Honorius
Open in Telegram
Themata Mixta.
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
1 721
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
1 721
هذا كتاب يتناول التاريخ الأورپي –أو معناه– من حيث مفهوم الجنس أو العرق Race جسديًّا ونفسانيًّا، ويرفض أن يحصر نفسه بتقسيمات أقل شأنًا مثل التجمعات السياسية أو اللغة المنطوقة أو المعاني القَبَلِية والوطنية لمفهوم العرق. ويعلن من البداية أن الدرس العظيم لعلم العرق هو ثبات (ليس بإطلاق) السمات السوماتية (الجسدية) المرتبطة إلى حد بعيد بثبات الاستعدادات والدوافع النفسانية. وهذا بالطبع –مع المقيِّدات التي تفرضها العملية الوراثية– ما سيحمل عواقب تضرب منظّري الديمقراطية والاشتراكية وأضرابهم من الذين يعولون على النهوض الـ«اجتماعي» بالأفراد وعلى النزعات الثورية (والثورة عند هؤلاء لا تكون إلا subversive، انظر تعليلًا لذلك مثلًا الفصل السادس من كتاب Recognitions لجوليو إيڤولا، وانظر الفصل السابع لمعرفة تغير دلالة كلمة Revolution بين القدماء والمحدثين). منذ القرن السابع عشر والطبيعة صارت العدو للفكر الأورپي، يوم انتصر الـLogos بأحطّ معانيه على الـMythos، ومن وقتها صار الجانب الطبيعي من الإنسان أمرًا منفرًا. أيمكن أن نرجع هذا الأمر إلى زمان أبعد بكثير؟ نعم، ولكن لن نفعل.
يطلب المؤلف من القارئ بدايةً أن يخلّص عقله من كل أفكاره المسبقة عن العرق، وأن يعرف أن العرق ببساطة هو البنية الجسدية والنفسانية للإنسان، وأنه متميز تمامًا من الجنسية أو اللغة، وأنه في نهاية المطاف يشكل أساس كل مظاهر المجتمع الحديث (تمامًا كما كان قديمًا). ومن ثَم فهو يريد أن يعرض مختلف العناصر والطبقات العرقية المكونة لشعوب أورپا اليوم راجعًا إلى فترات وأنواع أقدم تجاوزها مؤرخو وأنثروبولجيو عصره. إلخ. لنأخذ في الاعتبار أن الكتاب منشور من أكثر من قرن.
عناوين بعض فصول الكتاب: العرق والديمقراطية، الأساس الفيزيقي للعرق، العرق والموطن الطبيعي، تنافس الأعراق، العرق واللغة والجنسية، إنسان العصر الحجري المبكر (الإيوليثي، سبق العصر الحجري القديم وظهرت فيه الأدوات الحجرية ولكن بصورة فجة غليظة)، إنسان العصر الحجري القديم (الباليوليثي)...
المؤلف هو ماديسن چرانت، يُذكر عادةً إلى جانب لوتروب ستودرد Lothrop Stoddard. يمكنك البحث عنهما.
1 721
«العرق والتطور والفرضية الوراثية»
ورقة مطولة وممتازة وبسيطة إلى حد ما تناقش موضوع القدرات العقلية والذكاء بعلاقتها مع الوراثة أو العرق من ناحية جينية، وتواجه في ذلك هؤلاء الذين يردون العامل الأكبر إلى البيئة التي ينشأ فيها الأفراد (مع أن العدد الأكبر من العلماء يتفق مع الفرضية الأولى، غير أن الفضاء العام والأكاديميا تتبع الثانية).
تبدأ الورقة بطرح عواقب نشر النظرية الداروينية في مجتمع ڤكتوري مسيحي، إذ مثلت تحديًا للنظرة الإنجيلية عن خلق مميز للإنسان يضعه في مرتبة خاصة به، فجعلته واحدًا ذا منشأ بيولوجي يرجع إلى الطبيعة ويتكيف مع الظروف المحيطة مثل أي حيوان آخر، واقترحت شجرةً يكون الإنسان فيها متحدرًا من غيره. لكن ما الأرثوذكسية التي على النظرية الداروينية مواجهتها اليوم؟ إنها النظرة التى ترى الشعوب البشرية كافة من حيث حيازة كل واحد منها سمات ذات قيمة اجتماعية فقط تتساوق مع ما لدى الشعوب الأخرى، أما أي حديث عن تمايزات بيولوجية ذات منشأ جيني فيُعتَبَر هرطقةً. وهذا بتجاهل التمايز الموجود على مستوى الذكاء والكفاية بين الشعوب حتى في أكثر الدول مساواتية (والأوراق التي تناقش تصاعد الاختلافات مع تزايد الميل إلى المساواة عديدة ويمكن الرجوع إليها). لذا ستجادل الورقة بخطأ هذه النظرة من منطلقات أربعة: ١) تختلف الشعوب البشرية في ما بينها، ٢) وهي تختلف بنواحٍ يمكن التنبؤ بها وقياسها وتفريغها في أنماط، ٣) كما أنها تتمايز في عدد من السمات السيكولوجية، ٤) تقدم الاختلافات الجينية شرحًا معقولًا في الأقل لعدد من هذه التمايزات في السمات.
من هنا سيكون الدليل مقدمًا لصالح الخيار الوراثي لأسباب تُبيَّن في الورقة. ينتقل النقاش إلى تناول مفهوم العرق («بناء معقول تمامًا يجمع أنماطًا حقيقية للتمايز البشري»)، يليه نقاش للاختلاف في السمات السيكولوجية وبعدها السمات العقلية. والملحوظ على طول الورقة هو وضوح منطلقات الباحثين والنتائج المستخلصة. الورقة مثيرة وتستحق القراءة (بغض النظر عن المقدمات الساذجة من المؤلفين في محاولة دعوة اليسار إلى جدال عقلاني في ما يخص هذه القضايا عن العرق والذكاء وغير ذلك) مع مصادرها الواسعة وجِدّتها (نُشرت في الجزء الأخير من نهاية الشهر الماضي، لكنها كُتِبت في نوڤمبر ٢٠١٩).
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0191886920301045
1 721
«إن كانت توجد في تاريخ الأمم أحاجيّ، فلا ريب ألبتة أن اليهود يقدمون واحدًا من الأمثلة الرئيسة في ذلك، وأي إنسان شغل نفسه في مشكلات الإنسانية دون أن يتقدم في ذلك إلى مشكلة اليهود الجليلة، فإنه لا يكون فعل شيئًا من حيث معرفة وخبرة الحياة إلا انتزاع القشرة الخارجية للموضوع. بالكاد يوجد حقل من الفن والأدب إلى الدين والاقتصاد السياسي، ومن السياسة إلى أكثر المجالات سرية من دراسات الجنسانية والجريمة — دون أن يكون فيه تأثير الروح اليهودي والكينونة اليهودية ممكنَ التتبع بوضوح، ودون أن يكون قد أسبغ اعوجاجًا أو اتجاهًا مميزًا على المسائل المتناولة».
—إميل تيودر فرتش [ناشر ألماني، صاحب دار Hammer-Verlag ومؤسس حركة Reichshammerbund]، لغز النجاح اليهودي.
1 721
الموسوعة اليهودية من اثنين وعشرين مجلدًا.
http://gen.lib.rus.ec/search.php?req=Encyclopedia+judaica&lg_topic=libgen&open=0&view=simple&res=25&phrase=1&column=def
1 721
انظر هذا على نحو رئيس:
https://www.youtube.com/watch?v=jl47X_U02Qg
وهذه للاستزادة البسيطة:
https://plato.stanford.edu/entries/truth-coherence/
https://plato.stanford.edu/entries/justep-foundational/
https://www.jstor.org/stable/2010760?seq=1#page_scan_tab_contents
https://plato.stanford.edu/entries/pragmatism/
https://plato.stanford.edu/entries/contextualism-epistemology/
https://www.youtube.com/watch?v=4vnES5m3oKE
https://www.youtube.com/watch?v=-BGbHG63x8w
https://www.youtube.com/watch?v=YNMC16ZLVM0&t=412s
1 721
rcularity.
7. تعلن ما بعد الحداثة انهيار السرديات الكبرى (من المعروف أن هذه أطروحة فرانسوا ليوتار) أو الميتا–سردية (Meta-narrative)، والسردية الكبرى هي سردية السرديات أو التي تقف وراء السرديات الأخرى. هي نظرة عالمية شاملة تفسر الكون كاملًا، تفسير سبب كون الأشياء على ما هي عليه، تفسر من أين نشأت الأشياء، تفسر المعنى النهائي للأشياء… هنا لا يتوجه شك ما بعد الحداثيين نحو تبنّي الناس بعض السرديات الكبرى، إنما هم يشكّون في قدرة أي إنسان على إثبات صحة هذه السردية أو تلك السردية عقليًّا وموضوعيًّا. ثمة العديد من السرديات الكبرى، غير أنها انهارت لأن أحدًا لا يستطيع إثبات صحتها وصلاحيتها. كل سردية تنطوي على معاييرها التي تعتمدها للمعنى والحقيقة والعقلانية، وليس ثمة من جهة أخرى معيارًا موضوعيًّا متعاليًا للحقيقة يحدد لنا أي السرديات التي نؤوّل بها العالم هي الصحيحة. وبهذا ليس ثمة شيء سوى السرديات الصغرى.
هكذا نخلص إلى نسبوية تعمّ العالم بأكمله. السرديات الكبرى ليست سرديات مبررة عقليًّا أو موضوعيًّا، ولا يستطيع أحد أن يغير من واقع هذا الأمر ما دام المعيار الذي يقودنا إلى ذلك سيظل غائبًا. والأحرى أن نقول إنه غير موجود في الأساس.
إلى هذه التيمات السبع، تنظر ما بعد الحداثة إلى تاريخ الفلسفة الغربية الكلاسيّ بعين الكراهية، فمفهوم هذا التاريخ عن الفلسفة خاطئ، وعلينا نحن من جديد أن نبحث في ما تعنيه الفلسفة وفي ما تفترضه وفي ما بمكنتها أن تحققه.
1 721
عية. بقول آخر: المثال الذي نعطيه هو رد فعل ما بعد البنيويين على البنيوية نفسها، بحيث طبّقوا البنيوية التي نشأت من سوسير على نفسها في دراسة العلوم الإنسانية ودراسة الفلسفة أيضًا، فهذه العلوم طرًّا عبارة عن بنًى من العلامات التي تتحدد معانيها بالاختلافات في ما بينها. وإذ ذاك مرة أخرى، صارت العلوم الإنسانية التي تحلل العالم هي بدورها أيضًا بالنسبة إلى ما بعد البنيويين بنًى من العلامات التي يجب أن ندرسها).
3. وقفت ما بعد الحداثة أيضًا ضد التأسيسية الإپستمولوجية (Epistemological foundationalism) الكلاسية التي ترجع إلى ديكارت ولوك والحداثة عمومًا، هذه النظرية كغيرها تسعى إلى بناء أساس للمعرفة يبررها، غير أن هذا الأساس هو في في ذاته غير استنتاجي أو لا يمكن إنكاره أو بديهيّ بيّن ليس محتاجًا إلى إثبات، وقد يكون حقيقة مستخرجة من تأمل الواقع نفسه إن كنت تجريبيًّا، لكنها حقيقة مباشرة واضحة بديهية. إذًا يوجد لدينا معرفة، غير أن هذه المعرفة مبنية على أساسات صادقة لا يمكن إنكارها. هذا النوع من التأسيسية مرفوض أو مشكوك به بالنسبة إلى مفكري ما بعد الحداثة. أما البديل عندهم فقد قلنا إما أن يكون نظرية التماسك أو البرچماتية أو السياقية (Contextualist). مزية هذه النظريات أنها لا تحتاج إلى مثل هذا الأساس الذي ترسي عليه معرفتك في الواقع كما الأمر في النظرية التأسيسية. هذا إلى وجود بعض النزعات النقيضة للإپستمولوجيا (Anti-epistemological) في ما بعد الحداثة، وهي تشكك بالعملية الإپستمولوجية من أساسها، أي بما تتضمنه من أننا قادرون على تحليل المعرفة وتحديد السبيل التي نعرف بها الأشياء.
4. ترفض ما بعد الحداثة ذلك الجانب من الإپستمولوجيا التقليدية المتمثل بوجود ماهيات (أو حتى جواهر تكوينية) ميتافيزيقية للأشياء (وهي بالأحرى ترنسندنتالية) تحدد ما هي هذه الأشياء بطريقة موضوعية، وهذه نظرة قديمة من النافل أن نشير إليها عند أفلاطون ونظرية المثل، وأرسطو والصورة… هذه الماهيات تحدد الأشياء بغض النظر عن نظرتنا إليها أو كما تبدو لنا ونتكلم عليها. ومفكرو ما بعد الحداثة بهذا المعنى اسميّون (Nominalists). وواضح مدى تأثير هذه الفكرة في الفكر المعاصر عمومًا وتياراته وقضاياه وكل الدعوات التي نراها في كل مكان. وحتى البيولوجيا لا تحدد ماهية الأشياء. إذًا كيف تؤسَّس ماهية الأشياء؟ هذه الماهية تقيم في لغتنا وفكرنا لا أكثر، ولو تكلمنا لغة دو سوسير فالعلامات اعتباطية (أو استخدام العلامات Semiosis) وليست مرتبطة بالواقع الفيزيقي، إنما مرتبطة بابتداع الإنسان لها، وقد نتعرّف معنى العلامة بسياق استخدامها الاعتيادي وبالعلامات الأخرى الغائبة التي تستحضرها هذه العلامة عند النطق بها أو كتابتها، فهكذا كل علامة تشير إلى علامات أخرى، وهكذا كل علامة لها جانب «Diachronic» وآخر «Synchronic» – كما يخبرنا جاك دريدا. إذًا الطرح الرئيس أن الماهية لا تشير إلى واقع فيزيقي يحدد المعنى، إنما الماهية هي كما نفكر فيها ونصفها.
ومن نافل القول أيضًا أن نقول إنها تشكك بالميتافيزيقا التقليدية، وبقدرتنا على معرفة الأشياء بذواتها (things in themselves).
5. ترفض ما بعد الحداثة (وتواجه ذلك بالكراهية حتى) الواقعية المتافيزيقية، وهذه الواقعية تقول إن الأشياء هي على النحو الذي توجد عليه في الواقع وتحوز سمات باستقلال تام عنا، باستقلال عن تفكيرنا فيها أو حديثنا عنها. فعلى النقيض من ذلك، مفكرو ما بعد الحداثة يقفون ضد الواقعية (Anti-realists): فإما أن لا نتحدث عن الواقع ولا نشير إليه ألبتة، وإما أن نتحدث عنه دائمًا بالإشارة إلى اعتماده علينا. تتبدى الأشياء لنا، وما نعتبره واقعيًّا منها يعتمد علينا فقط من حيث وصفنا إياها واختيارنا. هذه النظرة ليست ما بعد حداثية تمامًا، بل لها جذور في الحداثة عند كانط مثلًا.
6. إن ذهبنا إلى النصوص، فمكرو ما بعد الحداثة يشكون في وجود معنًى موضوعي نصّيٍّ وإحالة (Reference)، فالفكرة العامة بين الناس أن أي نص منطوق أو مكتوب يحوز معنًى موضوعيًّا يشير إليه وهو مثبّت في المنطوق أو المكتوب تمامًا بحيث يتبدّى بوضوح، والأحرى أن هذا المعنى يحدده ناطق الكلام أو مؤلف النص نفسه. أما فكرة ما بعد الحداثة ثاوية في أن النص ليس محدد المعنى، ولا يصير محدّدًا إلا عندما يُقرَأ أو يُؤَوَّل. عندما تقرأ نصًّا، ليست وظيفتك التقاط المعنى الموضوعي المفترض أنه مثبّت فيه، إنما نحن الذين نسقط المعنى على النص. نحن الذين نؤسس معنًى من هذا النص.
إلى هذا، فما بعد الحداثة تشك في كون اللغة أو النصوص تشير إلى الأشياء الكائنة في الواقع، أو تشير إلى أشياء في ما وراء اللغة. نرجع إلى النقطة التي أشرنا إليه عند دريدا: الاعتقاد السائد عند مفكري ما بعد الحداثة أن اللغة تشير إلى لغة غيرها، والكلمة تشير إلى كلمة أخرى، وهكذا دواليك. لا يمكن أن ترتكز اللغة أو الكلمة أو العلامة على شيء خارج ذاتها هو الواقع. وهكذا نقع في الـCi
1 721
مقال عن ما بعد الحداثة: تيماتها وسماتها. ليس أفضل عرض ممكن، لكن يوجد عموما ما يمكن دعوته بما بعد حداثة "الشارع" أو "العموم" من جهة، وما بعد الحداثة التي نجدها في مجلدات مفكري اليسار الجديد وتتسم بلغة وتمييزات لن يحتملها الكثير. كلاهما سلاح في نهاية المطاف يتسم بعقل جدلي سلبي فرنكفورتي.
-----
بدايةً، إما أن تكون ما بعد الحداثة رد فعل على الحداثة، وإما أن تكون امتدادًا للفكر الحداثي نفسه. من حيث الاعتبار الأول، فالأمر يتأتى بالنظر إلى الإنتاج الفكري لمفكّري ما بعد الحداثة باعتباره تقويضًا ورفضًا للمشروع الحداثي من بدايته في عصر التنوير مع ديكارت، إن اعتبرنا هذا الأخير المدشّن الرئيس للحداثة كما هو المعتاد. بأي اعتبار رفضوا هذا المشروع؟ نعلم أن شعار العقل في عصر التنوير أو الأنوار كان سائدًا، هذا إلى أن مفكّري التنوير سعوا في الأساس إلى بناء هيكل يمكّنهم من احتياز معرفة مؤكّدة ويقينية، وإلى إيجاد مناهج في غالبها عقلية تتيح لهم تأسيس المعرفة. ومن هنا ظهر الغرور البشري في التسميات المختلفة التي أطلقها ملحقًا إياها بكلمة «الأخير أو الختامي» ظانًّا أنه حاز الفهم النهائي للواقع وعَرَض الميتافيزيقا الختامية. فمفكّرو ما بعد الحداثة ينظرون إلى مثل هذا المشروع بعين التشكك من احتمال قابلية تنفيذه في الأساس وقدرتنا على الاضطلاع به. وهم إلى جانب هذا رفضوا اعتقاد الحداثة بوجود معايير (Norms) عقلية وأخلاقية كلية وقواعد سلوك يمكن تطبيقها على الجميع في كل زمان مكان، وبأن أي شخص مفكر لا ندحة له إلا في الكشف عن مثل هذه المعايير بمجرد اتباع خط تفكير منطقي وانعكاسي.
ليس هذا فحسب، فمفكّرو ما بعد الحداثة احتووا بتشكّكهم نظرة الحداثة إلى العلم باعتباره موضوعيًّا ومحايدًا ومنبعًا للحقائق الخالصة وذا سلطة معرفية تحقق له أفضلية على غيره، والحداثيون بهذا الاعتبار واقعيون، إذ إنهم يعتقدون أن العلم يصف لنا العالم ويمدّنا بمعلومات عن الواقع الخارجي «الموجود» أو العالم بما هو كذلك (as the world really is). وإلا ما حاجة الحداثيين في الدعوة إلى تصيير الفلسفة ذات طابع أكثر شبهًا بالعلم وربطها بقواعده وبالمناهج الرياضية؟ غير أن ما بعد الحداثيين قد طرحوا وجهة نظر معاكسة ألبتة، فهم إنما قالوا إن العلم هو الأشبه بالفلسفة، وليس على الفلسفة أن تلاحق مثال العلم كي تصير أكثر انضباطًا، فهذا المثال الذي تسعى إلى التشبه به مفتوح للتأويل والنقاش كما الفلسفة، وهو لا يقدم لنا هذه الوقائع والحقائق الصلدة التي ننشدها… بهذه الاعتبارات وغيرها تكون ما بعد الحداثة رد فعل على مشروع الحداثة بأكمله، وليست امتدادًا له.
إن أخذنا الاعتبار الثاني الذي تكون فيه ما بعد الحداثة امتدادًا للحداثة، فسنقول إنها سارت على طريق الحداثة ولكنها لم تكتفِ بمداه. كل من له معرفة قليلة بالحداثة والتنوير، سيعرف ما هو مثال الإنسان الأمثل بالنسبة إليهما. فالإنسان ذو حكم ذاتي (autonomy) مستقل، يقود نفسه بالعقل بعيدًا عن رغباته ومصالحه وغاياته ويكون هو ذاته. إن كنت على معرفة بالأمر المطلق الكانطي وعلامَ يؤسّس، وبمشروعه الإپستمولوجي فستكون لك صورة أوضح عن حكم الإنسان لنفسه. بمعنًى آخر، يوجد في الحداثة منعطفان: المنعطف الذاتي (Subjective) الذي يتوجه إلى الذات باعتبارها مركز وأساس الإپستمولوجيا، والمنعطف ذو الاستقلال الذاتي الذي يرى إلى الذهن والخبرة الإنسانيين المعيار النهائي للمعرفة. تأخذ ما بعد الحداثة هذا الطرح الذي يُمَركِز الإنسان وتتوسع به فنصير إلى الذاتوية والنسبوية والشكوكية بإزاء أي معرفة في ما وراء الذهن البشري، وقد ننتهي إلى العدمية بإنكار مطلق لأي معنًى أو خير أو حقيقة موضوعية.
ليست ما بعد الحداثة واحدة من هذين الاعتبارين، إنما هي هما معًا. ولو تكلمنا على تيماتها وسماتها، فسنقول الآتي:
1. يشكك مفكرو ما بعد الحداثة بما يدعى نظرية المطابقة (Correspondence)، وهي نظرية من نظريات المعرفة يتبناها الحس المشترك بين الناس عمومًا، وتجدها حتى عند أرسطو وبرتراند رسل وڨتچنشتين في مرحلته الأولى. وهي تشير إلى أن الفكرة أو القضية تكون صحيحة إن طابقت الوقائع أو النحو الذي يوجد عليه العالم. أما ما يتبناه مفكرو ما بعد الحداثة من نظريات أخرى فيتمثل بنظرية التماسك (Coherence) أو النظرية البرچماتية.
2. ليس ثمة حقيقة موضوعية أو عقل أو مبدأ أو نوع من العقلانية الكلية التي يسير عليه الناس كافة. ليست الحقيقة شيئًا موجودًا ينتظر منا أن نكشف عنه ألبتة. (من خير ما يمثل هذا الأمر رد فعل ما بعد البنيوية على بنيوية ليڨي ستروس في تطبيقه إياها على الأنثروپولوجيا مثلًا، وبخاصة كلامه على البنى اللا شعورية بعد أن تجاوز ثنائية الطبيعة والثقافة. فالبنيوية إذ ذاك في الخمسينيات والستينيات كانت أمل البنيويين –وبالتالي أمل الناس أيضًا– في دراسة العلوم الإنسانية بمنهجية علمية، لكنها منهجية تختلف عن المنهجية المتخذة في العلوم الطبي
