en
Feedback
Fast Money ( Trading )

Fast Money ( Trading )

Open in Telegram

★No.1 Signal Service & Chart Analysis in Forex industry ★ICT, Liquidity Inducement Theorem (LIT), Institutional Order Flow ★Signals accuracy 85% and above ★One Shot One Kill High R:R Entries🔥🔥🔥

Show more
1 698
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
كرر سؤاله : " ألا تحتاجين لأي شيء ؟ أخبريني صغيرتي أينقصك أي شيء؟؟ " " كلا... " " لا تترددي في طلب ما تحتاجينه منّي... أرجوك رغد... " ابتسمت و قلت : " شكرا لك... " وليد أدخل يده في جيبه ! أوه كلا ! هل يظن أنني أنفقت تلك الكومة من النقود بهذه السرعة ؟ لست مبذرة لهذا الحد ! كدت ُ أقول ( كلا ! لا أحتاج نقودا ) لكنني حين رأيت هاتفه المحمول يخرج من جيبه حمدت الله أن ألجم لساني عن التهور ! و للعجب... وليد قدّم هاتفه إلي ّ ! " ابقي هذا معك... اتصلي بي في المزرعة متى احتجت لأي شيء..." نظرت إليه باندهاش فقال : " هكذا استطيع الاتصال بك و الاطمئنان على أوضاعك كلما لزم الأمر دون حرج" بقيت أحدق في الهاتف و في وليد مندهشة ... " و ... لكن ... !! " صدر التلكين منّي فقال وليد : " لا تقلقي، سأقتني آخر عاجلا... يمكنني الاستغناء عنه الآن ... خذيه " و بتردد مددت يدي اليمنى و أخذت الهاتف فيما وليد يراقب حركة يدي بتمعن ! قال : " لا تنسي... اتصلي بي في أي وقت... " " حسنا... شكرا لك " وليد ابتسم بارتياح... ثم بدا عليه بعض الانزعاج و قال : " سأنصرف الآن و لكن... " و لم يتم جملته، كان مترددا و كأنه يخشى قول ما ود قوله... تكلمت أنا مشجعة : " لكن ماذا وليد ؟؟ " أظن أن وجه وليد قد احمر ! أو هكذا تخيّلته تحت ضوء القمر و المصابيح الليلية الباهتة... وليد أخيرا نظر إلى عيني ثم إلى يدي الممسكة بالهاتف ثم إلى العشب... و قال: " ارتدي عباءتك حينما يكون حسام أو أبوه حاضرين " ذهلت... و كاد قلبي يتوقف... و حملقت في وليد باندهاش ... وليد تراجع ببصره من العشب، إلى يدي، إلى عيني ّ و واصل : " و لا داعي لوضع الخواتم في حال وجودهما... " الدماء تفجرت في وجهي ... طأطأت ُ برأسي نحو الأرض في حرج شديد... توقفت أنفاسي عن التحرك من و إلى صدري و إن ظلّت الريح تعبث بوجهي و وشاحي الطويل... في حين حاولت يدي اليسرى تغطية خاتمي الفيروزي الجديد في يدي اليمنى ... وليد حاول تلطيف الموقف فقال مداعبا : " و لكن افعلي ما يحلو لك ِ في غيابنا " ثم قال مغيرا المسار و خاتما اللقاء : " حسنا صغيرتي... أتركك في رعاية الله ... " توالت الأيام، و الأسابيع ... و أنا منغمس في العمل ... و اقتضى مني الأمر السفر إلى المدينة الساحلية من جديد... و لأن أروى لم تشأ مرافقتي، لم استطع أخذ رغد معي و السفر بمفردنا... و رغم أن الأمر كان غاية في الصعوبة إلا أنني دست على مشاعري و قلقي و تركت رغد دون رعايتي و سافرت بعيدا... قبل سفري اتصلت بشقيقي سامر و طلبت منه أن يبقى على مقربة و اتصال دائمين من رغد و قد تعذّر بانشغاله في عمله و لكنه وعد بفعل ما يمكن... أما أنا فقد اقتنيت هاتفا محمولا جديدا لرغد أعطيتها إياه حين مررت منها قبل سفري و استعدت هاتفي، و طلبت منها أن تبقى على اتصال بي شبه يومي... و أنا أعيش في المنزل الكبير هناك في المدينة الساحلية، شعرت بوحدة قاتلة و تقلبت علي الكثير من المواجع... و صممت على أن أعيد لهذا البيت الحياة و النشاط عما قريب... حصلت على إذن من شقيقي ّ للتصرف المطلق بالمنزل، و الذي أصبح ملكا مشتركا لنا نحن الثلاثة، بعد وفاة والدي رحمه الله... وكلت عمّال شركة متخصصة لتنظيفه كليا، و من ثم أعدت صبغه و جددت أثاثه و أجريت الكثير من التعديلات فيه... غير أنني تركت غرف نوم والديّ – رحمهما الله - و سامر و دانة و كذلك الحديقة الخلفية كما هي... و ركنت ُ في الحديقة بعض الأشياء القديمة إلى جوار أدوات الشواء... التي تعرفون... كنت معتزما على الانتقال للعيش الدائم في المنزل، و إليه سأضم رغد و سامر... و أروى مستقبلا... و حين تعود دانة من الخارج، فلا أجمل من أن تنضم إلينا... كنت أريد أن ألملم شمل العائلة المشتتة... و أن نعود للحياة معا كما كنا قبل أن تفرّقنا الحرب و ظروفها التعيسة... و لأنني أصبحت أدير أحد أكبر و أهم مصانع المدينة، فإن نفوذي قد اتسع كثيرا و سلطتي قد ارتفعت لحد كبير... و مع ذلك... لم تخل ُ المسألة من الهمز و اللمز... و النظرات الماكرة و الهمسات الغادرة ممن عرفوا بأنني قاتل عمّار... و استقال السيد أسامة من منصبة للأسف... إثر هذا الخبر... ولاء ً لصديقه الراحل عاطف... و انتشرت شائعات مختلفة حولي و حول زواجي من أروى... و وجدت نفسي أكثر وحدة و حاجة للدعم المعنوي و الفعلي ممن أثق بهم... ألححت على سامر لترك عمله في تلك المدينة و عرضت عليه العمل معي في المصنع، و هيّأت ُ له منصبا مرموقا مغريا و لكن سامر كان مترددا جدا أعربت له عن رغبتي في لم شمل العائلة من جديد... شرحت له بتفصيل دقيق ظروف عملي الحالي و كيف أن الحياة تبدلت معي كثيرا... و أنني الآن محتاج إليه أكثر... غير أن سامر على ما بدا منه كان لا يزال في حداد على والدي ّ لم يفق منه...

بإدراك أو بدونه... كنت أسترق السمع إلى أي كلمة تخرج من لسان وليد و أراقب حتى أتفه حركة تصدر منه... بل و حتى من خصلات شعره الكثيف و الهواء يعبث بها ... " ما الذي تراقبه الصغيرة الجميلة ؟ " قالت نهلة و هي تنظر إلي بمكر... فهي تعرف جيدا ما الذي يثير اهتمامي في قلب الحديقة ! قلت بتحد : " بابا وليد ! " كادت تطلق ضحكة كبيرة لولا أنني وضعت كفي فوق فمها و كتمت ضحكتها " اخفضي صوتك ! سيسمعونك ! " أزاحت نهلة يدي بعيدا و مثلت الضحك بصوت منخفض و من ثم قالت : " مسكين وليد ! عليه أن يرعى طفله بهذا الحجم ! " و فتحت ذراعيها أقصاهما... كنت ُ أعرف أنها لن تدعني و شأني ... هممت ُ بإغلاق النافذة فأصدرت صوتا... فرأيت حسام يلوّح بيده نحونا و يهتف : " رغد... تعالي " تبادلت و نهلة النظرات و بقيت مكاني... قال حسام : " وليد يرغب في الحديث معك " عندها ابتعدت عن النافذة و وضعت يدي على صدري أتحسس ضربات قلبي التي تدفقت بسرعة فجأة... نهلة نظرت إلي من طرف عينيها و قالت مازحة ساخرة : " هيا يا صغيرتي المطيعة ... اذهبي لأبيك " و لما لم تظهر على وجهي التعبيرات التي توقعتها بدا الجد في نظراتها و سألتني: " ما الأمر ؟؟ " قلت و أنا مكفهرة الوجه و يدي لا تزال على صدري : " لا بد أنه سيغادر الآن... " نظرت إلي نهلة باستغراب... بالطبع سيغادر... و جميعنا نعلم أنه سيغادر!... ما الجديد في الأمر...؟؟ قلت : " لا أريده أن يبتعد عني يا نهلة... لا أحتمل فراقه... أريده أن يبقى معي... و لي وحدي... أتفهمين ؟؟ " في وسط الحديقة... على العشب المبلل برذاذ الماء... و بين نسمات الهواء الرائعة المدغدغة لكل ما تلامسه... و تحت نور باهت منبعث من القمر المتربع بغرور على عرش السماء... وقفنا وجها لوجه أنا و وليد قلبي... لأصف لكم مدى لهفتي إليه... سأحتاج وقتا طويلا... و لكن الفرصة ضئيلة أمامي... و العد التنازلي قد بدأ... حسام و أبوه دخلا المنزل تاركـَين لنا حرية الحديث بمفردنا... و إن كنت لا أعرف أي حديث سيدور في لحظة كهذه ...؟ نسمات الهواء أخذت تشتد و تحوّلت دغدغاتها إلى لكمات خفيفة لكل ما تصادفه وليد بدأ الحديث من هذه النقطة : " يبدو أن الريح ستشتد... إنه إنذار باقتراب الشتاء ! " " نعم... " " المكان هنا رائع... " و هو يشير إلى الحديقة من حوله... " أجل... " و نظر إلي و قال : " و يبدو أنك تستمتعين بوقتك هنا... " هززت رأسي إيجابا... قال بصوت دافئ حنون : " هل أنتِ ... مرتاحة ؟ " قلت بسرعة : " بالطبع... " ابتسم برضا ... ثم قال : " يسرني سماع ذلك... الحمد لله " هربت من نظراته و سلطت بصري على العشب... ثم سمعته يقول : " ألا... تريدين... العودة إلى المزرعة ؟ " رفعت رأسي بسرعة و قد اضطربت ملامح وجهي... وليد قال بصوت خافت : " لا تقلقي... فأنا لن أجبرك على الذهاب معي... " ثم أضاف : " أريد راحتك و سعادتك يا رغد... و سأنفذ ما ترغبين به أنت ِ مهما كان... " قلت موضحة : " أنا مرتاحة هنا بين أهلي... " و كأن الجملة جرحته ... فتكلّم بألم : " أنا أيضا أهلك يا رغد... " تداركت مصححة : " نعم يا وليد و لكن ... و لكن ... " و ظهرت صورة الشقراء مشوهة أي جمال لهذه اللحظة الرائعة ... أتممت : " ولكنني... سأظل أشعر بالغربة و التطفل هناك... لن يحبني أحد كما تحبني خالتي و عائلتها... و لن أحب أحدا لا تربطني به دماء واحدة ..." نظر إلي ّ وليد بأسى ثم قال : " تعنين أروى ...؟ " فلم أجب، فقال : " إنها تحبك و كذلك الخالة... و هما تبعثان إليك بالتحيات " قلت : " سلّمهما الله... أنا لا أنكر جميلهما و العجوز علي... و لو كان لدي ما أكافئهم به لفعلت... لكن كما تعلم أنا فتاة يتيمة و معدومة... و بعد رحيلهما لم يترك والداك لي شيئا بطبيعة الحال... " و هنا توتر وليد و قال باستنكار : " لم تقولين ذلك يا رغد ؟؟ " قلت مصرة : " هذه هي الحقيقة التي لا يجدي تحريفها شيئا... أنا في الحقيقة مجرّد فتاة يتيمة عالة على الآخرين... و لن أجد من يطيقني و بصدر رحب غير خالتي " و ربما أثرت جملتي به كثيرا... فهو قد لاذ بالصمت لبعض الوقت... ثم نطق أخيرا: " على كل... لا داعي لأن نفسد جمال هذه الليلة بأمور مزعجة... " ثم ابتسم ابتسامة شقّت طريقها بين جبال الأسى و قال: " المهم أن تكون صغيرتي مرتاحة و راضية... " ابتسمت ممتنة... قال : " حسنا... يجب أن أذهب الآن قبل أن يتأخر الوقت أكثر... " تسارعت ضربات قلبي أكثر... لم أكن أريده أن يرحل... ليته يبقى معنا ليلة واحدة...أرجوك لا تذهب يا وليد... قال : " أتأمرين بأي شيء ؟ " ليتني أستطيع أمرك بألا ترحل يا وليد ! قلت : " شكرا لك "

الحلقة الثامنة و الثلاثون الجزء 2 كل هذا و هي لا ترفع نظرها عن العشب الرطب... قلت : " الحمد لله... " قالت أم حسام : " تفضّل بالجلوس " قال حسام : " سأصطحبه إلى المجلس ... " و خاطبني : " تفضّل وليد " لم أجد بدا من مرافقته ... فذهبت تاركا عقلي مرميا و مبعثرا هو الآخر فوق ذات العشب ! في ذلك المجلس كان أبو حسام يشاهد الأخبار ... و بعد الترحيب بي فتحنا موضوع المظاهرات و العمليات الاستشهادية النشطة و عمليات الاعتقال و الاغتيالات العشوائية التي تعيشها البلدة بشكل مكثف في الآونة الأخيرة... و كذلك المنظمات السرية المعادية التي يتم الإيقاع بعملائها و زجّهم إلى السجون أو قتلهم يوما بعد يوم... الأنباء أثارت في نفسي كآبة شديدة و مخاوف متفاقمة خصوصا بعد أن علمت من أبي حسام عن تورط بعض معارفه في إحدى المنظمات المهددة بالخطر... و حكيت له الصعوبات التي واجهناها مع السلطات أثناء رحلتـَي ذهابنا و عودتنا إلى و من المدينة الساحلية... و تعرفون كم أكره الشرطة و أرعب منهم... فيما بعد... خرجنا نحن الثلاثة من المنزل قاصدين الذهاب إلى المسجد... و نحن نعبر الحديقة رأيت رغد مع ابنتي خالتها و هن لا يزلن يجلسن على ذلك البساط و يلهون بأوراق الألغاز... حسام هتف سائلا : " من فاقكن ذكاء ؟ " أجابت شقيقته الصغرى : " رغد ! إنها ذكية جدا " ضحك حسام و قال : " استعيري شيئا منها ! " و انطلقت ضحكة عفوية من رغد... حسام قال بمرح : "... سأغلبك ِ في الجولة المقبلة يا رغد ! استعدّي " قالت رغد و هي تنظر إله بتحد : " قبلت التحدّي ! " حسام ضحك و قال بإصرار : " سترين أنا عبقريتي... انتظري فقط ! " و ضحكت رغد بمرح... كل هذا و أنا... واقف أسمع و أتفرج و أخرس لساني و أكتم في صدري غضبا شديدا... " فيم تحدّقين ؟ " سألتني نهلة و هي تراني أحملق في البوابة... التي أغلقها حسام بعد خروجه و أبيه و وليد قبل قليل... قلت : " هل رأيت ِ كيف يبدو حسام إلى جانبه ؟ كواحد من الأقزام السبعة ! " تعجّبت نهلة و بدا أنها لم تفهم شيئا قلت: " أراهن أنه سيلحق بهما بسيارته... يستحيل على هذا الشيء أن يدخل سيارة شقيقك تلك! إلا إذا أخرج رأسه من فتحة السقف ! " و أخذت سارة تضحك بشدّة ! لا أدري إن لشيء فهمته أو لشيء لم تفهمه! وقفت ُ بعد ذلك و أخذت ُ أمدد أطرافي و استنشق الهواء العليل... شاعرة بسعادة تغمر قلبي... و برغبة هوسية في معانقة الهواء! أخذت ُ أدندن بمرح... و أمشي حافية على العشب بخفة... كعصفور على وشك الطيران... نهلة أصدرت أصواتا خشنة من حنجرتها للفت انتباهي فاستدرت إليها و وجدتها تراقبني باهتمام... إنني أشعر بالدماء تتحرك بغزارة في شعيرات وجهي... و متأكدة من أنني في هذه اللحظة حمراء اللون ! " رغد يا صغيرتي كيف تسير أمورك ؟ " قالت ذلك نهلة و هي تهب واقفة على أطراف أصابعها و تنفخ صدرها و ترع كتفيها و تضغط على حبالها الصوتية ليظهر صوتها خشنا، فيما تقطب حاجبيها لتقلّد وليد ! و مرة أخرى تنفجر سارة ضحكا... و تثير عجبي! إنها غبية في أحيان كثيرة و لكن يبدو أن ذكاءها محتد هذا الساعة ! قلت موضحة : " إنه يناديني بالصغيرة منذ طفولتي ما الجديد في ذلك ؟ " و نهلة لا تزال قاطبة حاجبيها و تردد : " رغد يا صغيرتي ! رغد يا صغيرتي ! رغد يا صغيرتي " و سارة لا تزال تضحك ! قلت : " و لأني يتيمة... فهو يعاملني كابنته! و طلب منّي اعتباره أبي ! " و نظرت الفتاتان إلى بعضهما و ضحكتا بشدة ! قلت و أنا أولي هاربة : " أوه... خير لي أن أذهب لتأدية الصلاة ! أنتما لا تطاقان ! " لم يكن لحضور وليد قلبي أي هدف غير الاطمئنان علي، لذا فإنه هم بالمغادرة بعد ذلك مباشرة لولا أن العائلة ألحت عليه لتناول العشاء معنا... أنا أيضا كنت أريد منه أن يبقى فمجرد وجوده على مقربة... يمنحني شعورا لا يمكن لأي إنسان منحي شعورا مماثلا له آه لو تعلمون... كم في البعد من شوق و كم في القرب من لهفة... كيف سارت حياتي بدونك يا وليد؟؟ كيف استطعت العيش طوال هذه الأيام بعيدة عنك؟؟ و كيف سأتحمّل رحيلك... و كيف سأطيق الذهاب معك ؟؟ بعد العشاء، وليد و حسام و أبوه خرجوا و جلسوا في الحديقة على نفس البساط الذي كنا نجلس عليه... كان الجو رائعا تلك الليلة، لا يقاوم... و من داخل المنزل فتحت النافذة المطلة على الحديقة سامحة لنسمات الليل و ضوء القمر، و الأصوات كذلك، بالتسلل إلى الداخل... بينما أنا أراقب عن كثب... تحركات وليد ! كان وليد غاية في الأدب و اللباقة... كان قليل الحديث أو الضحك... مغايرا لحسام المزوح الانفعالي... و بدا فارق السن بينهما جليا في طريقة حديثهما و تحركهما بل و حتى في الطريقة التي يشربان بها القهوة !

هنا وصلتني أصوات ضحكات جعلتني التفت تلقائيا نحو المصدر... على بساط مفروش فوق العشب في قلب الحديقة كانت أربع نسوة يجلسن في شبه حلقه مستديرة... جميعهن التفت إلي ّ لدى ظهوري في الصورة و جميعهن أخرسن ألسنتهن و بدين مندهشات ! غضضت بصري و تنحنحت ثم ألقيت التحية... و سمعت الرد من أم حسام مرحبة بي... " تفضّل يا وليد... أهلا بك... " قال حسام : " تعال شاركنا " و هو يحثّني على السير نحو البساط... و أضاف : " كنا نتسلى بالألغاز ! الجو منعش جدا " وقفت شقيقة حسام الكبرى ثم الصغرى هامتين بالانصراف فقلت : " كلا... معذرة على إزعاجكم كنت فقط أود إلقاء التحية و الاطمئنان على ابنة عمّي" أم حسام قالت مباشرة : " أي إزعاج يا وليد؟ البيت بيتك و نحن أهلك... تفضّل بني " " شكرا لك خالتي أم حسام... أدام الله عزك " كل هذا و عيني تحدّق في العشب في خجل... و تمكنت من رفعهما أخيرا بحثا عن رغد... و رأيتها جالسة بين ابنتي خالتها... و هي الأخرى تبعثر نظراتها على العشب ! يا إلهي كم اشتقت إليها !... لا أصدق أنها أمامي أخيرا... " كيف حالك يا رغد ؟ " التفتت رغد يمنة و يسرة كأنها تبحث عن مصدر الصوت! هذا أنا يا رغد ! هل نسيت صوتي ؟؟ ثم رأيتها تبتسم و يتورد خداها و تجيب بصوت خافت : " بخير " لم يكن جوابا شافيا ! أنا أريد أن أعرف تفاصيل كل ما حصل مذ تركتك ِ هنا تلك الليلة و حتى هذه اللحظة ! ألا تعلمين كم كنت مشغول البال بك ؟؟ " كيف تسير أمورك صغيرتي ؟ " و ابتسمت ابتسامة أكبر... و قالت : " بخير ! "

و وصفت لها شيئا من أحوالي هناك و كيف أنني افتقدت الحرية حتى في أبسط الأشياء و عانيت من الغربة و بعض المشاكل مع أروى و حالما جئت بذكر اسم هذه الأخيرة عبست ُ بوجهي ! لاحظت نهلة ذلك... ثم قالت : "إنها جميلة جدا! كم هو محظوظ ابن عمّك ! " و لا أدري إن قالت ذلك عفويا أو عمدا لإزعاجي ! رفعت فرشاة شعري أمام وجهها و هددتها بالضرب ! نهلة ضحكت و ابتعدت بمرح... أما أنا فتملكني الشرود و الحزن، و لما رأت ذلك نهلة أقبلت و أخذت تداعب خصلات شعري المبلل و تربت علي ّ و تقول : " أنت ِ أيضا جميلة يا رغد... الأعمى من لا يلحظ ذلك !" قلت : " لكنها أجمل منّي بكثير... و عندما تتزين تصبح لوحة فنيّة مذهلة... لا يمكن المقارنة بيننا " قالت: " و لم أصلا المقارنة بينكما ؟ أنت رغد و هي أروى " قلت بصوت منكسر : " نعم... أنا رغد اليتيمة المعدومة... لا أم و لا أب و بيت و لا مال... و هي أروى الحسناء الثرية صاحبة أكبر ثروة في المدينة الساحلية و إحدى أجمل المزارع في المدينة الزراعية... من سيلتفت إلي إزاء ما لديها هي ؟؟ " و رميت بالفرشاة جانبا في غضب... نهلة نظرت إلى مطولا ثم قالت : " و ماذا بعد ذلك؟ هل ستتوقفين عن حب ابن عمّك هذا ؟ " أتوقف؟ و كأن الأمر بيدي... لا أستطيع ... أغمضت عيني في إشارة منّي إلى العجز... " إذن... ماذا ستفعلين؟ الأمر تعقد الآن و الرجل قد تزوج ! " قلت بسرعة : " لا لم يتزوج ... خطب فقط... و يمكن أن ينهي علاقته بالشقراء في أي وقت " و لأن نظرات الاستنكار علت وجه نهلة أضفت : " فأنا بعد أكثر من أربع سنوات من الخطوبة الحميمة انفصلت عن خطيبي " نهلة هزت رأسها بأسى... ثم قالت : " رغد... هل تعتقدين أن هذه الفكرة هي التي تدور برأس ابن عمّك؟ الرجل قد ارتبط بفتاة أخرى و ربما هو يحبها و يعد للزواج منها ! " قلت بغضب: " و ماذا عنّي أنا ؟؟ " نظرت إلى بتمعن و قالت و هي تشير بسبابتها اليمنى : " أنت أيضا... ستتزوجين رجلا يحبّك و يحترمك كثيرا... وينتظر منك الإشارة " و هنا أقبلت سارة تقول : " حسام موافق ! " الرد باقتباس {[ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ - إلهي لكـ الحمد والشكر نستغفركـ ياعفو ياغفور ]} 54 قديم(ـة) 29-06-2008, 07:52 AM صورة مصيره لاذكر يشتاق الرمزية مصيره لاذكر يشتاق مصيره لاذكر يشتاق غير متصل ©؛°¨غرامي فعال ¨°؛© اصطحبنا حسام بسيارته الصغيرة الضيقة إلى السوق و ظل مرافقا لنا طوال الوقت... قضينا فترة لا بأس بها هناك ومع ذلك لم يبدِ تذمرا! بل كان غاية في اللطف و التعاون، و السرور كذلك...! اشتريت العديد من الأشياء... تعرفون أنه لم يعد عندي ما يكفي من الملابس و الحاجيات ... و أن أشيائي قد احترقت في بيتنا الحزين... و أن القليل الذي اقتنيته لاحقا تركته في المزرعة كنت أنفق بلا حساب! فالمبلغ الذي تركه وليد معي... كبير و مغر ٍ... حقيقة شعرت بالخجل و أنا آخذ ظرف النقود منه، و لكنني بالفعل بحاجة إليها... و حتى النقود التي تركها لي أبي رحمه الله قبل سفره إلى الحج، و التي لم أنفق منها ما يذكر، احترقت في مكانها في البيت... و حتى بقايا رماد البيت المحروق... لم يكن لي نصيب في ورثها... بعد أن فرغنا من مهمة التسوق اللذيذة عدنا إلى المنزل و ارتديت بعضا من أشيائي الجديدة شاعرة بسعادة لا توصف فيما بعد... قررنا أنا و خالتي و أبناؤها التنزه في حديقة المنزل... أبو حسام كان يحب حديقة منزله و يعتني بها جيدا، و بعد أن احترقت شجيراتها في القصف الجوي آنفا، أعاد زراعة و تنظيم الأشجار و العشب... و دبّت الحياة في تلك الحديقة مجددا.. كنت قد اخترت من بين ملابسي الجديدة جلابية زرقاء فضفاضة طويلة الكمين، و وشاحا طويلا داكن اللون، و خاتما فيروزيا براقا لأقضي بهم نزهتي داخل حديقة المنزل... الجو كان لطيفا و أنسام الهواء عليلة و نشطة... الشمس قد احمر ذيلها في الأفق... و تسابقت غيوم خفيفة على حجب حمرتها الأخاذة عن أعين الناظرين... بينما امتدت الظلال الطويلة على العشب... مضفية عليه خضرة نضرة... المنظر من حولي خلاب و مبهج للغاية... إنها بدايات الشتاء... فرشنا بساطا كبيرا على العشب الرطب، و جلسنا نحن الخمسة فوقه نتناول المكسرات و نتبادل الأحاديث... و نتسلى بلعبة الألغاز الورقية ! لقد كنت آنذاك مسرورة و مرتاحة... و غاية في الحيوية و المرح ! ~~ عندما فـُتـِحت البوابة، وجدت ُ حسام في استقبالي... تبادلنا التحية و لم يحاول إخفاء علامات التعجب و الاستنكار الجلية على وجهه و هو يستقبلني دون سابق إعلام... دعاني للدخول، فسرت إلى جانبه و أنا أشعر ببعض الحرج من زيارتي المفاجئة هذه...

" مرحبا...أنا وليد" " نعم عرفتك... مرحبا... لكن رغد ليست هنا الآن" كان هذا حسام، و كان يتحدّث بضيق أشعرني بالخجل من نفسي... " إلى أين ذهبت؟ " " لزيارة بعض المعارف فهل تريد أن أبلغها شيئا ؟" " أبلغها أنني انتظر اتصالها لو سمحت... و عذرا على الإزعاج" و انتظرت طويلا حتى انتصف الليل، و لم تتصل... فبت ّ أبث ّ للقمر همّي... و أصبحت ّ أعرب للشمس عن نيّتي للذهاب إليها اليوم مهما كان... نهضت عن فراشي باكرا و خرجت إلى المزرعة راغبا في استنشاق بعض الهواء المنعش... ذاك الذي يطرد من الصدر الهموم المكبوتة... هناك... وجدت العم إلياس و أروى يحرثان الأرض... اقتربت منهما و هتفت محييا: " صباح الخير" التفتا إلي ّ باسمين و ردا التحية ... قلت مستغربا مستنكرا : " ما الذي تفعلانه ! انتظرا حضور العمّال " العم إلياس قال : " في الحركة بركة يا بني " " الوقت باكر... دعا مهمة حرث الأرض الشاقة عليهم " و اقتربت من أروى أكثر... ابتسمت لي و قالت : " لا تظن يا وليد أنني سأتخلى عن هذه المزرعة يوما ! لقد ولدت مزارعة و سأعيش مزارعة و إن ملكت كنوز الأرض... " و مدت ذراعيها إلى جانبيها مشيرة إلى ما حولها قائلة : " هذه المزرعة هي... حياتي ! " العم إلياس فرح بقولها و راح يدعو : " بارك الله فيك يا بنيّتي ... و في ذريتك " ثم وجه حديثه إلي قائلا : " هذه الأرض عليها عشنا و من خيراتها كبرنا و لن نترك العمل فيها حتى يحول الموت دون ذلك " لم أتعجّب كثيرا من كلام العم، فتعلّقه بالمزرعة أشبه بتعلّق السمكة بمياه البحر... أما أروى فعارض كلامها خططي المستقبلية... قلت : " أطال الله في عمرك يا عمّي " قال متما : " حتى أحمل أطفالكما فوق ذراعي ّ ... تزوجا و أفرحا قلوبنا عاجلا يا عزيزاي " أروى ابتسمت بخجل، أما أنا فنظرت إلى السماء أراقب سرب عصافير يدور فوق رؤوسنا ! آه لو كنت أستطيع الطيران ! أروى كانت تريد العيش في المزرعة مع والدتها و خالها بقية العمر... أما أنا فقد كنت أخطط للعودة إلى المدينة الساحلية و تجديد منزلنا القديم و العيش فيه... قريبا من مصنع أروى و ممتلكاتها... حتى يتسنى لنا إدارة و مراقبة كل شيء... و بدا أن الموضوع سيثير صداعا أنا في غنى تام عنه خصوصا و أنني لم أنم جيدا ليلة أمس لكثر ما فكرت في رغد... قلت مخاطبا أروى و مغيرا منحى الحديث : " سوف أذهب إلى المدينة الصناعية هذا اليوم... " و لا أدري لم شعرت بأن جملتي أصابت أروى بخيبة الأمل ! ~~~ نظل ساهرات حتى ساعة متأخرة من الليل، الأمر الذي يجعل نشاطنا و حيويتنا محدودين في النهار التالي... أنا و ابنتا خالتي نهلة و سارة لا نجد ما نفعله إلا الحديث و مشاهدة التلفاز و قراءة المجلات! " أوف ! أشعر بالضجر ! نهلة ما رأيك في الذهاب إلى السوق ؟ " قلت و أنا أزيح المنشفة عن شعري بملل ... تفكّر نهلة قليلا ثم تقول : "في هذا الصباح؟؟...إمممم... حسنا... تبدو فكرة جميلة!! " و تسارع سارة بالقول : " سأذهب معكما " و هذه الـ سارة تلازمنا ما لا يكاد يقل عن 24 ساعة في اليوم ! قالت نهلة: " إذن تولي أنت ِ إخبار أمّي و إقناع حسام بمرافقتنا ! " و لم تكد نهلة تنهي جملتها إلا و سارة قد ( طارت ) لتنفيذ الأوامر! ضحكنا قليلا... ثم باشرت بتسريح شعري أمام المرآة... كنت قد أنهيت حمامي الصباحي قبل قليل و تركت قطرات الماء تنساب من شعري على ظهري بعفوية... وقفت ابنة خالتي خلفي تراقبني... " طال شعرك رغد... ألن تقصّيه ؟ " و قد كنت معتادة على قص شعري كلما طال، فالشعر الطويل لا يروق لي و لا يناسب ملامح وجهي ! هكذا كانت دانة تقول دوما... " لم يكن بإمكاني ذلك قبل الآن..." و أضفت : " آه ... لقد كنت حبيسة الحجاب طوال شهور " و أنا أسترجع ذكريات عيشي في المزرعة تحت أنظار وليد و العجوز لقد كان المنزل صغيرا و لم أكن استطيع التجوّل بأرجائه بحرية و لم أكن أغادر غرفة النوم إلا بحجابي و عباءتي ... و جواربي أيضا ! أما هنا... فأنا أتحرّك بحرية في الطابق العلوي بعيدا عن أعين حسام و أبيه... أما عينا نهلة فلا تزالان تتفحصانني! قالت : " و يبدو أنك كذلك نحفت ِ بعض الشيء يا رغد ! أنظري... تظهر ندبتك و كأنها قد كبرت قليلا" و هي تمسك بذراعي الأيسر مشيرة إلى الندبة القديمة التي تركها الجمر عليها عندما أحرقني قبل سنين... " مع أنني كنت آكل جيدا في المزرعة ! " " كيف كانت حياتك في المزرعة ؟ " تنهّدت تنهيدة طويلة و رفعت رأسي إلى السقف... كم من الوقت مضى و أنا سجينة هناك ! و بالرغم من قربي من وليد، لم أكن أشعر إلا بالضيق من وجود الشقراء الدخيلة... و لم تكن الأيام تمر بسلام... " آه يا نهلة... حياة بسيطة جدا... ليس فيها أي شيء... هم يعملون في المزرعة و أنا أرسمها!... كانت جميلة و لكن العيش فيها أشبه بالعيش في السجن "

كيف أطاعني قلبي... مددت يدي محاولا الإمساك بذرات الهواء التي تبعتها... و عادت إلي يدي خالية الوفاض... هتفت : " رغد ... " توقفت ْ و استدارت ْ نحوي... فحال الظلام دون رؤية عينيها... أو ربما حال دون ذلك... عبرة ولدت للتو... من أعماق عيني... حملت ُ الحقيبتين و أقبلت ُ نحوها فلما صرت ُ قربها قلت : " اعتني بنفسك جيدا ... يا صغيرتي... " رغد... ربما تفهمت قلقي و رأت في وجهي ما لم نستطع لا أنا و لا الظلام إن نخفيه... ابتسمت ْ و قالت مطمئنة: " اطمئن يا وليد... سأكون بخير... وسط أهلي" و هبطت ببصرها للأسفل و نظرت إلى الكيس الذي كانت تحمله مشيرة إلى ظرف النقود و أضافت بصوت خافت كالهمس: " شكرا... بابا وليد !! " ثم استدارت و أسرعت نحو الداخل ! آه يا رغد ! أتسخرين منّي ؟؟ ليتك تعلمين كيف أشعر تجاهك... ! آه لو تعلمين ! فيما بعد... و نحن نهم ّ بالمغادرة... وجهت كلامي لأم حسام موصيا: " أرجو أن... تعتنوا برغد جيدا... و إن احتجتم لأي شيء فأبلغوني" " لا داع لأن توصيني بابنتي يا وليد... سافر مطمئنا في أمان الله " " شكرا يا خالتي... سأعود قريبا... أرجوك... ارعي الصغيرة جيدا باركك الله " الجميع بدأ يتبادل النظرات إن سرا أو علنا... إن تضامنا أو استنكارا... و لكنني واصلت سرد وصاياي حتى آخر لحظة بعد ذلك... و أنا أغادر البوابة الخارجية ألقيت النظرة الأخيرة على رغد... و قلت أخيرا : " أستودعك من لا تضيع ودائعه... " ~~~~~ لم يظهر على وليد أنه عازم أصلا على الرحيل! و ربما لو ترك الأمر له وحده لجعلنا نبات في ذلك المنزل أو نقضي بضعة أيام في المدينة قرب رغد! اهتمامه الزائد بها يثير انزعاجي... وقد أصبحت أشعر بها و كأنها شريكة لي في وليد... و هو أمر لا احتمل التفكير به فضلا عن حدوثه... أخبرني بعد ذلك بأنه قد دفع إليها بجزء من النقود التي أخذها من الخزانة، و بدا و أن رغد ستشاركني أيضا في ثروتي ... بالنسبة لي فقد أعطيت وليد مطلق الحرية في التصرف بالنقود و الممتلكات... وليد كان قد أخبرني مسبقا بأنه كان في الماضي يحلم بأن يصبح رجل أعمال مثل والده – رحمه الله - و أن دخوله السجن قد غير مجرى حياته... و الآن... و بقدرة قادر... تحقق الحلم ! لمست ُ تغيرا كبيرا و رائعا على وليد و نفسيته ... أصبح أكثر سعادة و إقبالا على الحياة بروح متفائلة مرحة... و رغم أن الساعات التي صار يقضيها في العمل و الدراسة قد تضاعفت، وجدنا الوقت الكافي و المناسب جدا لنعيش حياتنا و نستمتع بخطوبتنا التي ما كندنا نهنأ بها... في وجود ورغد ! و بالرغم من أنها ابتعدت أخيرا... ظل اسم رغد و ذكرها يتردد على لسان وليد يوميا في المزرعة... و كانت هي من يكدر صفو مزاجه... و يثير قلقه... و ما فتئ يهاتفها هي و أهلها من حين لآخر و يمطرهم بالوصايا حتى بدأت ُ أشعر أنا بالضيق ! لكني مع ذلك أحسست بالفخر... بأن يكون لي زوج يعرف معنى المسؤولية و يقدّرها جل تقدير... بعد شقائي و عنائي الكبير و حرماني من أبي و قسوة الحياة علي ّ كل تلك السنين... وهبني الله نعمتين عظيمتين يستحيل أن أفرّط بأي ٍ مهما كان السبب... وليد الحبيب... و الثروة الضخمة... و لم يبق أمامنا إلا أن نتم زواجنا و نبهج قلوب أهلنا و نواصل معا مشوار الحياة الزوجية السعيدة... بإذن الله ~~ مرت أيام مذ وصلنا إلى المدينة الزراعية الشمالية... و بدأت بتنفيذ الخطط التي رسمتها خلال الأيام الماضية... وظفت المزيد من العمّال من أجل العناية بالمزرعة و محصولها و نظّمت برنامجا خاصا للإشراف عليها في كل صباح تقريبا كنت أتصل بمنزل أبي حسام و أتحدّث إلى رغد و أطمئن على أحوالها... و من خلال نبرة صوتها استنتج أنها مرتاحة و بخير... و بالرغم من ذلك، كنتُ لا أتوقّف عن التفكير فيها ساعة واحدة... أجرينا بعض الإصلاحات في المنزل الصغير و جددنا بعض الأثاث... انشغلت كثيرا بأعمال متعددة، ما جعل الأيام تمضي... و الفراق يطول... و الشوق يزداد... و بدأت أشعر بالحرج من اتصالي المتكرر لمنزل أبي حسام و طالبت رغد بأن تهاتفني كل يومين على الأقل، لكنها لم تكن تفعل إلا قليلا... أما عن أروى فقد كانت مهووسة بفكرة الزواج التي ما فتئت هي و الخالة ليندا تلاحقاني بها حتى ضقت ذرعا... و لمرة أخرى أصيبت الخالة بانتكاسة صحية و نقلناها للمستشفى... الأمر الذي أجل سفري لفترة أطول... ذات يوم، اتصلت بمنزل أبي حسام بعد أن تملكتني الهواجس للحديث مع صغيرتي البعيدة... إن شمسا تشرق و تغرب دون أن تريني إياها هي ليست شمسا... و إن قمرا يسهر في كبد السماء دون أن يعكس صورتها... هو ليس قمرا... و إن يوما يمر ... دون أن اطمئن عليها... هو ليس محسوبا من أيام حياتي...

لقينا بعض العقبات في طريقنا خصوصا مع الشرطة... و كان التفتيش مشددا جدا على بعض الطرق و المداخل... و الوضع الأمني في تدهور مضطرد.. و كثيرا ما تحظر الرحلات إلى و من بعض المدن، جوا أو برا... و أخيرا... وصلنا إلى المدينة الصناعية المدمّرة... و أخيرا بدأ وجه رغد يتهلل و الابتسامة ترتسم على شفتيها... وإن اقترنت بوجوم عام للمرأى المحزن... تعمّدت أن أسلك طريقا بعيدا عن بيتنا المحروق، خشية أن تقفز الذكريات المؤلمة من جديد إلى قلبينا فتدميهما... عندما وصلت إلى بيت أبي حسام، أوقفت السيارة و بقيت ساكنا لبعض الوقت... استدرت إلى رغد فوجدتها تنظر إلي ربما بنفاذ صبر... قالت: " هل أنزل ؟ " قلت : " تفضلي... " و سرعان ما خرجت من السيارة و اتجهت إلى بوابة المنزل تقرع الجرس... " كم سنبقى ؟ " التفت إلى أروى التي طرحت السؤال و قلت : " بعض الوقت... نلقي التحية و نسأل عن الأخبار " قالت : " أرجوك وليد لا تطل المكوث... نحن متعبون و نريد الوصول إلى المزرعة و النوم... " كان الوقت آنذاك أوّل الليل و لا يزال أمامنا مشوار طويل حتى نصل إلى المزرعة... عندما خرجنا من السيارة كانت البوابة قد فتحت و ظهر منها أبو حسام و ابنه مرحبـَين... و رغم ذلك لم تخل ُ نظراتهما إلي ّ من الريبة و الاتهام... و لابد أنكم تذكرون الطريقة التي غادرنا بها هذا المنزل قبل ذهابنا إلى لمدينة الساحلية... اعتذرنا عن دعوة العشاء التي ألحت علينا عائلة أبي حسام لقبولها... متحججين بطول السفر... رغد بدت مرتاحة و سعيدة بلقاء أهلها كثيرا... منذ الطفولة و هي تحب خالتها و عائلتها و كانت ستربى في حضنها لولا أن الظروف المادية و العائلية لم تكن تسمح آنذاك... و أخيرا حانت لحظة الفراق... كنت أدرك... أنني لم أكن لأتحمّل ذلك و لكنني أردت أن أحقق لرغد رغبتها و أنجز وعدي ... بتركها مع خالتها لبضعة أيام... قبيل انصرافي طلبت منها مرافقتي لجلب أغراضها من السيارة و كان قصدي أن أتحدّث معها منفردين... حملت ُ حقيبتـَي سفرها الصغيرتين إلى داخل السور الخارجي لحديقة المنزل و وضعتهما على مقربة و توقفت ... و التفت إلى رغد... كانت تسير إلى جواري... تسبقني بخطوتين أو ثلاث... حاملة ً كيسا... ناديتها : " رغد " التفتت نحوي و توقفت عن السير... ترددت ُ قليلا ثم قلت: " رغد.. تعلمين أنه... أنني ... ما كنت ُ لأتركك لولا إلحاحك الشديد بالبقاء هنا و لو تـُرك الأمر لي ... لأخذتك و عدنا جميعا إلى المزرعة... " رغد نظرت إلى الأرض... قلت متعلقا بأمل أخير : " هل هذه رغبتك فعلا يا رغد ؟؟ " و هزت رأسها إيجابا... لم يكن باستطاعتي إلا أن أنفّذ هذه الرغبة من أجلها هي... قلت : " حسنا... لكن... في أي لحظة تبدلين فيها رأيك و مهما كان أعلميني فورا..." نظرت إلي نظرة شبه مشككة فقلت : " و سآتي لأخذك في الحال... أتعدين بذلك ؟ " كأنها ترددت لكنها أخيرا قالت : " سأفعل " قلت مؤكدا : " اتصلي بي في أي وقت... و متى ما احتجت ِ لأي شيء... سأترك هاتفي المحمول مفتوحا على مدار الساعة... لا تترددي لحظة ... أتعدين بذلك يا رغد ؟؟ " ارتسمت علامة غريبة المعنى على وجهها ... أهي ابتسامة ؟ أم هو حزن؟ ... أهو رضا ... أم غضب ؟؟ أهي راحة أم ندم ؟؟ لست أدري... " عديني يا رغد ؟ " " أعدك... " شعرت بالطمأنينة لوعدها... ثم قلت : " سأجلب شيئا... انتظري... " و حثثت الخطى خارجا إلى السيارة، حيث استخرجت ظرفا يحوي أوراقا مالية كنت قد أعددته من أجل رغد... عدت إليها فوجدتها لا تزال عند نفس الموضع و على نفس الوضع... اقتربت ُ منها و مددت ُ إليها بالظرف قائلا: " احتفظي بهذا لك " سألتني : " ما هذا ؟ " " إنها بعض النقود... انفقي منها كيفما شئت ِ و إذا ما نفذت فابلغيني " رغد طأطأت برأسها و نظراتها ربما حرجا ... فهي المرة الأولى التي أقدّم فيها إليها ظرفا ماليا... " تفضلي يا رغد " و لكنها لم تبادر بأخذه ! قلت مازحا : " هيا صغيرتي ! لا يجب أن تشعر الفتاة بالخجل من أبيها ! " هنا نظرت إلي رغد بسرعة و المزيج المرتسم على وجهها حاو ٍ على الدهشة و الضحك و الاستنكار معا ! تشجّعتْ و مدّتْ يدها أخيرا و أخذت الظرف ! ابتسمت ُ مشجعا و قلت : " اتصلي بي إذا احتجت ِ المزيد ... و لا تنتظري شيئا من الآخرين أو تعتمدي عليهم ... أتعدين بذلك يا رغد ؟ " هزّت رأسها إيجابا ... و وضعت الظرف داخل الكيس... و استدارت متابعة طريقها نحو المنزل... و هي تبتعد... و أنا أشعر بأشياء تتمزّق في داخلي... أشعر بأن حزمة كبيرة من الأعصاب الحسية كانت تربط فيما بيننا... و مع ابتعادها أخذت تتقطع عصبا عصبا ... و تحدث في قلبي ألما فظيعا مهلكا...

~~ " متى ستتزوج ؟ " سألني صديقي سيف هذا السؤال بعد تناولنا العشاء في منزله... كان قد دعانا جميعا هو و زوجته للعشاء معهما تلك الليلة كنت أداعب ابنه الصغير – فادي - بين يدي... و أشعر ببهجة لا توصف! ما أجمل الأطفال و ما أمتع اللهو معهم ...! أضاف معقبا : " و نفرح بأطفالك يا وليد ؟؟ " ابتسمت ابتسامة واهية... و أنا أرى الفكرة أشبه بالحلم البعيد... قلت : " لا يزال الوقت مبكرا ! " استنكر سيف و قال : " خير البر عاجله يا رجل... ها قد مضت فترة لا بأس بها على... " و غض بصره و أضاف بصوت خافت : " وفاة والديك... رحمهما الله " انتفضت... و كأنني أسمع نبأ وفاة والدي ّ للمرة الأولى... و نظرت إلى سيف الذي عاد ببصره إلي... تكسوني علامات الحزن المرير... تنهّدت تنهيدة عميقة... فالذكرى التي لا يمكن أن تمحى... لا تزال تثير في صدري آلاما قاتلة... الصوت المبهم البريء الذي انطلق من حنجرة الطفل الصغير بين يدي، كان هو ما جعلني أبعثر الذكرى الماضية و أعود للحاضر " لم يئن الأوان بعد يا سيف... يجب أن أرتب أوضاعي و أوضاع عملي الجديد و حياتي الجديدة... و أوضاع أروى... و رغد " التزم سيف الصمت لكني كنت أرى التساؤل يكاد ينسكب من عينيه... قلت : " تعرف... أصبحت المسؤولية الملقاة على عاتقي... كبيرة ... " قال : " ماذا عن شقيقك ؟ " أجبت ببعض الأسى: " لا يزال يقيم في الشمال ... و بعد موت والدي ّ و انفصاله عن رغد... أصبحت هي ضمن مسؤولياتي... أما هو... فقد طلب منّي ألا آتي بها لزيارته ثانية..." و استطرت ُ : " و أنا... لا يمكن أن أتزوّج و رغد الصغيرة... تحت وصايتي " ثم مسحت على رأس الصغير و ابتسمت بعذوبة و قلت و كأني أسر إليه: " و حينما تكبر و تصبح امرأة... سوف أتزوّجها ! " علت الدهشة وجه سيف و قال فاغرا فاه : " ماذا ؟؟!! " ضحكت ضحكة خفيفة و أنا أضم فادي إلى صدري و أقول بمرح : " إنها قدري يا سيف ! و مهما ابتعدت ستعود إلي ! " لم يعلّق سيف و لكنّه ظل في حيرة من أمري... و أنا واثق من أن عشرات الأسئلة المبهمة كانت تدور في رأسه آنذاك... و ربما تدور في رؤوسكم أنتم أيضا ! أما أنا فسأستمر في مداعبة الطفل الرائع... و أتمنّى من الله أن يرزقني طفلا مثله ذات يوم ! سددت لصديقي الديون التي لحقت بي منذ خروجي من السجن... و شكرته كثيرا على الدعوة الممتعة و ودّعته على أمل اللقاء به بعد عودتي من المزرعة ذات يوم... استعنا بالله و انطلقنا باسمه متوكلين عليه عائدين إلى المزرعة... و كان مشوار العودة أكثر ابتهاجا و مرحا و راحة من مشوار الحضور... بالطبع... فقد أنجزنا بحمد الله كل شيء و حملنا معنا جزء ً قيما من النقود... كان في رؤوسنا خطط كثيرة و أفكار عدّة و قطعنا الطريق و نحن نتداولها أعني بالرؤوس رأسي و رأس أروى و الخالة أما رأس الصغيرة الجالسة خلفي في صمت مغدق، فالله وحده الأعلم أي أفكار و خطط كانت تدور فيه ! دعوني أخبركم بأن رغد و أروى لا تزالان متخاصمتين منذ رمت الأولى الثانية بهاتفي المحمول ذلك اليوم... و لم تزد حقيقة ُ علاقة أروى بعمّار... رغد َ إلا نفورا منها... و يبدو أن وضع الخصام ناسبهما جدا و أراحهما من التصادم، و أراح رأسي أنا بالتالي من الصداع ! لكن إلى متى ...؟؟ كما و إن رغد على ما بدا منها قد تنازلت عن جزء من دلالها و أحسنت التصرّف طوال رحلة العودة... ألا يريبكم تصرفها هذا ؟؟ بقيت هادئة لأنها كانت مطمئنة إلى أنني سأعيدها إلى خالتها... كما وعدتها... و كما نصحتني خالتي ليندا... من أجلها هي... كانت الأمور تسير بشكل هادئ جدا... و السعادة تغمر قلب أروى... أما أنا فبالرغم من سعادتي شعرت بقلق قهري... فالأقدار علّمتني ألا أفرط في الفرح بما بين يدي... خشية مصائب المستقبل... " دعنا نقيم حفلة كبيرة فور وصولنا يا وليد... أريد أن يشاركني الجميع فرحتي هذه " قالت أروى... فردّت أمها : " زادك الله فرحا و نعيما بنيّتي " ثم أضافت : " و بلّغني رؤية أبنائك قريبا يا رب " أروى طأطأت رأسها ببعض الخجل ثم قالت : " قولي لوليد ! فهو من يؤجل الأمر ! " كنت ُ أراقب الشارع... و لم أعلّق ... فقالت الخالة ليندا : " خيرا تفعلان إن تتزوجا مباشرة يا عزيزي... خير البر عاجله يا وليد.. دعنا نتم الفرحة و نحتفل بالزواج ! " تضايقت من حديثها.. فموعد زواجي مؤجل إلى أجل غير مسمى... كما و إن ذكرى وفاة والدي ّ لم تخمد نارها بعد... قلت ُ مجاريا : " سأفكر في الأمر لاحقا " لماذا يلح علي الجميع بالزواج !؟؟ ألا يوجد رجل خاطب غيري في هذه البلاد ؟؟ و ظل الحديث عن زواجنا أنا و أروى المسيطر على الأجواء لفترة من الزمن... أما رغد الصامتة، فكلّما ألقيت عليها نظرة رأيتها تسبح في بحر من الشرود ...

بشعور ٍ مسيطر...إن تمكّنت من السيطرة على جميع مشاعري و كبتها ، لا يمكنني الصمود في وجه هذا الشعور بالذات ! إنه قارس و قارص ! أنا جائع ! صدر نداء استغاثة من معدتي، سألت الله عشر مرات ألا يكون قد وصل إلى مسامع رغد ! حينما وصلت إلى السيارة، أسرعت الخطى إلى ( نافذتي ) المفتوحة فمددت يدي و استخرجت كيس الطعام، قبل أن تصل رغد ... عدت ُ إلى الرمال، و جلست عليها.. و فتحت الكيس و استخرجت العلب الثلاث المتبقية فيه، علبة البطاطا المقلية، و الهامبرجر، و العصير ! رغد وقفت على مقربة تنظر إلي ! لابد أنها متعجبة مني ! رفعت رأسي إليها و قلت : " تعالي و شاركيني ! " و قمت بتقسيم الشطيرة ( الهامبرجر) إلى نصفين... و مددت ُ يدي بأحدهما إليها.. كانت لا تزال تنظر إلي باستغراب... قلت : " صحيح باردة ، و لكنها تبقى طيبة المذاق " ترددت رغد، ثم جاءت، و جلست إلى جانبي... و تناولت ( نصف الشطيرة ) من يدي... قرّبت منها علبة البطاطا، و كذلك العصير، فرفضتهما... بدأت أقضم حصتي من الشطيرة، و أبتلع أصابع البطاطا الباردة، و أشرب العصير، و أتلذذ بوجبتي هذه ! إنه الجوع ، يصيّر الرديء لذيذا ! قلت و أنا أمضغ إصبع بطاطا : " لذيذ ! جرّبيه ! " و أمسكت أحدها و قرّبته منها... كنت أنتظر أن تمد يدها لتمسكه بأصابعها، إلا أنها مدّت رأسها و أمسكته بأسنانها ! و بدأت تمضغه، و يبدو أنه أعجبها لذلك ابتسمت ! أن أراها تبتسم، و إن كانت ابتسامة خفيفة باهتة سطحية، بعد كل الذي حصل، لهو أمر يكفي لأن يجعلني أنسى عمري الماضي... الماضي... آه ... الماضي... في الماضي، كنت أطعمها أصابع البطاطا بهذه اليد... نفس اليد كانت تمد إليها بإصبع البطاطا قبل ثوان... نفس اليد، التي تتوق لأن تمسح على رأسها و تطبطب على كتفيها و تضمها إلى صدري... نفس اليد، التي شدّتها بعنف وقسوة، و أجبرتها على ركوب السيارة رغم مقاومتها... إنها نفس اليد التي قتلت بها عمّار... و ضربت بها سامر ... و لكمت بها حسام... و سأذبح بها أي رجل يحاول الاقتراب منك يا رغد... و بهذه اليد ذاتها، سأبقى ممسكا و متمسكا بك لآخر نسمة هواء تدخل إلى صدري، أو تخرج منه... يا رغد... ليتك تعلمين... " رغد ... " نظرت إلي، فبقيت صامتا برهة، بينما عيناي تتحدثان بإسهاب... ألا ليتك تفهمين... " نعم ؟؟! " " سامحيني..." جاء دورها الآن لتنظر إلي نظرة مليئة بالكلام... إلا أنني عجزت ُ عن ترجمته... قلت : " سامحيني.. أرجوك " لم ترد إيجابا و لا سلبا، لكنها مدّت يدها إلى علبة البطاطا، و تابعت أكلها... على الأقل، هي إشارة حسنة و مطمئنة... انهينا وجبتنا الباردة ، و في داخلي شعور غريب بالسعادة و الرضا، و الاسترخاء ، و الشبع أيضا ! و عوضا عن تجديد نشاطي، تملّكتني رغبة عارمة في النوم ! ( فرشت ) الكيس على الرمال، و تمددت واضعا رأسي فوقه.. و أغمضت عيني.. أنا متأكد من أنني لو بقيت على هذا الوضع دقيقتين اثنتين، لدخلت في سبات عميق و فوري... الذي حصل هو أن صغيرتي و بمجرد أن أغمضت عيني نادتني بقلق : " هل ستنام وليد ؟؟ " قلت و أنا أتثاءب : " أنا نعسان بالفعل ! سوف أسترخي لدقائق " " وليـــد ! اجلس ! " صدر هذا الأمر من صاحبة الدلال و السيادة ، جعلني انهض فورا ، و أصحو تماما ! التفت إليها فوجدتها تنظر إلي بقلق... " دعنا نعود إلى السيارة و نم هناك " " حسنا... إذن هيا بنا " و نهضنا و عدنا إلى مقعدينا... " هل يضايقك أن أزيح مسند مقعدي للوراء يا رغد ؟ " " كلا .. خذ راحتك " " شكرا " صمت برهة ثم عدت أقول : " أنا متعب بالفعل، قد أنام طويلا ! إذا نهضت ِ و وجدت ِ الشمس توشك على الشروق، فلتوقظيني " " حسنا " " نوما هنيئا، صغيرتي " " لك أيضا " ~ ~ ~ ~ ~ لم ينته الأمر هنا... صحيح أن وليد قد نام بسرعة، إلا أن رغد ظلت تتحرك، و أشعر بحركتها لفترة... كنت أتظاهر بالنوم.. و من حين لآخر أفتح عيني ّ قليلا ، خصوصا إذا أحسست بحركة ما... هذه المرّة فتحتها فتحة صغيرة، فرأيت يد رغد تمتد إلى مقعد وليد، و رأسها يستند عليه... هذا لا شيء...! فالشيء.. الذي أيقظ كل الخلايا الحسية و العصبية و الوجدانية في جسدي، في ساعة كنت فيها في غاية التعب و النعاس، و أرسل أفكاري إلى الجحيم ...هو جملتها الهامسة التالية : " ( نوما هنيئا... يا وليد قلبي ...) "

" ألن تنزلي ؟ " سألها ، فسمعتها ترد بسؤال : " إلى أين ستذهب أنت ؟ " قال وليد : " إلى المسجد " و أشار بيده إلى نفس البناية، و التي تحوي مصلى صغيرا خاصا بالرجال، و آخر بالنساء ، يفصلهما جدار، و يقع باباهما في الطرفين المتضادين .. يظهر أن الفكرة لم ترق لرغد ( هذه المدللة المدلّعة ) و أبت إلا أن يقف وليد عند مدخل المصلى النسائي، حارسا على الباب ! بعد ذلك، اقترح وليد أن ندخل إلى المطعم المجاور لتناول الطعام، فلم يعجبها الاقتراح، فاقترح أن يذهب هو لإحضاره و نبقى نحن في السيارة، و أيضا لم يعجبها الاقتراح ! يا لهذه الفتاة ... لقد بدأت أشعر بالضيق من تصرفاتها ! إنها بالفعل مجرد طفلة كبيرة ! أتدرون ما فعلت في النهاية ؟ أصرّت على الذهاب معه، و تركتنا أنا و أمي نعود للسيارة ! ركبت أنا المقعد الأمامي، و أمي خلفي مباشرة، و قلت مستاءة : " إنه يدللها بشكل يثير سخطي يا أمي .. أستغرب.. لم َ لم ْ يتركها في بيت خالتها كما أرادت و أصرّت ! إنه ينفذ جميع رغباتها بلا استثناء! فلم عارض هذه الرغبة ؟؟ " قالت والدتي : " هذا لأنه يشعر بالمسؤولية الكاملة تجاهها، لا تنسي يا ابنتي أنها يتيمة و وحيدة " قلت : " هل سمعت ِ ما قاله ؟ يبدو أن ابن خالتها يخطط للزواج منها، بعدما انفصلت عن خطيبها السابق ! أظنه حلا ممتازا لمثل وضعها ! لم يعارضه وليد ؟ " قالت : " هو الأدرى بالمصلحة يا أروى، لا تتدخلي في الموضوع بنيّتي " و في الواقع، الموضوع كان يشغل تفكيري طوال الساعات الماضية... لقد قال وليد و هو في قمّة الثورة و العصبية ، مخاطبا رغد أنه لن يسمح لها بالزواج من أي رجل قبل مرور سنين ! ... هذه الجملة تثير في داخلي شكوكا و أفكارا خطيرة ... بعد قليل، أقبل وليد يحمل كيسا حاويا للطعام، و إلى جانبه تسير مدللته الصغيرة .. من خلال النافذة، ألقت رغد علي نظرة غيظ حادة لم أفهم لها سببا، ثم ركبت السيارة إلى جوار والدتي... وليد بعدما جلس، أخذ يوزّع علينا حصصنا من الطعام، و الذي كان عبارة عن ( هامبرجر ) و بعض العصير... و حين جاء دور (المدللة) ، التفت إليها مادا يده، مقدّما علبة البطاطا المقلية ... " تفضلي رغد.. طبقك " الفتاة التي تجلس خلف وليد مباشرة قالت ببساطة : " لا أريد ! كله أنت ! " وليد بدا مستغربا ! و قال : " ألم تطلبي بطاطا مقلية !؟ " قالت : " بلى، غيّرت رأيي، احتفظ به " وليد مدّ إليها بعلبة ( الهامبرجر ) الخاصة به... " خذي هذه إذن " قالت : " لا أريد ! شكرا " " و لكن هل ستبقين دون طعام ؟ ماذا تريدين أن أحضر لك ؟؟ " " لا شيء ! لا أشتهي شيئا و لا أريد شيئا ! " " و هذه البطاطا ؟؟ " " كلها ! أو ... أطعمها مخطوبتك ! " و أسندت رأسها إلى النافذة، معلنة نهاية الحوار ! وليد أعاد علبتي البطاطا و الهامبرجر إلى داخل الكيس، و انطلق بالسيارة ... باختصار، أنا و أمي كنا الشخصين اللذين تناولا وجبتيهما ! عدّة مواقف حصلت أثناء الرحلة الطويلة الشاقة، و رغد إذا خاطبتني ، تخاطبني بطريقة جافة و خشنة، كأنها تصب جم غضبها علي أنا ! بعد مرور ساعات أخرى، و وسط الظلام، استسلمت أنا للنوم.. حينما أفقت بعد مدة لم أحسبها، وجدت السيارة موقفة، و وجدت وليد و رغد يجلسان في الخارج، على الرمال، و أمي نائمة خلفي، و يتحدّثان فيما لا يعلم به إلا الله ... ~ ~ ~ ~ ~ ~ لأن النعاس غلبني، كما غلب جميع من معي، أوقفت السيارة و في نيتي الخروج و الاسترخاء قليلا ، و تجديد نشاطي... استدرت للخلف، فرأيت رغد تنظر إلي مباشرة ! " لماذا توقّفت ! ؟ " " ألم تنامي ؟ أشعر بالتعب، سأمشي قليلا ... " و ما إن سرت بضع خطوات، حتى تبعتني صغيرتي ... لم نتحدّث، و أخذت أسير ببطء... على الرمال مبتعدا عن السيارة عدّة أمتار... و أشعر بها تسير خلفي، دون أن ألتفت إليها... بعد مسافة قصيرة، استدرت قاصدا العودة، فوقعت عيناي على عينيها مباشرة... أعتقد أن الزمن توقّف عن السير تلك اللحظة... لو تعرفون ما الذي تفعله، نظرة واحدة إلى عيني رغد بي ... لربما بررتم التصرفات الغريبة التي تصدر مني ! إنها ترسلني إلى الجنون... فهل يلام مجنون على ما يفعل ؟؟ بعد أن تابع الزمن سيره، تقدّمت نحوها... عائدا إلى حيث السيارة... رغد بقيت واقفة مكانها، إلى أن تجاوزتها ببضع خطوات، ثم أحسست بها تسير خلفي... مشاعر كثيرة شعرت بها و أنا أغرس حذائي في الرمال..خطوة بعد خطوة... الشعور بالقلق..لما يخبئه القدر لي، الشعور بالغيظ من رغبة رغد في البقاء مع خالتها.. و ابن خالتها، و بالندم من قسوتي معها.. بالرغبة في الاعتذار.. و بالشوق لأن أواسيها و أعيد إلى نفسها الطمأنينة و الأمان و الثقة بي.. و بالحزن مما قد يكون الآن دائرا في رأسها حولي.. و برغبة جنونية ، في أن أستدير إليها الآن و أهتف في وجهها : ( أنا أحبك ! ) ... ماذا سيحدث حينها ؟؟ و أخيرا..

" اتركني ... " قلت : " لا أستطيع أن أتركك في أي مكان ... " رغد أجابت بانفعال : " و أنا لا أريد الذهاب معك ! أهو جبر ؟ أهو تسلّط ؟ لا أريد السفر معك ... أعدني إلى خالتي .. أعدني إلى خالتي .. " و أجهشت بكاء قويا ... قلت أنا : " سنعود لزيارتها حين ننهي مهمتنا ، و سنبقى هناك القدر الذي تريدين " صرخت رغد : " أريد العيش معهم مدى الحياة ! ألا تفهم ذلك ؟ " اشتط غضبي من هذه الجملة، فأمسكت بيدها مجددا و شددت قبضتي عليها و قلت بحدة و أنا أضغط على أسناني كأني أمزّق حقيقة أكرهها بين نابي ّ : " لن أدع لك الفرصة لتحقيق ما يدور برأسك.. و أقسم يا رغد.. أقسم بأنه ستمضي سنون خمس على الأقل، قبل أن أسمح لأي رجل بالزواج منك .. و إن كان ابن خالتك يطمع بك، فلينتظر هو بالذات عشر سنوات حتى أسمح له بطرح الفكرة ، و إن تجرأ على إعادة عرضه ثانية قبل ذلك .. فوالذي لم يخلق في داخلي قلبين اثنين، لأقننه درسا يُنسيه حروف اسمه ... و دون ذلك، لن يبعدك شيء عني ّ غير الموت.. الموت و الموت فقط " لم أدرك تماما خطورة ما تفوّهت به ، إلا بعد أن رأيت رغد تحملق بي بذهول شديد، و قد تبخّرت الدموع التي كانت تجري على وجنتيها.. و ألجم حديثي لسانها و منعها حتى عن التأوّه من شدة قبضي على يدها... ربما أكون قد كسرت أحد عظامها أو حرّكت أحد مفاصلها .. لقد كنت أضغط بقوة شديدة... أصابت عضلات يدي أنا بالإعياء... سكون تام خيّم علينا، ما عاد هناك صوت للمحرك، و لا للهواء ، و لا لرغد، و لا لأي شيء آخر.. حررت يد رغد من قبضتي، فرأيتها محمرّة.. و بالتأكيد مؤلمة... إلا أن رغد لم يظهر عليها الألم، و لم تسحب يدها بعيدا عني ، كما لم ترفع عينيها المذهولتين عن عيني ... ~~~~ طوال الأشهر الماضية، كنت أنظر إلى خطيبي وليد نظرة إعجاب شديد، أكاد معها أجزم بأنه أفضل رجل على وجه الأرض، و لا أرى منه أو فيه أي عيب أو نقص... و كانت جميع خصاله و طباعه تعجبني، و سلوكه و تصرفاته كلها مثار إنبهاري .. و في هذا اليوم، رأيت شيئا أذهلني و فاجأني... لم أتصوّر أن يكون وليد بهذا التسلّط أو هذه القسوة ! لم أتوقع أن يصدر منه أي تصرّف وحشي.. كنت أراه إنسانا هادئ الطباع و مسالما... و عظيم الخلق... الطريقة التي سحب بها رغد رغما عنها، و الطريقة التي زجرنا بها حين حاولنا ثنيه عما كان مقبلا عليه، و الطريقة التي لكم بها حسام بوحشية، و الطريقة التي خاطب بها رغد و نحن في طريقنا الطويل إلى المدينة الساحلية، كلها أثارت في قلبي الخوف و الحذر... و ذكّرتني، بأن خطيبي هذا قد قتل شخصا ما ذات يوم ... ! كان الطريق إلى المدينة الساحلية طويلا جدا، و مملا جدا ... و قد سيطر الصمت الموحش علينا نحن الأربعة ... والدتي سرعان ما نامت، و بقيت أنا أراقب الطريق، و أحاول النظر إلى وليد ، إلا أنه كان مركزا على الطريق تركيزا تاما، و كان يسير بسرعة مخيفة ! " هللا خففت السرعة يا وليد ! " طلبت منه ذلك، فقد شعرت بالخوف من انفعاله ... لكنه لم يخففها بل قال : " طريقنا طويل جدا ... أجدر بي زيادتها " ثم التفت إلى رغد، و التي كانت مشيحة بوجهها نحو النافذة و مسندة رأسها إليها ، و خاطبها قائلا : " اربطي حزام الأمان " لم أر من رغد أي حركة ، أهي نائمة ؟ أم لم تسمع ؟ أم ماذا ؟؟ عاد وليد يقول : " رغد .. اربطي حزام الأمان " رأيتها تتحرك، ثم سمعتها تقول : " لماذا ؟ هل تنوي أن تصدمنا بشاحنة أو جبل ؟ " بدا على وليد ، من نبرة صوته ، نفاذ الصبر و الاستياء، إذ قال : " لا قدّر الله ، فقط اربطيه للسلامة " قالت رغد : " لا تخش على سلامتي ! مرحبا بالموت في أي وقت .. أنا انتظره بشوق " الجملة هذه أربكت وليد فانحرف في مسيره قليلا و أفزعنا ! ثم خفف السرعة تدريجيا، حتى أوقف السيارة... و التفت إلى رغد قائلا : " توقّفي عن ذكر الموت يا رغد.. تجرّعت منه ما يكفي.. إياك و تكرار ذلك ثانية " لم تعقّب رغد، بل أسندت رأسها إلى النافذة من جديد... قال وليد : " اربطي الحزام " قالت : " لن أفعل ! " " رغد ! هيا ! " " لن أربطه ! " " إذن، أنا سأربطه ! " و رأيت وليد يمد يده باتجاه الحزام، ثم رأيتها ترتد بسرعة إليه! أظن أن رغد دفعتها بعيدا ، ثم سمعت صوت اصطكاك لسان الحزام بفكّه ! لقد ربطته بنفسها ! ثم سمعت وليد يقول : " فتاة مطيعة " و يعاود الانطلاق بالسيارة بأقصى سرعة ! بعد فترة، توقّف وليد عند إحدى محطّات الوقود، من أجل الوقود، و الطعام، و الصلاة... خاطبنا مشيرا إلى مبنى على جانبنا : " يوجد هنا مصلى للسيدات، حينما تفرغن عدن إلى السيارة ، ثم نذهب إلى المطعم " أنا و والدتي فتحنا البابين الخلفيين، و نزلنا... وليد فتح بابه.. ثم التفت إلى رغد... و التي كانت لا تزال جالسة مكانها لا تصدر منها أي حركة تشير إلى عزمها على النهوض ! ..

" أليس كذلك أمي ؟ " قالت خالتي ليندا : " بلى، مسكينة ، لقد مرّت بظروف صعبة جدا، لم لا تتركها هنا لبعض الوقت يا وليد ؟ " عند هذا الحد، و ثار البركان... الجميع من حولي يقفون إلى صفها ضدّي، الكل يطلب مني ترك رغد هنا.. و يرى أنه التصرف السليم، و قد يكون كذلك، و قد يصدر من إنسان عاقل ، أما أنا..في هذه اللحظة فمجنون، و حين يتعلّق الأمر برغد فأنا أجن المجانين... سألت الصغيرة سارة : " أين هي ؟ " أشارت إلى الغرفة التي كانت النساء يجلسن فيها قلت : " أ أستطيع الدخول ؟ " فنظرت إلي الصغيرة سارة ببلاهة ، أشحت بأنظاري عنها و نظرت إلى أروى محوّلا السؤال إليها ، و كررت : " أ أستطيع الدخول ؟ " قالت أروى : " أجل ... " و سرت ُ نحو الغرفة ، و أنا أنادى بصوت عال مسموع : " رغد ... رغد " حتى أنبهها و ابنة خالتها إلى قدومي.. طرقت الباب، ثم فتحته بنفسي، و أنا مستمر في النداء... الجميع تبعني، و رموني بنظرات مختلفة المعاني، لا تهمني، كما لا يهمكم سردها هنا وجدت صغيرتي واقفة و إلى جانبها ابنة خالتها، و على وجهيهما بدا التوتر و القلق... قلت : " رغد، هيا بنا ... " هزّت رأسها اعتراضا و ممانعة ، فقلت بصوت جعلته أكثر حدّة و خشونة : " رغد ، هيا بنا، سنرحل فورا " رغد تكلّمت قائلة : " لن أرحل معكم ، اذهبوا و اتركوني و شأني " رفعت صوتي أكثر و قلت بلهجة الإنذار الأخير : " رغد، أقول هيا بنا ، لأنه حان وقت الرحيل، و أنا لن أخرج من هنا إلا و أنت معي " قالت رغد بتحد ٍ : " لن أذهب ! " في هذه اللحظة، استخدمت بقايا الشحنة المكبوتة في يدي ..التي حدّثتكم عنها.. على حبيبة قلبي ، رغد أسرعت نحوها، و أمسكت بذراعها بعنف، و شددتها رغما عنها و أجبرتها على السير معي نحو الباب ... من حولي كان الجميع يهتف و يستنكر و يعترض ، و لكنني أبعدت ُ كل من حاول اعتراض طريقي بعنف، و دفعت حسام دفعة قوية صفعته بالجدار أم حسام حاولت استيقافي و صرخت في وجهي ، و مدّت رغد ذراعها الأخرى و تشبثت بخالتها، و بابنة خالتها ، و بكل شيء...إلا أنني سحبتها من بين أيديهم بقسوة أروى و أمها حاولتا ثنيي عما أقدمت عليه فكان نصيبها زجرة قوية مرعبة فجّرتها في وجهيهما كالقنبلة... نحو المخرج سرت و لحق بي حسام و البقية من بعده فأنذرته : " عن طريقي ابتعد لأنني لا أريد أن تصيبك كسور أنت في غنى عنها " " من تظن نفسك !؟ اترك ابنة خالتي و إلا .. " استخرجت المفتاح من جيبي و فتحت باب السيارة المجاور لمقعد السائق، و دفعت رغد عنوة إلى الداخل ، و أقفلته من بعدها . و الآن.. علي ّ أن ألقّن حسام درسا ، ليعرف جزاء من يتجرّأ على خطبة حبيبتي منّي ... كنت أنوي إيساعه ضربا، إلا أن تدخّل من حولي جعلني أكتفي ببعض اللكمات التي لا تسمن و لا تغني من جوع، و لا تخمد بركانا جنونيا ثار في داخلي بلا هوادة . وسط المعمة و البلبلة و الصراخ و الهتاف، و استغاثة رغد و ضرباتها المتتالية لنافذة السيارة ، و الفوضى التي عمّت الأجواء، التفت أنا إلى أروى و الخالة ليندا و هتفت بقوة : " ماذا تنتظران ؟ هيا إلى السيارة " و توجّهت إليها باندفاع، فركبتها و فتحت الأقفال لتركب الاثنتان، و أوصدها مجددا، و أنطلقت بسرعة ... قطعنا مسافة طويلة، و نحن في صمت يشوبه صوت محرّك السيارة، و صوت الهواء المتدفق من فتحة نافذتي الضيقة، و صوت بكاء رغد المتواصل... لم يتجرّأ أحد على النطق بكلمة واحدة... فقد كنا جميعا في ذهول مما حصل.. لم أتخيّل نفسي... أقسو على صغيرتي بهذا الشكل..ولكن .. جن جنوني لفكرة أنها باقية مع حسام، أو صائرة إليه... و إن كان آخر عمل في حياتي، فأنا لن أسمح لأحد بأخذ رغد منّي مهما كان..و مهما كانت الظروف.. و مصيرك يا رغد لي أنا... " أما اكتفيت ِ بكاء ً ؟ هيا توقّفي فلا جدوى من هذر الدموع ... " قلت ذلك بأسلوب جاف ، جعل أروى تمد يدها من خلفي، و تلامس كتفي قاصدة أن أصمت و أدع رغد و شأنها... صمت ّ فترة لا بأس بها، بعدها فقدت أي قدرة لي على التركيز في القيادة، و أنا أرى رغد مستمرة في البكاء إلى جانبي... أوقفت السيارة على جانب الطريق، و التفت إليها ... كانت تسند رأسها إلى النافذة، في وضع تخشع له قلوب الجبابرة..فكيف بقلب وليد ؟؟ " صغيرتي ... " ألقت علي نظرة إحباط و خيبة أمل أوشكت معها أن أستدير و أعود أدراجي و أوصلها إلى بيت خالتها ... إلا أنني تمالكت نفسي ... " رغد ... أنا آسف ... " لم تعر جملتي أية أهمية، و ظلت على ما كانت عليه... " أرجوك يا رغد.. قدّري موقفي، لا أستطيع تركك في مدينة و أسافر أنا إلى أخرى ! إنك تحت مسؤوليتي و لا يمكنني الابتعاد عنك ليلة واحدة " لم أر منها أي تجاوب، مددت يدي بعد تردد و أمسكت ُ بيدها ، فسحبت يدها بقوة و غضب :

تناولنا فطورنا في وقت متأخر، الرجال في مكان و النساء في مكان آخر... و حين فرغنا منه، طلبت أم حسام أن تتحدّث معي حديثا مطوّلا، فجلسنا أنا و هي، و ابنتها الصغيرة في غرفة المجلس... و كنت أعلم مسبقا عن أي شيء سيدور الحديث ! " وليد يا بني.. إن ما مرّت به رغد لهي تجربة عنيفة، احترق بيتها، و تشردت ، ثم مات والداها، ثم انفصلت عن خطيبها، و عاشت في مكان غريب مع أناس غرباء ! هذا كثير على فتاة صغيرة يا بني ! " التزمت الصمت في انتظار التتمة " إنه لمن الخطأ جعلها تستمر في العيش هناك، إنها بحاجة إلى رعاية (أمومية و أبوية).. لذلك يجب أن تبقى معنا " هزت رأسي اعتراضا مباشرة... فقالت أم حسام : " لم لا ؟ " " لا يمكنني تركها هنا " " و لكن لماذا ؟ إنه المكان الطبيعي الذي يجب أن تكون فيه بعدما فقدت والديك، مع خالتها و عائلة خالتها، التي تربت بينهم منذ طفولتها" قلت مستنكرا : " لا يمكن ذلك يا أم حسام، الموضوع منته " استاءت أم حسام و قالت : " لماذا ؟ أترى تصرّفك حكيما ؟؟ تعيش معك أنت، ابن عمّها الغريب، و زوجته و أمها الأجنبيتين، و تترك خالتها و ابنتي خالتها !؟ " وقفت من شدة الانزعاج من كلامها ... كيف تصفني بالغريب ؟؟ " أنا ابن عمّها و لست بالرجل الغريب " " و ابن عمّها ماذا يعني ؟ لو كان سامر لكان الأمر مختلفا .. بل إنه حتى مع سامر لا يمكنها العيش بعدما انفصلا . أنت لست محرما لها يا وليد " استفزّتني الجملة، فقلت بغضب: " و لا حسام و لا أباه ! " أم حسام ابتسمت ابتسامة خفيفة و هي تقول : " لكنني هنا ! " " و إن ْ ؟ ... أروى و أمها أيضا هناك " " لا مجال للمقارنة ! إنهما شخصان غريبان ، و أنا خالة رغد ، يعني أمها " قلت بنفاذ صبر : " لكنك لست ( المحرم ) هنا ! لن يغيّر وجودك و ابنتيك شيئا ! " أم حسا صمتت برهة ثم قالت : " إن كانت المشكلة في ذلك، فحلّها موجود، و إن كان سابقا لأوانه " الجملة دقّت نواقيس الخطر في رأسي، فقلت بحذر و بطء : " ماذا ... تقصدين ؟ " أم حسام قالت : " كان يحلم بالزواج منها منذ سنين، فإن هي وافقت على ذلك، أصبح حسام و رغد زوجين يعيشان معا في بيت واحد ! " كنت أتوقع أن تقول ذلك ، و أخشاه.. اضطربت و تبدّلت تعبيرات وجهي ، و استدرت فورا مغادرا الغرفة حين بلغت الباب سمعتها تناديني : " وليد ! إلى أين ! ؟ " استدرت إليها و النار مشتعلة من عيني و صدري، لم أكن أريد أن أفقد أعصابي لحظتها و أمام أم حسام.. لكنني صرخت : " سآخذها و نغادر فورا " و تابعت طريقي دون الاستجابة إلى نداءاتها من خلفي و من أمامي، رأيت حسام، واقفا على مقربة، ينتظر نتاج اللقاء الودي بيني و بين أمه لما رآني في حال يوحي للناظر بشدة انفعالي، و رأى أمه مقبلة من بعدي تناديني ، سأل بقلق : " ماذا حصل ؟ " لم يجب أينا، الجواب الذي كان بحوزتي لحظتها هي لكمة عنيفة توشك على الانطلاق من يدي رغما عني، كبتها عنوة حتى لا أزيد الموقف سوء ً التفت ّ الآن إلى الصغيرة سارة و طلبت منها استدعاء رغد و أروى و الخالة ليندا " اخبريهن بأننا سنغادر الآن " و ركضت الفتاة إلى حيث كن ّ يجلسن .. في إحدى الغرف . أم حسام قالت : " وليد ! يهديك الله يا بني ، ما أنت فاعل ؟ " أجبت بحنق : " راحل مع عائلتي ، و شكرا لكم على استضافتنا و جزيتم خيرا " حسام خاطب أمّه : " هل أخبرتِه ؟ " أجابت : " نعم ، و لكن ... " و نظرت إلي، فحذا هو حذوها ، و قال : " هل أخبرتك أمي عني و عن رغد ؟ " اكتفيت هذه المرّة بنظرة حادة فقأت بها عينيه... بدا مترددا، لكنه قال : " منذ زمن كنت أفكّر في ... " و هذه المرّة صرخت في وجهه بشدّة : " لا تفكّر في شيء و ابق حيث أنت " الاثنان تبادلا النظرات المتعجّبة ... و المستنكرة ثم نطق حسام : " و لتبق رغد معي أيضا، فأنا أرغب في الزواج منها بأسرع ما يمكن، و بما أنك هنا.. يمكننا أن ... " و في هذه المرة، و بأسرع ما يمكن ، و بعد انفلات أعصابي تماما، تفجرت اللكمة الدفينة في يدي، نحو وجه حسام ، بعنف و قسوة... ربما الصدمة مما فعلتـُه فاجأت حسام أكثر من الضربة نفسها، فوقف متسمرا محملقا في ّ في دهشة و ذهول ! كنت لا أزال أشعر بشحنة في يدي بحاجة إلى التفريغ ! و ليتني أفرغتها فورا في أي شي.. حسام، الجدار، الأرض ، الشجر، الحجر ، الحديد ... أي شيء.. و لا أن أكبتها لذلك الوقت... ... عادت سارة، و معها أروى و أمها نقلت نظري بين الثلاث و لم أكد أسأل ، إذ أن الصغيرة قالت : " رغد تقول : ارحلوا ، فهي لن تأتي معكم أبدا ! " تحدّثت أروى الآن قائلة : " إنها مصرّة على البقاء هنا و اعتقد، أنها تشعر بالراحة و السعادة مع خالتها و ابنتيها ! " و استدارت إلى أمها متممة :

الحلقة الرابعة و الثلاثون لأنني كنت أريد أن أبتعد عنه، و عن أروى التي تقترب منه أكثر يوما بعد يوم، و لأنني أصبحت بإحباط شديد بعد نزول الثروة المفاجئة على أروى، و تعلّقها أكثر و أكثر بوليد، رفضت متابعة سفري معه... لم أعد أحتمل المزيد، إن الذي ينبض بداخلي هو قلب و ليس محرك سيارات! لا أحتمل رؤية أروى معه، أختنق كلما أبصرتها عيني، أريدها أن تتحول إلى خربشة مرسومة بقلم الرصاص، حتى أمحوها من الوجود تماما بممحاة فتّاكة! وليد ، و أروى و أمها، و أفراد عائلة خالتي ، كانوا جميعا يقفون ناظرين إلي، و أنا أكرر : " سأبقى هنا بقية عمري " وليد وقف أولا صامتا، ذلك الصمت الذي يستلزمه استيعاب الأمور، ثم قال : " مستحيل ! " نشبت مشادة فيما بيننا، وتدخلت خالتي، و حسام و نهلة، واقفين إلى صفي، يطلبون من وليد تركي معهم..إلا أن وليد قال بغضب : " هيا يا رغد فأنا متعب ما يكفي و أريد أن أرتاح " بدأت العبرات تتناثر من مقلتي على مرأى من الجميع، و رقت قلوب أقاربي لي، و ساورتهم الشكوك بأنني غير مرتاحة مع ، أو لا ألقى معاملة حسنة من قبل وليد ! قالت خالتي : " دعها تبات عندنا الليلة على الأقل، و غدا نناقش الأمر " قال وليد : " رجاء ً يا خالتي أم حسام، إنه أمر مفروغ منه " قالت خالتي : " و لكنها تريد البقاء هنا ! هل ستأخذها قهرا ؟ " قال وليد : " نعم إذا لزم الأمر " و هي جملة رنت في الأجواء و أخرست الجميع، و أقلقتهم ! حتى أنا، ( ابتلعت ) دموعي و حملقت فيه بدهشة منها ! يأخذني معه رغما عني ؟ يمسك بي قهرا و يشدني بالقوة، أو يحملني على ذراعيه عنوة، و يحبسني في السيارة ! تبدو فكرة مضحكة ! و مثيرة أيضا ! و لكن يا لسخافتي ! كيف تتسلل فكرة غبية كهذه إلى رأسي في لحظة كهذه ! حسام قال منفعلا : " ماذا تعني ؟؟كيف تجرؤ !؟ " رمقه وليد بنظرة غاضبة و قال بحدة : " لا تتدخّل أنت " قال حسام مستاء : " كيف لا ؟ أ نسيت أنها ابنة خالتي ؟ نحن أولى برعايتها منك فأمي لا تزال حية أطال الله في عمرها " تدخّل أبو حسام قائلا : " ليس هذا وقت التحدّث بهذا الشأن " التفت إليه حسام و قال : " بلى يا والدي، كان يجب أن تحضر إلى هنا منذ شهور ، لولا الحظر الذي أعاق تحركنا " وليد تحدّث بنفاذ صبر قائلا : " هل تعتقد أنني سأقبل بهذا ؟ " حسام قال حانقا : " ليست مسألة تقبل أم لا تقبل ! هذا ما يجب أن يحدث شئت أم أبيت، كما و أنها رغبة رغد " و التفت إلي، طالبا التأييد، كما التفت إلي وليد و الجميع ! قلت بتحد: " نعم، أريد العيش هنا مع خالتي " وجه وليد تحوّل إلى كتلة من النار... الأوداج التي تجانب عنقه و جبينه انتفخت لحد يخيل للمرء إنها على وشك الانفجار ! عيناه تقذفان حمما بركانية حامية ! رباه ! كم هو مرعب ! يكاد شعر رأسي يخترق حجابي و يشع من رأسي كالشمس السوداء ! قال : " و أنا، لن أبتعد عن هذا المكان خطوة واحدة إلا و أنت معي " في لحظة حاسمة مرعبة هذه، يتسلل تعليق غبي من ابنة خالتي الصغرى، حين تقول : " إذن .. نم معنا ! " جميعنا نظرنا إلى سارة نظرة مستهجنة، تلتها نظرة تفكير، تلتها نظرة استحسان ! قال خالتي : " تبدو فكرة جيّدة ! لم لا تقضون هذه الليلة معنا ؟ " وليد اعترض مباشرة، و كذلك أروى ... و بعد نقاش قصير، نظر إلي وليد و قال : " لهذه الليلة فقط " معلنا بذلك موافقته على المبيت في بيت خالتي، و إصراره على عدم الخروج من الباب إلا و أنا معه ! يا لهذا الوليد ! من يظن نفسه ؟؟ أبي ؟ أمي ؟ خطيبي ؟؟ لو كان كذلك، ما تركني تائهة وسط دموعي في بيتنا المحروق، بحاجة لحضن يضمني و يد تربّت على كتفي، و وقف كالجبل الجليدي، يتفرّج علي ... أخرجت لنهلة كل ما كبته في صدري طوال تلك الشهور...حتى أثقلت صدرها و رأسها، و نامت و تركتني أخاطب نفسي! كذلك نام الجميع، و مضى الوقت... و أنا في عجز كلي عن النوم، و وليد يلعب فوق جفني ّ ، لذا نهضت عن السرير، و ذهبت إلى الطابق السفلي، بحثا عن وليد ! كنت أدرك أنني لن أتمكن من النوم و لن يهدأ لي بال حتى أراه... لمحته جالسا في نفس المكان الذي كان يجلس فيه أثناء ( شجارنا ) و كان يبدو غارقا في التفكير العميق... انسحبت بحذر، إذ إنني لم أكن أريد الظهور أمامه.. فظهوري سيفتح باب للمشادة ! لكني، بعدما رأيته، أستطيع أن أنام قريرة العين ! ( نوما هنيئا..يا وليد قلبي ! ) جملة أكررها كل ليلة قبيل نومي , مخاطبة بها صورة وليد المحفورة في جفنيّ... و التي أعجز عن محوها و لو اقتلعت جفني من جذورهما... ~ ~ ~ ~ وافقت كارها على قضاء الليلة في بيت أبي حسام، و لم أنم غير ساعتين، لأن أفكاري كانت تعبث بدماغي طوال الوقت. ماذا إن قررت صغيرتي البقاء هنا ؟ أتعتقد هي أنني سأسمح بهذا ؟؟ مطلقا يا رغد مطلقا .. و إن كان آخر عمل في حياتي، فأنا لن أدعك تبتعدين عني... ما كدت أصدّق، أنك ِ تحررت ِ من أخي... الطيور.. يجب أن تعود إلى أعشاشها... مهما ابتعدت، و مهما حلّقت... مهما حدث و مهما يحدث يا رغد.. أنت ِ فتاتي أنا...

الحلقة الثالثة و الثلاثون الجزء 2 " دعها تنام هنا الليلة ، إنها في حالة سيئة " و عبارة ( حالة سيئة ) أزعجتني و أقلقتني أكثر... " أرجوك يا سيدتي ، استدعيها لأتحدّث معها الآن " و ما إن أنهيت جملتي هذه حتى رأيت رغد تظهر أمامي، ثم تقول : " سأبقى هنا في بيت خالتي ! لن أرحل معكم " اجتاحني الهلع، فقلت : " تعنين الليلة ؟ " قالت : " بل كل ليلة ، سوف أعيش هنا بقية عمري " نظرت إليها، و إلى جميع من حولي في عدم تصديق .. ثم سألتها : " ماذا تعنين يا رغد ؟ لا يمكنك ذلك ! " قالت بصوت متحد ٍ : " بلى ، يمكنني " " رغد ! مستحيل ! " قالت بتحد أكبر : " بلى يا وليد، سأبقى أنا مع عائلتي الحقيقية، و ارحل أنت مع عائلتك الجديدة.. و في أمان الله "

ثوان و إذا بها تعود قائلة : " لن تذهب معك ! ارحل و اتركها و شأنها " هتفت الآنسة نهلة : " سارة ! تبا لك ! لا تتدخلي أنت و ابقي في مكانك " قلت : " هل أخبرتها بأنني أريد التحدّث معها ؟؟ " موجها الخطاب إلى الفتاة الصغيرة، فابتسمت الأخيرة و قالت : " نعم ! و قالت إنها لا تريد التحدث معك، و إن علي إخبارك بأنها لن تذهب معكم فارحلوا ! " أم حسام ذهبت الآن إلى غرفة ابنتها و عادت بعد قليل قائلة :

لن أسامح نفسي ما حييت، على خذلاني لصغيرتي في لحظة كهذه... بعد ذلك ، و رغم أنني كنت مصرا على المغادرة فورا، إلا أن رغد كانت مصرّة على دخول غرفتها و تفقّد أشيائها... السرير كان محروقا، و لا زلت أشكر الله ألف مرة لأن رغد ليلتها كانت نائمة في بيت خالتها.. ألف حمد لك يا رب.. الأثاث، في موضعه السابق، لكنه مكتس باللون الأسود المتفحم.. و مغطى بذرات الرماد و فتات المحروقات... لم أشأ دخول الغرفة، وقفت عن الباب أراقب رغد و هي تتحسس أشياءها المحروقة... حتى إذا ما انتهت إلى مجموعة لوحاتها الكبيرة ، جعلت تتفقدها بسرعة و وله ، و تهتف بألم : " لا ، لا .. لا ... " ثم نظرت إلي و قالت بين دموعها : " وليد .. لقد احترقت َ ! " و أخذت تحضن الرماد... و البقايا... أخيرا قررت الدخول، و حين صرت قربها مباشرة قالت و هي تنثر الرماد من حولها : " أنظر.. لقد احترقت حتى الصورة ! لماذا ؟ يا إلهي ماذا تبقى لي ؟ ماذا تبقى لي ؟؟ " " دعونا نغادر المكان و نختصر الألم أرجوكما " كان ذلك صوت أروى التي كانت واقفة عند الباب.. قالت رغد " ارحلوا و اتركوني.. أريد الموت هنا.. آه يا رب.. لماذا عشت أنا و ماتا هما ؟ حتى الصورة احترقت ! ماذا تبقى لي ؟؟ " أروى تقدمت نحونا و أمسكت بيد رغد محاولة مواساتها و تشجيعها، إلا أن رغد نهرتها بقوة، و رمتها ببعض الكلمات الجارحة، ربما من شدة حزنها ... و لم تسمح لنا رغد بمغادرة المنزل حتى تفقدته غرفة غرفة و ممرا ممرا و زاوية زاوية... حتى المطبخ جلست فيه فترة طويلة تستعيد الذكرى و تقلّب المواجع ، و تكرر " هنا كانت أمي تطهو الطعام ، و هنا كان أبي يدوّن ملاحظاته في المفكرة ! ، و هناك كانت دانة تزين كعكاتها بالشيكولا ! ... و سامر يقف هناك، يتحدّث عبر الهاتف، و عند هذه الطاولة كنت أنا أجلس لأقشر البطاطا ! ليت ذلك يعود... و لو يوما واحدا فقط.. أعيش فيه وسط عائلتي .. بين أمي و أبي، و أختي و أخي.. يوما واحدا فقط.. عسى أن يكون آخر أيام حياتي... " بل إن هذا سيكون آخر أيام حياتي أنا، ما لم تتوقفي عن ذلك يا رغد ... ارحميني... حملت رغد معها تذكارا من كل مكان و عن كل شخص.. حتى سامر...كما أخذت حليها و حلي دانة، بل و ما بقي من فستان زفافها المحروق أيضا ! " سأعطيه لأختي حين تعود ! كانت مهووسة به .. و تعتبره كنزها الثمين ! مسكينة يا دانة ! " خرجنا من ذلك الحطام الكئيب بعدما أغرقناه بالدموع و ملأناه بالألم... إن كنت، الشخص الذي لم يعش في هذا المنزل فترة طويلة، و لم يحمل معه سوى القليل من الذكريات، و أنا أكاد أنصهر من حرارة ما بداخلي، فكيف برغد ...؟؟ ابتعدنا عنه و قلوبنا معلقة عنده، و أنظارنا متشبثة به حتى اللحظة الأخيرة...و أخذنا معنا ما غلا مما نجا، و ما نجا مما غلا لم تتوقف سيل الدموع حتى بعدما وصلنا إلى منزل أبي حسام، و كان الآخر محترقا ، إلا انه أحسن حالا من بيتنا المدمّر... حين قرعنا الباب، فُتح و ظهر من خلفه أفراد العائلة أجمعون، و الذين كانوا في انتظارنا منذ ساعات... ما إن رأت رغد خالتها حتى صرخت.. و انهارت في حضنها بحرارة ... اللقاء كان من أقسى اللقاءات التي مررت بها في حياتي.. لا يضاهيه أي لقاء، عدا لقائي بأهلي بعد خروجي من السجن، مع فارق ضخم، هو أنه لا أهل أمامي لأعود إليهم و أعانقهم و أبكي فوق صدورهم... استهلكنا كمية كبيرة من الدموع حتى أوشكنا على الجفاف، صعدت رغد بعد ذلك مع ابنة خالتها إلى الطابق العلوي، و ذهبت النساء إلى غرفة أخرى، و بقينا نحن الرجال في غرفة المعيشة نقلّب الأحزان و نتجرّع الآهات و نتبادل التعازي... حينما حل الظلام، أردت أخذ عائلتي إلى فندق لقضاء الليلة قبل متابعة السير غدا، مع أنني لست واثقا من العثور على مكان مناسب، و طلبت من حسام استدعاء الثلاث... ذهب حسام و عاد بعد قليل مع أمه و أروى و أمها ، فسألت عن رغد ، فأخبرتني أم حسام أنها أرسلت ابنتها الصغرى لاستدعائها... لحظات و إذا بالفتاة الصغيرة ( سارة ) تأتي نحونا و تقول : " تقول رغد إنها ستبقى معنا و لن ترحل مع وليد و خطيبته الشقراء الدخيلة و أمها ! " تبادلنا جميعا النظرات المتعجبة، و حملقنا في الفتاة الصغيرة ... ثم سألتها أمها : " سارة ! هل هذا ما قالته ؟؟ و هل طلبت منك نقل هذا إلينا ؟؟ " و هنا أقبلت الآنسة نهلة، و نظرت إلى أختها بغضب، ثم إلينا أنا و أروى و قالت : " رغد ستبات معي الليلة " شعرت بالضيق الشديد من ذلك، فقلت : " أين هي ؟ أود ا لتحدّث معها فهلا ّ استدعيتها ؟ " قالت : " إنها لا تريد الخروج الآن... " ضقت أكثر و قلت : " أرجوك آنستي، هلا استدعيتها " و ما كدت أنهي الجملة حتى طارت الصغيرة سارة لاستدعائها !

شعرت باختناق شديد في صدري، و كأن الغبار و الرماد قد سدّت حويصلاته ، و منعت جزيئات الهواء من الدخول... مع ذلك، لم أتمالك منع نفسي من المضي قدما... فتحت الباب، وقلت : " سألقي نظرة" و التفت إلى رغد.. كانت لا تزال تخفي وجهها خلف يديها... قلت : " رغد.. أتأتين ؟؟ " أردتها أن تأتي معي.. شيء حي يتحرك معي في سكون ذلك الشبح الميت، أردت أن أشعر ببعض الحياة.. ببعض الأمان..بأن هناك من لا زال حيا معي .. رغم موت من مات.. و فناء من فني... أروى قالت : " سآتي معك ! " رغد بسرعة أبعدت يديها عن وجهها و فتحت الباب ! خالتي الأخرى أيضا تبعتنا... و سرنا نحن الأربعة نحو الداخل... الأبواب كانت مفتوحة، كما تركناها أنا و دانة ليلة هروبنا ... سرنا ندوس على الرماد، و نتنفس الغبار.. و رائحة الخراب و الوحشة... تقرصنا الذكريات و تصفعنا المناظر المؤسفة، و تحني ظهورنا الحسرة على ما كان و ما لم يعد... رغد أمسكت بيدي، و كلما سرنا خطوة شدت ضغطها علي.. و كلما رأت شيئا أغمضت عينيها بقوّة و عصرت الدموع المتجمعة في محجريها... حتى إذا ما بلغنا الردهة المؤدية إلى غرفة والدي ّ ، حررت يدي من بين أصابعها، و هرولت نحو الباب و فتحته باندفاع... " أمي... أبي ... " حينها فقط، أدركت كم كنت مجنونا حين سمحت للفضول بالتغلب علي ... و وقفت عند المنزل... اقتحمت رغد الغرفة و هي تهتف " أمي .. أبي .. " و انهارت على السرير ، تحضن الوسائد و تبكي بحرارة و مرارة .. بكاء عاليا صدّع الحجر ... و أدمع الجدران.. و زلزل الأرض... " أنا أنتظركما ! لماذا لا تعودان ؟ أي حج هذا الذي لا يعود الحجيج فيه من بيت الله ! .. الله ! يا الله .. أنت ترى بيتي الآن ! أنت رب البيت و أنا لا بيت لي... و أنت رب الناس و أنا لا ناس لي ! أتاك جميع الآباء و الأمهات.. و أنا لا أب لي و لا أم ! يا رب.. لا أب لي و لا أم ! يتّمتني مرتين يا رب .. مرتين يا رب .. مرتين أفقد فيهما أعظم ما أعطيتني إياه .. بل أربع مرّات ! أمان و أبان ! أربع أيتام في بيت خرب محروق ! " كيف احتمل أنا ..وليد .. كلاما كهذا من رغد ؟؟ انهرت باكيا معها بلا شعور... و أي شعور يبقى للمرء و هو يرى ما نراه...؟ حسبنا الله و نعم الوكيل ... من وسادة إلى وسادة، و من زاوية إلى زاوية، و من شيء إلى شيء، أخذت صغيرتي تتنقل و هي تهتف " أمي .. أبي " تفتش حطام الخزائن، و تستخرج الخرق المحروقة المتبقية من ملابسهما و تحضنها و تقبّلها و تصرخ .. و قلبي يصرخ معها .. و تتمزق، و قلبي يتمزّق معها .. و تنهار و قلبي ينهار معها أيما انهيار... " يكفي رغد.. بالله عليك، دعينا نرحل " أبت رغد الحراك، بل زاد تشبثها حتى ببقايا الستائر.. و شباك النوافذ.. أروى و الخالة بكتا لبكاء رغد، و وقفتا في الخارج في حزن و أسف على ما حلّ ببيتنا.. و بوالدينا.. رغد ، أقبلت فجأة نحو الأدراج الموجودة أسفل المرآة.. و أخذت تفتح الواحدا تلو الآخر... و تستخرج أشياء أمي ، ما تبقى منها و تضم ما تضم، و تقبّل ما تقبّل ، و تضع في حقيبتها ما تضع.. " هنا كانت أمي تجلس كل يوم تسرّح شعرها ! " " وليد انظر ! هذا سوار أمي المفضل ! " " وليد هل تعتقد أنها قد تغضب إن احتفظت به !؟" " أريد أن آخذ هذا معي !، و هذا .. و هذا و هذا و هذا ! " " وليد ..لا أريد أن أخرج من هنا ! ليتني كنت هنا و احترقت قبل رحيلهما " و مرة أخرى أسمعها تدعو على نفسها بالموت.. هتفت متوسلا : " يكفي يا رغد ، هيا نغادر المكان أرجوك فلم أعد أحتمل المزيد " اقتربت منها و أمسكت بذراعها و أرغمتها على الخروج من الغرفة، رغم مقاومتها.. كانت رغد تبكي بكاءا شديدا ، و استمرّت في نوبتها هذه و نحن واقفان عند الباب، لا توافق على التزحزح عنه خطوة بعد... " رغد .. صغيرتي ... " ناديتها بأتعس صوت صدر من حنجرتي الكئيبة...على الإطلاق.. نظرت إلي و قالت بأسى : " من بقي لي بعدهما؟ من بقي لي ؟ " قلت : " أنا يا رغد .. لك و معك دائما..أنا يا رغد.. أنا ... " رغد نظرت إلي نظرة حزينة قاتلة، و فكها الأسفل يرتجف من البكاء.. و الدموع تقطر منه ... " رغد ... " " وليد ... ضمّني " وقفت كالأبله ، لا أفهم و لا أفكر و لا أتصرف ! قالت و فكها لا يزال ترتجف : " ضمّني .. ألست أبي و أمي الآن ؟ ألست من بقي لي ؟ " لحظتها.. تمنيت لو أتحوّل إلى جدار ، يكون أكثر نفعا مني .. كأي جدار عانقته و تشبثت به.. كأي جدار ربما، و مع كونه جمادا لا روح فيه و لا حياة، أشعرها بالدفء و العطف و الأمان... أما أنا.. و أنا واقف أمامها كالشبح الميت، الغير مجدي .. فلم يكن مني إلا أن أحنيت رأسي للأمام في عجز عن فعل شيء أكثر أهمية و حرارة و نفعا من الجدران ...

في السيارة، كانت أروى تجلس على المقعد المجاور لي، و كنا نتبادل الأحاديث معظم الوقت، بينما يخيم صمت غريب على المقعدين الخلفيين، رغد و الخالة ! الخالة سرعان ما غلبها النعاس فنامت، أما الصغيرة الحبيبة، فكلما ألقيت نظرة عبر المرآة إليها وجدتها تحدّق بي بحدّة ! و كلما حاولت إشراكها في الحديث معنا ردت ردا مقتضبا سريعا ، باترا ! المشوار إلى المدينة الصناعية المنكوبة لم يكن طويلا، لكن الشارع كان خاليا من أية سيارات، الأمر الذي يثير الوجل في قلوب عابريه ! عبرنا على نفس محطة الوقود التي بتنا عندها تلك الليلة.. و نحن مشردون في العراء ! المحطة كانت مهجورة، و البقالة مقفلة... المكان ساكن و هادىء ، لا يحركه شيء غير الريح الخفيفة تعبث بأشياء مرمية على الأرض ... كم كان يومنا مأساويا... خففت السرعة، و جعلت أراقب ما حولي و أستعرض شريط الذكريات... لقد نجونا بأعجوبة ! سبحان الله ... " وليد .. " كان هذا صوت رغد، تناديني بوجل.. و كأن الذكرى أثارت في قلبها الفزع... التفت إليها فوجدتها تكاد تلتصق بمقعدي ! و علامات التوتر و الخوف مستعمرة تقاسيم وجهها الدائري... قلت مشجعا : " نجونا.. بفضل الله .." و سبحنا في بحر عميق من الهدوء الموحش ... تابعنا طريقنا ، و الذكرى تجول في رأسينا... هنا مشينا حفاة.. هنا ركضنا... هنا وقفنا... هنا حملت رغد... هنا وقعت رغد ... هنا أصيبت رغد ! آه ..ما كان أفظع ذلك الجرح ! ... و هنا ... هنا ... ماذا تتوقعون هنا ؟؟ إنها سيارتي ! " وليد ! " نادتني رغد و هي ترى سيارتي القديمة واقفة إلى جانب الطريق ، مع سيارات أخرى في نفس المكان ! أوقفت السيارة ، و أخذت أتفرج على سيارتي القديمة هناك ! التفت إلى رغد فوجدتها تنظر إلي ... يا للأيام ! بل يا للشهور ! أما زالت سيارتي القديمة واقفة في انتظار عودتي في مكانها ! فتحت الباب و هممت بالنزول ، ناو الذهاب و تفحصها عن كثب ! " إلى أين وليد ؟؟ " سألني رغد ، قلت : " سألقي نظرة ! " و قبل أن أخرج كانت رغد قد فتحت بابها و سبقتني ! وقفت إلى جانبها ، و قلت : " سأتفحصها عن قرب ! " " سآتي معك " و طبعا لا داعي لأن اعترض ! ذهبنا إلى السيارة و فتحت الأبواب الغير موصدة، و تفحصت ما بالداخل ...و رغد إلى جانبي.. " كما هي ! لم يتغير شيء ! أ رأيت يا رغد ؟؟ " لم تعقّب ، بل ظلت تتفحصها بعينيها ، و ربما تستعيد الذكرى المرعبة .. ركبت مقعدي الأمامي ، فأسرعت هي لركوب المقعد المجاور...و أغلقت الباب. " كما هي ! رغد .. أتصدّقين ذلك ! سبحان الله ! " رغد قالت : " هيا بنا..ننطلق للخلف، و نعود من حيث أتينا تلك الليلة، و نعود بالزمان للوراء، و ننسى ما حصل انطلاقا من هذه النقطة ! " ابتسمت و قلت : " يا ليت ... " و تنهّدت و أضفت : " يا ليتنا بعدما وصلنا إلى هذه النقطة، رجعنا للوراء ، و رجع كل شيء كما كان... " و أسندت رأسي إلى مسند المقعد.. و أغمضت عيني ... لست أريد العودة للوراء بضعة أشهر، بل تسع سنين ، بل عشر... بل 15 ... إلى ذلك اليوم الذي اقتحمت فيه مخلوقة صغيرة حياتي فجأة ! و ملأتها صراخا ، و بكاء ، و دموعا.. و ألما... فتحت عيني و التفت إلى رغد، فوجدتها تنظر إلي بقلق.. إنها هي ذاتها... المخلوقة التي غزت عالمي منذ سنين .. ذاتها التي تجلس قربي الآن ، لا يفصلني عنها سوى بضع بوصات... تنظر إلي نظرتها للعالم بأسره، و أمثّل بالنسبة لها كل الناس... " رغد .. " " نعم ؟ " " كيف تشعرين الآن ؟؟ " قالت : " الآن الآن ؟" " نعم الآن ! ؟ " ابتسمت و قالت : " بالسرور ! " عجبا ! أمر هذه الصغيرة كله محيّر ! بعد ذلك، أغلقت أبواب السيارة، و ودعناها على أمل العودة لها ذات يوم، و تابعنا مشوارنا نحو المدينة... ما إن أطللنا على مشارفها، حتى رأينا الدمار و الخراب يعشش على شوارعها و أجوائها... اضطررت لسلك طرق ملتوية و معقّدة لأصل إلى قلبها... المباني المتهدّمة ، الأشجار المحترقة، الشوارع المدمّرة، و الأشياء المبعثرة هنا و هناك ... كلها ، مناظر تثير الرعب في قلب الصخر... عبرنا أخيرا على الشارع المؤدي إلى منزلنا... و آه من ألم المنظر .. آه بعد ألف آه و آه... بيتنا.. كتلة من الفحم الأسود... محاطة بطبقة من الرماد و الغبار... تحوّل ذلك المنزل الصغير الهادئ، الحبيب .. إلى شبح ميت.. لا أثر فيه و لا معلم من معالم الحياة و الروح... " يا إلهي ! " قالت رغد ذلك ، و وضعت يدها على وجهها لتحاشي رؤية المنظر المؤلم... و تخفي الدموع التي ساحت على الجانبين.. رثاء و عزاء ... لم أستطع أن أمر من هنا مرور الكرام ، أوقفت سيارتي عند الباب ، المكان الذي اعتدت أن أوقف سيارتي فيه.. و نظرت من حولي ...