Honorius
Open in Telegram
Themata Mixta.
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
1 721
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
1 721
يطرق بها، وشوپنهاور كلب متشائم ليس مهمًا إلا في تفريغ هشاشتهم، وڨتچنشتين محطم الميتافيزيقا التي لا تُحَطم... مهملون للتاريخ ولا يعرفون حتى السياقات التاريخية التي جاء فيها هؤلاء الأشخاص. اعتادوا اتخاذ ألقاب جاهزة تعفيهم من التفكير أكثر من حدود اللقب الذي بالكاد تجد الواحد منهم عارفًا سيرته التاريخية. يسلكون ‹طوال الوقت› أقصى الأطراف دون تروٍّ: وهذه من شيم المراهق المتمرد. لديهم عادة لوم الآخر: فهذا المترجم لا يعرف الترجمة، وذاك الكاتب متشدق في اختيار كلماته ليته يشرح لنا كل كلمة، أما الكتاب هذا فصعب...
-----
تسنى لي في هذه السنة الأخيرة من مسيرتي الجامعية أن أتعامل مع عدد أكبر من الطلاب وأن أدقق ناظري فيهم وفي شخصياتهم فأحاول أن أتبيّن السمات العامة التي تجمعهم وتطبع حياتهم، إلى جانب محاولتي إسقاط كل ما خرج به المرء من معرفة بالعالم المعاصر عليهم، فكانت النتيجة العامة متوقعة ومعلومة. أكثر ما يلحظه المرء في الشاب المعاصر أنه عاد لا يعرف كيف يعيش حياته وكيف عليه أن يعيشها. خذ أي جانب من جوانب أي شخصية متكاملة تفترضها الحياة من الأفراد لاستمرارهم، وستجد الشاب المعاصر يفتقر إليه تمامًا أو يسيء استعماله. أي مجتمع صحي يطلب من الجيل الجديد أن يُرَبّى كي يكون أبناؤه مستعدين للعيش في ‹مجتمع› أو في ‹جماعة›، لكن منذا من أبناء اليوم يعرف أي مهارات مهمة تعلمها طوال ١٨ سنة من حياته ستعينه على مثل هذا الأمر؟ تتكاثر الجماعة كي يحل الأبناء محل الآباء بعد عدد من السنين يثبتون فيها استحقاقهم ومسؤوليتهم، فهل يجد المرء اليوم أبناءً في مكنتهم أن يحلوا مكان آبائهم (بافتراض أن الآباء أدّوا دورهم بحق)؟
بقدر حاجة الإنسان إلى الجماعة، فإنه لا يتعلم اليوم أي شيء يعينه على صنع علاقات صحية مع الجماعة. وبقدر حاجته إلى الجماعة، فإنه لا يتعلم أي شيء يعينه على العيش وحيدًا إن ألزمته الظروف بذلك (وأسوأ من ذلك أنه بالكاد يعرف أن يتعلم شيئًا بنفسه). وبقدر حاجته إلى الصداقة وإلى الأقران، فإنه يترجّح بين الوحدة الكلية (لأنه لا يعرف أيضًا كيف يكوّن المرء صداقة جيدة أو علاقة عاطفية ناضجة ومشبِعة) من جهة، والعلاقات الكثيرة الفاسدة والقصيرة والتي لا تحمله على النضج في أي جانب من جهة أخرى. إنه لا يُربى اليوم إلا ليكون «فردًا» مفصولًا وكفى عن أي شيء آخر قد يمنح حياته ضربًا من «حسّ الموضع» الذي يشعره أنه جزء من ما هو أغنى وأوسع منه. لا تسأل أحدًا عن تصوره بشأن حياته إلا وكانت فكرته الوحيدة أنه سيدرس ليبحث عن عمل، أما ما بقي من حياته فيسير طليقًا دون أن يكون له سيطرة عليه.
ما يغيب دائمًا من حياة الفرد اليوم هو العنصر الناضج الذي قد يرشده ويوجّهه ويُشعِره بمسؤوليته تجاه سِنّه التي بلغها ودوره الذي عليه أن يلعبه. متى ما غاب ذلك عُدِم الفرق بين شاب في سن العشرين وآخر في سن الثلاثين.
1 721
منشورات في أهمية الحذر والتروّي في مراحلك الفكرية، وتحرّي عواقب أفعالك الخاصة، وحاجتك إلى النهوض بنفسك في عالم لن يهتم بتعليمك هذا.
-----
أسوأ ما يغلب أن يحدث لمن يقوقع نفسه في مفهومي «اليمين» و«اليسار» أن تغدو نظرته إلى الأمور إما بوصفها منتسبة إلى اليسار وإما إلى اليمين فقط، بدلًا من كونها إما صوابًا وإما خطأً (بغض النظر عن مصدر الصواب والخطأ). والحق أن هذا ما أجده شائعًا عند النشء من اليمين وسواد اليساريين (وخطاب الشباب واهتمامهم غالبًا ما يكون يساريًّا على نحو مضجر)، فالواحد من هؤلاء الأخيرين يجهل أي شيء يتعلق باليمين وبمفكريه، ولا يعرف إلا مصطلحات مائعة قليلًا أو كثيرًا تختصر ألوانًا كثيرة من الاهتمامات والنزعات، ولربما كان «اليمين الجديد» و«التنوير المضاد» أقرب مثالين.
-----
مثلبة أخرى تَسِم من يقوقع نفسه في مصطلحات معينة —يمين، يسار، اشتراكية، رأسمالية، إلخ— فيستعملها باستمرار ويلهج بها في كل مناسبة، أن تغدو هذه المصطلحات أداته النهائية والوحيدة لتفسير «مشكلات» الواقع بحوادثه الجارية وفهم التاريخ. عندها تكفّ هذه المصطلحات عن أن تكون مجرد أداة ذات معنًى محدود وسياق محدد لتصير نظرة شاملة إلى الحياة ومشكلاتها — إنها تغدو بذلك «مأوى الكينونة» بتعبير هيدچر في رسالته عن الإنسانوية، ولكن على نحو مشوه. هي ما زالت أدوات ready-at-hand for our use لا شك، لكنها صارت تحتوي الكائن بدلًا من أن يحتويها. بذا يُحَدّ مجال تفكير المرء ويصير تعامله مع الوقائع ميكانيًّا وحله للمشكلات سريعًا، إذ يجزيه أن يستحضر هذه المصطلحات التي دائمًا ما تكون في متناول اليد حتى يُشعِر نفسه أنه مالك زمام الأمور وواقع على منبع المشكلة وأن التمييزات الاصطلاحية المعتادة هي هي. للكلمات سحر لا ريب، لذا عليك معرفة حدود كل كلمة وإلا أعماك سحرها عن رؤية قصورها وضيقها: كل حد ينفي ليثبت، مثلما كل فكرة تخفي لتفسر — ليست هذه بمشكلة، لكن إغفالها كذلك.
-----
يكفي المرء أن يقرأ قرنًا واحدًا في تاريخ مصطلحي «اليمين» و«اليسار» حتى يعرف بحق تفاهة اليمين المعاصر عامةً في وجه الواقع الجارف الذي نشهده كل يوم. يمين اليوم ليس يمينًا بقدر ما هو يسار معتدل يحاول الحفاظ على كلاسيّته. في اليسار شيء يجعله يمتص اليمين كلما تقدمت وتحجّرت هذه التقسيمة بين الاثنين. ومن ثَم فقراءة أعلام اليسار تكشف لك عن أذهان عرفت بحق كيف تخترق الصفوف والمجتمعات أو تكوّن «ڤانچاردًا» —أكان فكريًّا فاعلًا واقعًا أم طفيليًّا— يحشد الناس ويطبعهم بالـ«إيثوس» المطلوب. اليسار مبدع للأساطير Mythopoeic بامتياز، ولذا حثيثًا ما يعلو صوته على صبيان اليمين. ماذا يمكن أن نسمي مثلًا ما وقع منذ عصر التنوير ومُثله غير أنه صناعة ممنهجة للوهم؟ واليمين بدوره كان على الدوام يستكنّ في نهاية المطاف لما آلت إليه الأمور في الواقع، والآن يجد المرء إنسان اليمين في نظرته إلى الحياة بأوسع معنًى لا يكاد يختلف عن اليسار. الأمر في جزء كبير منه شُغْلٌ على مستوى اللغة، وما دام إنسان اليمين جاهلًا وغير حذر في هذا الأمر ستظل هذه التقسيمة صوريةً محضًا لا تدل على شيء يبشّر بما يرجوه اليمين.
-----
أكثر ما ينبغي أن تحذر منه في عملية التحول من اليسار إلى اليمين أن يكون في ذهنك تَضَاد هذين المصطلحين، فلا يكون تحولك هذا إلا ردَّ فعلٍ تعتبره قسمةً بين الحقيقة والزيف، ويغدو دافعك الرئيس أن تنبذ كل ما كنت في يساريتك وتتبنى ميكانيًّا كل ما يقابل ذلك مهما كانت سذاجته. كأنك في ذلك تكفّر عن كل ما كنته سابقًا، ومثل هذه السيكولوجية خطير عليك الحذر منه لأنه يجرّك إلى أشد المواقف تفاهة دون أن تدري — يكون عندها هاجسك الأول أن لا يعنّ لأحدهم ألبتة اعتقاد أنك ما زلت على موقفك القديم. وهذه حال ليست بمعينةٍ على النضج في شيء وليست تنفع في تكوين مواقف تعي حدودها وجوانبها كافة وتسندها بمعرفة تاريخية واسعة. إن كنتَ تراهق في يساريتك، فإنك لا تفعل سوى الشيء نفسه في يمينيتك، وهذه مشكلة. السخرية، الشتائم في كل منشور، الوقوع في غرام بعض الأفكار والمفكرين واستيعاب الأمور كافة مجددًا عبر منظورهم دون معرفة حدوده، إلخ: ليست هذه أفضل خياراتك التي ستجعل منك ما تريده. فَاعفُ نفسك عن مثل هذه التصرفات وضيّق حدودها حتى تملك ردود فعل متزنة تعرف مَآلها ومنشأها، واحذر من أن تكون إنسانًا «مُستَثارًا» وكفى على الدوام.
-----
أشياء تحمل المرء على النفور من مثقّفي (إن صحت هذه التسمية) الفيسبوك: غالبهم من النمط الذي ترجح عنده السذاجة وهو «القراءة من أجل القراءة». لديهم حس فكاهة عميق في سخافته. قراءاتهم من العشوائية بمكان بحيث لا تجدهم قادرين على تكوين أي فكرة متسقة بأجزائها وبعيدة في غورها ومعقدة بروابطها (والقراءة العشوائية ليست سيئة دائمًا). تراهم على الدوام ينتقون أكثر الأفكار شيوعًا وسطحية عن الذين يقرؤون لهم ولا يعرفون بعدها شيئًا: فنيتشه صاحب المطرقة التي لا يعلمون ماذا
1 721
... إن التقدم لفكرةٌ يتخلل الإيمان ثناياها، وهي دين مُعَلمَن أو نظرة دينية خلاصية فُرِّغَت من محتواها اللاهوتي واستبدلت بها أفكار عَلمانية إنسانوية، ومن هذا أنها لا تختلف عن أي سردية تاريخية تطرحها الأديان الإبراهيمية الثلاثة (في الأقل): موضوع رئيس لهذه السردية — إما أن يكون الشعب اليهودي، وإما كل من آمن بالمسيح وبرسالة الإنجيل الحقة (ولاحقًا وَحدة الإنسانية)، وإما من كان مسلمًا (أيًّا كان الذي يعنيه ذلك). ثم وعد وغلبة وتوفيق لكل من التزم بما قرر الرب الواحد. ثم غاية يسير نحوها التاريخ. وأخيرًا دينونة وخلاص وتحقق لوعد الإله إلى جانب وعيده. أما التقدم المُعَلمَن الحديث فقد استقى بشكل رئيس من المسيحية، لكنه تخلص من ما أراد و«أبقى على أسوأ السقطات التي نجدها فيها».¹ لقد كان أوغسطينوس، مع سلفيه ترتليان ويوسيبيوس القيصري، هو من قدم مفهوم «تاريخ الإنسانية» ووحدتها إلى جانب الفكرة المسكونية Ecumenical — فمع أن هذا التاريخ قد يكون الله قدّره بدءًا، فإنه يشهد تجليًا عبر الزمان وإدراكًا لماهيته وصراعًا في سبيل الكمال الذي هو من ما ينماز به البشر من سواهم، وكل ذلك بقوًى هي محايثة للبشرية. بفَعلة أوغسطينوس هذه، فإنه أدمج فكرتين معًا: واحدة هي فكرة اليونان عن النمو أو التحسن (ضمن دورة)، وثانية هي الفكرة اليهودية عن قدسية التاريخ. هكذا برزت فكرة البشرية مفهومةً ضمن مراحل وأطوار على شاكلة المفهوم اليوناني (ورجالات الأنوار أحبوا مثل هذا المفهوم)، والحقب التاريخية التي قسم اليهوديون إليها تاريخ عهدهم القديم.² ولئن لم يكن دقيقًا في تحديد هذه الأطوار والحقب، فإنه في مدينة الله يضع مرحلة سابعة تكون هي زمان السعادة والسلام على الأرض — فليس يوم الدينونة وحده ودمار الأرض هو الذي سنختبر بعده ثواب الإله، إنما الأرض نفسها بأناسها الميمونين ستختبر ضربًا من الجنة الأرضية هي ثمرة مراحل طويلة من التهذب والتقدم التي مرت فيها الإنسانية.
1 721
(1) يمثل هذا الجيل هؤلاء الأشخاص الذين دشّنوا ما بعد الحداثة وقادوها، أغلبهم كان أكاديميًّا متعلّمًا بتوسّع، مثل رورتي وليوتار وبودريار وفوكو ودريدا… ما ميّز هذا الجيل أنه اهتم بالإبستمولوجيا وتشكّلها (حتى تاريخيًّا) ومصدرها، وعلى أي أساس كان البشر إلى ذلك الحين يشيّدونها. وكان الجيل شكيًّا عمومًا. أما الأطروحة الرئيسة فتمثلت بأن البشر غير قادرين على حيازة المعرفة، ولا التكلم على المعرفة موضوعيًّا وعقليًّا، فالأخلق بالبشر أن يكف عن الكلام على «الحقيقة». فلنتذكر ههنا الجملة التي أنهى بها فتچنشتين رسالته المنطقية الفلسفية، ولست أحيل على ذلك إلا لملاءمتها الموقف، على أن هذا الجيل الأول يشير إلى لا معنى الكلام على الحقيقة أصلًا.
قد تكون الحقائق موجودة، لكنها حقائقنا نحن أو هي كذلك بالنسبة إلينا وبالنسبة إلى النسق الاجتماعي وغير ذلك. الحقيقة ذات منشأ ذاتي لا سبيل إلى الكلام عليها كأنها شيء موضوعي بالنسبة إلى هذا الواقع الخارجي «المحتمل». وهذا الأمر عينه أُسقِط على السياسة، وكان غالب هذا الجيل ماركسيًّا أو يتبنى أفكارًا ماركسية. من أي ناحية؟ من حيث تضمّنه موقفًا مخاصمًا للعالم أجمع، للثقافات المسيطرة، للطبقات الحاكمة والعليا، وهكذا قُسِّمت الثقافات إلى أخرى فرعية عديدة، كل ثقافة تمثل سردية تقابل سرديات أخرى منافسة ومناقضة. لكنّا ما دمنا شكّاكًا، فالأحرى أننا غير قادرين على الخوض «عقليًّا» في حوار هادئ نقرر فيه ما الحقيقة. ولم يخلّف هذا الأمر سوى اعتقادات الناس الجامدة ببعض السِّستامات القيمية، حتى لو كانت متناقضة وغير ذلك. ولا سبيل إلى المصالحة بين السرديات أصلًا.
(2) انتشر هذا الفكر الجديد مع تداعياته بين الطلاب، وهم الذين تعلموا على يد أساتذة الجيل الأول، وصار هؤلاء الطلاب بدورهم أساتذة جامعيين وغير ذلك. هؤلاء هم الجيل الثاني. علّمنا الجيل الأول أننا غير قادرين على تناول المعرفة بالكلام، وأن ثمة سرديات مسيطرة وأخرى ضعيفة مهمّشة. ولحظ هذا الجيل الأمر عينه، وكانت رؤيته أن هذه السرديات الضعيفة المنبوذة التي تمثل صوت المقموع، يجب أن نرتفع بها ونساويها بالسرديات المسيطرة القوية، أو لا بد أن يحل نوع من المساواة بين مختلِف السرديات دون تفضيل واحدة على أخرى. إذ ما دامت الحقيقة عادمة أي سبيل إلى الكلام عليها، وما دامت السرديات بهذا المعيار متساوية، إذًا ينبغي لنا أن نمثل هذه السرديات في مناهجنا الدراسية والجامعية بالتساوي دون تقديم سردية على أخرى.
هذا هو التمثيل التناسبي بين مختلِف السرديات، باسم التنوع والمساواة. والمساواة أمر ملحّ ومطلوب مهما كانت الاختلافات الكائنة بين الأطراف التي تراد المساواة في ما بينها. بل أُنكِرت هذه الاختلافات أصلًا. وكان هذا في الثمانينيات ونهاية التسعينيات.
(3) نلفى في الجيل الثالث امتدادًا للجيل الثاني على نحو رئيس، فهؤلاء قد تشبّعوا بالمناهج السابقة فتكونت لديهم تصوراتهم عما ينبغي تدريسه وما هو المهم وما الذي يثير اهتمامهم. وقد مثّلوا بخاصة السرديات الأقل شيوعًا وأضعف، وتشبّعهم بهذه المناهج حملهم على أن يكونوا موجّهين إيديولوجيًّا. وقد اهتموا بتوسيع الأفكار التي تشبعوا بها وطرحها على مستوًى أضخم، وهنا صار التقابل بين السرديات يعني التعتيم على السردية الأخرى ومجابهتها بعنف وعدم الاهتمام أصلًا بالالتفات إليها أو تدريسها.
فهم إذ كانوا يدعون إلى المساواة في الجيل الثاني، صارت دعواهم الآن نوعًا من «العدالة التعويضة»: ثمة سرديات وأطراف كانت مهمّشة ومنبوذة على طول التاريخ، وقد آن الأوان أن تصير هي المسيطرة حتى لو كان هذا بسبيل العنف وتهميش الطرف الآخر من جديد. وهذا الطرف الذي كان مهمّشًا على طول التاريخ، يصير مفضّلًا على هذا الذي كان مسيطرًا، ويصير الواجب أن نضحّي بالقوي من أجل الضعيف، وبالغني من أجل الفقير، وبالمضطهِد من أجل المضطهَد، وبالمبدع من أجل عديم الموهبة… فلنستحضر هنا كلام نيتشه على أخلاق السادة والعبيد. وفي هذه الحال، يتسلّح هذا الطرف الصاعد بمجموعة أوصاف يطلقها على المخالف لإظهاره بمظهر الإنسان الرجعي المتخلف الذي يتشبث بجذوره عن جهل. كل من يتابع تصرّفات الشباب الذي يتبنى اليسار الليبرالي في الغرب يعرف هذا الأمر تمامًا. والحال في هذا الجيل، أن المسألة ليست وجود طرف محافظ وطرف ليبرالي يمكن أن نجري حوارًا بينهما كي نحدد الأمور ونفهمها، إنما مسألة وجود طرف يميني عليه أن يغلق فمه الآن ويتيح لليسار أن يزدهر.
https://youtu.be/1cuxEmy_Ipo
1 721
«[…] لقد بين لنا داروين أننا حيوانات، غير أن —كما لا يكلّ الإنسانيون عن الوعظ— كيفية عيشنا ’أمر يرجع إلينا‘. يُقال لنا إننا —على العكس من أي حيوان— مالكو حرية العيش كما يعنّ لأنفسنا. مع ذلك فإن فكرة حرية الإرادة ليست شيئًا يُستقى من العلم. إنما أصولها ترجع إلى الدين — وليس أي دين، إنما الإيمان المسيحي الذي يندد به الإنسانيون على نحو وسواسي بالغ.
لقد تفكر الإپيقوريون في العالم القديم في إمكانية أن تكون بعض الحوادث واقعةً بلا علة، أما الاعتقاد أن البشر محددون من بين سائر الحيوانات بأنهم حائزون إرادةً حرةً فإنما هو إرث مسيحي. […] على قدر المساواة، لا شيء غير الثقافات ما بعد المسيحية تلفى فيها الفلاسفة يكدّون والورع البالغ سيماهم كي يوفقوا بين الحتمية العلمية والاعتقاد بالكفاية الفريدة لدى البشر في اصطفاء السبيل التي يحيونها. ما يحمل على السخريّة في الداروينية الإنجيلية أنها تفيد من العلم حتى تدعم نظرة عن الإنسانية ترجع في أصلها إلى الدين. […] يعمد الإنسانيون إلى داروين قاصدين بذلك إلى إسناد إيمانهم الحديث المتزعزع في التقدم، بيد أنه ما من تقدم في العالم الذي يكشف عنه هذا الداروين. فالنظرة الطبيعانية الحقة إلى العالم لا تدع حيزًا لأمل عَلماني.
إنها لمسألة فَخَارٍ بين الفلاسفة المعاصرين أن يكون واحدهم جهولًا في الثيولوجيا. وعاقبةً لهذا، نادرًا ما تُفهم الأصول المسيحية للإنسانية العَلمانية. مع ذلك فإنها كانت جليّة تمامًا لمؤسسيها. مبكرًا في القرن التاسع عشر، ابتدع الوضعيان الفرنسيان هنري سان-سيمون وأوچست كونت دين الإنسانية، أي رؤيةً عن حضارة كونية مستندة إلى العلم هي النموذج البدئي لأديان القرن العشرين السياسية. وعبر تأثيرهم في جون ستيورت مل، فإنهما صيّرا الليبراليةَ العقيدةَ العَلمانيةَ التي هي عليها اليوم. وعبر تأثيرهم العميق في كارل ماركس، أعانا على تشكيل ’الاشتراكية العلمية‘. وعلى نحو مثير للسخرية، إذ كان سان سيمون وكونت ناقدين عاتِيَين لاقتصاد دعه يعمل، فإنهما ألهما أيضًا عقيدة السوق العالمية في القرن العشرين.
ليست الإنسانوية علمًا، إنما هي دين — هذا الإيمان ما بعد المسيحي الذي يقول إنه لفي وسع البشر أن ينشئوا عالمًا أفضل من أي واحد عاشوا فيه سابقًا. في أورپا ما قبل المسيحية، كان من المسلّم أن المستقبل سيكون مثلما الماضي. قد تتقدم المعرفة والابتكار، غير أن الأخلاق ستظل إلى حد كبير كما هي. كان التاريخ سلسلة من الحلقات، دونما أي معنًى شامل. على ضد النظرة الوثنية، فَهِم المسيحيون التاريخَ باعتباره حكاية الخطيئة والافتداء (الخلاص). أما الإنسانوية فهي إحالة هذا المذهب المسيحي عن الخلاص إلى مشروع عِتْق إنساني كوني. وفكرة التقدم إنما هي النسخة العَلمانية من الاعتقاد المسيحي عن العناية الإلهية. من أجل هذا كانت غير معروفة بين الوثنيين القدامى.
لدى اعتقاد التقدم مصدر غير هذا. ففي العلم، يكون نمو المعرفة تراكميًّا. غير أن البشرية بجملتها ليست بنشاط تراكمي: ما يُكتَسب في جيل ما قد يضيع في الجيل التالي. في العلم، المعرفة خير نقي، أما في الأخلاق والسياسة فهي شر بقدر ما هي خير. العلم يزيد من قوة الإنسان — ويضاعف المعايب في طبيعة الإنسان. إنه يمكّننا من العيش أطول وحيازة معايير عيش أسمى من الماضي. غير أنه في الوقت عينه يتيح لنا إنزال الدمار —بعضنا بالبعض الآخر وبالأرض— على مقياس أضخم من أي ما سبق.
ترتكز فكرة التقدم على اعتقاد أن نمو المعرفة وتقدم النوع يسيران جنبًا إلى جنب — إن لم يكن هذا الآن، فعلى المدى البعيد. غير أن الأسطورة الكتابية عن سقوط الإنسان تحوز الحقيقة المحرمة. لا تجعلنا المعرفة أحرارًا. إنها تدعنا كما كنا دائمًا، قنيصةً لكل ضرب حماقة. الحقيقة نفسها نجدها في الأسطورة الإغريقية. عقاب پروميثيوس، مقيّدًا إلى صخرة عاقبةً لسرقة النار من الآلهة، لم يكن جائرًا».
https://ahmadphilo.wordpress.com/2020/03/18/%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%af%d9%85-%d8%ac%d9%88%d9%86-%da%86%d8%b1%d8%a7%d9%8a/
