en
Feedback
Fast Money ( Trading )

Fast Money ( Trading )

Open in Telegram

★No.1 Signal Service & Chart Analysis in Forex industry ★ICT, Liquidity Inducement Theorem (LIT), Institutional Order Flow ★Signals accuracy 85% and above ★One Shot One Kill High R:R Entries🔥🔥🔥

Show more
1 698
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
و عاطف هذا ، كان رجلا شديد الثراء و يملك العديد من الأملاك ... و من بينها مصنع كبير كان يضاهي معظم مصانع المدينة الساحلية، و هو مصنع لم تلمسه يد الحرب، كما فعلت بمصانع أخرى ، منها مصنع والدي السابق ... حقيقة، كان حدثا مزلزلا شل ّ حركتنا و أفكارنا طوال عدّة أيام... و الفتاة الفقيرة التي ارتبطت بها ، و التي قبلت بي على حالي و عللي ، و فتحت قلبها و بيتها و كل ما لديها من أجلي، و التي كنت أفكر بالانسحاب من حياتها من أجل رغد... أصبحت الآن..مالكة لثروة كبيرة ! يا للأيام ... يا للزمن .. الذي يؤرجحنا و مصائرنا إيابا و ذهابا... علوا و هبوطا... مستقبلا و ماض ٍ ! كان يفترض عليها السفر إلى المدينة الساحلية من أجل إتمام الإجراءات اللازمة شخصيا.. و استلام نصيبها العظيم من تلك الثروة... و كان علي أنا ترتيب الأمور من أجل هذه الرحلة، إلى المدينة الساحلية، مدينتي الأصلية، و التي لم أزرها منذ زمن.. " هل تصدّق يا وليد ؟؟ إنني لا أكاد أصدّق ! كأنه حلم ! آخر شيء كنت أتوقعه في الوجود على الإطلاق..هو أن أرث شيئا و من ثروة عمّي الذي لم أره في حياتي غير بضع مرّات عابرة ! " قالت ذلك ، و هي بين التصديق و التكذيب.. تشع عيناها فرحا و ابتهاجا.. قلت : " سبحان الله ! " أروى، مدت يديها و أمسكت بيدي و قالت : " شدّ على يدي ّ بقوّة يا وليد ! دعني أحس بالألم لأتأكّد من أنها حقيقة " ابتسمت لها و قلت : " إنها حقيقة مذهلة ! صدّقي يا أروى ! أصبحت ِ ثرية ! " أروى نظرت إلي بسعادة، و اغرورقت عيناها بالدمع، ثم ارتمت في حضني ... " ضمّني بقوّة يا وليد.. فأنا أريد أن أشعر بأنها الحقيقة..بأنني لا أحلم..بأنني في الواقع..وبأنك معي ! " أحطتها بذراعي مشجعا ..و مؤكدا لها ما أعجز أنا نفسي عن تصديقه... و مكررا : " سبحان الله...سبحان الله " أغمضت عيني، و نحن متعانقان، و سبحت في بحر الذكرى البعيدة... استعرض شريط حياتي و المفاجآت التي اختزنها القدر لي ، و صدمني بها مرة تلو أخرى ... قالت أروى : " ماذا سنفعل الآن؟؟ " " لا أعرف ! لازلنا في أول الطريق ! " ابتعدت أروى عن صدري قليلا، و نظرت إلي مطولا، و ابتسمت و قالت : " لا حاجة للقلق..ما دمت معي " ابتسمت لها، فعادت و غمرت رأسها في صدري بارتياح... أما أنا فأغمضت عيني في ألم...و مرارة ..في حيرة و ضياع.. ماذا سأفعل الآن؟؟ ماذا ينتظرني بعد ؟؟ ماذا تخبئين لي أيتها الأقدار ؟؟ و عندما فتحتهما..لمحت عينين حمراوين..ملأتهما الدموع..تنظران إلي بألم، مطلتين من فتحة الباب.. و ما أن رأيتهما ..حتى انسحبت صاحبتهما مبتعدة .. تاركة إياي في بحر من الضياع.. لم استطع البقاء مكاني لحظة بعد.. أبعدت أروى عني قليلا و قلت : " دعيني أذهب لترتيب بعض الأمور.. من أجل السفر " أروى ابتسمت و قالت : " و أنا أيضا سأرتب بعض أموري... لا أدري كم سنغيب هناك ! " و تركتها و تسللت نحو غرفة رغد.. طرقت الباب مرارا لكنها لم تجبني، و حين هممت بالانصراف رأيت مقبض الباب يتحرك أخيرا... في الداخل، وجدت رغد غارقة في الدموع المريرة..فتصدّع فؤادي و طار عقلي خوفا عليها... " ما بك صغيرتي؟؟ ماذا حصل ؟" رمتني رغد بنظرة ثاقبة .. لم يكفها تمزيق أحشائي بل و صهرت الجدار الذي خلفي من حدّتها... " رغد !؟ " قالت : " متى ستسافران ؟ " قلت : " خلال أيام معدودة " قالت : " هل يجب أن تذهب أنت ؟ " استغربت سؤالها و أجبت : " طبعا ! فأروى ستكون بحاجة إلي بالتأكيد ! " قالت بنبرة حزينة : " و أنا ؟ " نظرت إليها بتعجّب ، و قلت : " بالطبع ستكونين معنا ! " رغد لم تعقّب، بل أحنت رأسها للأسفل بحزن... اقتربت منها أكثر ، ثم قلت : " رغد ! و هل تظنين أنني سأترك هنا و أذهب ؟؟ " رغد رفعت رأسها و نظرت إلي نظرة جعلت قواي تخور فجأة ... قلت بصوت ضعيف واهن : " أرجوك يا رغد.. ماذا تقصدين ؟ أخبريني بلسانك فلغة العيون هذه ..ترسلني إلى الجنون " قالت رغد : " ستصبحان ثريين ! " ثم أضافت : " هنيئا لكما ! " و غطت وجهها بيديها كلتيهما و بكت بكاء ً مؤلما... " أرجوك يا رغد، لم كل هذا ؟؟ ماذا يجول برأسك الآن ؟؟ " رغد قالت و هي على وضعها هذا : " دعني وحدي " لم أقبل، قلت مصرا : " ما بك الآن ؟ أخبريني أرجوك ؟؟ " أزاحت رغد يديها و رمقتني بنفس الناظرة ، و قالت : " أريد الذهاب إلى خالتي ! هلا ّ أخذتني إلى هناك ؟ " رتبنا الأمور للسفر برا ، أنا و رغد و أروى و الخالة ليندا ، فيما ظل العم إلياس في المزرعة، يهتم بأمورها بمساعدة الأشخاص الذين عيّنتهم أنا للعمل عندنا قبل مدّة. خطة سفرنا كانت تقتضي منا التعريج على المدينة الصناعية أولا ، من أجل زيارة عائلة أم حسام، كما ترغب رغد و تلح، و من ثم الذهاب إلى المدينة الساحلية.

كانوا أربعة رجال... تقدّم أحدهم نحوي أكثر و سأل : " أأنت الآنسة أروى نديم ؟؟ " قال آخر مقاطعا : " أرأيت ؟ كما توقّعت ! إنها فتاة قاصر ! " قال الرجل الأول و هو يقترب أكثر : " أنت هي ؟ " تراجعت أنا للوراء، و ألقيت بالفرشاة و علبة الألوان جانبا و هتفت : " وليـــــد " وليد كان يعمل بالجوار.. ، و حين سمع ندائي أقبل مسرعا .. فلما ظهر أمام عيني ركضت إليه في ذعر ... " رغد .. ماذا هناك ؟ " و نظر إلى الرجال الغرباء ... ثم سألهم : " من أنتم ؟؟ " قال الرجل الذي تحدّث إلي : " أنا المحامي يونس المنذر، و هؤلاء رجال قانون أتباعي ، أتينا بحثا عن الآنسة أروى نديم " و نظر باتجاهي أنا اختبأت أنا خلف وليد، و أطللت برأسي لأراهم ! قال المتحدّث : " أهي هذه ؟ " قال وليد : " لا ، لكن هل لي أن أعرف ماذا تريدون منها ؟ " قال المتحدّث : " أهي هنا ؟ أ هذه مزرعة المرحوم نديم وجيه ؟ " " نعم . فماذا تريدون منها ؟ " " عفوا من تكون يا سيد ؟ " " وليد شاكر، زوج أروى نديم " تبادل الرجال جميعهم النظرات ، ثم قال المتحدّث : " هل يمكننا التحدث إلى السيدة أروى ؟ فالأمر مهم " قال وليد : " هل لي أن أعرف .. الموضوع ؟؟ " قال الرجل : " الموضوع يتعلق بإرثها، و لكن لا أريد مناقشته دون حضورها شخصيا و مع البطاقة المدنية ، بعد إذنك " وليد استدار ليتحدّث معي ... " رغد، من فضلك، استدعي أروى، و اطلبي منها إحضار بطاقتها ، و احضري بطاقتي من محفظتي ، تجدينها في أول أدراج الخزانة في غرفتي " أذعنت للأمر و ذهبت مسرعة نحو أروى ، و أخبرتها بالأمر، ثم أسرعت إلى غرفة وليد أفتّش عن محفظته استخرجت المحفظة من أحد أدراج الخزانة، و أخرجت البطاقة منها و أثناء ذلك ، لمحت شيئا داخل المحفظة أثار فضولي ! مجموعة من قصاصات الورق مرصوصة خلف بعضها البعض و مدسوسة خلف البطاقة ! بفضول سحبت واحدة منها فاكتشفت أنها جزء ممزق من صورة فوتوغرافية ما ! استخرجت القصاصة الثانية ، و الثالثة ، و الجميع، حتى وجدت قطعة حاوية على وجه شخص ! رتبت القصاصات .. حتى اكتملت الصورة ، و صارت جليّة أمامي ... صورة لفتاة صغيرة، تجلس على الأرض، و أمامها علبة ألوان و دفتر تلوين تلّون رسومه ... صورة لا يقل عمرها عن 13 عاما كما لا يزيد عمر الطفلة الظاهرة فيها عن 5 سنين ! إنها صورتي أنا !! " رغد " سمعت صوت أروى مقبل نحوي فأعدت القصاصات بسرعة كيفما اتفق، و أخذت البطاقة و خرجت مسرعة من الغرفة ... " ها أنا " خرجنا سوية من المنزل إلى المزرعة، فوجدنا وليد و الرجال الأربعة و قد جلسوا على المقاعد الموجودة حول طاولة موضوعة على مقربة من المنزل ... حينما أقبلنا.. وقف الجميع .. و قال وليد مشيرا إلى أروى : " هذه هي أروى نديم وجيه " و بعد أن استوثق الرجال من البطاقة ، قال ذلك الرجل نفسه : " إذن فأنت لست فتاة قاصر كما اعتقدنا " قالت أروى : " أنا في الرابعة و العشرين من العمر ! " قال الرجل : " هذا سيسهّل مهمّة استلامك للإرث " أورى و وليد تبادلا نظرة التعجب ، ثم قالت : " الإرث ؟ أي إرث ؟ والدي رحمه الله لم يترك لنا غير هذه المزرعة ! " و أشارت بيدها إلى ما حولها ... الرجل تحدّث قائلا : " لا أتحدّث عن إرث والدك رحمه الله " تعجبت أروى ، و سألت : " من إذن ؟؟ " قال الرجل : " عمّك المرحوم عاطف وجيه " حملقنا نحن الثلاثة في وجوه بعضنا البعض، في منتهى الدهشة و الاستغراب ، و إن كنت أنا أقلهم استغرابا ! قال وليد : " عاطف وجيه ؟؟ أبو عمّار ! " أجاب الرجل : " نعم أبو عمّار ، رحمهما الله " وليد و أروى نظرا إلى بعضهما .. ثم إلى الرجل الغريب ... سألت أروى : " عمّي عاطف ! عجبا ! لقد مات قبل عام ! هل ذكرني في وصيته !؟ " الرجل قال : " لم يترك المرحوم وصية، كما لم يترك وريثا ، لكنه ترك ثروة ! " ازداد تحديق وليد و أروى في بعضهما البعض ، ثم سألت أروى : " ثروة ؟ " قال الرجل : " نعم ، و لك منها نصيب كبير " حلّ الصمت برهة ، ثم قالت أروى : " ما يصل إلى كم تقريبا ؟ " قال الرجل بصوت تعمّد أن يكون واضحا رنانا : " ما يصل إلى الملايين يا سيدتي ! " فغرت أروى ، و كذلك وليد و أنا.. كلنا فغرنا أفواهنا من الذهول ... و قالت أروى غير مصدّقة : " ملا...يين ؟؟ تركها لي ..!! " قال الرجل : " نعم ملايين ! " هزّت أروى رأسها غير مصدّقة... و هي تضع يدها على صدرها من الذهول ... قال الرجل : " يبدو أنك لم تكوني على علم ٍ يا سيّدتي.. بأن عمّك المرحوم عاطف وجيه كان مليونيرا فاحش الثراء ! " ~ ~ ~ ~ ~ لقد كانت مفاجأة هزّت كياننا جميعا ... عاطف وجيه، هو والد عمّار القذر، الذي قتلته بيدي قبل تسع سنين ..

الحلقة الثالثة و الثلاثون الجزء 1 بعد الانتصار الذي حقّقته، ليلة أن أفسدت ُ على أروى سعادتها، شعرت بنشوة كبيرة! كيف لا، و ليلتها.. بقى وليد قلبي معي في المستشفى ، يحيطني بالرعاية و العطف ! لقد زالت جميع الآلام المفتعلة التي أرغمت معدتي على التظاهر و الإحساس بها ، بمجرد أن رأيت وليد مقبلا نحوي بقلق ! و تحوّلت إلى رقص عندما رأيه أصابع يده خالية من أي محابس ! سألته بعد ذلك، و نحن في المستشفى، و أنا أنظر إلى يده اليمنى : " أين خاتمك ؟ " وليد فكّر قليلا ثم قال : " في علبته ! " شعرت بسعادة كدت معها أضحك بقوة ! لكنني منعت نفسي بصعوبة لئلا يكتشف وليد بأنني لا أشكو من أي شيء ! إلا من غيرتي من الدخيلة، و رغبتي في إبعادها عني نهائيا أخفضت نظري لئلا يقرأ وليد ما بعيني من فرح و مكر .. و بقيت كذلك بضع ثوان، ، إلى أن سمعته يقول : " و أنت ؟؟ " رفعت نظري إليه ، في بلاهة ! ماذا يعني ؟؟ قال : " أين خاتمك ؟ " و من عينيه إلى يدي اليمنى مباشرة ! لم أرتده مذ خلعته تلك الليلة ! قال : " لا تقولي أنك أضعته مجددا ! " قلت مداعبة : " هل وجدته ؟؟ " وليد اندهش و قال مستغربا : " أحقا أضعته ثانية ؟؟ أي فتاة أنت ِ ! " قلت مباشرة : " أنا رغد ! " ابتسم و قال : " حقا !؟ كدت ُ أنسى ! كنت ِ تضعين ألعابك و تأتين إلي طالبة مني البحث عنها ! " ابتسمت ُ بخجل... قال : " لكنها كانت ألعاب .. أما هذا .. " و بتر جملته... و ظل ينظر إلي بصمت برهة.. ثم وجه عينيه نحو الجدار... قلت : " وليد .. " بصوت خافت هامس، التفت إلي و أجاب : " نعم ؟ " " هل.. ستظل تعتني بي .. فيما لو بقيت ُ دون زواج عشر سنين أخرى ؟ " استغرب وليد من سؤالي، ثم قال : " و عشرين، و خمسين ، و مئة ! " قلت بخجل : " حقا وليد ؟ " " طبعا صغيرتي ! إنك جزء مني ! " كدت ُ أقول بسرعة : " و أنت كلّي ! " و لكنني خدّرت الجملة في لساني لئلا تصحو ! قلت و أنا أعبث بأصابعي : " وليد ... " و أتممت : " تخلّصت ُ من الخاتم " و نظرت إليه لأرى تعبيرات وجهه بدا مستغربا حائرا قلت موضّحة أكثر : " سامر حل ّ رباطنا و لذلك .. خلعته " هي تعبيرات غاية في الغموض ، تلك التي ارتسمت على وجه وليد لحظتها... ذهول مفاجأة ، صدمة، استياء... عدم تصديق، أو .. لا أدري.. لا أدري ما كان معناها... بعد صمت الاستيعاب و التفكير ، قال : " إذن .. إذن ... أنت و سامر ... " أتممت ُ جملته : " لم نعد مرتبطين ! " وليد وقف فجأة ، و أخذ يحوم...في الغرفة ، يفكّر .. ثم استدار إلى فجأة و سألني : " لماذا يا رغد ؟ " تبادلنا نظرة عميقة، ثم أحنيت رأسي و أخفضت عيني نحو الأسفل.. خشية أن تصرخ الجملة من عيني : ( لأني أحبك أنت ! ) التزمت الصمت، و لم أرفع بصري إليه مجددا... فما كان منه إلا أن أقبل نحو الستارة ليغلقها بعدما أغلقها حول سريري، قال جملة أخيرة : " مهما كان السبب، و لأنك ِ تحت رعايتي الآن، فاحذفي فكرة الزواج من رأسك ِ نهائيا.. طوال السنين المقبلة " ~ ~ ~ ~ ~ ~ الآن، و أخيرا..أصبحت رغد حرّة ! اتصلت بسامر و علمت منه بالتفاصيل، و الجملتان اللتان ظلتا معلقتين في رأسي كانت أولاهما : " لا داعي لأن تأتيا لزيارتي ، لا أريد أن أراها " أما الثانية، فهي : " تستطيع أن تتزوّج الآن ممن أرادت " " من تعني ؟ " " اسألها ! " كل هذا أكد لي ، أن رغد بالفعل انفصلت عن سامر من أجل رجل آخر... و هذا الآخر لن يكون غير حسام، و أنا لن أكون وليد إن سمحت لها بالزواج من أي مخلوق على وجه الأرض.. فرغد من هذه اللحظة أصبحت لي ! نعم لي ! و مهما كانت العقبات، و مهما عاندت الظروف، فسوف لن أسمح لأي رجل بدخول حياتها و سرقتها مني مجددا.. و لن تكون في النهاية إلا لي أنا.. توالت الأيام، و رفع الحظر أخيرا عن المدينة الصناعية و صار بإمكان الناس التحرك منها و إليها دون خطورة .. و ما أن حدث ذلك ، حتى طالبتي رغد بأخذها إلى بيت خالتها و ألحّت علي بالطلب ، الأمر الذي جعل الشكوك في رأسي تكبر و تتفاقم و أصبحت مهووسا باسم حسام حتى صرت أراه في الكوابيس... و بعد إلحاح شديد منها وافقت على اصطحابها لزيارة عائلة خالتها بمجرد انتهاء موسم الحصاد . ~ ~ ~ ~ ~ بعد أيام، سيأخذني وليد أخيرا لرؤية خالتي و نهلة و الجميع ... كم اشتقت إليهم ! كم من الشهور مضت مذ افترقنا في تلك الليلة الحمراء ... كنت رغم ذلك على اتصال شبه يومي بنهلة أخبرها عن كل شيء يدور من حولي و داخلي ... في أحد الأيام، كان وليد يعمل في المزرعة كالعادة، و كنت أراقبه و أرسم منظرا جميلا على مقربة منه، الشقراء كانت داخل المنزل مشغولة ببعض الأمور مع والدتها فجأة ، إذا بي أرى أناس غرباء يدخلون المزرعة، و يعبرون الممر و يقتربون منّي !

تبادلنا أطراف الحديث، الهادىء اللطيف، و الابتسامات الناعمة ! و بمجرّد أن نلبس الخاتمين، سأقول له : ( أحبك يا وليد ! ) كم تتخيلون كان مقدار سعادتي؟؟ و ماذا تتصوّرون لون وجهي ؟؟ و هل لديكم فكرة عن سرعة دقّات قلبي ؟؟ ليتكم كنتم معنا... تناول وليد علبة الخاتمين، و أمسك بخاتمي الذهبي، و هم ّ بإلباسي إياه... هذا المحتوى خاص بتطبيق اسمه رواية أنتِ لي , وتم سرقته من المطور hmclub ويمكنك تحميل التطبيق الاصلي والمزيد من التطبيقات من هنا

قمت أنا و تسللت إلى الغرفة، و أوقفته، و ألقيت نظرة على وليد... كان مستلق ٍ على السرير و أطرافه الأربعة موزعة على جميع الزوايا ! كان يبدو غارقا في النوم جدا ! و مع ذلك ما أن نطقت باسمه : " وليد " حتى فتح عينيه بسرعة، ثم نهض جالسا باندفاع ! هل صوتي مفزع لهذا الحد ؟؟ لقد كان المنبه يرن حد البحة! وليد تلفت يمينا و شمالا ثم نظر إلي " رغد ؟ ما بك ؟ " إنه بالفعل فزع ! قلت : " لا شيء ! إنه وقت الصلاة ! " خرجت من غرفته، و ذهبت إلى غرفة أروى،التي لا أزال أشاركها فيها، حاملة معي كيس المطعم ! وجدت الباب موصدا من الداخل ! " أروى! تبا لك ! سأعتبره طردا ! " بعد قليل، و قد خرج وليد مع العجوز كالعادة للصلاة للمسجد، حملت كيسي و البطانية ، و ذهبت إلى غرفة وليد و تابعت نومي على المقعد ! وجدتها فرصة ذهبية لتوسيع دائرة الخلاف بيننا، أنا و أروى.. قلت مخاطبة وليد بعد عدة ساعات : " إنها لا تريدني في غرفتها، و لا في بيتها و لا مزرعتها، أخرجني من هذا المكان " وليد كان متضايقا جدا، قال : " لا يمكن أن تتعمّد أروى إيصاد الباب دونك! ربما أقفلته خطأ ً " " طبعا ستقول هي أنه خطأ، لكني متأكدّة من أنه مقصود ، وليد لا أريد العيش في هذا المكان.. " امتقع وجه وليد و كأبت ملامحه بشدّة... و فرك جبينه براحة يده ثم قال : " إلى أين نذهب إذن ؟ " قلت : " دعنا نعود إلى شقة سامر " لم ترق الفكرة لوليد، و قال : " و عملي ؟ " " فتّش عن عمل آخر، إنه عمل متعب و لا يستحق اهتمامك و مجهودك على أية حال " وليد حزن من قولي هذا، كما ظهر جليا على وجهه، ألا أنه قال : " سأحاول إيجاد حل آخر..." و صمت قليلا ، ثم تابع و هو يضيق فتحة عينيه : " ألا أنني لن أسمح لك بالزواج قبل الخامسة و العشرين ! " ذهلت من كلامه، و من نظرته فحملقت به بفضول ، و سألت : " و لم الخامسة و العشرين بالذات ؟ " " هذا على الأقل، فأنت لا تزالين صغيرة ، و ستظلين صغيرة لبضع سنين ! " بشكل تلقائي، رفعت يدك اليمنى مبرزة إصبعي البنصر، لأثبت بأنني مخطوبة يعني كبرة ! و للدهشة ، لم أجد الخاتم ! تبدّلت ملامحي ، و أخذت أقلب كفي ظهرا و بطنا و أفتش عن الخاتم في أصابعي العشرة ! لا ، بل العشرين ! وليد كان يراقبني، و رآني و أنا أضطرب، ثم أذهب نحو المقعد و أفتّش ما حوله.. أقبل وليد يسير ببطء ، حتى وقف خلفي مباشرة، و كنت أنا جالسة على الأرض محنية رأسي للأسفل ، أتحسس بيدي الأرضية تحت المقعد ... يا إلهي أين اختفى !؟ " عمّ تبحثين ؟ " رفعت نظري إلى الجبل الطويل الواقف خلف، فرأيت ميلا بسيطا لإحدى زاويتي فمه للأعلى، يعني ، شبه ابتسامة ماكرة ! قلت و أنا لا أزال في وضعي أنظر إليه كمن ينظر للسقف ! " هل رأيته ؟ " " ما هو ؟؟ " " محبسي ! " " أي محبس ؟؟ " " خاتم خطوبتي يا وليد ، تركته على الكتاب البارحة ! " تغيّرت تعبيرات وليد و قال : " هل يعني لك فقده شيئا مهما ؟؟ " قلت مستغربة : " طبعا ! إنه ليس مجرّد خاتم ! " وليد عبس بعض الشيء، ثم مد يده في أحد جيوبه، و أخرج الخاتم... و وضعه على المنضدة ... نهضت أنا و نظرت إلى الخاتم، ثم إلى وليد... و حرت في أمره... ولى وليد مدبرا خارجا من المنزل ألا أنه حين بلغ الباب استدار و قال : " لن تضعي شيئا كهذا في يدك اليسرى قبل مضي سنين ! مهما كان الطرف الآخر ! لن أسمح بذلك ..." و انصرف ! ~ ~ ~ ~ ~ ~ أخيرا حلّ الليل! كم أنا مسرورة و في قمة السعادة.. فالليلة سنرتدي أنا و وليد خاتمي الخطوبة أخيرا ! قضيت فترة طويلة على غير العادة أمام المرآة أتزيّن ! أعددت لسهرة جميلة و رومانسية مع خطيبي، في الغرفة الخارجية... و الإعداد يشمل العشاء، و طبق التحية، و الشموع الحمراء، و فستاني الأزرق الداكن، و تسريحتي الجميلة، و خاتمي الخطوبة، و طقم الشبكة، و أيضا الكلام اللطيف الذي حضّرته لأقوله لوليد! و هو أهم ما في السهرة، فإن في قلبي مشاعر أود التعبير عنها... بصراحة حتى الآن لا أشعر بأنني كبقية الفتيات المخطوبات، لأن ظروف وليد لم تسمح لنا بالاستمتاع بأيام خطوبتنا كما ينبغي... كيف نهنأ و والداه توفيا قبل فترة تعتبر وجيزة...؟؟ و الآن بعدما استرد كيانه، و اجتاز الصدمة، حلّت رغد.. كعائق دون انفرادي بخطيبي! و اليوم هي مستاءة منّي لأنني نسيت باب غرفتي مغلقا، بعد استبدال ملابسي، و أويت للنوم ! على كل ٍ استياؤها هذا جاء بفائدة ألا وهي بقاؤها بعيدة بعض الشيء ! فتح الباب أخيرا و دخل وليد.. خطيبي العزيز.. و انبهر بكل ما حوله، فقد صنعت جوا رومانسيا رائعا ! " جميل ! ذوقك جميل ! " " شكرا وليد! تفضّل بالجلوس ! " اتخذنا مجلسينا متقابلين تفصلنا مائدة العشاء المميز... و إلى جانبنا منضدة صغيرة وضعت عليها علبة الخاتمين و العقد...

" أنا جائعة " هل سمعتم شيئا كالذي سمعت ؟؟ تقول جائعة ! " ماذا ؟ " " أنا جائعة ! " تلفت يمينا و شمالا.. أبحث عن شخص يؤكد لي ما سمعت ! " ألم تتناولي عشاءا ؟ " " كلا " " حسنا ، لم لا تذهبين للمطبخ و تحضّرين وجبة لك ؟؟ " قالت : " أشتهي البيتزا " " البيتزا ؟ " " نعم ! البيتزا " قلت : " و لكن تحضيرها سيستغرق وقتا ! لم َ لم تعدّيها قبل الآن ؟ " " لا أعرف طريقة لتحضيرها، و لا أريد أن أعرف، كما و أنني شعرت بالجوع الآن فقط " و بالتالي ماذا ؟؟ قلت : " حسنا ، حضّري شيئا آخر .. " " أريد بيتزا " " رغد ! و هل تعتقدين أنني أستطيع تحضير بيتزا ؟؟ " " تستطيع شراءها من المطعم " نظرت إلى الساعة ، كانت الواحدة ليلا ! " مطعم ؟ الآن ؟؟ " " نعم ، لابد أنه يوجد مطعم واحد على الأقل مفتوح الآن " و هذا يعني أن علي ّ أنا الذهاب للبحث عن مطعم و جلب البيتزا ! آخر عمل أفكّر في القيام به على الإطلاق ! " حضّري لك أي وجبة من الطبخ ، الوقت متأخر و أنا متعب .. " " لا أشتهي غير البيتزا ! " " كلي أي شيء الآن ، و غدا آخذك إلى المطعم " قالت : " معكما أنت و أروى ؟ " و رمقتني بنظرة حادة .. ثم أضافت : " هل تقبل العروس ؟ " تنهّدت ، و قلت خاتما الموضوع : " أمامك المطبخ بما حوى ... تصبحين على خير " و استدرت و تابعت طريقي، و لما بلغت الباب و فتحته سمعتها تقول : " لو كان سامر هنا ، لما سمح بأن أنام و أنا جائعة ! و لكان لفّ العالم ليحضر لي ما أريد " أفلتت أعصابي، صفعت الباب بقوّة و أنا أستدير إليها ، و أراها تجلس على المقعد و تحني رأسها إلى الأرض، و تبدأ بالبكاء... سرت إليها و وقفت قربها و قلت بعصبية : " حسنا.. أنا ذاهب لإحضار ما تريدين " و سكت لأتنفس، ثم تابعت : " لا تستفزّيني هكذا ثانية ! " رفعت رأسها و نظرت إلي، ربما نظرة استغراب أو اعتذار ، لم أكد أميّزها لأنني سرعان ما استدرت و ذهبت نحو الباب، و ما أن فتحت الباب حتى وصلني صوتها و هي تقول: " مع عيدان البطاطا المقلية... ! " التفت إليها فوجدتها تبتسم ! نعم تبتسم ! أتعرفون أي نوع من الابتسامات ؟؟ تلك التي تنسي المرء أنه يتصبب عرقا و أن عضلاته مرهقة حد الشلل ، و مشاعره متهيجة حد الغليان ! يا لهذه الفتاة ! لم يكن العثور على مطعم مفتوح أمرا سهلا، لكنني اشتريت لصغيرتي المدللة هذه ما تريد، و خلال 40 دقيقة ، عدت إلى المنزل ... كانت لا تزال جالسة على نفس المقعد ، و الكتاب في حضنها و يداها موضوعتين على صفحتيه ... لم تنهض لدى دخولي... قلت : " وصل عشاؤك ! " لم ترد... اقتربت منها ، فوجدت عينيها مغمضتين... و ببساطة كانت نائمة ! " رغد .. " لم تجب، اقترب أكثر و همست : " رغد هل نمت ِ ؟ " و لم تستفق. ماذا أفعل بهذه الفتاة ؟؟ في منتصف الكتاب المفتوح، لمحت شيئا يلمع.. اقتربت أكثر، إنه ليس إلا خاتم خطوبة رغد.. ! مددت يدي و أخذت الخاتم...و دققت النظر فيه.. محفور بباطنه الحرفان الأولان من اسمي رغد و سامر، مع تاريخ الخطوبة... بقيت واقفا في مكاني أعبث بذلك الخاتم، و أتمنى أن امحيه من الوجود، و أمحي معه كل علاقة ربطت بين سامر و رغد.. حتى رابطة الدم ! في آخر مرّة زارنا فيها سامر.. في آخر لحظة قضاها معنا.. في المزرعة ، و آخر صورة التقطتها عيناي لهما هو و رغد، كانا في عناق حميم.. حلل كل خلايا الدم الجارية في عروقي.. و أصابني بأنيميا حادة فتّاكة... لكني حتى هذه اللحظة، أجهل مصير هذه العلاقة و لا أجسر على التحدّث مع رغد بشأنها... التفت الآن إلى رغد، نائمة بعمق و هدوء... و تعرفون كم تطيب لي مشاهدتها هكذا.. و تعرفون كم أعاني و أجاهد نفسي أقف عند الحدود فيما بيننا.. اقتربت منها أكثر، و همست : " رغد.. قومي إلى غرفتك " لكنها لم تتحرك، ناديت : " رغد انهضي يا صغيرتي.. هل ستنامين هنا ؟؟ " و مددت يدي و ربت بخفة على يدها ، رغد تحركت، و مالت بجدعها على المقعد حتى أسندت رأسها عليه و هي تقول : " أوه أروى حلّي عني ، أكرهك ! " و صمتت ! دهشت ! بم تحلم صغيرتي هذه اللحظة ؟؟ و لم تقول شيئا كهذا ؟ و ماذا يعني ذلك؟؟ " هذا أنا وليد، أنت تنامين في الصالة رغد، قومي إلى غرفتك " ابتسمت رغد، و هي نائمة ، ثم قالت : " بابا .. أحبك .. " و غطت في سكون عميق ! ليتني أدخل حلمك و أرى... بما و من تحلمين ! نوما هنيئا...صغيرتي.. ~ ~ قعد في وضع غير مريح ! و على المنضدة الموضوعة أمام المقعد ، وجدت كيسا يبدو أنه لأحد المطاعم ! نهضت و نظرت من حولي فلم أر أحدا، لكنني كنت أسمع صوت المنبه القوي قادما من ناحية غرفة وليد ! مددت يدي نحو الكيس أولا و تفقّدت ما به " إنها البيتزا ! " و صوّبت نظري ناحية غرفة وليد، فوجدت الباب مفتوحا على مصراعيه ... و كان المنبه يرن باستمرار ... دون أن ينهض وليد...

" بل عن عش الزوجية و خططنا المستقبلية فيه " احمرّ وجه وليد ، و تمتم بجمل الاعتذار... لكن ، أي اعتذار يا وليد؟ إنني أشعر بأنك لا تشعر بوجودي ... و كأنني لست خطيبتك.. و كأننا لن نتزوّج ذات يوم ! عندما عدنا إلى المزرعة ، و لم أكن أنا سعيدة بالقدر الذي تمنيت، دخلت إلى المنزل مباشرة ، أما وليد فذهب لينجز أعمال اليوم التي اضطر لتركها من أجل مرافقتي... في الصالة، وجدت رغد جالسة تقرأ أحد الكتب.. " تأخرتما " " نعم، فقد ذهبنا إلى المطعم.. و تنزهنا لبعض الوقت " و ظهر الاستياء على وجهها، و قالت : " و هل اشتريتما الخاتمين ؟ " " أجل " " هل أستطيع رؤيتهما ؟ " قلت بحنق : " نعم طبعا ، لكن غدا ، بعدما نلبسهما أنا و وليد لبعضنا البعض " قالت : " و أين وليد ؟ " " في المزرعة ، سيعمل لبعض الوقت " و استأذنت و ذهبت إلى غرفتي... ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ تركتني في غيظي ، اشتعل نارا كجهنم.. أكاد أحرق أوراق المجلة التي بين يدي و لكن لا لن أفوّت هذا بسهولة ! و لسوف أفسد عليهما سهرة الغد و أحرمهما من الهناء بخاتميهما ! نزعت الخاتم الذي ظل بنصري الأيمن محبوسا به لأربع سنين... لم أكن قد نزعته قبل الليلة، كما لم أكن قد أبلغت وليد عن انفصالي الشرعي عن سامر.. رغم أن فترة قد مضت على ذلك.. لم أكن أريده أن يشعرني بأنه مهتم بي فقط و فقط لأنه ليس لدي من يهتم بي غيره.. كنت أود أن أشعر.. بأنه يهتم بي و يحبني و يريد بقائي معه حتى لو كان والداي على قيد الحياة ، ليس فقط حتى مع وجود خطيب لي.. عندما سألني : " ماذا بيدي ؟ ما حل المشكلة " كدت أقول : " تزوّجني ! " و كم كنت سأبدو بلهاء غبية و أنا أعرض على ابن عمّي ، و المرتبط، و الذي نعيش في بيت خطيبته أن يتزوّجني ! أردت أن ألفت نظره إلى وجود حل اسمه الزواج ، فقلت : " أتزوج حسام " و انتظرت ردة فعله، انتظرت أن أرى مقدار اهتمامه بي .. و رغبته في بقائي معه..كم تمنيت لو يهتف : " مستحيل ! " إلا أنه التزم الصمت، ثم غادر... أحيانا.. أشعر بأنه يهتم بي و يحبني كثيرا.. لكن.. مثل حبه لدانة.. و أنا أريده أن يحبّني مثلما أحبه أنا.. و أن يعجب بي أنا.. و ألا ينظر إلى عيني امرأة غيري أنا ! و إن كان يريد رؤية عيون زرقاء، أو خضراء، أو حتى صفراء.. فأنا سأغير لون عيني و شعري و وجهي و كل شيء لإرضاء ذوقه ! لقد قال إنني رائعة منذ الطفولة ! كم أشعر بالسعادة كلما تذكرت هذه الجملة ! إنها كنزي الثمين الذي أفتحه و أنعش مشاعري به كلما أصابني اليأس .. وليد و أروى يخططان لقضاء سهرة خاصة بهما ليلة الغد، للبس الخاتمين.. و أنا .. أخطط لأن أمرض غدا، و أقلق وليد بشأني، و أصرف تفكيره عن السهرة الخاصة، و أحرم أروى مما تصبو نفسها إليه ! سترين يا أروى ! ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ لأنني لا أحب تأجيل عمل اليوم إلى الغد، و لأنني سأضطر لاختصار ساعات العمل غدا أيضا، من أجل السهرة التي تريدها أروى احتفالا بوضع الخاتمين ، فإنني قررت أن أقضي ساعات في العمل بالمزرعة الآن... كنت متعبا، فقد قمت بعدة أشياء منذ الصباح، و كان يوما حافلا بالمهام التي كان علي إنجازها.. عدا عن هذا ، فهناك فتاة صغيرة تلعب في دماغي منذ الأمس، و تسبب لي صداعا رهيبا ! انتصف الليل، و أنا لا أزال في المزرعة أبذل مجهودا بدنيا لا يتناسب و الظلام و التوقيت، ألا أنني لم أشأ المغادرة قبل إتمامه... كنت سأنقل بعض الأشياء إلى السيارة الحوض، إلا أنني حين وجدتها على مبعدة ، تقاعست عن تحريكها، فآخر شيء أفكر به هو قيادة سيارة الآن، اذا قمت بحمل بعض تلك الأشياء بجهد إلى الحوض، و تركت البقية لأنقلها في اليوم التالي، فقد أرهقت كثيرا جدا... كنت أتصبب عرقا، و أشعر بإعياء شديد، و بحاجة ماسة و فورية للاستحمام ، و النوم مباشرة... عدت إلى المنزل منهك القوى شديد التعب، متوقعا أن يكون الجميع نيام في مثل هذا الوقت ، لذا دهشت حين رأيت رغد جالسة في الصالة تقرأ كتابا ! " ألم تنامي بعد ؟ " رفعت رغد عينيها عن الكتاب ، و قالت : " ليس بعد " و كانت نظراتها حادة توحي برغبة منها في الشجار ! و هو شيء أفضل الغرق في المحيط عليه، خصوصا و أنا بهذا الحال و التعب ! " تصبحين على خير " قلت ذلك، و توجهت نحو غرفة نومي، لأنفذ بجلدي، و لكنني ما كدت أخطو بضع خطوات حتى سمعتها تناديني : " وليــــد " يا رب ! لست بمزاج جيّد لتلقي أي لوم و عتاب على تركك وحدك كل هذه الساعات ! أجّلي كل هذا للغد يا رغد ! و أعدك بأنني سأتلقى هجومك بأوسع صدر ! التفت إلى الوراء ، و لم أجب ... لكن لسان حالي أجاب : نعم ؟ أغلقت الكتاب الذي بين يديها، و وقفت .. إنه التأهّب للهجوم ! رغد أرجوك الرحمة ! هذه الليلة فقط !

" أرجوك يا رغد.. كفى عزيزتي .. " رغد استمرت في البكاء ، و لم تنظر إلي ، لكنها قالت وسط الآهات : " لن يشعر أحد بما أشعر به.. حبيسة و مقيّدة في هذا المكان.. ليتهما يعودان للحياة.. و يعيداني معهما إلى البيت.. و أنا سأتخلى عن كل شيء فقط لأعيش معهما ! " مسحت دمعتي ، و قلت بصوت ألطف و أحن : " بالله عليك يا رغد.. يكفي فقد تفطّر قلبي " رغد استدارت نحوي، و أخذت تنظر إلي مطولا.. ثم قالت : " هل تحس بما أحسّه يا وليد ؟؟ أتعرف معنى أن تفقد والديك، و مرتين، و بيتك و عائلتك، و مدينتك و جامعتك، و تبقى مشردا عالة متطفلا على غرباء ؟ في مكان لا يوفر لك أبسط حقوقك ؟ أن ترتدي ما تشاء ! " " رغد ! ماذا بيدي ؟ أخبريني ؟ ماذا أستطيع أن أفعل ؟ و حتى لو خرجنا من هذا المنزل و سكنا منزلا آخر... لا حل للمشلكة ! " " بلى ! " قالت رغد ذلك بسرعة ، فقلت أنا مسرعا : " ما هو ؟ " رغد الآن.. عقدت لسانها و هي تنظر إلي نظرات عميقة، كأنها تفكّر فيما تود قوله ثم قالت للقهر : " أرسلني إلى بيت خالتي " ذهلت لسماع هذه الجملة ، و ترنحت قليلا ، ثم سألت : " إلى بيت خالتك ؟؟ كيف ؟ و زوج خالتك ؟ و حسام ؟؟ " قالت : " أتزوّجه " هنا .. توقّف قلبي عن النبض، و توقفت عيناي عن الرؤية، و أذناي عن السمع، و كل حواسي عن العمل ، بل و الساعة عن الدوران... لم أسترد شيئا من حواسي المفقدوة إلا بعد فترة، و أنا في المزرعة .. و كان أول شيء استعدته هو الشم، إذ غزت رائحة السيجارة أنفي و أيقظت إحساسه عنوة ... قلبتني جملتها هذه رأسا على عقب... و بعد أن كنت شديد الحزن و التعاطف معها، أصبحت أرغب في خنقها.. حسام ؟ نعم حسام.. إنه الحبيب السري الذي يعيش في قلب رغد منذ الطفولة.. ليس في قلبها فقط، بل و في صندوق أمانيها الذي لم أنسه يوما... أهذا ما تريدين يا رغد ؟؟ لم تمض تلك الليلة بسلام.. ظل قلبي ينزف ..من الطعنة العميقة التي سددتها رغد إلى صدري... لذا فإنني عاملتها بشيء من الجفاء في اليوم التالي، و حين هممنا أنا و أروى بالذهاب إلى السوق لشراء الخاتمين و العقد، و سألتني إذا كنا نسمح بذهابها ، أجبت : " أروى تريد أن نشتريهما بمفردينا " " و تتركاني وحدي ؟؟ " " لا ، بل مع الخالة ليندا " و لم أسمح لها بإطالة الحديث، بل انصرفت مباشرة... ~ ~ ~ ~ ~ و ليته أحضرها عوضا عن كل هذا ! فبدلا من تأمل المجوهرات، يتأمل الساعة بين الفينة و الأخرى.. و اتصل مرتين لسؤال أمي عنها ! بصراحة، وليد يبالغ في اهتمامه بها و أنا منزعجة من هذا الأمر.. و أتمنى لو يأتي خطيبها و يعتني بها لبعض الوقت، حتى نتنفّس ! تجوّلنا كثيرا، بحثا عن طقم يناسبنا.. و وليد لم يكن مركزا معي جيدا، بل كان يقول عن أي كل عقد أسأله عن رأيه به : " جميل، دعينا نشتريه ! " اخترنا في النهاية طقما جميلا مناسبا، بالإضافة إلى خاتمي الخطوبة .. و أراد وليد أن نعود للمزرعة لكنني ألححت علي بالذهاب إلى مطعم و تناول العشاء هناك.. إنها فرصة ذهبية بالنسبة لي، لا وجود لرغد معنا! " فيم تفكّر ؟ " سألته و أنا أراه شاردا، قال : " أأ .. في المزرعة ، تعرفين أننا تركنا عمل اليوم غير منجز .. حالما أعود فسأنجزه " قلت : " أوه وليد ! أتفكّر بالعمل حتى و أنت معي هنا ؟ دع عنك المزرعة و شؤونها و لنتحدّث في أمور تخصّنا " لم تظهر عليه أمارة مشجعة ، تضايقت من شروده عني ، قلت : " وليد ! أنا معك ! هل تراني ؟ " الآن ابتسم و قال : " طبعا أروى ! أنا آسف..، فيم تودّين الحديث ؟ " قلت ببعض الخجل : " في أمور بيتننا و خطط مستقبلنا ! " قال وليد : " أخبرتك بأننا لن نتزوّج قبل رغد " رميت بالملعقة التي كانت بين أصابعي ، أتناول بها طبق المهلبية الباردة .. و قلت بانفعال : " رغد ثانية ! أوه .. رغد ، رغد ، رغد ! وليد ! هللا توقفت عن ذكرها أمامي كل ساعة ؟؟ " قال وليد و هو مرتبك : " أروى ! ما حلّ بك ؟؟ " قلت : " ما حلّ بك أنت ؟؟ ألا تشعر بأنك تهملني من أجلها ؟ إنني خطيبتك ! " قال : " أنا آسف يا أروى، لكنك .. لا تعلمين ما تعنيه رغد بالنسبة لي .. " قلت : " ماذا تعني ؟؟ " وليد غيّر الجملة و قلب السؤال ، إلى ما يعنيه هو بالنسبة لها ، إذ قال : " إنها فتاة يتيمة، و بلا بيت و لا عائلة و لا ولي غيري، إن أهملتك أنت، فباستطاعتك اللجوء إلى أمك أو خالك، أما إن قصّرت مع ابنة عمي اليتيمة الوحيدة ، فإلى من ستلجأ ؟؟ " أنا قلت مباشرة : " إلى خطيبها " و لا أدري لم انزعج وليد فجأة و قال : " لنغيّر الحديث، ماذا كنت تودين قوله بشأن المزرعة ؟؟ " قلت : " أي مزرعة ؟؟ " " المزرعة ! ألم تتحدثي عن المزرعة و مستقبلنا فيها ؟ " اشتططت غضبا و قلت :

" ألم أقل لك !؟ إنها تغار مني " التفت إليها و قلت : " لا ، ليس الأمر كذلك ! لكنك لا تعرفين كم كانت مدللة تفعل ما تشاء في بيت أبي... كان رحمه الله يدللها كثيرا " قالت أروى : " و ها أنت ورثته ! " التفت إلى أروى، فأشاحت بوجهها عني.. و كأنها غاضبة مني .. قلت : " ما بك أروى ؟ ماذا يزعجك ؟ " التفتت إلي و أجابت : " ألست تدللها أنت أيضا ؟ " قلت : " أ لأنني سمحت لها بشراء كل ما أرادت ؟ تعلمين أن أغراضنا احترقت في بيتنا و هي بحاجة لأشياء عدّة ! " " أشياء عدّة كالملابس الباهظة التي اشترتها و الحلي أيضا ؟؟ بربّك ما هي فاعلة بها و هي باقية في هذا البيت بالحجاب و العباءة ! " سكتت قليلا و قالت : " لم لا ترسلها إلى خطيبها لبعض الوقت ؟ أظنها في حنين إليه " وقفت منزعجا و رميت أروى بنظرة ثاقبة ، جعلتها تعتذر " لم أقصد شيئا يا وليد إنما ..." قلت مقاطعا : " يجب أن تعرفي يا أروى.. أن رغد هي جزء من مسؤولياتي أنا، الجزء الأكبر.. و متى ما شعرت بالضيق من وجودها فأعلميني، و في الحال سآخذها و نرحل " ظهر الذهول على ملامح أروى ، فوقفت و قالت : " وليد ! " قلت : " نعم ، نرحل سوية.. لأنه لا يوجد سبب في هذا العالم يجعلني أتخلى عن ابنة عمي ساعة واحدة، مهما كان " و كان هذا بمثابة التحذير ... قالت أروى : " و .. حين نتزوّج ؟ " صمت فترة ، ثم قلت : " لن يكون زواجنا قبل زواجها هي ، بحال من الأحوال " " و .. متى ستتزوج هي و أخوك ؟ " قلت بسرعة و بغضب : " ليس الآن، لا أعرف ، ربما بعد عام أو عشرة .. أو حتى مئة ، لكن ما أعرفه هو أنني لن أتزّوج قبلها مطلقا " و تركت أورى، و انصرفت قاصدا رغد... نعم رغد، فهي من يشغل تفكيري هذه الساعة، و كل ساعة.. كنت أعرف أنني سأراها باكية.. و هكذا رأيتها بالفعل.. و قد نزعت العدستين الزرقاوين، و تحول بياض عينيها إلى احمرار شديد... " صغيرتي.. يكفي ! " طالعتني بنظرة غاضبة ، و قالت : " كنتما تسخران مني ، أليس كذلك ؟ " " لا أبدا ! لا يا رغد ! " قالت بانفعال : " لو كان سامر هنا ، لقال قولا لطيفا و لو من باب المجاملة.. " و ذكر اسم سامر يجعلني أتكهرب ! قلت بدون تفكير : " أنت ِ رائعة إن بهما أو بدونهما يا رغد " و ابتلعت لساني بسرعة ! رغد تأملت عيني، و ربّما سرّها ما قلت.. فمسحت الدمعتين الجاريتين على خديها ، و قالت : " حقا ؟ هل بدوت رائعة ؟ " اضطربت، حرت في أمري.. بم أجيب ..؟؟ يا رغد أنت تثيرين جنوني.. ماذا تتوقعين مني ؟ أنا.. و للأسف، و بكل أسف.. لست زوجك حتى يحل لي أعجب بك و أبدي إعجابي لك.. كيف لي أن أصرّح أمامك : أنت رائعة، و أنت لست ِ ملكي..؟ أنى لي أن أتأملك و أنت لست ِ زوجتي أنا ؟؟ يا رغد.. أنت لستِ امرأتي و أنا لا أستطيع تخطي الحدود التي يجب أن تبقى بيننا.. و إن لم أر روعتك، و لم أتأملها و لم أعلّق عليها، فلتعلمي بأنك في قلبي أروع مخلوقة أوجدها الله في حياتي.. مهما كان مظهرك .. لا تزال تنظر إلي منتظرة الإجابة.. كطفلة صغيرة بحاجة إلى كلمة طيبة من أحد.. قلت : " بالطبع ! أنت دائما رائعة منذ صغرك ! " رغد ابتسمت، أظن بفرح.. ثم قامت و اتجهت إلى أحد الأكياس التي تحوي ما اشترته من السوق، و أخرجت بعض الأشياء لتريني إياها ! أرتني أحد الفساتين، و هي تقول : " هذا سيدهشك ! انظر .. ما رأيك ؟؟ " الفستان كان أنيقا، و في الواقع أنا لست خبيرا بمثل هذه الأمور ، لكني أظن أنه من النوع الذي يعجب النساء ! قالت : " سيغدو أجمل حين أرتديه ! " و قربته من جسمها و ذهبت لتشاهد ذلك أمام المرآة.. كانت تبدو سعيدة .. قالت تخاطب المرآة : " متأكدة سيبهر دانة حين تراه ! و ستشعر بالغيظ ! " ثم اكفهر وجهها فجأة .. و شردت برهة ، و استدارت إلي .. و رمت بالفستان على السرير.. قلت : " ما الأمر ؟ " قالت : " أريد أن أرتديه " قلت : " إذن افعلي ! " قالت و بريق من الدموع لمع في عينيها : " أرتديه لأبقى حبيسة في هذه الغرفة ؟ " و صمتت قليلا ثم قالت : " لو كان والداي حيين.. لكنا الآن هناك، في بيتنا.. أريهما أشيائي هذه، و أسمع تعليقاتهما.. " " رغد .. " " و لكنت ارتديت ما أشاء.. و تزيّنت كيفما أريد .. بكل حرية.. " " رغد صغيرتي ... " " و لكنت اشتريت ما يحلو لي دون حساب.. و لطلبت من والدي تجديد طقم غرفة نومي .. لم يكن ليتضايق من طلباتي.. فقد كان يحبني كثيرا.. و يدللني كثيرا.. و يحرص على مشاعري كثيرا.. أكثر من أي أب آخر في الدنيا .. " و ارتمت فوق الفستان المرمي على السرير، و أخذت تبكي بحرقة... تمزّق قلبي أنا .. خلية خلية..لهذا الموقف الأليم المرير.. و رغما عنّي تمخّضت مقلتي عن دمعة كبيرة... اقتربت منها محاولا المواساة :

الحلقة الثانية و الثلاثون لأن الظروف لم تسمح لنا قبل الآن بشراء خاتمي الخطوبة، و أقصد بذلك ظروف وليد ، فإنني فتحت الموضوع معه مؤخرا، بعدما مضت فترة على وفاة والديه، رحمهما الله. قررنا أن نذهب لشراء الخاتمين و الشبْكة غدا.. لن نقيم أي احتفال، إنما عشاء خاص بي معه... وليد، هو رجل رائع بكل المقاييس.. ربما كان التعويض الذي أرسله الله لي عوضا عما فقدت. في مظهره، وسم، جذاب ! طويل القامة، عريض المنكبين، ممتلىء الجسم و الوجه! في أخلاقه، كريم.. لطيف..نبيل.. متفان، مقدام ! في عمله، مخلص، صادق.. أمين.. مجتهد، نشيط جدا! في أول مرة التقينا، كان ذلك قبل عدة أشهر، حين دخل رجل غريب إلى المنزل و هو يستنجد! عندما أتذكر ذلك اليوم ، و رغم المرارة التي كانت فيه، أضحك ! لقد خرجت من المنزل راكضة .. بملابسي المجردة ! حينما عرض علي الزواج ، فرحت كثيرا.. أمي و خالي كانا يمدحانه أمامي باستمرار، و أنا كنت ألحظ إعجابهما بخلقه و طبعه، و أعجبت به مثلهما ... علاقتي بوليد كانت بالكاد قد بدأت تتطور، ألا أن تطوّرها أخذ منحى آخر حين حضرت رغد للعيش معنا... و هذه الرغد فتاة غريبة الأطوار ! أول الأمر كانت غارقة في الحزن، ثم بدأت تتفتح للحياة، و الآن بفرض وجودها في ساحة وليد ! إنه يهتم بها كثيرا جدا، و يعاملها و كأنها ملكة ! تصدر الأوامر و هو ينفّذ .. حتى أنه يفكر جديا في شراء طقم غرفة النوم الباهظ الذي أشارت إليه اليوم .. ! و يريد تحويل إحدى غرف المنزل إلى غرفة خاصة بها، بعدما طلبت هي مؤخرا أن تنام في غرفة مستقلة ! أنها فتاة مدللة جدا، و وجودها أبعد وليد عني ، و جعله يصرف جل الاهتمام لها هي .. و يهملني ... اليوم ذهبنا إلى الأسواق تنفيذا لرغبتها، حيث اختارت طقم غرفة النوم ذاك، و اشترت العديد من الأشياء .. بمبالغ كبيرة ! أنا أخشى أن أتحدّث معها أو مع وليد حول هذه النقطة، حتى لا أسبب مشكلة و يتهمني أحد بشيء، لكن... نحن في وضع مالي متواضع ! و هي، كانت من عائلة ثرية معتادة على نيل ما تريد بسهولة...و لا أعلم، متى سيمكنها أن تدرك تماما أن والديها قد توفيا... و أنها لم تعد تتربى في عزّهما و دلالهما! و رغم ما أنفقته رغد هذا اليوم، فأنا لم أتنازل عن رغبتي في شراء خاتمي الخطوبة و طقم الشبكة، فهي من حقّي، و قد وعدني وليد بالذهاب لأسواق المجوهرات و شرائها... ~ ~ ~ ~ ~ ~ العلاقة بين رغد و أروى تزداد اضطرابا مرة بعد أخرى، و هذا يقلقني كثيرا... رغد، في أحيان ليست بالقليلة تتصرف بغرابة، لا أعرف وصفا دقيقا أذكره لكم، لكن.. إنها .. تتدلل كثيرا ! و لأنها معتادة على الدلال، و تنفيذ جميع رغباتها دون استثناء، و لأنني الشخص الوحيد المتبقي أمامها من العائلة، فإنها .. باختصار تتدلل علي ! نعم حينما كانت صغيرة كنت أعشق تدليلها و أقبل على ذلك بشغف، ألا أن الأمر تغيّر الآن..إنها لم تعد طفلة كما أنني... إنني... ماذا أقول ؟؟ لست أباها، أو أخاها، أو زوجها أو حتى ابنها لأستطيع مجاراتها ببساطة في كل تصرفاتها... أنا حائر.. حائر جدا! البارحة، و بعدما عدنا من السوق، و قد اشترت هي العديد من الأشياء، فوجئت بها قادمة نحوي، و قد تغيّر لون عينيها إلى الأزرق ! و إذا بها تسألني : " كيف أبدو ؟ " كنت أجلس و أروى في الصالة، نتحدّث عن الخاتمين اللذين تصر أروى على شرائهما، و أظن هذا من حقّها فهي تود وضع خاتم للخطوبة مثل أي فتاة ! اعتقد أن الفتيات يهتممن بأمور تبدو في نظر الرجال، أو لنقل في نظري أنا كواحد من معشر الرجال ... لا تغضبن ! سخيفة أحيانا ! نظرت ُ إلى أروى ثم إلى رغد مندهشا.. و كانت لا تزال تنتظر رأيي في لون عينيها الجديد ! شعرت بالحرج الشديد .. فقلت : " هل صبغتيهما بالفرشاة ؟! " قاصدا أن تبدو دعابة خفيفة تلطّف الجو، ألا أن رغد نظرت إلى أروى و قالت : " و هل أنت ِ صبغتِ عينيك بالفرشاة ؟ " قالت أروى : " لا ، صبغهما الله لي هكذا ، لذا فهما تناسباني تماما " الجملة أزعجت رغد ، فقالت بغيظ : " تعنين أن لون عيني الآن لا يناسبني ؟ " صمتت أروى، و نظرت إلي، تقصد تحويل السؤال إلي .. ، و لذا نظرت رغد نحوي و أنا أرى الغضب يتطاير من عينيها هاتين.. و لم أجد جوابا مناسبا ألا أنني لم أشأ إحراجها فقلت : " و إن ناسباك ، فالأصل هو الأنسب دائما " و إجابتي الغبية هذه لم تزد الطين إلا بللا ! قالت غاضبة : " نعم الأصل هو الأنسب دائما، هذا ما يجب أن تدركه أنت ! " و لم أفهم ما ترمي إليه ! ثم أضافت : " لو كان سامر هنا، لصفّر إعجابا " ثم استدارت و غادرت الصالة... تضايقت أنا من هذا الموقف.. و التزمت الصمت مدّة ، ألا أن أروى قطعت الحديث قائلة :

و سكت برهة ، ثم قرّب الزهور من أنفه و شمها، و تنهّد ، ثم نظر إلي و قال : " أتمنى لك حياة سعيدة ، مليئة بالزهور الجميلة .. الرائعة مثلك " لم أتمالك نفسي، و كادت الدمعة تقفز من عيني لكنني كبتها بصعوبة.. امتدت يده الآن إلى يدي ، فأمسك بي بلطف .. و قال بصوت أجش : " حبيبتي... " و سكت، ثم تابع : " أتسمحين بأن .. أعانقك للمرة الأخيرة ؟؟ " حملقت بعينيه، فرأيت الرجاء الشديد ينبع من بؤبؤيهما... لم أحتمل، انطلقت العبرة المكبوتة من عيني فجأة و هتفت : " سامر ! "

سمحت لنفسي بالهدوء، و أجّلت انفعالي لما بعد، فهي لحظات جميلة لا تستحق الإهمال.. الجو لطيف، يداعب الوجوه ، و أمواج البحر رائعة .. تدغدغ الأقدام.. و صوت البحر عذب، يطرب الآذان.. فترقص القلوب مبتهجة و فرحة .. وقفت أتأمل جمال الكون.. و طبيعته الخلابة، و بديع صنع الله ، متحاشية قدر الإمكان النظر في أي شيء يعكر صفو هذه اللحظة، خصوصا وجوه البشر، و بالأخص من النوع ذوي الأنوف المعقوفة، أو العيون الزرقاء ! أمضينا وقتا، سأعترف بأنه كان ممتعا ، مع الكثير من الشوائب ! و كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة و النصف ليلا حين قررنا العودة إلى المزرعة.. وليد يقود سيارته و سامر إلى جانبه، و أنا خلفه ، و الحسناء إلى جانبي.. أكاد أعصب عينيها بعصابة سوداء داكنة سميكة جدا، لأمنعها من النظر إلى وليد عبر المرآة !. في اليوم التالي، لم يعمل وليد في المزرعة إلا لوقت قصير، و قضى بقية النهار معنا .. و في العصر، قبيل مغادرة سامر، خرجنا جميعا إلى المزرعة نتجول مثنى مثنى ! و ليد و الحسناء في المقدمة، نتبعهما أنا و سامر على بعد عدة أمتار، يتبعنا العجوز و أم أروى على مبعدة... و سيري خلفهما جعلني أعود لممارسة جولات عيني الاستطلاعية بل التدقيقية التفتيشية على أقل حركة تصدر من أي منهما... عادت البغيضة لتشبيك ذراعيهما ببعضهما البعض ! يا إلهي ! هل أركض نحوهما و أقف جدارا بينهما؟ قلت مخاطبة سامر : " دعنا نسرع " قال متعجبا : " لم ؟ " اخترعت أي سبب ، و لا سبب ! " أريد أن أعطي شيئا لأروى " " أي شيء ؟؟ " نظرت من حولي، فوجدت مجموعة من الزهور الجميلة الملونة، أسرعت باقتطاف بعضها و قلت : " هذه ، فهي ملونة مثلها و تصلح طوقا على شعرها الذهبي ! " و ناديتها مباشرة ! التفت كل من وليد و أروى استجابة لندائي، فحثثت السير إليهما حتى إذا ما بلغتهما قلت و أنا أرسم ابتسامة مفتعلة على شفتي : " انظري يا أروى ! هذه الورود تشبهك ! " أروى بدت مستغربة من مقولتي، ثم ابتسمت و شكرتني بعفوية ! قلت : " اصنعي منها تاجا لشعرك ! ستبدين لوحة مذهلة ! " أورى ابتسمت ثانية، و كررت شكرها و إن علاها بعض الشك ! التفت إلى وليد و قلت : " أليس كذلك يا وليد ؟؟ " وليد قال : " بلى ، بالتأكيد " بالتأكيد ؟؟ بالتأكيد يا وليد ؟؟ أنا بالتأكيد سأفقأ عينيك ! أخذت أورى بعض الورود، و تركت في يدي البعض الآخر...ثم استدارا ليتابعا طريقهما... وقفت أنا على الجمر المتقد.. ازداد اشتعالا و احتراقا.. و أرمقهما بنظرات حادة خطره و هما يبتعدان... و ربما ذبلت الورود التي في يدي من شدة حرارتي ! شعرت بشيء يلمس كتفي فاستدرت بسرعة ، كان سامر... سامر أوقف يده معلقة في الهواء.. لا أعرف لماذا ؟ ربما لأنها احترقت من ملامستي ؟؟ لكني لمحت عينيه تركزان في الساعة... قال : " يجب أن أذهب الآن.." أعدت النظر إليهما ، ثم إليه.. ثم إلى الثنائي الأخير الذي يقترب منا، العجوز و أخته...ثم عدت أنظر إلى سامر : " الآن ؟ " " نعم ، قبل حلول الظلام " نظرت بيأس نحو الورود التي بين يدي.. و لأنها أصبحت تمثّل أروى في نظري، كدت أرميها و أدوسها من الغيظ.. إلا أن سامر أخذها من بين أصابعي و قال : " هذه تصلح لك أنت ِ .. أنت فقط " رفعت بصري إليه و أبديت استيائي من جملته، و لما رأى هو ذلك قال : " أو ربما لي أنا ! لمعادلة قبح وجهي ! سأحتفظ بها ذكرى " ابتسمت.. لطالما كان سامر خفيف الظل ، لكنه في الفترة الأخيرة، بعد كل الذي حصل معنا، تغير كثيرا ! قلت : " أنت لست قبيحا يا سامر! هذه الندبة لا تؤثر عليك مطلقا! إنها أجمل من هذه الورود " ابتسم سامر بامتنان: " شكرا ! " عدت أنا فألقيت نظرة على الثنائي المزعج اللئيم، ثم نظرت إلى سامر... سامر كان يشعر بتوتري، و يلحظ انجراف أنظاري نحو وليد و أروى.. و هو شيء لا أملك منع نفسي من الانقياد له ! سامر الآن نظر إلي نظرة جدية كئيبة، أخفت أي أثر وهمي للابتسامة التي كانت على وجهه قبل برهة، و قال : " رغد .. " من نبرته، شعرت بأنه سيقول شيئا مهما.. أصغيت أذني.. و ركزت معه.. قال : " ابتداء ً من اليوم.. اعتبري نفسك حرة طليقة.." دهشت.. أوقفت أنفاسي.. و حملقت به بعيني المفتوحتين لحد الحاجبين ! قال : " بدأت ُ إجراءات انفصالنا.. و تستطيعين الارتباط بمن تريدين متى شئت ِ " مأخوذة بهول المفاجأة و غير مصدقة لما تسمع أذناي.. سامر حررني من رباطنا؟؟ أحقا فعل ذلك؟؟ قلت لا شعوريا : " طلّقتني ؟ " سامر ابتسم بسخرية و قال : " و هل تزوّجتك حتى أطلّقك ؟؟ " و نظر إلى الزهور التي في يده ، ثم قال : " سيتعين على وليد مراجعة الشؤون المدنية لنقل اسمك إلى بطاقته ، باعتباره ولي أمرك الجديد "

أروى، حسابي معها سأصفيه لاحقا، الآن .. سأصب جل اهتمامي على سامر إذ أن حدسي ينبئني بأنه يخفي شيئا.. شيئا يجعل صدره متكدرا كما هو واضح أمام عيني ... وجود سامر اعتبر مناسبة تستحق الاحتفال ! و لذا ، صنعت أروى و أمها أطعمة خاصة من أجله على العشاء، و لأنني لا أجيد الطهو، و لا أجيد أعمال المزرعة، كما لا أجيد أعمال المنزل، و واقعا لا أجيد شيئا غير الرسم، فقد ساعدت فقط في الأكل، و تنظيف بعض الصحون ! ألحت العائلة على سامر لقضاء الليلة معنا، رغم اعتراضه إلا أن إصرارنا أحرجه فقبل أخيرا... و تعرفون أين سينام ! طبعا في الغرفة الخارجية تلك ! بعد العشاء، اقترحت أروى أن نذهب جميعا للتنزه عند الكورنيش ... بالنسبة لي كانت فكرة جميلة، فأيدتها، إلا أنني ندمت على ذلك حينما وجدتها أروى فرصة ذهبية للاختلاء بوليد بعيدا عني، ذهبا يسيران معا، و تركاني و سامر وحدنا... الأمر في أعين الجميع يبدو طبيعيا.. إذ أنهما خطيبان، و نحن خطيبان، إلا أنني اشتططت غضبا و صرت أراقبهما بعين ملؤها الشرر ... سامر كان يتحدّث معي، لكنني لم أكن مركّزة معه، بل على ذينك اللئيمين.. و سوف ترى أروى ما سأفعل انتقاما لهذه اللحظات... " هل تسمعينني ؟؟ " التفت إلى سامر.. فوجدته يحدّق بي بحزن .. لم أكن قد انتبهت لآخر جملة قالها قلت : " عفوا.. ماذا قلت سامر ؟ " سامر رمقني بنظرة ذات معنى ، شديدة الكآبة ثم قال : " لا، لا شيء" " أرجوك سامر..أعد ما قلت فقد كنت..." أتم هو الجملة : " كنت ِ تراقبينهما بشغف " خجلت من نفسي، و نظرت إلى البساط الذي كنا نجلس فوقه.. سامر قال : " ألا زلت ِ تفكرين به ؟ " تسارعت ضربات قلبي و توترت، و لم أجرؤ على رفع بصري إليه كما لم أقدر على التفوه بأي كلمة... قال سامر : " تؤذين نفسك يا رغد، و تهذرين مشاعرك... ألا ترين أنه رجل مرتبط و لديه زوجة.. و زوجة حسناء تغنيه عن التفكير بأي امرأة أخرى " بانفعال و بدون تفكير قلت بسرعة : " و هل يجب أن تكون المرأة بكل هذا القدر من الجمال حتى يلتفت إليها ؟ أنا لست أقل منها جمالا لهذا الحد.. فهل يجب أن أصبغ شعري و أضع عدسات زرقاء، و ألوّن وجهي حتى أنال إعجابه ؟؟ " و انتبهت لخطورة ما قلت ، بعد فوات الأوان ... سامر أخذ ينظر إلي بألم.. نعم بألم.. إن بسبب تجاهلي له و اهتمامي بوليد ، أو بسبب المرارة التي يراها منبعثة من صدري و أنا أراقبهما في حسرة... لكن عطفه علي غلب عطفه على نفسه، فقال مواسيا : " ليس الأمر كذلك، لا أظن وليد خطبها من أجل جمالها.. بل ربما لأنه يعمل هنا و أراد توثيق علاقته بأصحاب المزرعة... " التفت إليهما، و نظرت و أنا أضيق فتحة عيني و أعض على أسناني : " أو ربما... " و تابعت : " لأنه يحبها " و هذه الفكرة تجعلني أصاب بالجنون، و أتحوّل إلى لبؤة تريد الانقضاض على القطط الجميلة الملونة.. الناعمة الشقراء.. و نتف وبرها شعرة شعرة، و تمزيق أعضائها بمخالبها و أسنانها الحادة، قطعة قطعة... سامر قال : " أ تريدين أن أتحدث معه ؟ " التفت إليه بسرعة و أنا مندهشة ، و قلت : " ماذا ؟؟ " نظر إلي نظرة تأكيد... فقلت مسرعة : " لا ! كلا ، كلا " فلم يكن ينقصني إلا أن يتدخل سامر ليلفت انتباه وليد إلي ! قال : " ما الجدوى إذن.. في صرف مشاعرك عليه.. إن كان سيتزوّج من أخرى ؟ " قلت بحدة : " لن يتزوّج منها " سامر شعر بالقلق ، و نظر إلي بحيرة و خوف ، و قال : " كيف ؟ " قلت بتحد ٍ: " لن أسمح لأي امرأة بالزواج من وليد.. أبدا " سامر قال : " رغد ! " " مهما كانت " " الأمر ليس متروكا لسماحك من عدمه ! ليس حسبما ترغبين أنت ! " وقفت بعصبية ، و قلت بحدة و انفعال : " بل حسبما أريد أنا.. فوليد ابن عمّي أنا.. و هو لي أنا.. و سوف لن يتخلّى عنّي.. و إن حاولت أي امرأة سرقته مني فسوف أشوه وجهها.. و إن حاول هو التخلّص منّي فسوف أفقأ عينيه ! " اعتقد أنني بالغت في التعبير عن مشاعري المكبوتة، خصوصا أمام سامر الذي أدرك تماما أنه يعشقني بهوس... التفت إليه شاعرة بالندم على تهوّري ، فرأيت آثار الصدمة المؤلمة مرسومة على وجهه.. تزيده كآبة فوق كآبة.. ما كان علي التفوّه بما تفوّهت به على مسمع منه... لكن.. لمن أعبّر عن مشاعري؟؟ لم يعد لدي شخص مقرب صديق أتحدّث معه... فدانة رحلت، و نهلة بعيدة ، و أمي... في عالم الأموات... لمن أبث همومي و أعبر عما يختلج صدري من مشاعر ثائرة ، و أنا أرى وليد قلبي يلهو مع تلك الحسناء الدخيلة.. و أعيش علاقتهما لحظة بعد أخرى ..؟؟ قلت ، محاولة تبديد أثر تهديدي الجنوني ذاك : " دعنا نمشي بمحاذاة البحر نحن أيضا " و مشينا سوية، في الاتجاه الآخر مبتعدين عن الثنائي المزعج !

" كفى يا رغد كفى.. " رغد صرخت : " لا تصرخ بوجهي " " أنت تثيرين جنوني.. كيف تدعين على نفسك و أمامي ؟؟ " و عوضا عن التراجع ، رفعت بصرها و يديها إلى السماء و راحت تهتف بصوت عال : " يا رب خذني إليهما.. يا رب خذني إليهما .. يا رب خذني إليهما " ثم جثت على الأرض و صارت تبكي بقوة و مرارة... مخفية وجهها خلف يديها لم أعرف لم كل ذلك.. إلا أنني لم أحتمل.. هويت إلى جانبها، و ناديتها بلطف ، و لم تجبني... أبعدت ُ يديها عن وجهها و قلت بعطف : " كفى أرجوك.. " نظرت إلي ّ نظرة لم أفهم طلاسمها... مددت يدي و مسحت على رأسها من فوق الحجاب، و قلت : " أنا آسف يا صغيرتي.. أعدك بألا أخرج من المنزل ما دمت ِ فيه دون علمك و رضاك.. " لم يتوقف سيل الدموع.. قلت : " أرجوك رغد.. لا تجعلي المزيد من اللآليء تضيع هباء ً .. آسف و لن أكررها ثانية .. " تحدّثت أخيرا و قالت : " و إن طلبت منك الشقراء ذلك ؟ " قلت : " لا تهتمي.. " قالت : " وليد .. أنا أرى كوابيس مفزعة.. أمي.. أبي.. الحرب.. النار .. الحريق.. الجمر.. عمّار.. كلهم يعبثون بأحلامي.. لا أحد ليشعرني بالأمان.. سأموت من الخوف ذات ليلة.. سيتوقف قلبي و أموت فزعا.. و لا أحد قربي.. " جذبتها إلي بسرعة، و أمسكتها بقوّة.. كحصن منيع يعوق أي نسمة عابرة من أذيتها... " أعوذ بالله.. بعد ألف شر و شر يا عزيزتي.. لا تذكري الموت ثانية أرجوك يا رغد.. رأيت منه ما يكفي.. حاشاك أيتها الغالية " نعم، رأيت من الموت ما يكفي.. ابتداءً بعمّار.. و مرورا بنديم و رفقاء السجن.. و عبورا على المدينة المدمّرة .. و انتهاء ً بوالدي ّ الحبيبين... أبعدتها و قلت : " أنا آسف، سامحيني هذه المرّة .." رغد مسحت بقايا الدموع .. و قالت : " لقد قلت مترا ، ألم تقل ذلك ؟ " نظرت إليها بتعجّب.. و عدم فهم ! " أي متر ؟ " قالت : " هذا الذي ستفقأ عينيك إذا ما ازداد طوله فيما بيننا" و تذكّرت حينها الجملة التي قلتها قبل أسابيع ، في آخر يوم لنا في شقة سامر قبل الرحيل ! و الآن ماذا ؟؟ رغد تمد يدها اليمنى ، و قد أبرزت إصبعيها السبابة و الوسطى ، و ثنت الأصابع الأخرى، و تحرّكها بسرعة نحو وجهي و توقفها أمام عيني مباشرة ، و تقول : " أ أفقأهما لك الآن ؟؟ " قلت لكم.. ستصيبني هذه الفتاة.. بالجنون ! ~ ~ ~ ~ ~ هذه كانت البداية، أول شحنة متوترة بيني و بين الدخيلة الشقراء... لكن الأمور بدأت تضطرب شيئا فشيئا.. و دائرة المشاحنات فيما بيننا آخذة بالتوسع... حتى استرعت اهتمام الجميع... لم أكن أسمح لهما بالبقاء بمفرديهما إلا نادرا و لأوقات قصيرة.. فأنا جزء تابع من وليد و أذهب معه حيثما يذهب.. و خصوصا إذا كانت الشقراء معه.. وليد هو ابن عمي أنا... نعم أنا... في أحد الأيام، و كان يوم أربعاء، و كنا في الحقل، وليد و أروى يعملان، و أنا أراقبهما، و الوقت كان المغرب.. إذا بي أسمع من يناديني من خلفي، و ألتفت فإذا به سامر ! كنا نزور سامر مرة كل أسبوع أو أسبوعين، و كان يفترض أن نذهب إليه غدا إلا أنه فاجأني بحضوره ! " سامر ! " سامر فتح ذراعيه و هو يبتسم.. فابتسمت أنا و عانقته عناقا خفيفا...قصيرا باردا من ناحيتي.. " إنها مفاجأة ! كيف حالك ؟ " " بخير.. هكذا أكون عندما أراك " تجاهلت عبارته هذه ، و قلت : " لم تعلمنا بقدومك ! كنا سنوافيك غدا " " أحببت أن أزور المكان الذي فيه تعيشين و أرى أحوالك هنا " ابتسمت و قلت : " الحمد لله بخير " قال و قد علاه الجد و القلق : " هل أنت مرتاحة هنا ؟ " قلت : " نعم .. طبعا " و لا أدري إن كان ردي هذا أراحه أم أزعجه ، لأن التعبيرات التي كست وجهه كانت غريبة و غامضة ... سمعنا الآن صوت ضحكات قادمة من ناحية وليد و أروى، و اللذين كانا وسط الحقل، فالتفتنا إليهما.. شعرت أنا بالغيظ، و لا شعوريا قلت : " تبا " ثم انتبهت إلى أن سامر يقف قربي... خجلت من نفسي، و لأبدد الخجل رحت أنادي : " وليـــــــد، تعال... حضر سامر " التفت وليد إلينا، و لما رأى سامر تهلل وجهه و ترك المعول من يده و جاء مسرعا ، و صافحه و عانقه ... أروى أيضا جاءت ، و هي تضبط وشاحها الملوّن حول رأسها ... لم تكن أروى تخرج من المنزل إلا محجبة.. حتى أثناء العمل الشاق في المزرعة ! لكنها في الداخل، تتصرف بحرية و ترتدي ما تشاء و تتزين كيفما تشاء.. و يزداد حنقي كلما رأيتها تفعل ذلك، فيما أنا ملفوفة بالسواد من رأسي إلى قدمي كإصبع بسكويت مغطى بالشيكولا ! حالما صارت قربنا ألقت التحية على سامر، ثم ذهبنا نحن الأربعة إلى المقاعد الموجودة حول طاولة على مقربة ، و جلسنا سوية نتبادل الأحاديث... أنا عملت هذه الساعة كبرج مراقبة ، أراقب الجميع ابتداء من أروى الحسناء، و انتهاء بسامر المشوّه ! كل حركة، كل كلمة ، أو حتى كحة تصدر من أي من الثلاثة ألتقطها بعيني و أذني و قلبي أيضا... و أستطيع أن أخبركم، بأن أروى كانت مسرورة، و وليد فرح جدا، و سامر.. حزين و مكتئب ، رغم كل الضحكات و الابتسامات التي يتبادلونها...

أوضاع بلادنا لم تتحسن، بل بقيت بين كر و فر..مد و جزر.. أمدا طويلا.. الشيء الذي بدأ يقلقني هو الملاحظة التي أبدتها لي أروى إذ قالت : " يبدو أن رغد تعاني اضطرابا نفسيا يا وليد.. إنها لا تنام بسهولة.. بل تبقى لما لا يقل عن الساعة تتقلب في الفراش، و أحيانا تجلس.. و تنهض.. و تذرع الغرفة جيئة و ذهابا في توتر.. و في أحيان أخرى، أسمعها تتحدّث أثناء النوم.. أو تصحو و تبكي و تنادي أمها ! أعتقد أن وفاة والدتها قد أثرت عليها كثيرا .. " سألتها يومها : " هل يتكرر ذلك كثيرا ؟؟ " " تقريبا كل ليلة ! كما و أنها تصر على إبقاء مصباح النوم مضاء ً بينما أنزعج أنا من النوم مع وجود النور ! " هذه الأمور لاحظتها أروى التي تشارك رغد في الغرفة، و التي يبدو أنها تعاني منها منذ فترة دون أن يلحظها أحد... و هذه الأمور جعلتني أقلق بشأنها.. و أفكر في طريقة تجعلها تنام بطمأنينة و نوما هادئا.. و هداني الله إلى هذه الفكرة... عندما كانت صغيرة ، رغد كانت تعشق سماع القصص.. و تطالبني بها كل ليلة حتى تنام بهدوء و قرّة عين.. و لأنها كبرت الآن، فلم يعد هناك مجال لتك القصص! و لكن.. لدينا كتاب هو أجل و أعظم من أي كتاب، و بذكر ما فيه تطمئن القلوب.. إنه القرآن. في كل ليلة، قبيل نومهما أبقى مع رغد و أروى في غرفتهما و أتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم .. و تظل رغد منصتة إلي، إلى أن يغلبها النعاس فتنام بهدوء و سكينة.. في إحدى الليالي، و بعدما نامت رغد، خرجنا أنا و أروى من الغرفة .. لم نكن نشعر بالنعاس وقتها، فطلبت مني أروى القيام بجولة قصيرة معها في المزرعة .. " لكن.. رغد تمانع خروجي و هي بالداخل، أو دخولي و هي بالخارج.. " " لكنها نائمة الآن " " نعم و لكن .. " " هيا يا وليد ! إننا لم نتحدّث مع بعضنا منذ حضورها ! لم تفارقك ساعة واحدة إلا للنوم ! " استأت من كلام أروى و قلت : " أرجو ألا يكون وجودها قد أزعجك بشيء ؟ " " لا لا ، لا تسىء فهمي، أقصد أنني أريد التحدث معك حديثا خاصا بنا أنا و أنت ! كأي خطيبين.. " و أمسكت بيدي و حثّتني على السير معها إلى الخارج... حديثنا كان في بعض شؤوننا الخاصة.. و كانت أروى تتكلم بسرور .. بل كانت في قمّة السعادة.. و أخذنا الحديث لساعة من الزمن.. فجأة ، سمعت صوت رغد يناديني ... " وليــــــــــد " سحبت يدي من يد أروى و ركضت مسرعا نحو المنزل ... رغد كانت تقف في الساحة الأمامية تتلفت يمنة و يسرة.. " أنا هنا رغد " و لوّحت بيدي، و أنا راكض باتجاهها... لما رأتني رغد... وضعت يدها على صدرها و تنهدّت بقوة... و حين صرت أمامها مباشرة، أمكنني رؤية علامات الفزع على وجهها و الذعر المنطلق من عينيها... " صغيرتي ماذا حصل ؟؟ " " إلى أين ذهبت ؟؟ " " هنا في المزرعة، أتمشى قليلا " و ظهرت الآن أروى فألقت عليها رغد نظرة .. ثم نظرت إلي .. و بدأت تعبيرات وجهها تتغير حتى صارت إلى الحزن و البكاء .. " صغيرتي ما بك ؟ " قالت رغد فجأة : " إذن هذا ما تفعله ؟ تتركني أنام وحدي و تخرج للتنزه مع خطيبتك ؟؟ " فوجئت بقولها ، أردت أن أوضّح لها أنها المرة الأولى التي نخرج فيها .. لم تعطني المجال، بل قال و هي مجهشة بكاء: " إذا لم تكن متفرغا لرعايتي فارسلني إلى خالتي.. إذا كنت ُ عبئا يعوق دون تنزّهك مع خطيبتك فخذني لبيت خالتي و تخلّص منّي " و انفجرت بكاء ً... لم استوعب كلامها أول الأمر.. قلت مذهولا : " رغد ! ما الذي تقولينه !؟ " قالت : " كنت أعرف أنها نهايتي.. ضعت ُ بعد والدي ّ .. لماذا ذهبا و تركاني؟ لمن تركتماني يا أمي و يا أبي ؟ يا لهواني على الناس أجمعين .. خذني يا رب إليهما.. خذني يا رب إليهما " لم أتحمّل سماعها تدعو على نفسها هكذا .. صرخت : " كفى يا رغد أرجوك.. ماذا حصل لكل هذا ؟؟ " " و تسأل ؟؟ " " فقط لأنني خرجت من المنزل و أنت بداخله ؟ " قالت أروى : " أنا من طلب منه ذلك، لم أكن أتوقع أن يضايقك الأمر لهذا الحد " رغد نظرت إلى أروى نظرة غضب و صرخت : " اسكتي أنت ِ " قالت أروى : " أنا آسفة " لكن رغد عادت تصرخ : " قلت اسكتي أنت.. ألا تسمعين ؟؟ " أروى شعرت بالحرج، فغادرت الساحة عائدة إلى المنزل... لم يكن تصرفا لائقا.. و أعرف أنه ليس بالوقت المناسب لأعاتب رغد عليه.. لكنني قلت : " إنها قلقة بشأنك " و يبدو أنها لم تكن الجملة المناسبة, لأن وجه رغد ازداد غضبا ، و قالت بحدّة : " هل تخشى على مشاعرها لهذا الحد ؟ إذن هيا اذهب و طيّب خاطرها .. و دعني أنا أناجي الميتين، فلربما سمعاني و أحسا بهواني و ضياعي بعدهما ، و خرجا من قبريهما و أتيا إلي.. و أخذاني معهما .. و أرحتك مني " و مرّة أخرى تدعو على نفسها بالموت أمامي .. قلت بحدّة :

وقفت أنا أنظر إليهما بغيظ و تحذير ! ما لم تفرقا ذراعيكما عن بعض فسأقطعهما ! لم يفهما تحذيري، بل سارا جنبا إلى جنب على هذا الوضع.. سرت أنا إلى الجانب الأيمن من وليد... و سرنا و نحن ندوس على ظلالنا.. و التي يظهر فيها جليا تشابك ذراعيهما .. حسنا ! من تظن هذه نفسها ؟ وليد ابن عمّي أنا و ولي أمري أنا! و بدون تفكير، رفعت أنا ذراعي و أمسكت بذراع وليد اليمني بنفس الطريقة ، و بكل تحدي ! وليد نظر إلي بسرعة و بنفس السرعة أضاع أنظاره في الرمال التي نسير فوقها... و بدا وجهه محمرا ! لكنه لم يسحب ذراعه مني .. تابعنا السير و أنا أراقب الظل أمامي... و لم أترك يده حتّى فعلت هي ذلك... ! صحيح أن الفطور كان شهيا إلا أنني أصبت بعسر هضم من مشاهدة العلاقة الحميمة بين وليد و أروى.. كانا يجلسان متقابلين، و تجلس أم أروى على رأس المائدة، و أنا إلى جانب وليد، أما العجوز فلم يكن معنا بطبيعة الحال... لا أريد منهما أن يجلسا متقابلين، و لا متجاورين، و لا في نفس المنزل، و لا حتى على نفس الكوكب.. فيما بعد، عاد وليد للعمل في المزرعة و أروى تشاركه ، و أنا أتفرّج عليهما بغضب.. و أحاول الإنصات جيدا لكل ما يقولان.. أراد وليد بعد ذلك الذهاب إلى مكان ما لإحضار بعض الأشياء، و سألني إن كنت أرغب في مرافقته، أجبت بسرعة : " طبعا سأذهب معك ! هل ستتركني وحدي ؟؟" أتذكرون سيارة الحوض الزرقاء التي ركبتها ذات يوم، للذهاب إلى المستوصف ؟ إنها هي.. نفس السيارة التي يحتاجها وليد في مشواره. فيما كنا نقترب منها أقبلت أروى مرتدية عباءتها و وشاحها الملون، قائلة : " أوصلني للسوق سأشتري بعض الحاجيات " و اقتربت من الباب و فتحته، فسار وليد نحو باب المقود.. و قبل أن ترفع أروى رجلها إلى العتبة، أسرعت أنا و ركبت السيارة لأجلس فاصلا بينهما! هذا ابن عمي أنا.. و أنا الأقرب إليه من كل بنات حواء ، و أبناء آدم أيضا ... أليس كذلك ؟؟ و من السوق اشتريت أنا أيضا بعض الأشياء، من ضمنها عدّة للرسم ، فالمزرعة و مناظرها البديعة أعجبتني كثيرا .. و لسوف أقضي صباح الغد في رسم مناظر خلابة منها ، عوضا عن مراقبة وليد و هو يعمل... عندما عدنا ، وجدنا ترتيب أثاث الصالة قد تغيّر، لقد قام العجوز و أخته بنقل المقاعد من المجلس إلى الصالة، و نقل سرير وليد من الغرفة الخارجية إلى المجلس ! استغرب.. أي قوّة يملك هذا العجوز ليحرك هذه الأثقال ! ما شاء الله ! قالت أم أروى : " ها قد أصبحت لديك غرفة داخلية يا وليد.. هل تحس بالاطمئنان على ابنة عمّك الآن ؟؟ " وليد ابتسم، و وجهه متورد .. و شكر الاثنين .. ثم التفت إلي و قال : " أيريحك هذا أكثر ؟ " كنت أقف إلى جواره .. رفعت رأسي و همست في أذنه : " لكن ابق الباب مفتوحا " وليد ابتسم، و قال : " حاضر " همست : " و اطلب منهم إعادة أحد المقعدين الكبيرين للداخل، أو قم أنت بذلك " وليد تعجّب و قال : " لم ؟ " قلت : " احتياط ! ربما تظهر الأشباح ثانية " ضحك وليد، و البقية أخذوا ينظرون إليه باستغراب ! قال : " حاضر ! " قلت هامسة : " قبل الليل " قال : " حاضر سيدتي ! كما تأمرين .." و حين يقول وليد قلبي ذلك.. فأنا أشعر بدغدغة ناعمة تسري في جسدي ابتداء من باطن قدمي ّ و حتى رموش عيني ّ ! و من أطراف تلك الرموش ألقيت بنظرة حادة على أروى و أنا أخاطبها في رأسي : " أرأيت ِ ؟ ستعرفين من تكون رغد بالنسبة لوليد.. و لن أكون رغد ما لم أزيحك عن طريقي ! " ~ ~ ~ ~ ~ ~ مضت الأيام هادئة و مستقرة ، و انشغالي بالعمل جعلني أتناسى وفاة والدي ّ و الحزن الذي خلّفه... بصعوبة تمكنت من إقناع رغد بالبقاء في المزرعة أثناء غيابي كل يوم في فترة الدراسة.. و لأنها كانت فترة صباحية، و لخمسة أيام في الأسبوع، فإننا لم نعد نلتقي إلا عند الظهيرة... و أثناء عملي في الحقل، تقوم هي بمراقبتي أو برسم بعض اللوحات.. بينما أروى تساعدني أو تساعد أمها في شؤون المنزل.. أنا كنت أقوم بعمل مضاعف و بأقصى ما أمكنني ، و لساعات أطول.. و رسمت بعض الخطط لتطوير المزرعة و الاستعانة ببعض العماّل الثابتين.. رغد بدأت تتأقلم مع العائلة و تشعر بالانتماء إليها بعد فترة من الزمن.. و صارت تساهم في بعض أعمال المنزل البسيطة، و التي لم أكن أنا أريد تحميلها عبئها، لولا أن الظروف قضت بذلك.. تعذّر علينا زيارة سامر نهاية الأسبوع الأول، إلا أننا زرناه في الأسبوع التالي، و في الواقع.. خرجت من تلك الزيارة متضايقا لما أثارته في قلبي من الذكرى الأليمة .. ذكرى والدي ّ.. سامر لم يبد أنه خرج من الأزمة بعد.. بل كان غارقا في الحزن.. و حتى زيارتنا له لم تحرز تقدما معه.. أما دانة ، فاتصلت بها مرات ثلاث خلال الأسبوعين، و أعطتني الانطباع بأنها امتصت الصدمة و في طور النقاهة.. عدا عن ذلك ، فهي سعيدة و مرتاحة مع زوجها و عائلته في تلك البلد..

الحلقة الواحدة و الثلاثون رغم أنني كنت نعسى في البداية، إلا أن النوم خاصمني ذلك الصباح.. وليد جلس في الصالة يقرأ القرآن، و جلست أنا على مقربة أنصت إليه.. إلى أن عاد الرجل العجوز بعد طلوع الشمس.. فختم وليد قراءته و راح يتحدّث معه.. كانا يتحدثان بشأن المزرعة و ما سيفعلانه هذا اليوم.. و كنت أستمع إليهما ببلاهة ! فأنا لا أفقه كثيرا مما يذكرون ! وليد التفت إلي ّ الآن و قال : " سوف أخرج للمزرعة الآن، أتأتين معي ؟؟ " وقفت من فوري و تقدّمت ناحيته.. قال متما عبارته السابقة ببطء : " أم.. تفضلين العودة للنوم ؟ " " سآتي معك.." و خرجت معه إلى المزرعة.. الهواء كان باردا و كنت أرتدي العباءة فوق ملابس النوم، لذا شعرت بالبرودة تخترق عظامي قال وليد : " سنبدأ بجولة تفقدية " حذائي كان عالي الكعب و لا يصلح للسير على الرمال، لذلك طلب مني وليد ارتداء أحد الأحذية المطاطية الموجودة عند مدخل المنزل... سرنا في اتجاه شروق الشمس.. و كم كان منظرا جميلا لم أر مثله منذ زمن... الرياح كانت في مواجهتنا، تغزو أنفي رغما عني ، و تزيد من شعوري بالبرد.. أخذت أفرك يدي بتكرار.. أما وليد فكان يسير بثبات في وجه الريح ، و لا يبدو على جسمه أنه يتأثر بها ! كالجبل تماما ! قال لي: " الجو بارد.. أتفضلين العودة للمنزل ؟ " " ماذا عنك ؟ " قال : " سأبدأ حرث منطقة معينة هنا، سنقوم بزرع بذور حولية جديدة فيها.. " و أشار إلى المنطقة المقصودة... قلت : " أنت تحرثها ؟؟ " و يبدو أن سؤالي هذا ضايقه أو أحرجه.. نظر إلي برهة صامتا ثم قال و هو يحدّق في تلك المنطقة : " نعم أنا يا رغد.. فهذا هو عملي هنا.. و من هذا العمل أعيش و أعيل نفسي.. و صغيرتي .." ثم التفت إلي و قال : " فهل يصيبك هذا بخيبة أمل أو .. اشمئزاز ؟ " قلت بسرعة : " لا ! لم أٌقصد ذلك.. " " إذن ؟ " " تعرف يا وليد.. فخلال التسع سنين الماضية كنت أعتقد أنك... " و بترت جملتي.. فقد أحسست أن هذا يؤلمه.. و إذا تألم وليد قلبي فأنا أموت .. قلت : " لكن ، ألا يمكنك مواصلة الدراسة الآن ؟؟ " قال : " إنني أدرس الآن في معهد محلي، و إن تخرجت منه بشهادة معتبرة فستكون لدي فرص أفضل للعمل ، لكن إلى ذلك الوقت سأظل مزارعا " لم يعجبني ذلك، فأنا لا أريد لوليد أن يغمر يديه في التراب ..، بل أن يعلو السحاب، لكني لم أشأ إحراجه، فقلت : " أتمنى لك التوفيق " ابتسم وليد ابتسامة رضا، و تابعنا الطريق... بقيت أراقبه و هو يعمل، تارة شاعره بإعجاب به ، و تارة شاعرة بشفقة عليه ، و تارة بغضب من الأقدار التي أوصلت ابن عمّي إلى هذا المستوى.. ليتني أستطيع منحه ثمان سنين من عمري، تعويضا عما خسر.. بل ليتني أهديه عمري كله.. و كل ما أملك.. الحماس الذي تملكني أثناء مراقبة وليد ، و الحرارة التي تنبعث من جسده و هو يعمل بجهد، و من صدره و هو يتنفس بعمق، و من عينيه و هو ينظر إلي ، كل هذه تجمعت معا متحدة مع أشعة الشمس التي ترتفع في السماء، و أكسبتني دفئا و حيوية لا نظير لهما !... بعد فترة ، أقبلت أروى.. و الآن، لست فقط أشعر بالدفء ، بل و بالاشتعال ، و الاحتراق أيضا ... " صباح الخير رغد ! نهضت باكرة ! " باكرة جدا ! كم تبدين حيوية و نشطة بعد نوم هانىء ! أنا لم أنم كما ينبغي .. قلت : " صباح الخير" وليد كان موليا ظهره إلينا هذه اللحظة ، رفعت أروى صوتها ، و كذلك يدها و هتفت و هي تلوّح : " صباح الخير يا وليد " وليد استدار و نظر إليها و رد التحية... هتفت : " تعال ، فقد أعددنا الفطور " قال : " حسنا ، أمهليني دقيقتين اثنتين " و أتم ما كان يقوم به ... أروى التفت إلي و قالت : " أعددت فطورا مميزا من أجلك ! آمل أن يعجبك طهو يدي ! الجميع يصفني بالطاهية الماهرة ، و وليد يعشق أطباقي ! " وليد ماذا ؟ يعشق أطباقها ؟؟ يا للمغرورة ! قلت : " وليد يعشق أطباق والدتي فهي لا تقارن بشيء ! " أروى قالت : " رحمها الله " و تذكرت أنه لم يعد لدي والدة ! و لم يعد بإمكان وليد تذوّق تلك الطبخات اللذيذة التي يلتهمها عن آخرها... ضاق صدري لهذه الذكرى.. و أحنيت رأسي إلى الأسفل بحزن.. أورى لاحظت ذلك فقالت : " آسفة.. " لم أتجاوب معها... ، قالت : " كم كنت متشوقة للتعرف إليها فقد حدّثني وليد عنها كثيرا.. و كان ينتظر عودتها بفارغ الصبر .. " رفعت نظري الآن إليها، ليس الحزن هو البادي على وجهي بل الغيظ ! لماذا تتحدّث عن وليد أمامي ؟؟ و لماذا يتحدّث إليها وليد عن أمي ؟ أو عن أي شيء آخر في الدنيا ؟؟ هذه الدخيلة لا تمت إلينا بصلة و لا أريد لمواضيعنا أن تذكر على مسمع منها ... وليد كان يمشي مقبلا نحونا.. و حين وصل ، شبكت أروى ذراعها اليمنى بذراعه اليسرى و هي تبتسم بسرور ...

الحلقة الثامنة و التلاثون الجزء 1 وجهت ْ إلي ّ سؤالا مباشرا و لكنني تهربت ُ منه ثم وعدت ُ أروى بأن أخبرها بالأمر فيما بعد... و رغم الحيرة ِ و الشكِ اللذين طغيا عليها طيلة الفترة التالية، لم تصر على معرفة ما علاقة رغد بعمّار... في صبيحة اليوم التالي عدت إلى مكتب إدارة المصنع الرئيسي... لإتمام المهام المتبقية دون مرافقة من أحد... يومها وقفت أتأمل صورتـَي عاطف و عمّار قليلا ... و ابتسمتُ ابتسامة النصر... ها هي يا عمار ثروتك الضخمة... تصبح بين يدي... و المصنع الذي كنت تتباهى به و تطلب منّي العمل فيه ساخرا... أصبحت ُ أنا سيّده... يا للأقدار... بعدها أمرت بنزع الصورتين و علّقت عوضا عنهما لوحات ٍ لمناظر طبيعية... و أخذت أتصرّف و كأنني سيّد المكان و مالكه.. و من الخزانة الرئيسية للأموال المتداولة، و ما أكثرها، أخذت ُ مبلغا كبيرا كنا أنا و أروى قد اتفقنا على سحبه لتغطية بعض المصاريف... أما عن أوّل شيء خطر ببالي آنذاك، فهو إعادة المبلغ الذي استلفته من صديقي سيف قبل عام... و انطلاقا من هذا اليوم بدأت أتصرف في النقود بتصريح من أروى و أدون و أراجع الحسابات و احتفظ بسجلات المصاريف و أطلعها عليها... كان لا يزال أمامي وقت طويل حتى أتمكّن من وظيفتي الجديدة و رتّبت الأمور بحيث يظل المصنع تحت إدارة المشرف العام ذاته– السيد أسامة- إلى أن أستلم المنصب بعد بضعة أسابيع... و السيد أسامة بشهادة من سيف و والده و المحامي يونس المنذر هو رجل أمين نزيه الذمّة... و كان هو الساعي وراء تسليم الثروة للوريثة الوحيدة... كانت خطّتنا تقتضي العودة بأهلي إلى المزرعة أولا... أما فكرة أروى فكانت الزواج ثانيا! أما عن نفسي فأنا أريد تأجيل هذا الأمر... حتى إشعار آخر... عندما عدت ُ إلى المنزل وقت الزوال... و دخلت من ثم إلى غرفة نومي، دهشت ! لقد كانت نظيفة و مرتبة و منظمة تماما كما كانت أيام الصبا... حين غادرتها ذاهبا إلى السجن... نظرت من حولي مبتهجا... ثم سمعت صوت أروى مقبلا من ناحية الباب: " هل أعجبتك ؟ " التفت ُ إليها فإذا بي أراها مبتسمة مسرورة بما أنجزت... قلت : " عظيم ! لكن لابد أنّك أجهدت ِ نفسك كثيرا لإزالة أكوام الغبار ! " " ساعدتني أمّي و لم تكن مهمّة صعبة ! " أعدت النظر من حولي مسرورا... كل شيء يبدو نظيفا و منظما... بدأت أشم رائحة الماضي... و استعيد الذكريات... هذا سريري الوثير... و هذا مكتبي القديم... و هذه مكتبتي الكبيرة... و هذه كتبي الدراسية و الثقافية ... مرصوصة إلى جانب بعضها البعض بكل شموخ... و كأن تسع سنين و أكثر لم تمض ِ على هجرها و إهمالها... ها هي تقف في أرففها معززة مكرمة من جديد ! فجأة... انتبهت ُ إلى شيء مهم... اقتربت من المكتبة و وزعت نظراتي على جميع أجزائها ... ثم التفت إلى أروى و سألت بقلق : " أين الصندوق ؟ " نظرت إلى أروى بعدم فهم : " أي صندوق ؟؟ " قلت موضحا : " صندوق الأماني ... اسطوانة ورقية مغطاة بالطوابع... كانت هنا " و أشرت إلى الموضع الذي كنت قد تركته فيه ليلة أن أبت رغد فتحه... بدا على أروى الفهم فقالت : " تقصد ذاك الشيء المجعّد البالي ؟ " " نعم . أين هو ؟؟ " كانت أروى تنظر إلي باستغراب ثم قالت : " رميتـُه ! " دهشت... هتفت بانفعال : " رميتـِه !! " " نعم...ظننته قمامة و ... ... " ~~~ لم أتم جملتي ... إذ أن وليد هتف غاضبا : " أي قمامة ؟ لم فعلت ِ ذلك ؟؟ " ثم خرج من الغرفة باحثا عنه و استخرجه من سلة المهملات ! بدا الموقف سخيفا لكنه أثار فضولي و دهشتي... سألته مستغربة : " لم تحتفظ بشيء كهذا ؟؟ " أجاب بحنق : " إياك و لمسه ثانية يا أروى... " و لما رأى منّي نظرات الاستنكار عاد يقول بحدّة : " إياك ... أتفهمين ؟ " حقيقة أنا لم أفهم شيئا... لكن فضولي قد تفاقم خصوصا و أنا أراه ينفعل بهذا الشكل... ثم يعيد ذلك الشيء المجعد تماما إلى المكان الذي كان فيه ! استغرب ... ما أهمية علبة ورقية مجعدة مغطاة بطوابع طفولية قديمة ... لرجل في الثامنة و العشرين من عمره... على وشك إدارة أكبر مصنع في هذه المنطقة ؟؟ لابد أن أعرف... في وقت لاحق، تسللت إلى غرفة وليد خلسة و تناولت تلك العلبة... و تأملتها... اكتشفت وجود هذه الجملة مكتوبة عليها : ( صندوق الأماني ) ... و اكتشفت أنها تحوي فتحة صغيرة في أحد طرفيها و بأن في داخلها أوراق ما! تملكني الفضول الشديد لفتح العلبة و معرفة محتواها... و ليتني فعلت! تذكرت تحذير وليد و احتراما و طاعة لأوامره... تراجعت في آخر لحظة و أعدت العلبة إلى مكانها... لكن... ألا يتملككم الفضول مثلي لمعرفة... قصّة هذه العلبة ؟؟ و لو علمت قصّتها الآن... لتغيرت أمور كثيرة لم أدركها... إلا بعد زمن طويل...

الحلقة السابعة و العشرون الجزء 2 اقتربت أكثر و أكثر حتى صرب جوارها مباشرة ... و قلت بصوت حنون أجش : " لم أجد داعيا يدفعني لأن ... أخبرك ... بأن أروى هي ابنة عم عمّار.... و أن الثروة التي حصلت عليها كانت ... لعمّار و أبيه " رغد رفعت نظرها إلي و صرخت : " لا تذكر اسمه أمامي " جفلت ... أخذني الذهول ... و ابتلعت لساني ... رغد رمقتني بنظرة عميقة غصت في جوفها فغرقت ... و لاطمتني أمواج الأفكار و الهواجس ... و لم أدر ِ أين كنت و متى كنت ... و على أية حال قد كنت ... تعود للإمساك برأسها كمن يحاول جاهدا منع الذكريات من الظهور فيه ... تتلاعب بي الأفكار و التخيلات حتّى تثير جنوني... ماذا حصل؟ ماذا لم يحصل؟ أجيبيني يا رغد ...؟؟ و لم تزد حيرتي إلا حيرة ... بعد صمت قصير طويل في آن معا ... قلت : " حسنا يا رغد... بعد دخولي إلى السجن، تعرّفت إلى نديم، والد أروى رحمه الله... و قد ساعدني كثيرا و أحببته محبة خالصة في الله.. و قبل موته أوصاني بعائلته خيرا... و لم يكن يعرف ... أنني ... " و لم أكمل، استدرت للخلف لأتأكد من أن أروى على مبعدة و لا تسمعنا... ثم اقتربت من رغد أكثر و أضفت ُ هامسا : " أنني أنا من قتل ... ذلك الوغد " بدا التفهم على تعبيرات وجه رغد فقلت ُ مترددا و مخفضا صوتي حد الهمس بل حد السكون : " وهذا... ما لا تعرفه أروى أيضا " و تنهّدت بمرارة و حيرة و أضفت : " و ما أخشى عواقبه ... " شعرتُ بشيء يسيطر على فكري فجأة... تبدلت تعبيرات وجهي إلى الجدية و الحزم... و تطايرت سهام شريرة من عيني... و شعرت بشياطين رأسي تتعارك في داخله... كانت رغد تراقبني بقلق و حيرة... و بالتأكيد سمعتني و أنا أعض على أسناني فيما أضيّق فتحتي عيني و أشد على قبضتي بإصرار و أقول : " و الآن ... أصبحت ثروة ذلك الحقير ... بين يدي ... "

كان الباب مغلقا، طرقته و ناديت رغد فأجابت : " نعم ؟ " و كان صوتها متحشرجا مخنوقا ... قلت : " أيمكنني الدخول ؟ " أجابت : " ماذا تريد ؟ " قلت : " أن نتحدّث قليلا " " دعني و شأني " آلمني ردها هذا فعدت أقول : " أريد أن أحدثك يا رغد ... أيكنني الدخول ؟ " و لم تجب عدت أسأل : " أأستطيع أن أدخل يا رغد ؟ أرجوك ؟ " و لكنها أيضا لم تجب ... أرجوك يا رغد لا تزيدي عذابا فوق عذابي ... أخذت أطرق الباب و أناديها حتى قالت أخيرا " دعني بمفردي يا وليد " استدرت ُ للخلف في يأس ... فوجدت أروى تراقبني عن بعد ... و لابد أن عشرات الأسئلة تدور في رأسها ... كما تدور عشرات بل مئات الذكريات المريرة في رأسي و تفقده أي قدرة على التفكير السليم ... استدرت ُ نحو الباب مجددا و قلت مخاطبا رغد : " لا لن أدعك بمفردك يا رغد ! سأدخل " و حرّكت مقبض الباب ببطء ... و دفعت الباب قليلا للأمام ... قلت : " سأدخل رغد ! " و لما لم تجب ... واصلت فتح الباب ببطء ... و سمحت لصريره أن يتذبذب في أذني ّ طويلا ... على سريرها كانت صغيرتي تجلس و عيناها موجهتان نحوي ... تقدمت خطى نحوها و أنا أقول : " أيمكنني أن أدخل ؟ " و أعرف أنني في الداخل و أنني سأدخل من كل بد ! قلت : " أنا آسف ! " طأطأت رغد رأسها هاربة من نظراتي... اقتربت منها أكثر و أكثر و قلت : " أأنت ِ بخير ؟ " و استطعت أن أرى دمعة تهوي من عينها لتبلل يديها المضمومتين فوق ركبتيها ...