطلبه ثم أرسل إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطبها فردته كما ردت الصديق
إلا أن الله عز وجل عزى حزنها وجبر مصيبتها وأبدلها خيرًا منها فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها لنفسه .
أرسل رسول الله صلي الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعه رضي الله عنه إلى أم سلمه رضي الله عنها ليخطبها إليه فقالت : مرحبًا برسول الله صلي الله عليه وسلم وبرسوله ، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : أني كبيرة السن و أنا امرأة شديدة الغيرة وأخاف أن يرى مني رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئًا يكرهه فيعذبني الله به وأنا امرأة ذات عيال يشغلونني عنه وأنا امرأة ليس لي ها هنا أحد من أوليائي شاهد فيزوجني
فقال صلي الله عليه وسلم :" أنا أكبر منك ،وأما الغيرة فأدعوا الله فيذهبها عنك ،وأما العيال فإلى الله ورسوله واما الأولياء فليس أحد منهم إلا سيرضى بي"
عندئذ تهللت أم سلمة رضي الله عنها ولم تستطيع إلا أن توافق وقد جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعز الدنيا والآخرة فقالت لإبنها سلمه : قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع من الهجرة...
وكانت أم سلمة رضي الله عنها قد ولدت طفلة اسمها زينب من زوجها أبي سلمة رضي الله عنه ، فعندما تزوجها صلى الله عليه وسلم جعل يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان صلى الله عليه وسلم حيياً كريمًا يستحي فيسلم و يرجع، ففعل ذلك مرارًا
وفطن عمار بن ياسر رضي الله عنه لما تصنع أم سلمة رضي الله عنها ، وكان أخاها من الرضاعة ، فأطلق قدميه نحو بيت أخته أم سلمة رضي الله عنها ، فأخذ ابنة أخته ليسترضعها في بيته أو عند أحد النساء
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم -فقال: ( أين زناب ؟ )
فقالت ام سلمة رضي الله عنها : جاء عمار فذهب بها
فقال صلى الله عليه وسلم - : إني آتيكم الليلة.
وكانت لفتة حانية، وتكريما رفيعا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن تزوج أم سلمة رضي الله عنها ، فقد أصبحت بعد وفاة زوجها رضي الله عنه من غير زوج يعيلها، أو أحد يكفلها، رغم ما بذلت هي وزوجها من جهد لهذه الدعوة المباركة، وهي مع ذلك كان لها من الأيتام ثلاثة ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الزوج لها والكفيل لأبنائها.
لقد أوى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمه رضي الله عنها إليه إشقاقًا عليها ورحمة بأيتامها وإكرامًا لزوجها الشهيد وأخيه من الرضاعة ،فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وقام على تربية أيتامها ووسعهم قلبه الكبير حتى أصبحوا لا يشعرون بفقد الأب إذا عوضهم الله عز وجل أبا أرحم من أبيهم ، وبذلك يكون الله عز وجل قد استجاب لدعاء أم سلمه رضي الله عنها فأخلفها خيرًا من أبي سلمه رضي الله عنه إنه الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم وكفى به سيدًا ورحيمًا.
ولما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمه رضي الله عنها قال لها:" يأم سلمه إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأوقى من مسك وإني لا أراه إلا قد مات وما أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد إلي فإن ردت علي فهي لك "
فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات النجاشي وردت إليه الهدية فأعطى كل زوجة من أزواجه رضي الله عنهن أوقية من مسك وأعطى أم سلمة رضي الله عنها بقية المسك والحلة.
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~25~
📚✏️أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة أم سلمة رضي الله عنها ( 3 )
بعد طول افتراق اجتمع زوجين وثق الحب بين قلبيهما ووحد الإسلام كيانهما وما كانت الهجرتان إلا بوتقة صهرت هذا الكيان ، وقرت عين السيدة أم سلمة رضي الله عنها بزوجها وسعد أبو سلمة رضي الله عنه بزوجته وأبنائه ، وفي يوم وبينه ما هما جالسان يتحدثان إذ قالت السيدة ام سلمة رضي الله عنها لزوجها : بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك !
فقال أبو سلمة رضي الله عنه: أتطيعنني ؟؟
فقالت أم سلمة رضي الله عنها : نعم فما أستأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك!
فقال أبو سلمة رضي الله عنهفي تضحية وإيثار : إذا مت فتزوجي !
ثم قال أبو سلمة رضي الله عنه متوجهًا إلى الله عز وجل بالدعاء : اللهم أرزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها .
عكفت السيدة أم سلمة رضي الله عنها على تربية صغارها وكان لها ثلاثة أبناء هم : سلمة وعمر وزينب ، وتفرغ زوجها للجهاد في سبيل الله فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر وعاد منها مع المسلمين وقد نصرهم الله عز وجل نصرًا عزيزًا مؤزرًا .
وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذي العشيرة استخلف على المدينة ابا سلمة رضي الله عنه ، ثم انطلق أبو سلمه رضي الله عنه ليخوض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد و أبلى فيها بلاء حسنًا إلا أن أحد المشركين رماه في عضده بسهم فمكث شهرًا يداوي جرحه الشديد.
وبينما كانت الزوجة الوفية بجوار زوجها تمرضه إذ قال لها :
لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها إلا أبدله الله خيرًا منها "
فحفظت منه ذلك أم سلمه رضي الله عنها ، ثم قال أبو سلمه رضي الله عنه : اللهم اخلفني بأهلي بخير مني .
وفي المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة النبوية الشريفة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طليحة الأسدى وأخاه سلمه ابن خويلد قد جمعا حلفاء من بني أسد لمهاجمة الرسول صلى الله عليه وسلم في دار هجرته .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة رضي الله عنهوقد تماثل جرحه للشفاء وقال له : "اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها " وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء وقال له : "سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم " .. ثم أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا .
وخرج مع أبي سلمة رضي الله عنه في تلك السرية مائة وخمسون رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى القوم فلما سمع به أعداء الله ممن اجتمعوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا وتركوا نعمًا كثيرًا لهم من الإبل والغنم فأخذ ذلك كله أبو سلمة رضي الله عنهوأسر منهم ثلاثة وأقبل راجعًا إلى المدينة سالمًا غانمًا بعد أن غاب عنها تسعًا وعشرين ليلة فأعطى الغنائم كلها لرسول الله صلي الله عليه وسلم فقسمها.
وما أن عاد أبو سلمة رضي الله عنه إلى المدينة حتى انتفض جرحه القديم فمات في الثامن من جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتاه يعوده فوافق دخوله عليه خروج نفسه ، فدخل عليه وقد شقَّ بصرُه . فأغمضَه . ثم قال : " إنَّ الروحَ إذا قُبِض تبِعه البصرُ " فضجَّ ناسٌ من أهلِه . فقال: " لا تَدْعوا على أنفسِكم إلا بخيرٍ . فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تقولون " ثم قال : " اللهمَّ اغفِرْ لأبي سلمةَ وارفَعْ درجتَه في المَهديِّينَ واخلُفْه في عَقِبِه في الغابرين . واغفرْ لنا وله يا ربَّ العالَمينَ . وافسَحْ له في قبرِه . ونَوِّرْ له فيه "
مسلم
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه🌳.
~24~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة ام سلمة رضي الله عنها (2 )
تتابعت الأخبار على المهاجرين إلى أرض الحبشة بأن المسلمين في مكة قد كثر عددهم وأن إسلام أسد الله حمزة بن عبد المطلب، عم النبي صلي الله عليه وسلم والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد شد من أزرهم وكف شيئًا من أذى قريش عنهم .
فعزم فريق منهم على العودة إلى مكة المكرمة يحدوهم الشوق إلى بيت الله الحرام ويدعوهم الحنين إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وكانت السيدة أم سلمة وزوجها رضي الله عنهما في طليعة العائدين ، لكن سرعان ما اكتشف العائدون أن ما نمى إليهم من أخبار كان مبالغًا فيه وأن اظطهاد قريش للمسلمين وتعذيبهم قد فاق كل الحدود !
فقد بالغ المشركون في تعذيب المسلمين وترويعهم وأذاقوهم من بأسهم ما لا عهد لهم به من قبل ، عند ذلك أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال : "إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها" .
فخرجوا إليها أرسلًا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه عز وجل في الهجرة والخروج إلى المدينة .
وكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم : أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد رضي الله عنه وكانت هجرته إليها من قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش بعد مرجعه من الحبشة .
إن قصة خروج السيدة أم سلمة وزوجها رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة لم تكن سهلة ميسرة وإنما كانت شاقة مرة خلفت وراءها مأساة عنيفة أليمة الوقع تهون دونها كل مأساة .. تروي أحداثها السيدة أم سلمة رضي الله عنها
فتقول : لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرًا له ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة في حجري ثم خرج بي يقود بعيره فلما رآه رجال بني المغير ة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا :
هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام نتركك تسير فيها بالبلاد ؟!.. ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه .
فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد – رهط أبي سلمة – وأهووا إلى أبي سلمة وقالوا : والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم !!
وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبًا منها حتى مر بي رجل من بني عمي من بني المغيرة فرأى ما في وجهي فرق لحالي ورحمني فقال لبنــي المغــيرة : ألا تخرجون هذه المسكينة ؟!.. فرقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها !
وما زال بهم حتى قالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت ِ .. ورد على بنو الأسد عند ذلك ابني فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي احد من خلق الله . فقلت : أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة –أخا بني عبد الدار ـــ فقال : إلى أين يا بنت أبي أمية ؟
قلت : أريد زوجي بالمدينة .
فقال : هل معك أحــــد ؟
فقلت : ما معي أحــد إلا الله وابني هذا .
فقال : والله ما لك من مترك .. فأخذ من خطام البعير فانطلق معي يقودني.
فو الله ما صحبت رجلًا من العرب قط أراه كان أكــرم منه إذا يلغ المنزل أناخ بي ثم يستأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في شجرة ثم تنحى إلى شجرة أخرى فاظطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه ورحله ثم استأخر عني وقال : اركبي .. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ننزل .
فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال : إن زوجك بهذه القرية وكان أبو سلمة نازلًا بها ، فادخليها على بركة الله تعالى ثم انصرف راجعًا إلى مكة فكانت السيدة أم سلمة رضي الله عنها أول امرأة هاجرت إلى المدينة كما كانت من المهاجرات الأوائل إلى الحبشة .
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه🪴
~23~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة أم سلمة رضي الله عنها (1 )
"هند بنت أبي أمية رضي الله عنها "
ابنة زاد الراكب ..
هي أم المؤمنين ، هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة المخزومية القرشية المشهورة بكنيتها أم سلمة رضي الله عنها ، ولدت رضي الله عنها لأسرة عريقة ، فوالدها أبو أمية سيّد من سادات قريشٍ المعدودين ، وكان مشهوراً بالكرم وشدّة السخاء حتى لُقّب بـ " زادُ الراكب " ، إذ كان يمنع من يرافقه في سفره أن يتزوّد لرحلته ويكفيه مؤونة ذلك
وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية من بني فراس ،وهي بنت عم خالد بن الوليد رضي الله عنه ، وبنت عم أبي جهل بن هشام .
وقد تزوجت السيدة أم سلمة رضي الله عنها من ابن عمها عبد الله بن عمر المخزومي رضي الله عنه ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة ،و أحد العشرة السابقين إلى الإسلام فقد أسلم مع أبي عبيدة الجراح وعثمان ابن عفان والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهم جميعًا في يوم واحد، وأسلمت رضي الله عنها مع زوجها فكانت هي الأخرى من السابقات إلى الإسلام أيضًا .
وما إن شاع نبأ إسلام أبي سلمة وزوجه أم سلمة رضي الله عنهما حتى هاجت قريش وماجت وجعلت تصب عليهما من العذاب والأذى الشديد ، فلم يضعفا ولم يهنا ولم يترددا ، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء قال لهم :" لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"
الألباني
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرار إلى الله بدينهم فكان أول هجرة في الإسلام وكان أول من هاجر من المسلمين أحد عشر رجلًا واربع نسوة انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة .. وكان في طليعة هؤلاء المهاجرين : أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أمية رضي الله عنهما .
مضت السبدة ام سلمة وزوجها رضي الله عنهما إلى ديار الغربة وتركت وراءها بمكة بيتها الباذخ وعزها الشامخ ونسبها العريق محتسبة هذا كله عند الله عز وجل طمعًا في مرضاته وطلبًا لجناته .
وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله ومنهم من خرج بنفسه بدون أهله .
وأمن المسلمون بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشي ملك الحبشة وعبدوا الله تعالى لا يخافون على دينهم ولا على أنفسهم من احد وقد أحسن النجاشي جوارهم ووفادتهم .
فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم أصابوا بها دارًا وقرارًا اجتمعوا وعقدوا بينهم مؤامرة ...
تروى أحداثها السيدة أم سلمة رضي الله عنها فتقول : "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريش ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منهم الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية و بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما :
ادفعًوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم !
ففعل عمرو بن العاص وصاحبه ذلك حتى إذا دخلا على النجاشي قالا له :
أيها الملك إنه قد لجأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع ،وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .
فقالت بطارقة الملك من حوله :
صدقًوا أيها الملك قومهم أعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهم فليرداهم إلى بلادهم وقومهم
فغضب النجاشي وقال : لا والله لا أسلمهم إليهما حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني .
ثم أرسل النجاشي إلى المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم وكلمهم فيما ذكره عمرو بن العاص وصاحبه وسمع منهم آيات من كتاب الله عز وجل فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وقال : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاه واحدة ..انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما .
ثم قال النجاشي للمسلمين : اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي من سبكم غرم فما أحب أن لي جبلًا من ذهب وأني آذيت رجلًا منكم .
ثم أمر النجاشي برد الهدايا التي قدم بها عمرو بن العاص وصاحبه فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به وأقام المسلمون عنده بخير دار مع خير جار "
الألباني
إنْ وَجدتُمُ هُنا مَا يُنير عَتمة عَابرٍ فَانشُروا القَناة، لعلَّه يَنتَفِعُ بِها عبدٌ غَافِل أو يَزدَاد بِها مُؤمنٌ ثبَاتًا!
- كَتبَ اللَّه لكُم الأجرَ والمَثوبَة.
https://t.me/Sira_omhat1
~22~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور......
السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها ( 2 )
واختلف فيمن تولى زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم ،فذُكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها إلى نفسها فجعلت أمرها إليه ، فتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم ، وأَوْلَمَ عليها جزوراً ، وقيل إن عمّها قبيصة بن عمرو الهلالي هو الذي تولّى زواجها .
وكان زواجه صلى الله عليه وسلم بها في رمضان من السنة الثالثة للهجرة بعد زواجه بالسيدة حفصة وقبل زواجه بالسيدة أم سلمة رضي الله عنهما ، فلم يمض على دخول السيدة حفصة رضي الله عنها بيت النبوة وقت قصير حتى دخلته السيدة زينب رضي الله عنها فكانت بذلك خامسة أمهات المؤمنين.
وعاشت رضي الله عنها في رحاب بيت النبوة أجمل أيام عمرها ،ملازمة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتعلم منه وتنهل من علمه ورحمته فتزداد ايمانا يوما بعد يوم ، ولم تذكر المصادر التي ترجمت سيرتها إلا القليل من أخبارها ، خصوصاً ما يتناول علاقاتها ببقية زوجاته عليه الصلاة والسلام ، ولعل مردّ ذلك إلى قصر مدة إقامتها في بيت النبوة .
والقدر المهم الذي حفظته لنا كتب السير والتاريخ ، هو ذكر ما حباها الله من نفس مؤمنة ، امتلأت شغفاً وحبّاً بما عند الله من نعيم الآخرة ، فكان من الطبيعي أن تصرف اهتماماتها عن الدنيا لتعمر آخرتها بأعمال البر والصدقة ، حيث لم تألُ جهداً في رعاية الأيتام والأرامل وتعهّدهم ، وتفقّد شؤونهم والإحسان إليهم ، وغيرها من ألوان التراحم والتكافل ، فاستطاعت بذلك أن تزرع محبتها في قلوب الضعفاء والمحتاجين ، وخير شاهد على ذلك ، وصفها بـ" أم المساكين " ، حتى أصبح هذا الوصف ملازما لها إلى يوم الدين
ولم تمكث رضي الله عنها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ، فما هي إلا شهور قليلة حتى توفاها الله عز وجل ، ففي بعض الروايات أنها لم تلبث عنده شهرين أو ثلاثة وماتت ، وفي روايات أخرى أنها أقامت عنده ثمانية أشهر وماتت في ربيع الآخر سنة أربع للهجرة
والراجح أنها ماتت في الثلاثين من عمرها كما ذكر "الواقدي" ونقل "ابن حجر" في الإصابة.ورقدت في سلام كما عاشت في سلام. وصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ودفنها بالبقيع في شهر ربيع الآخر سنة أربع ، وفازت بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ودعائه لها ، فكانت أول من دفن فيه من أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن. و كانت ثاني زوجاته وفاة في حياته صلى الله عليه وسلم بعد السيدة خديجة رضي الله عنها ، ولم يمت في حياته إلا السيدة خديجة والسيدة زينب بنت خزيمة أم المساكين رضي الله عنهن جميعا
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~21~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة زينب بنت خزيمة الهلالية رضي الله عنها ( 1 )
(أم المساكين )
موعدنا اليوم مع زهرة جديدة من زهرات بيت النبوة مع أم المؤمنين السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها أو أم المساكين كما كانت تلقب
هي السيدة زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمر بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن
صعصعة الهلاليـة ، أم المؤمنين زوج الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت أخت أم المؤمنيـن ( ميمونة بنت الحارث ) لأمها ، ولِدَت قبل البعثـة في مكة بثلاث عشرة سنة تقريباً
وكانت تدعى في الجاهلية ( أم المساكين ) وذلك لطيبتها وكرمها وعطفها الشديد على الفقراء والمساكين في الجاهلية والإسلام ، ولا يكاد اسمها يذكر في أي كتاب إلا مقرونا بلقبها الكريم (أم المساكين )
سمعت رضي الله عنها بالإسلام فأسرعت بالدخول فيه ولم تتردد ، وقد اختلفوا فيمن كان زوجها قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل إنها كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف رضي الله عنه فطلقها ، فتزوجها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه فقتل عنها يوم بدر شهيدا
وقيل وهو أقرب الأقوال في زواجها والأرجح أنها كانت زوجة للصحابي عبد الله بن جحش رضي الله عنه ، فاستشهد في أحد وتزوجها بعده رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان للسيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها دَوْرٍ بارز مع نساء المسلمين في موقعة بدر، في خدمة الجرحى وتضميدهم، وتقديم الطعام والماء لهم
وفي غزوة أحد توفى عنها زوجها عبد الله بن جحش رضي الله عنه، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بترمُّلها، فرقَّ لحالها ،وأرسل اليها بعد انقضاء عدتها يخطبها الى نفسه ،وما أن يصل الخبر الى المهاجرة الصابرة التي أفجعها فراق زوجها ،حتى تمتلئ نفسها سعادة ورضا من التكريم النبوي لها ، فهي ستكون إحدى زوجاته عليه أفضل الصلاة والسلام وإحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعا
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~20~
📚✏️أمهات المؤمنين في سطور.....
السيدة حفصة رضي الله عنها ( 4 )
عرفت السيدة حفصة رضي الله عنها بالعلم والفقه والتقوى، وعاشت رضي الله عنها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حياتها عابدة تحيي ليلها بالعبادة وتلاوة القرآن والذكر
ومن أعظم مناقبها رضي الله عنها ، اختيارها لتحفظ نسخة المصحف الأولى ، والتي جمعها أبوبكر رضي الله عنه من أيدي الناس بعد أن مات أكثر القرّاء ، وظلت معها حتى خلافة عثمان رضي الله عنه ،فهي حارسة القرآن الكريم
فبعد ان توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان ما كان من حروب الردة و استشهاد الكثير من الصحابة من حملة القران ، استقر رأي المسلمين على جمع القران و تدوين المصحف و كلف الصديق رضي الله عنه زيد بن ثابت رضي الله عنه بجمعه و كتب في صحيفة ،ولما توفى الصديق رضي الله عنه كانت الصحيفة عند أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الذي أوصى بها إلى ابنته ام المؤمنين حفصة رضي الله عنها واستأمنها عليها ، فصارت حارسة القران الكريم
وظلت الصحيفة عند أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها حتى كانت خلافة امير المؤمنين عثمان بن عفان وحدث ما لم يكن في الحسبان !
فقد كان الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يغزو ويجاهد مع أهل العراق وقد اجتمع في ذلك الغزو اهل الشام واهل العراق فتنازعوا في القرآن الكريم حتى سمع حذيفة رضي الله عنه من أختلافهم ما يكره
فانطلق حتى اتى خليفة المسلمين وقال له : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم !!
ففزع لذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فأرسل إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما : أن أن أرسلي إلي بالصحيفة فأمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان : زيد بن ثابت وسعد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم جميعًا أن ينسخوها بالمصاحف ففعلوا حتى كتبت المصاحف ، ثم رد عثمان بن عفان رضي الله عنه الصحيفة إلى السيدة حفصة رضي الله عنها وظلت عندها إلى أن توفاها الله ،وأوصت بها إلى أخيها عبد الله رضي الله عنه
وأرسل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسله إليهم وحفظ الله عز وجل كتابه الكريم من الإختلاف والتحريف
تلك هي الوديعة الغالية التي أودعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عند ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها فحفظتها بكل أمانة ورعتها بكل صون فحفظ لها الصحابة والتابعون وتابعوهم من المؤمنين إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ذلك الذكر الجميل الذي تذكر فيه كلما تذاكر المسلمون جمع المصحف الكريم
علمها و فقهها رضي الله عنها :
لقد عاشت رضي الله عنها في بيت النبوة و ذاقت من نبيل شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وكريم خصاله ، مما دفعها إلى نقل هذه الصورة الدقيقة من أخلاقه وآدابه ، سواءٌ ما تعلّق منها بهديه وسمته ، أو أحوال عبادته ، فقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ستون حديثا
وكانت رضي الله عنها مرجعا لاكابر الصحابة الذين عرفوا لها علمها و فضلها حتى ان اباها عمر رضي الله عنه سألها عن اقصى مدة تحتمل فيها المرأة غياب زوجها عنها فاجابته رضي الله عنها بانها اربعة اشهر
ولقد قضت رضي الله عنها بقية عمرها عاكفة على العبادة صوامة قوامة تعلم الناس أمور دنيهم ودنياهم وتروي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى أن توفيت رضي الله عنها في أول عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة إحدى وأربعين بالمدينة عام الجماعة
انتقلت أم المؤمنين حفصة بنت عمر الخطاب رضي الله عنهما إلى جوار ربها لتلحق بزوجها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الفردوس الاعلى ولها من السن يومئذ قرابة الثلاثة والستين عامًا ، وقد صلى عليها أخوها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وشيعتها المدينة إلى مثواها الاخير بالبقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن .
وكان مروان بن الحكم والي المدينة ممن حمل سريرها من عند دار آل حزم إلى دار المغيرة بن شعبة وحمله الصحابي الجليل أبو هريرة رضى الله عنهمن دار المغيرة إلى قبرها ، ونزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمر وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعًا .
وكانت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قد أوصت إلى أخيها عبد الله رضي الله عنه بما أوصى إليها أبوها وتصدقت بمال لها وقفته ،وورث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بيتها الذي عاشت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجًا وأمًا للمؤمنين وعندما أرادوا توسعة مسجد رسول الله بضم بيوت نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه لم يرض عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن يأخذ فيه ثمنًا وجعله هبه وهدم بيت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وأدخل في المسجد .
رض الله عنها وعن أمهات المؤمنين جميعًا.
~19~
📚✏️ أمهات المؤمنين في سطور......
السيدة حفصة رضي الله عنها ( 3 )
عاشت السيدة حفصة رضي الله عنها في بيت النبوة حياة سعيدة تقتبس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتتعلم منه ويغمرها بحنانه صلى الله عليه وسلم ، وكانت تربطها بالسيدة عائشة رضي الله عنها علاقة وثيقة ، وهما اللتان قال الله فيهما (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فقد كانتا سببًا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يحبه، فعرض الله عليهما التوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت أي: مالت وانحرفت عما ينبغي لهن، من الورع والأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، واحترامه.
و قد روي أن سبب نزول هذه الآيات أن السيدة حفصة رضي الله عنها أفشت سرا أسره إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم و تعددت الروايات عن هذا السر الذي نبأت به السيدة حفصة رضي الله عنها و في اسباب نزول ايات التحريم و منها ان السيدة حفصة رضي الله عنها علمت ان النبي صلى الله عليه و سلم قد خلا بالسيدة مارية رضي الله عنها في بيت السيدة حفصة رضي الله عنها فبكت السيدة حفصة رضي الله عنها فاسترضاها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فحرم السيدة مارية رضي الله عنها على نفسه موصيا السيدة حفصة رضي الله عنها بالكتمان و لكن السيدة حفصة لم تستطع ان تكتم السر عن السيدة عائشة رضي الله عنهما
وقيل أن السبب أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ السيدة زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً. فَتَوَاصَت السيدة عائشةو َالسيدةحَفْصَةُ رضي الله عنهما أَنَّ أَيَّتَهما دَخَلَ عَلَيْهَا، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيْحَ مَغَافِيْرَ! أَكَلْتَ مَغَافِيْرَ! فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ، وَلَنْ أَعُوْدَ لَهُ). فَنَزَل قوله تعالىَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ...} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنْ تَتُوْبَا} -يَعْنِي: حَفْصَةَ وَعَائِشَة رضي الله عنهما َ-. {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ} قَوْلَهَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً.
ولما أعتزل الرسول صلى الله عليه وسلم نسائه دخل عمر رضي الله عنه على السيدة حفصة رضي الله عنها وهي تبكي فقال : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلقك إنه كان قد طلقك مرة ثم راجعك من أجلى فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا .
وعت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها الدرس جيدًا كما وعته بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ورجعت إليها طمأنينتها بعد أن كادت تهلك من الحزن و الندم ، ولم تفعل بعد ذلك شيئًا يكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته وظلت مثالًا للزوجة الوفية الصادقة التي لا تدخر جهدًا في سبيل إسعاد زوجها صلى الله عليه وسلم
وما زالت السعادة تخيم على هذا البيت النبوي المبارك إلى أن جاء اليوم الذي أظلم فيه الكون كله بوفاة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فاعتصر قلب أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها من الحزن على وفاة زوجها وحبيبها ونبيها صلى الله عليه وسلم
وظلت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهدها عابدة لله عز وجل صائمة قائمة وعرفت بالعلم والفقه والتقوى ، وكثيرًا ما كان يرجع أبوها الفاروق رضي الله عنه إلى آرائها وأحكامها الفقهية وكانت لها مكانة عظيمة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.'🤍
~18~
📚✏️أمهات المؤمنين في سطور......
السيدة حفصة رضي الله عنها ( 2 )
ترملت السيدة حفصة رضي الله عنها قبل ان تكمل العشرين من عمرها وحزنت لموت زوجها الشهيد حزنًا كاد أن يمزق قلبها . وتألم الفاروق رضي الله عنه لحزن ابنته وأوجعه أن يلمح الترمل يغتال شبابها ويمتص حيويتها ويختنق صباها .
فبدا له بعد تفكير عميق أن يختار زوجًا لحفصة رضي الله عنها تأنس إلى صحبته ويعوضها خيرًا عن زوجها الذي فقدته في سبيل الله .
فعن عبد الله به عمر رضي الله عنهما: أنّ عمر رضي الله عنه حين تأيمت حفصة من (خنيس بن حذافة) وكان شهد بدراً وتوفي بالمدينة لقي عثمان رضي الله عنه فقال: إن شئت أنكحتك حفصة؟ قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، فقال: قد بدا لي لا أتزوج، قال عمر: فقلت لأبي بكر إن شئتَ أنكحتك حفصة، فصمتَ، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبث ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئاً؟ قلت: نعم، قال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلاّ أني علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها. «فلم أكن لأفشي سرّه، ولو تركها لقبلتها».البخاري
ونال عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرف مصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم ،كما نالها قبله أبوبكر الصديق رضي الله عنه ، وتزوج الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ بالسيدة ـ حفصة رضي الله عنها في السنة الثالثة للهجرة على صداق قدره أربعمائة درهم ،وسنها يومئذ عشرون عاما
وعاشت السيدة حفصة رضي الله عنها في بيت النبوة, وكانت ذكية عاقلة, تعلمت القراءة والكتابة علي يد صحابية جليلة هي السيدة الشفاء بنت عبدالله وقد شجعها الرسول صلي الله عليه وسلم علي ذلك.
دخلت السيدة حفصة رضي الله عنها بيت النبوة وكان هناك تقارب شديد بينها و بين السيدة عائشة رضي الله عنها ، و كانت السيدة حفصة رضي الله عنها تراجع النبي صلى الله عليه و سلم ففي احد الايام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "لا يدخل النار ان شاء الله اصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها "
قالت حفصة رضي الله عنها : بلى يا رسول الله
فانتهرها فتلت الاية الكريمة ( و ان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا)
فقال النبي صلى الله عليه و سلم :" قد قال الله عز و جل( ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا)
ولما عرف عمر رضي الله عنه انها تراجع رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل عليها و قال لها : اتراجعين رسول الله قالت : نعم
قال : و تهجره احداكن اليوم الى الليل قالت : نعم
قال : قد خاب من فعل هذا منكن وخسر أفتأمن احدكن ان يغضب الله عليها لغضب رسول الله فاذا هي قد هلكت ؟ لا تراجعي رسول الله و تسأليه شيئا و سليني ما بدا لك و لا يغرنك ان كانت جارتك هي أوسم و احب الى رسول الله صلى الله عليه و سلم منك (يريد عائشة رضي الله عنها)
مسند أحمد
وفي يوم من الأيام طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فانكسر قلبها وأظلمت الدنيا في عينبها ،وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله أن يراجعها وقال له : أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة
شهادة صادقة من أمين الوحي حبريل عليه السلام وبشارة محققة
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه.
~17~
📚✏ أمهات المؤمنين في سطور...
السيدة حفصة رضي الله عنها ( 1 )
موعدنا اليوم مع زهرة جديدة من زهرات بيت النبوة السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ،الزوجة الرابعة للرسول صلى الله عليه وسلم
هي أم المؤمنين حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ولدت في مكة قبل البعثة بخمس سنوات ، وهو العام الذي شارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة
وأمها هي زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب أخت الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنهما ، وكانت رضي الله عنها أكبر من أخيها لأبيها وأمها عبد الله بن عمر رضي الله عنه بست سنوات
وقد نشأت رضي الله عنها في مكة في عز أبيها ابن الخطاب فقد كان من رجالات قريش المعدودين وساداتها البارزين وشجعانها المعروفين وهذا ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلميدعوا الله عز وجل أن يعز الإسلام بأحد العمرين : عمرو بن هشام ( أبي جهل ) او عمر بن الخطاب فأختار الحق تبارك وتعالى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لإعزاز دينه فكان إسلامه فتحًا مبينًا فرق الله عز وجل به بين الحق والباطل وكان مددًا عظيمًا لجند الله فازداد المسلمون به منعةً ووقعت في نفوس الكافرين منه حسرة !
أسلم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأسلم معه أهل بيته ومنهم حفصة رضي الله عنها
وبلغ مسامع المهاجرين من المسلمين إلى أرض الحبشة أن مكة قد أسلمت ، وأنه بإسلام الفاروق عمر بن الخطاب وأسد الله حمزة بن عبد المطلب عم النبي رضي الله عنهما أصبح الإسلام في قوة ومنعة فرأى أغلب المهاجرين العودة إلى مكة بلد الله الحرام كي يكونوا في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعلى أعتاب مكة تبينت لهم الحقيقة المرة وأن أهل مكة قد أزدادوا غضبًا وحنقًا على المسلمين عندما علموا بإسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما فتفننوا في تعذيب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألوان من العذاب لم تشهدها جزيرة العرب من قبل !
وكان من بين هؤلاء العائدين إلى بيت الله الحرام خنيس بن حذافة بن قيس والذي كان من السابقين الاولين إلى الإسلام فقد أسلم قبل دخول رسول الله صلي الله عليه وسلم دار الأرقم كما كان من المهاجرين الأولين إلى ارض الحبشة
وقد خطب خنيس السيدة حفصة إلى أبيها رضي الله عنهم جميعًا فزوجها له وتم تأسيس بيت مسلم بني على الإسلام والطاعة .
ولما أذن الله للمؤمنين بالهجرة ، لحقت حفصة وزوجها رضي الله عنهما بركاب المؤمنين المتّجهة صوب المدينة ، حتى استقرّ بهم الحال هناك ، وعاشا في رحاب الأنصار في سعادة غامرة ،وازدادت هذه السعادة بعد ان لحق بهما الرسول صلى الله عليه وسلم
وما هو إلا قليلٌ حتى بدأت مرحلة المواجهة بين المؤمنين وأعدائهم ، فكان خنيس من أوائل المدافعين عن حياض الدين ، فقد شهد بدراً ، وأبلى فيها بلاء حسنا ، لكنّه خرج منها مثخناً بجراحات كثيرة ، ولم يلبث بعدها إلا قليلا حتى فاضت روحه ، وقيل أنه توفى بعد أحد بعد أن أبلى فيها بلاءا حسنا سنة ثلاث للهجرة ، وخلف وراءه السيدة حفصة رضي الله ولم يتجاوز عمرها الثامنة عشر
ولنا لقاء متجدد بإذن اللَّه 🥀
