en
Feedback
ملح الغابة

ملح الغابة

Open in Telegram

"I wanna glorify life because I have years of my life where it doesn't look like I exist" "كان ينبغي أن يتكوَّر القلب نفسه في شكل قارب أرياف يُبحر في ظلمات الدنيا دون التفات" بيتزا بالبلوط. Twitter: @huzeros

Show more
358
Subscribers
No data24 hours
+17 days
+330 days
Posts Archive
صباح الخير. قاعد بشرب قهوة رديئة طعمها زي غسيل الشوارع، بس متمزج.. مزاجي النهاردة هو مزاج شخص عايز يشرب أي حاجة، المهم يفاجئ أعصاب التذوق ويجيبلها تشنجات.. معرفش المود ده اسمه إيه ولا اعرف ظروف مشاعري وذهني. بس أنا in the mood for drinking غسيل الشوارع

نقدي للغربة انها ربّتني على اني أكون مُعرّض للأذى بنسبة ما، وبشكل دائم.. وانها خلتني إنسان يسيح وتسيح منه المفاهيم باستمرار.. تشبه بئرا لا ينضب من تعاسات الغدر.. أو هي الحياة. كل شهرين أقف وقفة الموكوسين المتاعيس أحاول ترميم الغرابة، بس الشهرين دول مش عايز أرمم فيهم حاجة. فليسقط كل ما هو آيل للسقوط..

ما زلت حتى هذه اللحظة أتلقى نظرات استغراب واستنكار ووقفات منزعجة بسبب تنقلات لساني بين اللهجة السعودية والمصرية. ويتساءل بعضهم عما قدمته لي البلد حتى يأخذوا مني إقرارا بهويتهم!! أين شخصيتك، لماذا تجرّك اللهجات بتلك الطريقة؟ ما كل هذه الميوعة والخضوع.. وهي -لمن يعرفني- شبهات قد ضِعت فيها لوقت طويل، ولا أنكر اقتناعي بشيء منها لبعض الوقت.. سرعان ما فقدَت رونقها، وعادت الحرباء لتبدّلات النطق.. وشرعتُ في التحري عما يمثلني بشكل حقيقي.. بماذا أشعر وأنا أتحدث كل واحدة فيهما؟ أي الأشياء تنبض؟ أتقصى عُبّي في وسط الحوار، ولا أجد. أجد في كل واحدة مزية، وبإمكاني العيش بأيهما دونما استغراب، وبإمكان أحاديث النفس أن تتحرر بكلاهما على حدٍ سواء. والآن عندما يحاول أحد محاججتي فلا أجد وازعا. أضحك لذكرى تمخضات عنيفة أهلكتني بعد محاولة فهم غربتي، والتي انتهت إلى عدم المبالاة. لا شيء حقيقي مما يُثار عني، أنا اعتدتُ فحسب، كما أني لا أجد في إنكار لهجات الغير معنى حقيقي داخل نفسي. يسألني صديقي لماذا تتحدث معي بالسعودي وتتحدث بالمصري مع صاحبنا اليماني.. ولا أدري، أضحك! لا اعلم كيف تظهر صوري في عيون الآخرين، أو أنا الذي لم أعد أعبأ.. كل الذي أعلمه أن العادة جرت هكذا، بلا أن أجد فيها معان كالتي زُعِمَت، أو زعمتُها أنا ذات يوم.

لما تهت من أمي في مكة وأنا صغير، دي كانت وحدة من أقرب اللحظات الشبيهة بنهاية العالم اللي عشتها، أو بتخيلها بدرجة اللاسيطرة دي. الموضوع ما عمليش ازمة أو صدمة، لكن بفتكر إحساس ضياع طفل صغير عن أمه، الحاجة الوحيدة اللي يعرفها في الساحة، أما بقية الأشياء تثير فيه الفضول والدهشة.. فكرة انك بهذا القدر من الجهل والضآلة أمام عالم لا تدرك عنه شيئا، على قد ما بتضحكني دلوقتي على قد ما بتخليني أفهم خوف إنسان بهذا الحجم.. على قد ما بتخليني فاهم مجريات الخوف اللي بيحلّ عليا في لحظات كتير، وبيتحور على شكل لامبالاة وعدمية.. بحس الساحة تضاعفت بقدر السنين اللي كبرتها، وانتماءاتي كبرت قدهم، وفضولي كبر قدهم.. بحس اني ما زلت لا أفقه شيء بذات درجة ذلك الطفل المنحوس.. الفارق اني تسامحت مع فكرة النهاية العالمية وضمور كل شيء

لا ينقصني بلد، احنا فلتنا خلاص من أعباء التوطن، أنا ينقصني رفقة يخلقون في داخلي التطلّع وهم يتناولون الفتة معي.

‏في العيد الماضي أصررت على عمل الفتة، كتأكيد على التقاليد التي يجب ممارستها وفعلها لتجويد العيد وتجديد العادة، وهي لم تكن عادة في بيتنا من الأساس، بل كانت عمتي هي التي تحضرها أيام طفولتنا وتشاركها في ذلك والدتي، وتحاولان معا استمالتنا بإقناعنا بالهوية والسخرية من ذوقنا. كيف نجرؤ على رفض وجبة بتلك الأبهة؟ والله انتوا ما بتفهموا في الأكل.. لكننا بقينا نرفض بتقزز؛ "عيش و رز وشوربة؟ التلاتة مع بعض؟ يععع" وكنا صغار لا نفقه شيئاً عن الهوية ولا عن الطعام، لكني كبرت وأحببت بعض الأطعمة التي تخلط النشويات وتضع مكونات غير مألوفة، وفهمت سِر التلذذ.. لكن لم أفهم ما الذي تعنيه الهوية بالنسبة للأطعمة.. أهي شيء يقوم على الطعام فقط؟ اعني تلك الهوية المزعومة؟ أيفترض بالمرء أن يتذوّق مِصرِيّته في الأطباق؟ يبدو كذلك. فحتى الرائحة تشي بالجنسيات والأمزجة، وشيء من قلق الطاهي قد يظهر في الأطباق ويلذعها. لكن شيئاً أساسياً كان غائباً عن المعادلة، لا شيء يؤكد مصريتي غير الأوراق وشجرة لا تطلق سراح تفاحها. إذن أتتحقق العادات في السير بين أزقة البلاد ومن خلال السير بين البيوت وساكنيها؟ بين بيوت لك بيت فيها، وساكنين أنت منهم؟ أهذا الذي يجعل الهندي ينثر الكمون وأوراق الكاري بكرم على أطباقه؟ ويجعله يهرس حبة الطماطم بيده قبل تحضيرها؟ ذات الشيء الذي يجعل اليمني يبتكر وصفات تصلح لغمس الخبز فيها؟ أم هو أمر آخر؟ أهي صرخة أولى بعدها شهقة في هواء الوطن؟ ما الذي يجعل مصر تتميز بالفتة، والسعودية بالمثلوثة، فتة لكن بصورة أخرى؟ أحاول فهم الأمر فحسب. ماذا عن عادات تناول الطعام المتفاوتة؟ هل اللذة مُجنّسة، أم مكان الراحة هو ما يُثير اللذة؟ أم هي مجرد عادة؟ ما الذي يجعلها عادة مريحة لأصحابها، ولماذا لا أرتاح أنا في عاداتي؟ و رحت أحضّر الأرز المصري بالشعيرية وأقلبه في السمن قبل وضع شوربة اللحم عليه، وفي وعاء آخر أقلب الثوم وأثير أعصاب الشم بلذوعة رائحته، أضع عليه الطماطم وتفوح من الطاسة رائحة جديدة تستجدي بعض البهار والحموضة والدهن، أقطع الكزبرة الخضراء لوضعها قبل إغلاق النار، وأنثر بكَرم توابل محددة أوصتني أمي بوضعها، وبعض الخل والزبدة، وأقلبهم بفخر الطهاة الجهابذة.. قمرت بعض الخبز في الفرن، ونثرت عليه بعض الملح والسمن، وبعدما احتمى وأخذ سماره من النار، نثرت عليه بعض الفلفل الأسود ووضعته جانبا.. خدعة تعلمتها من الطهاة، أن تؤخر وضع بعض التوابل حتى لا تحوّلها لسعة النار لنكهة خبيثة فوّاحة، وتحتفظ بنكهتها الأصيلة. كل شيء جاهز لكن تنقصة أنفاس مصرية، ويد اعتادت تحضير الطبق وتقديمه بخفة وافتخار. وها أنا أعود مجددا لهواجسي "عن موضوع الفول واللحمة صرّح مصدر غير مسؤول..." لربما هي الآلام ما يحدد هويات الأطباق، وأسباب الجوع. أسباب الجوع تكثر، وأسباب الشبع غير مؤكدة. شبع المعدة واحد، وجوعها واحد، شبع المعدة شيء، وجوع النفس شيء آخر، لذة الطعام شيء، والنهم شيء آخر.. يخطر في ذهني سيناريو ابتداعي عن أن الأطعمة تأكدت بالحدود لأسباب طبيعية، وهو مصير لا مفر منه، فابتكر أصحاب الحدود وصفاتهم حينما تلاقى الجوع فيهم، كانوا جياع بأنفس جائعة، فابتكروا أطباقا تسد شهيتهم وتملأهم بالرضا.. فانبلج مع اللقمة طعم الوطن، وتربّحوا بجلوسهم ضمن الحدود، ومنذ ذلك اليوم لم ينسوا تخمة الشبع. لا اظنها فكرة قائمة على اللذة. بتلذذ أنثر الخبز المقمر، وبحِرص أضع المرق فوقه كيلا تضيع كل القرمشة، ثم انثر بعض الطماطم المليئة بالزبدة.. أغرف الأرز وأضعه بطريقة عشوائية ليتنفس ويُطلق البخار في وجهي، فأشعر بثمرة مجهودي.. بعض المرق، ثم بكرم حاتم الطائي أنثر الطماطم.. رائحة مألوفة بدأت تتكون.. أحاول جاهدا عدم ترتيب الطبق.. أنثر بعض الخبز وأضع قطعتين من اللحم وبعض الدهن، وفوقهم أصب ما تبقى من الثوم والسمن.. الرائحة اكتملت، والطبق اكتمل.. أقرمش بعض الخبز، وأتردد قبل أن أسميه "أحلى طبق فتة تاكله في حياتك".. أولا: شراييني هتتسد.. تانيا: النهاردة عيد ويفترض فعلها بهذه الطريقة، تُرى أكانوا يحاولون اختراع طريقة لذيذة لتوديع الحياة؟ تالتا: شكلها مش فتة لييييه؟ يادي الهوية ويادي التزاماتها وتلذذاتها. أكانت محاولة فاشلة مني للإنتماء؟ بإمكان القصة ان تنتهي بهذه الطريقة، لكني آثرت نهاية أخرى. أكلت أهم فتة في حياتي، كيف لا وقد استدعتني لكتابة كل هذا الهراء والتفكير في صياغته؟ وجود الفتة أمر عادي، وعدم وجودها لن يؤثر على اتزان عالمي. لست ناقما ولا كارها، لا أظن أني محب أيضا، أشعر في كثير من الأحيان أني مجرد شخص يتأمل ويجرب الأشياء، ويشعر بكل شيء معها، من ألفة وغربة، ولذة ونفور.. لكني أمنح الأشياء فرصتها، وأحب العيد. لا أدري ما العبرة، لكني أريد تعلّم تحضير المزيد من الوصفات.. والحقيقة، بدأت أشعر أن البلد ليست أكثر من زمرة تطلّعات تحمل في طيّاتها شيء من الونس والربح.

لقد تنبهت اليوم لشيء قد يفسر هروبي المستمر من الناس، هاته الرغبة التي -وبشكل غريب- لا أزال ألمسها في نفسي بعد كل العذابات التي أيقَظَتها القطيعة.

أحيانا بفكر في نجاحات المشاهير والقامات وأحاول اقارنها بنجاحات الناس العادية بس مابعرفش ايه هي النقطة المشتركة.. بجد يعني ايه أورسن ويلز عمل "المواطن كين" وهو ٢٣ سنة وأنا داخل التلاتين متهلهل ومتنتف من كل حتة بالشكل ده؟؟ ازاي العلماء كانوا بيعيشوا ثورة نفسية وعلمية في عشريناتهم، وأنا بقرة تايهة في بحر الفشل؟؟ ازاي الشاعرة كتبت دواوين وهي ماكملتش ٢٥ وأنا مش لاقي وقت اكتب صفحتين؟ ازاي كده.. ازاي افترضوا ان العشرينات زهرة الشباب بس كانت مقبرتي؟ ازاي العشرينات سن الحيوية وأنا مفاصلي يادوبك؟ ازاي دا كان المفترض يكون سن انطلاق؟؟ مش ناقصاني موهبة ولا رغبة ولا عبقرية ولا إرادة، معرفش ناقصني ايه.. الفكرة دي تكاد تكون مقبرة تطلعاتي لأي حاجة تاني.

في أحد أحاديث الأستاذ المبجل بيتر جريناواي قال هذا السطر اللذيذ وهو يبالغ في التفكير ويجيب إجابات بالترتيب الأبجدي: "a man was worried that counting stars would fill him with despair" عن إنسان خائف من أن عَدّ النجوم سيملؤه باليأس. ربما كانت كناية عن إنسان لا تتغير أيامه ولا يتزحزح عنها الضجر، فتتبدل على إثرها مفاهيمه وتتقشر، وتصير النجوم بجماليتها انعكاس لفكرة تتغذى على ذاته؛ يأس مُدقِع! أو ربما كناية عن إنسان ينظر في الاتجاه الخاطئ ولا يُجيد فهم الوقت والأمل، فيضيع منتظرا إلى أن يتمكن منه اليأس.. أو ربما عن عدمية وجود كلما أطلت النظر في هاويته أكلَك.. ولسه من يومين سمعت مقولة شكسبير في مسرحية "يوليوس قيصر" واسترعت انتباهي، لما قال على لسان كاشياس محادثا صديقه بروتس -بترجمة محمد عناني- : "يستطيع الإنسانُ أحيانًا أن يُمسك بزمامِ قدَره! يا صديقي بروتس! ليستِ الطوالع والنجوم مسئولةً عمَّا نحن فيه من ضآلةٍ وضَعَة.. بل العيب فينا نحن!" ومن لحظتها وأنا منبهر من قدرة الأفكار على التمدد بهذا النحو.

يمكن أسوأ أثر بتخلقه ذكرى شخص عزيز اختفى بشكل مفاجئ من حياتك، انه بيخلي الواقع مهزوز، زي لما اشارة التلفزيون تتقطّع كده.. يعني تحس انه كان مقلب مالهوش داعي عشان هو بس شرخ نظرتك للواقع أكتر من أي حاجة تاني.. مش موضوع محبة، بس دا اللي بيحصل لأي إنسان تضيع منه حاجة اتعلق فيها، وسلّمها ثقته.. هكذا تعمل المشاعر، بتتخلق فوهة.. القصة تم تجاوزها، والمحبة تم تجاوزها، بس ازاي يستأمن؟ وازاي ما يشوفش ان وحدته هي أكثر الملاذات أمان؟ وازاي يشوف مكامن الناس؟ ليس طلبا للكهنوت، إنما هو شعور ان كل حاجة تحتمل الخداع، وكل فكرة لها احتمالين، وكل النوايا فيها رزايا.. يمكن أكتر صدام حصل كان بيني وبين الطيبة، عشان بقت بتخليني عايز أتف في وش صاحبها وهو يتعامل معها كنقص فيه ويحاول يكسيها بطبقة هلامية من التعاظم وهراء القيادة والهيبة، فتخليه يطلع شرير بلا مسوغات، رغم انه طيب وكلنا عارفين انه طيب. ماتوقعتش أشوف في الطيبة كل هذا القرف، وماتوقعتش ان مجرد ذكرى قديمة تخلق حاجز جوايا كده بيني وبين كل المفاهيم، وتخليني اشوف انعكاس الghosting على المفاهيم بالشكل ده وتنزع القيمة منها. وما زلت مش عارف أشتم "التعلق والحب والوعود" عشان عارف ان دا كله جزء طبيعي من العواطف والمحبة والشراكة. هي فكرة الاختفاء شريرة وبس، دا المختصر..

أحيانا مابعرفش هو أنا شخص فيا علة ولا دي مجرد معافرة في وجه المصاعب.. وساعات ما بعرفش ازاي في ناس بتعرف الفرق بين الاتنين. بحس الحياة مرادفة للرحلات اللي بتروحها وبترجع هزيل ومتداس ومخضوض، و روحك مفروطة ومعضوضة، ومفاهيمك خلاص اتغيرت بعد ما انكشفت لك في لحظة حقيقة شوفت فيها قد ايه الموت سهل وقد ايه العيشة مافيهاش الإمكانيات والمميزات واللذاذة الموصوفة.. خضة تشوفها في الملامح، ووحدة فظيعة في العيون، وحصيلتهم وش خايف، بس متعلم ازاي تتكلم ببراعة، وتلقيت درس في اللامبالاة بكل الأحداث الجارية، وتجد صعوبة في وصفه بالدرس الثمين.. لكن بيداري ضعفك بحس باستمرار ان كل هذا الوجود، كل اللي أنا فيه دلوقتي، كل اللي بيزاولني، كل اللي عدّا، كله كان مقلب.

مفهوم الصحبة عندي هو محطة، دي أهم ميزة في الصداقات اللي بتيجي في فترة متأخرة، ودا مبتغاي فيها، انها ماتكونش ربطة.. انك تودّعهم بوعد الأذرع المفتوحة ساعة لقاء، دا لو كان فيها لقاء.. وعشان تتخولن بدون كسرة، وانت عارف ان الوثوق والعهد والجدعنة هتمتص النهشة.. دا المفهوم اللي بيحقق لي اتزان وبيحسسني بالسند. مهما بعدت قريب، مهما عكيت عزيز، ومهما حصل في لهفة وسماح، من الطرفين.. لا ملامة تقطع الوصل عشان احنا الاتنين عارفين قد ايه الدنيا جاية علينا ودايسة، فبنتعامل على اننا أرض نجاة ومرفأ ومغنى. الشخصية تخضع لاختبارات سريعة عشان هي أصلا صداقة بمصلحة وعارفين ان احنا واقفين نعاون بعض ونتمسخر مش أكتر.. وبالمقابل، مفهوم الحب عندي غير ده خالص.. رفيق الحياة ومحبوبك اللي بتعاشره بيحصل معاه العكس، اللهفة والسماح روتيني مش وعد وعهد وجدعنة.. لا انت اتعودت عليه، وخدت عليه، وعينك ارتاحت معاه.. انما الوعود كلها شهامة بتتقشر زي البصلة. المفاهيم الغرامية بتحقق الاستقرار، بعد الاستقرار بقى هتبان كل حاجة وهنشوف ايه العك اللي محتاج يتصلح وايه الهباب اللي محتاج يتلم، الموضوع فيه شغل. الحزن اللي بيشوف اتنين بيخاف ده من الحب، من الشخص اللي اختار يقعد جنبك واخترت معاه مصير انك هتطلع معاه بمصلحة في الوجود، اللي هو كأنك ماشي وسط الحرب، شريكك ماشي في ايدك وبتبعد عنه أي حاجة وبتشق طريقك معاه باتفاق وإصرار وهدف ووعد، أما صاحبك هو اللي بتشوفه في معركة جنبك، أو بتخطف لك ساعتين تروح له اخر الاسبوع، أو تشوفه وهو بيمنع عنك هجوم، أو تديه مصلحة ويديك مصلحة بكل أمان.. الرفقة هدفها لحظي ومعناها أبدي.. أما الحب والعشرة دا كيان حاضر كل لحظة، مش شاعري قد الصداقة، بس فيه بوس وهداوة وأُنس مختلف.. هو واقع كل يوم وليس حادث عرضي.. مش هتسيب شريكك وتقوله "لكل حادث حديث" عشان هو لازق معاك وأحاديثكم مستدامة. ويمكن دي أهم ميزة في الشراكة، انها مشروع بتدخله عشان تكمل للآخر، ولو قابلتك مطبات بتحاول تجاوزها بكل مافيك عشان دي حرفيا نصف البنيان.. دي المقايضة التي يجب أن تتعلم الكثير فيها، وتصحح الكثير فيها، وتضحي بالكثير أيضا فيها.. عشان الاعتبار هيكون لك وله.. دي بقى أهم ميزة في الناس والعشرة والحب والصداقة والتقاطع معاهم؛ ان حياة واحدة لا تكفي، ويديك وحدها لا تكفي، ويومك وهو مِلكك أنت وحدك ستجده لا يكفي لتحقيق شيء، أو هتقضيه زهقان مش عايز تحقق فيه حاجة.. الشخص اللي يخليك مش ندمان على قضاء الحياة هو مكسب وفرصة وأذرع إضافية وأسباب ودوافع وجزء من بنيان.. وفي لحظة ممكن حد فيكم يهدم كل ده ههههه

اااااه
اااااه

أريد القول أني لن أسامح أي شخص جعل الحزن يطفح داخلي بشراسة هكذا رغم كل محاولاتي، لكن سرعان ما أنتبه إلى سياق الأحداث وتتابعاتها العنيفة التي تهزمني في كل مرة بلا مساهمات من الغير! فأقول إذن هي البذرة التي خلقت صدعا لا يبرأ، وجعَلَت في الناصية سارق يخطفني مرارا لحزن لا ينضب.. فأقول: لكن والداي أبسط من احتمال كل تلك الملامة بعناقيدها الشائكة! التواقيت إذن هي المشكلة، أم أنا، أم الخلق، أم الخالق.. الحل إذن في الإيمان والتقوى، أم السكنى، أم العائلة، أم الحب.. فيتراءى لي، أن لا شيء يغلب اختلاسات هذا الفقر الأقرع، فقر السكون.. وكأن المصير ليس إلا شرود طويل معتم. ولست أدري. أستعيذ بالله من يأس يتغذى على هشاشة كائن لا يدري.. الله كافينا ومتولي أمورنا، خسرنا أم لم نخسر، خلينا نكمل بقى وخلاص.. بجد معرفش، ربنا أعرَف

أنا لسه بتعافى من الحياة اللي رمت أحلامي عرض الحائط.. مش حاسسها حياة، ولا بقيت عارف أكوّن تعريف لمفهوم الحلم. حاسس اني جيت الدنيا اتهزأ

للحياة طريقتها في إرغامنا على فعل ما امتنعنا عنه سابقا.. للحياة طريقتها في جعل ما اشمأزت منه نفوسنا هو حياتنا العادية.. للحياة طريقتها في أخذنا لمنحدر يجعلنا متلهفين لما كرهناه يوما.. للحياة طريقتها في رمينا نحن والأحلام عرض الحائط.. للحياة طريقتها في كسر العود والاقتصاص من ثقتنا المفرطة.

بتضحكني دايما الأسئلة الغلط والتعليقات اللي ماكانش ينفع تتقال. في حس فكاهي رهيب -معرفش ايه تفسيره- في الكلام الذي يخرج بصورة تلقائية وبكل اعتباط واستغباء كونه لا يقرّ بأي اعتبار مهما بدا جليا -أحيانا تكون خطأ مقصود-.. حاجة زي دي بتخليني أفطس ضحك على مزحة اتقالت عن ألم شخص وهو في عز ألمه.. وقاحة وقلة تقدير وانعدام إحساس، ويجب مراعاة الغير طبعا واحترام طلباتهم، بس للأسباب دي بالتحديد بضحك، عشان الإحساس معدوم أوي للدرجة دي، وعشان التقدير ممكن يتكنسل عادي لا لغرض إلا الضحك، وعشان التوقيت سيئ جداً.. وكلها تمت بدون قصد للأذية، بيكون تعليق جاد من صاحبها.. الموضوع فيه احتمال انه يكون مؤذي للغاية، ولا يغيب جانب الفكاهة اللي يخليني شاهد على فجاجة عابثة كده.. ليس امتعاضا ومقتا لقائلها، بل إشادة بتفاهة لا يتجنبها الإنسان بغير الضحك مع الآخرين.

زمان تساءلت عن مفهوم الوطن.. بعدين بدأت أواجه صعوبة في استيعاب الوطن اللي عمري ما عشت فيه.. كبرت شوية واعتبرت الوطن مفهوم قابل للتشكيل عادي، وقعدت شويتين مقتنع ان الوطن هو بيت الحبايب وممتلكاتي وأصواتهم.. شوية كمان فهمت ان الجنسية والوطن حاجتين مختلفتين خالص.. شوية استوعبت تأثير الجنسية والتصاقه فيك، ومعاها فهمت مثالية كلام الناس المرتبط بالجنسيات والإنسانية.. شوية وفهمت انها وجع قلب، سواءا اعتبرت الجنسية مرادفة للوطن أم لم اعتبرها، شويتين وفهمت ان ارتباط الوطن بالجنسية وراه أسباب طويلة لا يُلامون عليها.. شوية فهمت القرابة وبدأت استوعب مفهوم العائلة، بعدها ظننت ان العائلة وطن، بعدها لقيت اني ممكن ألاقي فيهم أضنى مفاهيم العِداء أو القلق، والذي يؤجج شعور انفصال مريع وعبثي.. شوية وفهمت ان الغربة تعم الأرجاء وهي المفهوم البطل.. شوية استوعبت ان كل الخيارات التي تمنحنا خلاصا من الصداع هي خيارات ممتازة وتستحق المؤازرة.. أنا مع الوطن والغربة، وأي حاجة هعيشها بدون زن، الوطنية العنجهية مش طريقي، ولا النكران طريقي، أنا هحب اللي يزقططني ويدلعني، كده بس بدون فلسفة.. أيوا أنا شرموطة حد عنده اعتراض؟

أكثر ما آلمني في الفترة الماضية، عندما اختلست النظر ناحية شقيقي وهو ممدد على كرسي غرفة المعيشة وقت القيلولة، فرأيت نظرة جوفاء تعلو وجهه، وشرود غميم يأكل وقته، وملامح تنمو بيأس، وانطفاء مؤسف في عمر كان يفترض أن يكون لامعا.. والمؤسف في الأمر، أنها كلها كانت نتيجة أحداث لم يكن له إسهام فيها.. الأمر يصعب استيعابه، أعني هذا التتابع المزري من الإحباط والاختطاف، وبزوغ تجاويف تشبه الفزع لكنها مهدودة.. هو ذات المصير يتكرر بل وأسوأ.. شقاءٌ كما الكلاب الشريدة، لم يلجمها أحد أو يربطها حتى لا تنهش أو تعض.. والآن علينا ترويضها، أتفهم ما الذي يعنيه أن تروّض كلبا تطبّع بطِباع الذئاب بعدما أكل أجزاء منك؟ أشعر بما يعتريه، أفهمه دون كلام، أعي وقع المصير التعيس الصادم، ولا أدري ما يمكن فعله، أو كيف لي أن أكون سندا وفيا له.. أما لو على الأماني، الأماني كلها تقيه مصارع السوء.. وَكْزَتهُ الأولى في الحياة، ولا تطمئنني ذكرى الوكزة التي تمكّنتُ من النهوض بعدها.. في العادة أجد في هشاشتي حكمة للآخرين كي يقاوموا كسراتهم، أما الآن فلا أشعر إلا بهشاشة أخي الخائف.

بذهن خامل، وقفت في صف طويل أمام الإشارة الحمراء أنتظر فرج الله، وسرحتُ في مسارحي.. شرطي يجلس في مركبته عند تقاطع الشوارع لتسجيل حضوره ومراقبة السير، ولا أدري أهي دماغي التي تنام، أم هو خمول عمّ أرجاء المكان، لكني تيقظت فجأة وانتبهت إلى صمت غريب، فقمت بفرقعة أصابعي لأتأكد من حاسة السمع ولأطمئن أني لست أحلم رغم إحساس الحلم المسيطر على مداركي منذ شهرين.. أنا بخير، لكني متعب بعض الشيء، وكان لا بد من فوات أصوات المشهد في ذروة التنهيد بعد يوم امتص كل مافي جعبتي من انتباه.. كالصراصير الثملة أعود من عملي لجحرٍ منكوش. الطريق ليس طويل، بل الأفكار رعناء.. الأيام عادية، لكن أنا مُتعب.. ظننتها أتعاب العمل، لكن أتعاب البقاء مؤرقة أكثر. تحوّل الضوء للأخضر، والجميع واقفون بلا حراك، حتى بعدما أذِن لهم الضوء.. ولوهلة، استفاقت في المشهد رمزية صفّ طويل لأناس متعبين ولا رغبة لهم بالمسير. كان ذلك أجمل مشاهد اليوم؛ مسرح نتبادل فيه الشرود، بأقدام تجرّ نفسها للتقدم، ولا أحد يرسل تنبيها للآخر لاستعجاله أو لإفساح المسار أو لإنجاز شيء.. لا شيء فينا بتاتا، رغم جاهزية الطريق واستوائه وحراسة شرطي مجتهد، ورغم المركبة الجاهزة لشق الطريق، بيد أن الرغبة، كل الرغبة، ليست إلا للنوم والارتياح، ليستفيق في النفس صفاء زاهي.. لا عثرة، بل مجرد رعونة في شِعاب داخلي الأجوف، الذي يشتهي منامات بلا قلق، وأوقات بلا واجبات، وطريق بلا قوانين، وشرطي يوزع الآيسكريم.. أنا متعب وجائع...