en
Feedback
إِمارَةُ البَيان

إِمارَةُ البَيان

Open in Telegram

قالَ رَسولُ اللهِ -ﷺ-: "إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحرًا". البلاغَةُ بلاغةُ القُلوب، والفَصاحَةُ فصاحَةُ الأعمال، والقَولُ قَولُ الصَّوارِم.

Show more
334
Subscribers
No data24 hours
+57 days
+130 days
Posts Archive
صاحبُ التفسير الشامل "التحرير والتنوير"، الإمام الطاهر بن عاشور.. من الراسخين في العلم الذين يعجب المرءُ من إحاطتهم بكل هذه ا
صاحبُ التفسير الشامل "التحرير والتنوير"، الإمام الطاهر بن عاشور.. من الراسخين في العلم الذين يعجب المرءُ من إحاطتهم بكل هذه الوجوه من البيان والمعاني، لا أذكر أني قرأت تفسيرَ آيةٍ لديه إلا ووجدتُ فيها من إدراك الدقائق والنكات ما تذهل له الألباب.. أنار اللهُ قبره، وغفرَ له، وجزاه عن أمة البيان خيرَ الجزاء.

انظروا مثلا إلى بديعِ قولِ ابن عاشور:
وقَوْلُهُ: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ عَطْفٌ على جملَة: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾. وإِحساناً مَصدَرٌ نَابَ مَنَابَ فِعلِهِ، أَي: وَأَحسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَهُوَ أَمْرٌ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فَيُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ: وَهُوَ الْإِسَاءَةُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَبِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَقَعَ هُنَا فِي عِدَادِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْإِسَاءَةُ لِلْوَالِدَيْنِ. وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الْإِسَاءَةِ إِلَى الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ اعْتِنَاءً بِالْوَالِدَيْنِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِرَّهُمَا، وَالْبِرُّ إِحْسَانٌ، وَالْأَمْرُ بِهِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمَا بِطَرِيقِ فَحْوَى الْخِطَابِ. وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ أَهْلَ جلافة، فَكَانَ الْأَوْلَاد لَا يُوَقِّرُونَ آبَاءَهُم إِذَا أَضْعَفَهُمُ الْكِبَرُ. فَلِذَلِكَ كَثُرَتْ وِصَايَةُ الْقُرْآنِ بِالْإِحْسَانِ بِالْوَالِدَيْنِ.
تأملوا هذا الكلام يا جماعة! ❞َإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الْإِسَاءَةِ إِلَى الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ اعْتِنَاءً بِالْوَالِدَيْنِ❝ والله كلام بديع جدًا جدًا جدًا جدًا! كيف أن الله ﷻ قد راعى مكانة الوالدين حتى في أسلوب الأمر ببرهما.. فالأمر بالإحسان يعني النهيَ عن كل صور الإساءة، صغيرة كانت أو كبيرة، ويُغني عن ذكر صور الإساءة، وهذا فيه مراعاة لمشاعر الوالدين، لئلّا يخافا من صدور إحدى صور الإساءة بعينها من ولدٍ لهما، بينما في الأمر بالإحسان طمأنةٌ لهما.. رحم الله الإمام الطاهر ابن عاشور رحمةً واسعة.. مثل هذا الإدراك لهذه الدقائق هو محضُ فتحٍ وهداية من الله، وليس بكدِّ أحدنا ولا بعقله.. فتح الله علينا فتوح العارفين، وعلّمنا من بحرِ كتابه المُبين، وأدَّبنا بآدابِه أجمعين.

وهذا جُزءٌ من المعاني المتفتِّقة عن هذه الجملة الموجزة ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، وما زال هُناك تحتها كُنوز من البيان ال
وهذا جُزءٌ من المعاني المتفتِّقة عن هذه الجملة الموجزة ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، وما زال هُناك تحتها كُنوز من البيان القُرآنيّ الفريد، منها ما هُو متعلقٌ بنسيج السورة ككل، ومنها ما هو متعلقٌ بطبيعة القوم المخاطبين، وغير ذلك. ____________ 1. هذا التعبير "القرآن إيجازٌ كُلُّه" هو تعبير سَبق إليه الدكتور مُحمَّد الدرَّاز بكتابه "النبأ العظيم"، بفصلٍ بديع يحملُ هذا العُنوان. 2. مأخوذٌ من "التحرير والتنوير" للإمامِ ابن عاشور -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية.

كم تلفتني هذه الآية الكريمة، وكم يأسِرني في القرآن هذا المقام الرفيع من الإيجاز، والقرآنُ إيجازٌ كُلّه¹، إذ دائما ما يستثمر برفقٍ أقل ما يُمكنُ من اللفظِ في توليدِ أكثرِ ما يمكنُ من المعاني، فلا تجد في القرآن كلمةً إلا هي مفتاحٌ لفائدةٍ جليلة، وليس فيه حرفٌ إلا جاءَ لمعنى مهم. ولا يقفُ سرُّ الإيجازِ في القرآن عند حدِّ اجتناب الحشو والفضول، أو انتقاء ألفاظٍ هي أتمُّ تَحديدًا للغرضِ وأعظمُ اتساعًا لمعانيه المناسبة، لا، بل إنَّ القرآنَ كثيرًا ما يَسلُكُ في إيجازه سبيلًا أعزَّ وأعجب؛ فلقد تراه يعمد -بعد حذف فضول الكلام وزوائده -إلى حذف شيء من أصوله وأركانه التي لا يتم الكلام في العادة بدونها، ولا يستقيم المعنى إلا بها، ولقد يتناول بهذا الحذف كلماتٍ وجملًا كثيرة متلاحقة ومتفرقة في القطعة الواحدة، ثم تراه في الوقت نفسه يستثمر تلك البقية الباقية من اللفظ في تأدية المعنى كله بجلاء ووضوح وطلاوة وعذوبة، فلا تشعر النفس بما كان فيه من حذفٍ وطيٍّ، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاءٍ، إلا بعد تأمُلٍ وفحص دقيق. وهذه الظاهرة بارزةٌ في هذه الآية الكريمة والتي قبلها.. وانظروا -مثلًا- إلى هذه الطريقة الجامعة التي عُبِّرَ بها عن الأمر بالعدل في القول، وذلك بجملة ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾: ֎ أمّا حرف العطف "الواو" فوراءه قصة طويلة، وتفاصيل نحوية دقيقة، مردُّها إلى الشيءِ الذي عُطفت عليه هذه الجملة الفعلية، علامَ عُطفت؟ عطفت على قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾، وهذه الجملة فِي موقعِ عَطف بَيَان ما حرَّم الله، فكيف يكون ما حرَّم الله: ألّا يُشرك به شيئًا؟ هل الله حرَّم الشرك به أم حرَّم عدم الشرك به؟ ما نوع الحروف "أن" و"لا"؟ وكيف عَطف "وإذا قلتم فاعدِلوا" -وهي أمر صريح- على "ألا تشركوا به شيئًا" وهي أمر بصيغة النهي؟ وغيرها من الأسئلة التي قد يطول بيانها، ولا يتسع المقام لها هُنا، ولكن هذه المُحرمات ذُكر بعضها بصيغة النهي، وبعضا بصيغة الأمر الصريح -أو المؤول-؛ لأنَّ الأمرَ بالشيءِ يقتضي النهيَّ عن ضده، ووراء هذا الاختلاف في صيغة الطلب لهاته المعدودات نكتةٌ بلاغيَّةً بديعة، نبينها لاحقًا إن شاء الله. ֎ استعمال "إذا" وهي ظرفٌ للمستقبل يدخل على الجملة الفعلية مُتضمنًا معنى الشرط، والتعليق بأداة الشرطِ هذه يشي بمعانٍ، منها: أنّ القولَ عُدَّ وكأنّه حالة طارئة، ليست هي الأصل، بل الأصل هو السكوت، ولكن إذا كنتَ قائِلا ولا بُد، فاعدل في قولك. كما وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المرء في سَعَةٍ من السُّكوتِ إن خشِيَ قولَ العدلِ، وأمَّا أن يَقُولَ الجَورَ والظلمَ والباطِلَ فليس لهُ سبيلٌ إلى ذلك، والكذب كُلُّه من القول بغير العدل، على أن من السُّكوت ما هو واجبٌ في كثيرٍ من الحالات. ولعل تأخير الأمر ﴿فَاعْدِلُوا﴾ وتقديم الجملة الشرطية ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ﴾ عليه فيه تأكيد على هذا المعنى، إذ فيه اهتمام بحالة الشرط، وهذا تأكيد اهتمامٍ بقضية أنَّ الأصل هو السكوت، وأن الكلام إنما هو حادِثٌ إن كان لا بد له أن يحدث فله شروط، وهذا المعنى لا يتأتى لو قُلنا "واعِدلوا إذا قلتم"، إذ ذاك يجعلُ الشرطَ شيئًا ثانويًا، لا يخطر للذهن إلا مُتأخِرًا، وهذا من شأنه أن يُجرِّئ الإنسان على الخوضِ في كُل وادٍ. ֎ قُلتم: التعبير بالضمير الجمعي يفيد جعلَ هذا الأمر قانونًا يحفظ قواعِد التعامل بين الناس، ويحقق ثقة الناس بعضهم ببعض، وهذا أقرب لإقامة قواعد المدنيّة الإسلامية المُحكمة. ֎ ❞جاء طلب الحقِّ في القولِ بصيغة الأمر بالعدلِ، دونَ النّهي عن الظُلمِ أو الباطِل؛ لأنَّ قيَّده بأداة الشرط المقتضي لصدور القول، فالقَول إذا صَدرَ لا يخلو عن أن يكونَ حقًّا أو باطِلًا، والأمرُ بأن يكون حقًّا أوفى بمقصد الشارع لوجهين: 1- أن الله يحب إظهار الحقِّ بالقول، ففي الأمر بأن يكونَ عدلًا أمرٌ بإظهارهِ ونَهيٌ عن السكوتِ عنه بدونِ موجب. 2- أنّ النهي عن قول الباطل يُصدُقُ بالكلام الموجَّهِ الذي ظاهِره ليسَ بحقٍّ، وذلك مذمومٌ إلّا عند الخوفِ أو المُلاينة، أو فيما لَا يرجِع إِلى إِظهار حقٍّ، وَتِلْكَ هِيَ الْمَعَارِيضُ الَّتِي ورد فِيهَا حَدِيث: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ»❝.² ֎ الأصلُ في هذه الجملة: "وإذا قُلتم قَولًا فاعدِلوا فيه"، ولكن حُذف المفعول وشبه الجملة المتعلقة به، ولعلّ عِلَّة الحذف في الأولى إفادة الشمول، فبحذف مفعول ﴿قُلْتُمْ﴾ جمعٌ لكل المعاملات بين الناس بواسطة الكلام، من شهادة وقضاءٍ وتعديلٍ وتجريحٍ...إلخ، فحذف المفعولِ جامعٌ لكلِّ ما يصدر عن القول. وحذفُ شبه الجملة فيه إطلاق من تعلق العدل بمجرد القول، بل يتجاوز ذلك إلى كل ما فيه اعتداء على الحقوق، سواء أكان ذلك في القول نفسه، أو في شيءٍ من تبعاته. هذا والله أعلى وأعلم.

سأنشر بعدّ قليلٍ وقفةً بلاغيَّةً مع جزءٍ من هذه الآية إن شاء الله تعالى.

﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]

وقفة بلاغيّة مع قوله تعالى من سورة ص: ﴿هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ لَكم يأسرني اسم الإشارة "هذا" في بداية الآيات! ولله كم له من سطوةٍ على القلوب! وكم له من شدٍّ للأذهان والأسماع! ما الذي يعنيهِ هذا الاسم؟ وما الغرضُ من استخدامه؟ اسم الإشارة هُنا يُفيدُ فصلَ الكلام السابق عن الكلام الآتي بعد ﴿هَٰذا﴾؛ قصدًا لانتقال الكلامِ من غَرَضٍ إلى آخر، وفيه تَنهِيَةٌ للغرض الذي قبله، كمثل قولنا: "أَمَّا بَعْدُ فَكَذَا"، وهذا الأسلوب شديد القوة في شدِّ المسامع وصرف الأذهان إلى ما يُرادُ بيانه، ولاحظوا إشارة الوقف الجائز (ۚ) بعد قوله ﴿هَٰذا﴾ تجعل التأثيرَ موغلًا في النفس، شادًّا إياها إلى إطراق مهيب وترقب للبيان الآتي، ومن فقه القارئ أن يقف على علامة الوقف هذه؛ ليعطي الأذهان مجالًا للترقب. وخبرُ ﴿هَٰذا﴾ محذوف؛ لدلالة الإشارة على المقصود، فكأنَّ التقدير: "هذا الشأنُ شأنُ الطاغين"، أو "هذا كما ذُكر: إن للطاغين لشرَّ مآب". وَالْوَاوُ فِي ﴿وإِنَّ لِلْطاغينَ لشرَّ مآب﴾، يَجُوزُ أَن تَكُون لِلعَطفِ الذِّكرِيِّ، أَي: انتهى الكلامُ السَّابِقُ بِقَولنا هَذَا، ونعطِفُ عليهِ "إِنَّ لِلطاغين لشرَّ مآب"، وَيَجُوزُ أن تَكون واو الحال. واللام في ﴿للطاغين﴾ لام الاختصاص، أي لهم شرُ مآبٍ يومَ الجزاء، واللام في ﴿لشرَّ مآب﴾ لامُ التوكيد، فهذا مصيرُ الطاغين ومآبهم حقًا، فلا يُخالجنَّ المؤمن شكٌ بذلك وليطمئنّ لعدل الله وعقابه، وفيه تخويف للطاغين بأن هذا مصيرهم إن لم يتوبوا، فلا يحسبنّ الواحد منهم أنّه بفارٍّ من العذاب! أيضًا: انتصبت عبارة ﴿جَهَنَّمَ يَصلَونَهَا فَبِئْسَ المِهَاد﴾ على البيانِ من ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾. وقد سبق استعمال هذا الأسلوب في السورة، في قوله تعالى: ﴿هَٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، إلا أنه قد صُرِّحَ بِالخَبَرِ بقوله ﴿هَذا ذِكرٌ﴾ للاهتمام بتعيين الخبر، وَأَنَّ المَقصُود منَ الْمُشَارِ إِلَيهِ: التَّذَكُّرُ وَالِاقْتِدَاءُ، "فَلَا يَأْخُذُ السَّامِعُ اسْمَ الْإِشَارَةِ مَأْخَذَ الْفَصْلِ الْمُجَرَّدِ وَالِانْتِقَالِ الِاقْتِضَابِيِّ"، كما قال ابن عاشور -رحمه الله-.

● إذا قرأتَ شعرَ أبي العلاء المعري، فلا تكن قراءتُك له كَحَسْوِ الطَّيرِ تلتقط البيتَ والبيتين، وإنما اقرأ القصيدة كلها والمقطوعة كلها والديوان كلَّه؛ فإنَّ ذلك يعصم لسانَك عن الطعن في هذا الرجل رحمه الله.

رحم اللهُ رهينَ المحبسينِ أبا العلاء المعريّ إذ قال: يا رَبِّ أَخرِجني إِلى دارِ الرِّضى عَجَــلًا؛ فَهَذا عَــــــالَمٌ مَنكـوسُ فهذا والله عالمٌ مَنكوسٌ

أنشر اليوم -إن شاء الله- فائدة بلاغيّة نحويّة في هذه الآيات المُظللة من سورة ص المُحببة إلى قلبي. نسأل الله الإعانة والتيسير.
أنشر اليوم -إن شاء الله- فائدة بلاغيّة نحويّة في هذه الآيات المُظللة من سورة ص المُحببة إلى قلبي. نسأل الله الإعانة والتيسير..

لاحظوا نقطة مهمة: قوله تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا (24)﴾ الظاهر في أمره -كما نفهمه- أن يكون المعنى: "إذا نسيت شيئا فاذكر ربك"، ولكن إذا أخذنا بالاعتبار أن هذه الأمر بالذكر قد جاء في الآية نفسها التي فيها الاستثناء، وأن هذا الأمر بالذكرِ جاء معطوفًا على النهي، فهذا يجعله متصلًا به في الحكم، فيكون المعنى: "لا تعد بوعد، فإن نسيت فقلتَ إني فاعلٌ، فاذكر ربك، أي: اذكر ما نهاك عنه". وكما قال الزمخشريّ في هذه الآية: "إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر والتسبيح والاستغفار؛ تشديدًا في البعث على الاهتمام بها" والمراد بالذكر هنا: التدارك، وهو كنايةٌ عن لازِم التذكر، وهو الامتثال؛ إذ أن التذكر من شأنه أن يقودك للامتثال لأمر الله. وقيل أيضًا في هذه الآية: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسى، وقد حُمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. ولعلّ كلّ هذه الأقوال مُعتبر، ولكني إنما أحببت أن أنبّه على تأثير مواضع الفواصل القرآنية على فهمنا للآيات، وما المعاني التي تتغير حال أخذنا لهذه المواضع بعين الاعتبار في فهم كلام الله ﷻ.

لاحظوا نقطة مهمة: قوله تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا (24)﴾ الظاهر في أمره -كما نفهمه- أن يكون المعنى: "إذا نسيت شيئا فاذكر ربك"، ولكن إذا أخذنا بالاعتبار أن هذه الأمر بالذكر قد جاء في الآية نفسها التي فيها الاستثناء، وأن هذا الأمر بالذكرِ جاء معطوفًا على النهي، فهذا يجعله متصلًا به في الحكم، فيكون المعنى: "لا تعد بوعد، فإن نسيت فقلتَ إني فاعلٌ، فاذكر ربك، أي: اذكر ما نهاك عنه". وكما قال الزمخشريّ في هذه الآية: "إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر والتسبيح والاستغفار؛ تشديدًا في البعث على الاهتمام بها" والمراد بالذكر هنا: التدارك، وهو كنايةٌ عن لازِم التذكر، وهو الامتثال؛ إذ أن التذكر من شأنه أن يقودك للامتثال لأمر الله. وقيل أيضًا في هذه الآية: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسى، وقد حُمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. ولعلّ كلّ هذه الأقوال مُعتبر، ولكني إنما أحببت أن أنبّه على تأثير مواضع الفواصل القرآنية على فهمنا للآيات، وما المعاني التي تتغير حال أخذنا لهذه المواضع بعين الاعتبار في فهم كلام الله ﷻ.

أما عن هذا السؤال، فهنا تأتي الآية التالية: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُۚ﴾ وهذا استثناء حقيقيٌ من الكلام الذي قبله، وفي كيفيَّة نظمه اختلافٌ للمفسرين من باب تعلقه بالنهي، وتعلقه بالنهي من ثلاثة وجوه: ֎ فمن العلماء من قال إن هذا الاستثناء من بقية جملة النهي، فهو إذن استثناء من حكم النهي، أي: "لا تقولنّ ذلك القولَ إلا أن يشاءَ اللهُ أن تقوله"، ومفعولُ "يشاءَ الله" محذوفٌ دلّ عليه ما قبله، فيكون التقدير: "ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غدًا، إلا قولًا شاءه الله، فأنت غيرَ منهيٍّ عن أن تقوله"، ومشيئة اللهِ تُعلم من إذنه بذلك. وهذا قول الزمخشريّ. ֎ ومن العلماء من قال إن الاستثاء مُستثنى من جملة "إنّي فاعلٌ ذلك غدًا"، فيكون مستثنى من الكلام الذي نُهيَ النبيُّ ﷺ عنه، أي: "لا تقولنّ إنّي فاعلٌ ذلك غدًا، إلّا قولًا مُقترنًا بـ(إن شاء الله)"، فيكون الاستثناءُ بموضعِ الحالِ، ويكونُ المصدرُ المنسبكُ من (أن) والفعلُ في محل نصبٍ على نزع الخافض وهو باء الملابسة. أي: "إلّا بأن يشاءَ الله"، أي بما يدلُّ على ذِكرِ المشيئة، لأنّ ملابسة القولِ لحقيقة المشيئةِ مُحال، فعُلم أن المرادَ تلبُّسه بذكر المشيئة بلفظِ (إن شاء الله). وهذا قول الكسائيّ والأخفشِ والفرّاء. ֎ والوجه الثالث: أن يكون قوله "أَنْ يَشاءَ اللَّهُ" في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل "ولا تقولنّ لشيءٍ إنّي فاعلٌ ذلك غدًا أبدًا"، وهذا نحو قوله ﷻ ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ لأنّ عودَهم في ملتهم مما لن يشاءَه الله، فكان الاستثناء هنا بمعنى التأبيد، وكذلك الأمر في الآية التي بين يدينا من سورة الكهف، ولا أعلم أحدًا قال بهذا إلا الزمخشريّ الذي أشار إليه. وعلى كُل هذه الوجوه، فالجواب عن السؤال هو بأنك إذا خططت لشيءٍ ورأيته قد حصل؛ فاعلم أنّ المشيئة الإلهيّة قد أذنت، وليس ما حصلَ بمهارتك وسعيك وتخطيطك، أنت تُخطط والله قد يأذن أو لا يأذن. وكل هذه الوجوه تستقيم مع هذا المعنى؛ لأنّ هناك قانونًا مستقلًّا حصل، وهو أنك لست من يصنع المستقبل، وهذا المعنى قد دلنا عليه موضع الفاصلة القرآنية.

#تجنيد_2024 يا لحظّكم والله..

هذه مُشاركة من قناة براء أحسن الله إليه

العلم ميثاق ومسؤولية من أوائل المحاضرات التي قررت علينا في البناء المنهجي، محاضرة للشيخ حسين عبد الرازق، بعنوان: دليل طالب العلم... كثرة سماع هذا الجزء من المحاضرة، مع المرور الدائم على معاني قول الله: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ}، يجعل الطالب يسير في طلبه للعلم مستشعرا ثقل المسؤولية، وحمل الأمانة، وأنه إنما يتعلم... ليبلغ عن الله، وينهض بدينه في واقعه، متبعا سبيل الأنبياء، مؤتسيا بسيرة خير الخلق ﷺ... الله يعيننا، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ويكرمنا بالعمل لدينه، والقيام به، ولا يحرمنا ذاك الشرف بذنوبنا... وربنا كريم عظيم...

Repost from قناة #آدا
قيل أن هذا من بيان صدر عن المقاومة وقيل أنه حُذف بعدها .. والحمد لله أنه حُذف لو كان حقًا؛ فإن الموتى أرجى إجابةً للنداء من "
قيل أن هذا من بيان صدر عن المقاومة وقيل أنه حُذف بعدها .. والحمد لله أنه حُذف لو كان حقًا؛ فإن الموتى أرجى إجابةً للنداء من "علماء" زماننا، وهم أحطّ من أن يُستنصروا بعد كل هذا الدم وقد كان أحسنهم من رفع صوته بالنحيب ولم يخش في ذات الولاة دمعة. وإنّما تستبشر الأمة بالشباب من طلاب العلم وطالباته الذين لم يزالوا يدرجون فيه المدارج، أن يدركوا منزلة العلم وأهله وما يُناط بهم من واجب البيان والبلاغ واحتمال الأذى في سبيل ذلك نصرة لدين الله وأوليائه .. وأن (العمل) بالعلم ليس نسكًا محضًا ولا صورة حجاب وقِصَر ثياب، وإنما رأس (العمل) بالعلم وغايته بيان الحق الذي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. فيوطّنون لذلك أنفسهم، ويعدّون لهذا المقام العظيم عدّته من العبادة والتقوى مع العلم.

وهذي قلعةُ الفخرِ جِنينُ بها الأبطالُ قد نالوا مفازًا ويا صُهيونُ إنّا من دِيارٍ على الشهداءِ ترتكزُ ارتكازًا..
وهذي قلعةُ الفخرِ جِنينُ بها الأبطالُ قد نالوا مفازًا ويا صُهيونُ إنّا من دِيارٍ على الشهداءِ ترتكزُ ارتكازًا..

جواب على تنبيه وصلني، جزى الله صاحبه خيرًا: لقد أزلت الموسيقا من المقطع قبل نشره، وأنا -بفضل الله- لا أستمع للمعازف فضلًا عن نشرها، وإنما الذي في المقطع هو بقايا من الإيقاع الذي لم يذهب معي، ورأيت أنه غير مُلاحظ فنشرت المقطع.

"أبثُ عن غايتي فيها شِكاةَ فتىً تقطّعت دونه الأسباب والعِصمُ" إيييييهٍ يا أخوتنا...