en
Feedback
وجدان الحازمي

وجدان الحازمي

Open in Telegram

قراءة، كتب، موسيقى، إلهام ، وعي

Show more
5 939
Subscribers
No data24 hours
-307 days
-5930 days
Posts Archive
. وقد تصبر مرات عديدة ولوقت طويل.. وتحاول أن تفهم وتبرر وتتجاوز وتمنح العلاقة فرصة بعد أخرى.. إلا أن تكرار الألم رغم وضوح أثره عليها يجعل المشكلة أكبر من الموقف نفسه.. فمع الوقت يبدأ شعورها بأن مشاعرها لا تصل.. وأن الطرف الآخر لا ينتبه لأثر أفعاله عليها ولا يتعامل معه بالجدية الكافية. وهذا ما يغفله كثير من الرجال.. أن حماية مشاعر المرأة ليست تدليلا لها ولا مجاملة على حساب الرجل.. إنها في جوهرها حماية للرابطة بينهما.. لأن ما يتكرر تجاه مشاعرها اليوم.. سيتحول مع الوقت إلى شعورها تجاه العلاقة كلها. وجدان 💕

عندما يتساءل الرجل: لماذا أصبحت بعيدة رغم أنها ما زالت تحبني؟؟ من أكثر الأمور التي تربك الرجل في العلاقة أن يجد المرأة التي كانت قريبة منه.. كثيرة الحديث.. سريعة المبادرة.. راغبة في حضوره ولمسته وتفاصيله.. قد بدأت تنكمش وتبتعد بهدوء.. فيستغرب تغيرها ويبحث عن موقف أخير يفسر ما حدث.. بينما هي في كثير من الأحيان لا تعيش أثر موقف واحد.. وإنما حصيلة مواقف تراكمت داخلها حتى غيرت شعورها بالعلاقة كلها. فالابتعاد العاطفي لا يبدأ يوم تبتعد المرأة فعليا.. وقد يكون قد بدأ قبل ذلك بكثير.. في كل مرة حاولت أن تشرح ولم تشعر أنها فهمت.. وفي كل مرة احتاجت الاحتواء فوجدت دفاعا أو تبريرا.. وفي كل خلاف انتهى ظاهريا بينما بقي شيء منه عالقا في داخلها. في البداية تتحدث وتعاتب وتسأل وتغضب وتكرر المشكلة.. وقد يظن الرجل أن هذا التكرار تضخيم.. مع أن التكرار أحيانا دليل على أن المشكلة لم تنته نفسيا بالنسبة لها.. ولذلك قد تكون المرحلة التي تكثر فيها شكواها أقل خطورة من المرحلة التي تتوقف فيها عن الشكوى تماما.. لأن الصمت لا يعني دائما أن المشكلة انتهت.. فقد يعني أن محاولاتها انتهت. ومع الوقت قد يحدث التحول الأعمق.. تتوقف عن محاولة جعله يفهمها.. وتبدأ في حماية نفسها منه.. تخفض توقعاتها.. تقلل انكشافها العاطفي.. تحتفظ بتفاصيلها لنفسها.. ولا تنتظر منه ما خذلها فيه سابقا.. وهنا يستغرب الرجل هدوءها وعدم اكتراثها بما كان يزعجها.. ولا ينتبه إلى أن الغضب نفسه كان يحمل قدرا من الأمل.. فالإنسان غالبا يعاتب حين لا يزال يعتقد أن شيئا يمكن إصلاحه.. وعندما تتراجع التوقعات بشدة قد يتراجع معها الاحتجاج. وقد يمتد هذا الانكماش إلى الجانب الجنسي أيضا.. فالمرأة قد تستمر في حب زوجها ومع ذلك تنخفض رغبتها في قربه أو لمسته.. فالحب والرغبة والأمان ليست شيئا واحدا. صحيح أن الرغبة الجنسية تتأثر بعوامل كثيرة مثل الصحة والهرمونات والنوم والإجهاد والأدوية.. لكن حين يظهر النفور بالتزامن مع جرح عاطفي أو توتر مزمن في العلاقة.. يصبح الجانب النفسي مهما. فالحميمية تحتاج إلى قدرة على الاسترخاء والانكشاف.. وحين يرتبط الرجل في داخلها بالخوف أو الضغط أو النقد أو التجاهل أو الخذلان المتكرر.. قد يصبح الجسد نفسه أكثر حذرا من قربه.. لأن الرغبة يصعب أن تزدهر في جسد مستنفر. وقد يزيد الرجل المسافة دون أن يقصد حين يرى ابتعادها فيحاول علاج المشكلة بالمزيد من المطالبة بالقرب أو اللمس أو الجنس.. أو يعتبر رفضها دليلا على ضعف الحب.. في حين أنها قد تشعر أن المطلوب منها أن تقدم ثمرة الأمان قبل إصلاح جذوره. وعاطفيا يحدث الشيء نفسه.. المرأة التي كانت تحكي يومها بالتفصيل تبدأ بالاختصار.. والتي كانت تنتظر اهتمامه تملأ وقتها وحدها.. والتي كانت تطلب رأيه تتوقف عن السؤال.. والتي كانت تتألم من بروده قد تصبح أقل تأثرا به.. فيظن أنها أصبحت مستقلة فجأة.. والحقيقة أنها ربما تعلمت بالتدريج كيف تعيش نفسيا بعيدا عنه وهي ما زالت داخل العلاقة. والأصعب أن الرجل قد يبدأ محاولاته الجادة بعد أن يرى هذا الانكماش.. يقترب ويلاطف ويعتذر ويحاول استعادة ما كان بينهما.. ثم يستغرب لماذا لا تعود بسرعة كما كانت.. غير أن المرأة حينها لا تستجيب للحاضر منفصلا عن تاريخها.. فالاعتذار قد ينهي موقفا لكنه لا يعيد الثقة تلقائيا.. والأيام الجميلة لا تمحو بسرعة شهورا من التوتر.. والجسد لا يقتنع بالحجج إن كان قد تعلم الحذر. ما يعيد الأمان هو خبرات جديدة ومتكررة وثابتة ومستمرة تناقض الخبرة القديمة.. خلاف بلا جرح.. حديث بلا دفاع وهجوم.. ضعف بلا استغلال.. حدود بلا عقوبة.. رفض جنسي بلا غضب.. قرب بلا ضغط.. واعتذار يتبعه تغير حقيقي ومستمر. لذلك حين يقول الرجل باستغراب: لماذا تغيرت؟ لماذا لم تعد قريبة مني كما كانت؟.. ربما يفترض أن يسأل السؤال الأعمق: ماذا حدث بيننا حتى أصبح الابتعاد أكثر أمانا لها من الاقتراب؟.. فالمرأة لا تنكمش دائما لأنها فقدت الحب.. أحيانا تنكمش لأنها فقدت الأمان الذي كان يسمح للحب أن يظهر.. وقد يبقى شيء كبير من الحب في داخلها بينما تختفي اللهفة والمبادرة والدلال والفضفضة والرغبة والقدرة على استقبال اللمسة.. وحينها لا يكون الحل المطالبة بأن تعود كما كانت.. الأهم أن نفهم أولا ما الذي جعل تلك المرأة التي كانت تقترب بكل عفوية.. تبدأ في حماية نفسها من القرب. والرسالة التي يحتاج الرجل أن يفهمها.. أن مشاعر المرأة داخل العلاقة ليست أمرا هامشيا يمكن تجاوزه ما دامت بقية الأمور تسير بشكل جيد.. فهي من أهم ما يحدد شكل علاقتها بك. كيف تشعر معك؟ هل تشعر بالأمان أم الحذر؟ بالتقدير أم الانتقاص؟ بالفهم أم الوحدة؟ بالطمأنينة أم التأهب؟ هذه المشاعر تتراكم مع الأيام وتصنع موقفها منك ومن العلاقة كلها. لذلك لا تستغرب ابتعاد امرأة ظلت لفترة طويلة تشعر بالسوء ثم تتوقع منها أن تتصرف وكأن شيئا لم يحدث.. فالمرأة غالبا لا تبتعد في اللحظة التي تتألم فيها.

الأنس في العلاقات …. الأُنس سرٌّ من أسرار الأرواح؛ لا تصنعه كثرة اللقاءات، ولا طول الأحاديث، ولا حتى تشابه الطباع، وإنما يولد حين تجد النفس في نفسٍ أخرى موضعًا تستريح فيه من عناء العالم. فالإنسان يمضي كثيرًا من عمره متأهّبًا؛ يزن كلماته، ويهذّب عفويته، ويشرح مقاصده، ويحرس مواضع ضعفه. حتى يلقى روحًا يسقط في حضرتها هذا الحذر كلّه، فلا يشعر أنه بحاجة إلى أن يكون أكثر جمالًا، ولا أكثر خفة، ولا أكثر اكتمالًا؛ يكفيه أن يكون كما هو. وليس الأُنس أن تجد من يشبهك، بل أن تجد من لا تضيق روحه باختلافك؛ من يكون الصمت معه حديثًا من نوع آخر، والاختلاف قربًا لا خصومة، والحضور راحة لا أداءً. وللأرواح في ذلك منطق لا تحسن المقاييس تفسيره؛ فقد نلتقي من تكتمل فيه المحاسن ولا تسكن إليه النفس، ونلقى من لا نعرف كيف نفسّر ألفتنا به، وكأن في روحه شيئًا تعرفه أرواحنا قبل أن تعرفه عقولنا. ولعلّ المودّة لا تبدأ حقًا حين نُعجب بالآخر، بل حين نطمئن إليه؛ حين لا يصبح القرب منه إضافةً إلى أعباء الحياة، والعكس من ذلك ، يكون موضعًا نضع فيه شيئًا منها. وما أندر أن يجود العمر بروحٍ لا نحتاج معها إلى مغادرة أنفسنا كي نبقى قريبين؛ روحٍ إذا حضرَت هدأ شيءٌ في الداخل، وإذا تحدّثنا إليها لم نتكلّف، وإذا صمتنا معها لم نشعر بالفراغ. وفي آخر الأمر، ليست أثمن العلاقات تلك التي تملأ حياتنا ضجيجًا بالمشاعر، لكن تلك التي تمنحنا سكينةً لا نعرف كيف نصفها؛ أن نجد إنسانًا لا نحتاج معه إلى الدفاع عن حقيقتنا، ولا إلى التخفف من بعض ذواتنا كي يتّسع لنا. إنسانًا يكون قربه فسحةً من مشقة الحياة، ونعود من صحبته أقرب إلى أنفسنا مما كنّا. وجدان 💕

‏لكي يعرف الإنسان السلام يجب أن يجرب الصراع ..عليه أن يمر بالمرحلة البطولية قبل أن يتمكن من التصرف كحكيم..يجب أن يصبح ضحية إنفعالاته قبل أن يتمكن من التعالي عليها

(٢) (صحة تفسير محتمل لا تمنحه حق احتكار الحقيقة) قد تنظر إلى تصرف شخص ما وتفسره بطريقة معينة.. وقد يكون تفسيرك منطقياً جداً ، بل وقد يكون صحيحاً بالفعل.. لكن المشكلة تبدأ حين ننتقل من (هذا تفسير محتمل) إلى (هذا هو التفسير الوحيد، وأنا أعرف تماما لماذا فعل ذلك). فمثلاً.. شخص ابتعد عنك فجأة. قد يكون تفسيرك أنه فقد اهتمامه صحيح.. لكن الإبتعاد نفسه قد ينتج عن خوف، أو ارتباك، أو ضغط، أو تجنب للمواجهة، أو تغير في ظروفه، أو عدة دوافع متداخلة في الوقت نفسه. بل أحيانا الإنسان نفسه لا يفهم دوافعه كاملة 🤷🏻‍♀️. إذن التواضع أمام الاحتمالات لا يعني التشكيك في فهمك أو إلغاء حدسك.. ولا يعني أن كل الاحتمالات متساوية في القوة.. وإنما يعني ألا نمنح تفسيرك يقيناً أكبر مما تسمح به المعلومات التي لديك. وهذا هو الفرق بين الوعي والانحياز للفكرة.. الوعي:
أرى هذا التفسير مرجحا بناء على ما أعرفه.. لكنني أترك مساحة لما لا أعرفه
الإنحياز
بما أن هذا التفسير يبدو منطقيا لي.. إذن هذه هي الحقيقة
التواضع أمام الاحتمالات ليس أن تشك في كل ما تفهمه.. بل ألا تنسى.. وأنت واثق من فهمك..أن الإنسان أوسع من معرفتك به. وجدان 💕

اتساع الوعي.. واتساع الاحتمالات (١) الصرامة في تفسير الآخرين.. والإصرار على إلزام كل تصرف بمعنى محدد.. وكأننا نملك مفاتيح نفوس البشر ودوافعهم الخفية.. ليس بالضرورة دليل على الوعي والعمق.. و قد يكون أحيانا اختزال وحصر للإنسان في قالب واحد.. وهذا بالتأكيد إغفال لتعقيد التجارب والمشاعر والدوافع التي لا تظهر لنا كاملة.. الوعي الحقيقي لا يعني أن تمتلك تفسيرا لكل شيء.. بل أن تدرك أن ما تعرفه عن الآخر يظل جزءا صغيرا مما يحدث داخله.. وأن السلوك الواحد قد يصدر عن دوافع متناقضة تماما.. قد يكون الصمت غضب.. وقد يكون خوف.. أو حتى حكمة.. وقد يكون عجز.. وربما مجرد تعب لا علاقة له بك أصلا ولا بتفسيرك وقراءتك.. وهنا يأتي التواضع أمام الاحتمالات.. أن تقول: ربما فهمت.. وربما لم أفهم.. ربما يكون تفسيري صحيح.. لكنه ليس الاحتمال الوحيد.. وأن تترك دائما مساحة بين ما تراه.. وبين الحكم الذي تصدره عليه.. كلما اتسع وعي الإنسان.. اتسعت معه احتمالاته.. وقل يقينه المتعجل بنوايا الآخرين.. فلا يحول كل موقف إلى تشخيص.. ولا كل كلمة إلى دلالة خفية.. ولا كل خطأ إلى نمط نفسي متجذر.. الوعي الحقيقي لا يجعلك أكثر استعجال في الحكم على الناس.. بل أكثر تواضع أمام احتمالاتهم.. حتى تصل إلى مرحلة من النضج لاتقول فيها:
أنا أعرف لماذا فعل ذلك
.. وبدلا من ذلك.. تؤمن ببساطة أن هناك الكثير مما لا تعرفه.. وأن وعيك لا يكتمل بكثرة ما تفسر.. وقد لا يكون تفسيرك خاطئا بالضرورة.. لكنه يظل احتمالا بين احتمالات أخرى.. فالإنسان أعقد من أن يحيط أحد بكل دوافعه وظروفه وتناقضاته.. ولذلك تسبق الثقة بتفسيراتنا مساحة من التواضع أمام ما قد نجهله.. وما لا يمكن لنا إدراكه كاملاً

(٤) ماذا عن ماضي هؤلاء الرجال مع النساء ؟ بعضهم مر بخيانة أو رفض أو طلاق مؤلم أو علاقة شعر فيها بالاستغلال أو الإذلال، وبعضهم لم يمر بشيء من ذلك أصلًا. لذلك ليس من العلمي أن نقول إن كل رجل عدائي تجاه المرأة هو رجل رفضته النساء أو فشل معهن. لكن ما يحدث أحيانًا أن التجربة الشخصية المؤلمة تتحول إلى تعميم. ( توسعت في المقال السابق ) وهناك رجال آخرون لم تجرحهم امرأة، لكنهم سلطويون أصلًا. يرون العالم هرميًا ويحتاجون إلى معرفة من يقود ومن يتبع. وهناك من لديهم هشاشة محددة في هويتهم الرجولية، لا بمعنى أنهم ضعفاء أو فاشلون، بل بمعنى أن إحساسهم بالرجولة يتأثر بشدة عندما تختلف معهم امرأة. وقد يكون الرجل ناجحًا، ذكيًا، قويًا اجتماعيًا، مسؤولًا في مجالات كثيرة، لكنه لا يستطيع الاحتفاظ بالشعور نفسه بقيمته عندما تقول له زوجته: لا. وهناك أيضًا رجل يشعر أن العالم تغير بطريقة تهدد النموذج الذي يعرفه. المرأة أصبحت أكثر تعليمًا، وأكثر قدرة على العمل والاستقلال، وتستطيع أن تختار وتغادر وتضع حدودًا. الرجل الناضج يستطيع أن يعيد تعريف رجولته داخل هذا الواقع، فيقول: قيمتي ليست في أن المرأة عاجزة عن الاستغناء عني، بل في أنني أضيف إلى حياتها ما يجعلها تختار البقاء معي. أما الرجل الهش فيقرأ التغيير بطريقة مختلفة: إذا لم تعد تحتاج إليّ، فما الذي يضمن أن تبقى؟ وهنا يتحول استقلال المرأة من ميزة إلى تهديد. والأبناء يدفعون الثمن أيضًا. الطفل الذي يكبر في منزل كهذا لا يتعلم فقط كيف يعامل الأب الأم، بل يتعلم معنى الرجولة ومعنى الأنوثة. قد يتعلم الولد أن الرجولة تعني أن تكون الكلمة الأخيرة، وأن الاعتذار ضعف، وأن مشاعر المرأة محاولة للتلاعب. وقد تتعلم البنت أن الحب يعني مراقبة مزاج الرجل، وأن الحفاظ على الأسرة يتطلب ابتلاع الاعتراض، وأن الرجل الغاضب يحتاج إلى امرأة أكثر هدوءًا لا إلى رجل أكثر مسؤولية عن غضبه. وهكذا تنتقل المنظومة من جيل إلى آخر. ومع ذلك، من الخطأ اختزال هذا الرجل في صورة الرجل الضعيف الفاشل. قد يكون قويًا وناجحًا وذكيًا وصاحب شخصية وشجاعًا ومسؤولًا، لكن الجزء الهش يظهر في قدرته على الاحتفاظ بإحساسه برجولته عندما لا تطيعه امرأة. وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين القوة والسيطرة. القوة الحقيقية لا تظهر عندما يمتثل الآخر لك، بل عندما يمتلك الآخر حرية مخالفتك ومع ذلك تستطيع أن تبقى متزنًا ومحترمًا وواثقًا بنفسك. الرجل الواثق لا يحتاج إلى امرأة فقيرة حتى يشعر بأنه مزود، ولا إلى امرأة خائفة حتى يشعر بالهيبة، ولا إلى امرأة صامتة حتى يشعر بأن كلمته مسموعة، ولا إلى امرأة أقل نجاحًا حتى يشعر بالإنجاز، ولا يحتاج إلى كسر شخصية امرأة قوية حتى يثبت أنه أقوى منها. وهنا يقع الخط الفاصل بين القوامة والهيمنة. القوامة تزيد مسؤولية الرجل كلما زادت قوته، أما الهيمنة فتزيد امتيازاته كلما زادت قوته. القوامة تسأل: ماذا ستفعل بهذه القوة لتحمي الأسرة وتحسن معاشها؟ أما الهيمنة فتسأل: كيف ستستخدم هذه القوة حتى يطيعك الآخرون؟ ولهذا فإن أخطر ما في الخطابات المتطرفة تجاه المرأة أنها لا تسيء إلى النساء فقط، بل تقدم للرجال أنفسهم نسخة هشه جدًا من الرجولة؛ رجولة تخاف من الرفض، ومن استقلال المرأة، ومن نجاحها، ومن النقاش، ومن كلمة (لا)، وتحتاج باستمرار إلى الطاعة حتى تطمئن إلى أنها ما زالت موجودة. الرجل الناضج لا يحتاج أن يسأل طوال الوقت: من الأقوى بيننا؟ لأن الزواج عنده لم يكن معركة منذ البداية. والرجولة الناضجة لا تقاس بمقدار السلطة التي يستطيع الرجل فرضها على المرأة، بل بمقدار القوة التي يستطيع امتلاكها دون أن يسيء استخدامها. وربما هذه هي أهم نقطة في كل هذا النقاش: الرجل الذي يحتاج إلى إضعاف امرأة حتى يشعر بقوته لم يصل بعد إلى القوة التي يتحدث عنها. لأن الرجل القوي يستطيع أن يعيش مع امرأة قوية دون أن يشعر أن قوتها تخصم من رجولته، ويستطيع أن يسمع منها (لا) دون أن تنهار صورته عن نفسه، ويستطيع أن يقود دون أن يذل، ويحمي دون أن يمتلك، ويغار دون أن يراقب، ويختلف دون أن يعاقب، ويعتذر دون أن يشعر بأنه خسر مكانته. وجدان💕

(٣) علاقة هذا الرجل مع الرجال الأخرين :الرجل الذي يبني رجولته على السيطرة على المرأة يحتاج غالبًا إلى جمهور ذكوري يؤكد له أن ما يفعله صحيح. ولهذا يصبح صديقه، أو المؤثر الذي يتابعه، أو المجتمع الإلكتروني الذي ينتمي إليه مهمًا جدًا. عندما تقول زوجته: هذا يؤذيني، ويقول له عشرات الرجال: لا تسمع كلامها، النساء كلهن يفعلن ذلك حتى يسيطرن عليك، قد يصبح تصديق هؤلاء الرجال أكثر أمانًا نفسيًا من تصديق المرأة التي يعيش معها. قبول روايتها قد يفرض عليه مراجعة نفسه، أما الجماعة فتمنحه رسالة أكثر راحة: أنت لست المشكلة، النساء هن المشكلة. ولهذا نجد في الخطاب الذكوري المتطرف مراقبة مستمرة للرجال الآخرين أيضًا. لا تكن ضعيفًا، لا تعتذر، لا تجعلها تتحكم بك، استرجل. وهكذا يصبح الرجل نفسه أسيرًا لصورة جامدة عن الرجولة، لا يستطيع أن يبكي، أو يعتذر، أو يطلب الاحتواء، أو يستشير زوجته دون أن يخشى أن يُفهم ذلك بوصفه ضعفًا. تصبح الزوجة طرفًا ثالثًا في علاقة خفية بين الرجل وجمهور من الرجال يحاول أمامهم باستمرار إثبات أن امرأة لم تنتزع منه رجولته. وهذه البيئة مهمة جدًا لفهم كيف تنتشر الأفكار العدائية. المؤثر لا يقدم للرجل رأيًا عن النساء فقط، بل يمنحه هوية. يقول له بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: أنت من الرجال الذين فهموا اللعبة، أنت لست كالرجل الساذج الذي تسيطر عليه زوجته، أنت تعرف حقيقة النساء، والآخرون مخدوعون😅. وهنا لا يعود الرجل يدافع عن فكرة، بل يدافع عن انتماء ومكانة وهوية. ومن هنا نفهم لماذا لا يكفي أن نصف هؤلاء الرجال ببساطة بأنهم يكرهون النساء. بعضهم لا يرى نفسه كذلك أصلًا. قد يرى نفسه شخصًا يفهم المرأة أكثر من غيره ويحمي الرجال من استغلالها.

وعندما يشعر هذا الرجل أنه يفقد السيطرة، غالبًا لن يقول: أنا خائف أن أفقد مكانتي لديك. سيظهر الخوف في صورة غضب، مزيد من القواعد، تشدد، مراقبة، استجواب، تهديد بالطلاق، سحب امتيازات، تقليل من قيمة المرأة، أو نقاشات طويلة لا تنتهي. وقد لا يكون هدفه الوصول إلى حل بقدر ما يكون الوصول إلى جملة واحدة: أنت صح. هذه الجملة تعيد له الشعور بأن ترتيب العلاقة عاد كما يريده. بعد تكرار هذه الدائرة تبدأ المرأة نفسها بالتغير. في البداية تحاول إقناعه، ثم تهدئته، ثم تتجنب الخلاف، ثم تبدأ بالتحفظ ( تمشي ع قشر بيض 🙃) . تفكر قبل كل كلمة، تختار الوقت، تغير الصياغة، تشرح أكثر من اللازم، تعتذر قبل أن تختلف، تخفي بعض رغباتها، وتتنازل في أمور صغيرة حتى توفر طاقتها للأمور الكبيرة. وقد تبدأ بطلب الإذن في أشياء لم تكن تحتاج أصلًا إلى إذن بشأنها، فقط لأنها تعلمت أن تكلفة اعتراضه أعلى من قيمة القرار. ومن الخارج قد يبدو الزواج مستقرًا، لا توجد خلافات كثيرة ولا أصوات مرتفعة، لكن غياب الخلاف لا يعني دائمًا وجود التوافق. أحيانًا يعني فقط أن أحد الطرفين توقف عن الكلام. وقد يقول الرجل بفخر: زوجتي تعرف كيف تتعامل معي، بينما الحقيقة النفسية قد تكون أن زوجته تعلمت كيف تتجنب غضبه عندما لا توافقه. ثم تحدث مرحلة أخطر. تتوقف المرأة عن محاولة إصلاح العلاقة. لا تعود تناقش لأنه لم يعد يهمها أن يفهم، ولا تعترض لأنها بدأت تتخيل حياتها خارجه، ولا تغضب لأنها استنفدت الغضب. وهنا قد يظن الرجل أن العلاقة تحسنت، بينما تكون هي قد انسحبت عاطفيًا. ولذلك يصدم بعض الرجال حين تطلب المرأة الانفصال ويقول: كنا بخير، بينما تكون هي قد غادرت العلاقة نفسيًا قبل أن تغادرها فعليًا بوقت طويل. وعندما يشعر هذا الرجل أن المرأة ستذهب فعلًا، قد يتحول فجأة. يبكي، يعتذر، يعد بالتغيير، يصبح أكثر حنانًا، ويتنازل عن أمور كان يعتبرها قبل أيام خطوطًا حمراء. وهذا لا يعني بالضرورة أن التغيير كاذب؛ قد يكون خوف الفقد حقيقيًا. لكن السؤال ليس: هل تألم عندما فقدها؟ بل: هل تغير تصوره للعلاقة؟ لأن الإنسان يستطيع أن يخاف فقدان شخص دون أن يتخلى عن المنظومة التي آذته. التغيير الحقيقي يظهر في الخلاف التالي: هل يستطيع سماع (لا) دون عقاب؟ هل يستطيع الاختلاف دون تحقير؟ هل يحتمل استقلالها دون اعتباره تهديدًا؟ هل يستطيع الاعتذار دون الشعور بأنه خسر رجولته؟ وهل يقبل حدودًا لا تعجبه؟

تشريح الرجل العدائي تجاه المرأة داخل العلاقة الزوجية الرجل العدائي تجاه المرأة لا يختار دائمًا المرأة الضعيفة كما قد يُتوقع، بل قد ينجذب أحيانًا إلى المرأة الجميلة، الذكية، المستقلة، الناجحة، ذات الحضور والشخصية الواضحة، لأن اختيار امرأة بهذه الصفات له يمنحه شعورًا مرتفعًا بالقيمة. وجودها بجانبه يقول له شيئًا عن نفسه: امرأة كهذه اختارتني أنا. وقد ينجذب أيضًا إلى المرأة الأقل خبرة أو الأكثر اعتمادًا عليه إذا كانت حاجته الأساسية هي ضمان التفوق والهيمنة منذ البداية. لذلك لا توجد صورة واحدة للمرأة التي يختارها هذا الرجل؛ بعضهم يبحث عن امرأة يسهل قيادها، وبعضهم ينجذب إلى امرأة قوية ثم يدخل معها لاحقًا في معركة لتقليل القوة نفسها التي جذبته إليها. الجامع في الحالتين ليس نوع المرأة، بل مقدار الأمان الذي يمنحه له موقعه أمامها. وهنا تبدأ المفارقة. فقد يعجبه استقلالها في البداية ثم يسميه لاحقًا عنادًا، ويحب ذكاءها ثم يصفها بكثرة الجدال، وينجذب إلى حضورها الاجتماعي ثم يصبح حضورها مصدر تهديد، ويفخر بنجاحها ثم يبدأ بالشعور أنها لا تحتاج إليه. ما كان يراه قبل الارتباط ميزة قد يتحول بعد أن يطمئن إلى العلاقة إلى خطر على موقعه. لذلك قد لا تكون مشكلته الحقيقية أنه لا يستطيع أن يحب المرأة، بل أنه يصعب عليه أن يحب امرأة لا يستطيع امتلاك إرادتها. هذا النمط لا يظهر دائمًا منذ البداية بصورة فجة. قد يكون لبقًا، مثقفًا، كريمًا، غيورًا، شديد الاهتمام، ويتحدث كثيرًا عن الأسرة والاستقرار والدين والمسؤولية. لكنه يبدأ بالظهور عندما تدخل إلى حياته امرأة حقيقية، لها عقل ورغبات وحدود ومال وقرارات، وليست مجرد صورة مثالية للزوجة في رأسه. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل يستطيع أن يحتفظ بحبه واحترامه لها وهي مختلفة عنه، أم أن اختلافها يتحول في داخله إلى انتقاص من مكانته؟ الرجل الناضج يستطيع أن يسمع كلمة (لا) بوصفها رفضًا للطلب، أما الرجل شديد الحساسية للسلطة فقد يسمعها بوصفها رفضًا له شخصيًا. عندما تقول له زوجته: لا أريد، قد يسمع: أنت لا تستطيع أن تأمرني. وعندما تقول: أنا أختلف معك، قد يسمع: رأيك لا قيمة له. وعندما تقول: نحتاج أن نتفق، قد يسمع: أنت لست صاحب القرار. وهنا يصبح الخلاف الزوجي تهديدًا للمكانة أكثر من كونه اختلافًا حول موضوع محدد، ولذلك قد تكون ردة الفعل احياناً أكبر كثيرًا من حجم الحدث نفسه. ومن هنا تتحول تفاصيل صغيرة إلى معارك ضخمة: لباس، زيارة، خروج، عمل، صديقة، حساب في وسائل التواصل، قرار مالي، وحتى نبرة صوت. الظاهر أن النقاش حول التفاصيل، لكن السؤال النفسي الأعمق يكون: هل كلمتي نافذة أم لا؟ وهكذا تجد المرأة نفسها تناقش موضوعًا، بينما هو في الحقيقة يناقش موقعه داخل العلاقة. وهذا يفسر لماذا تكثر في الخطابات الذكورية المتطرفة موضوعات الطاعة، والاستقلال، والعمل، والمال، والجنس، والطلاق، ومن يملك القرار النهائي. تبدو قضايا مختلفة، لكنها تدور غالبًا حول سؤال واحد: من يملك القوة؟ الرجل السوي يستطيع أن يرى الزواج علاقة تعاون تتغير فيها الأدوار بحسب الحاجة، أما الرجل السلطوي فيحتاج إلى هرم واضح يشعره أن موقعه محفوظ. والدين قد يدخل أحيانًا إلى هذه المعركة، وهنا لا بد من التفريق بين التدين وبين استخدام الدين أداة للسلطة. المشكلة ليست عندما يحتكم الرجل إلى الدين، بل عندما يحتكم إلى النصوص التي تمنحه سلطة فقط، بينما يتجاهل النصوص التي تلزمه بالرفق، وحسن العشرة، والمسؤولية، والعدل. الاختبار بسيط: هل يحتكم إلى الدين على نفسه كما يحتكم به على زوجته؟ هل يتذكر حسن العشرة عندما يغضب، والرفق عندما يملك القوة، ومسؤولياته عندما يطالب بحقوقه؟ إذا كان الدين لا يحضر إلا عندما يحتاج إلى تثبيت امتياز، فنحن أمام استخدام أداتي للدين لا أمام تدين ناضج. والمال أيضًا قد يتحول من مورد للأسرة إلى أداة لتنظيم القوة. قد يكون الرجل كريمًا جدًا حين يشعر أن الإنفاق يؤكد دوره ومكانته، لكنه يصبح شديد الحساسية تجاه استقلال المرأة المالي عندما يدرك أن المال يمنحها القدرة على الاختيار. المرأة التي لا تستطيع إعالة نفسها قد تبقى لأنها مضطرة، أما التي تستطيع، فيجب أن يعطيها الرجل سببًا يجعلها تختاره. وهنا يظهر الفرق بين رجل يريد امرأة تحتاج إليه، ورجل يريد امرأة تستطيع أن تعيش بدونه لكنها ترى أن الحياة معه أفضل. الثاني يحتاج إلى ثقة داخلية أعلى بكثير. والجنس قد يدخل في المنظومة نفسها. في العلاقة الناضجة، الجنس مساحة قرب ومتعة متبادلة وأمان، أما عندما تصبح العلاقة هرمية بشدة فقد يتحول إلى إثبات للحق والامتلاك والطاعة. وهنا يصبح رفض المرأة أو عدم استعدادها ليس معلومة عن حالتها الجسدية أو النفسية، بل إهانة للرجل. تتحول المسألة من: ماذا يحدث لك؟ إلى: كيف تجرؤين على رفضي؟ وعند هذه النقطة ينتقل الجسد من مساحة مشتركة إلى ساحة لإثبات السلطة ايضاً .

(٢) ومن هنا يتحول استقلال المرأة في ذهنه من إنجاز اجتماعي إلى تهديد شخصي. وهذا المسار تحديدًا وجد دعمًا بحثيًا؛ إذ أظهرت دراسات حول الانجذاب إلى أفكار ما يسمى بالـ(Manosphere) أن الشعور بتهديد المكانة الاجتماعية للرجل، وخصوصًا النظر إلى تغير العلاقات بين الجنسين باعتباره تهديدًا، يرتبط بدرجة أكبر بتبني الأفكار المعادية للنساء. (pmc.ncbi.nlm.nih.gov⁠) وماضيهم مع النساء؟ هذه المنطقة مثيرة جدًا. عند بعضهم نجد تاريخًا من الرفض أو الانفصال أو الخيانة أو علاقات لم يشعر فيها الرجل بأنه مرغوب أو مقدر. وقد يصبح الخطاب المتطرف دفاعًا نفسيًا رائعًا بالنسبة إليه؛ لأنه يعيد كتابة قصته. بدلًا من:
(امرأة لم تخترني)
تصبح:
(نساء هذا الزمن فاسدات) وبدلًا من: (فشلت علاقتي) تصبح: (الزواج دمّرته النساء) وبدلًا من: (ربما لدي مشكلة في مهاراتي العاطفية) تصبح: (الرجل الطيب تستغله المرأة). التحول مريح نفسيًا لأنه ينقل الإنسان من موقع الشخص الذي يحتاج إلى مراجعة نفسه إلى موقع الضحية التي اكتشفت الحقيقة. لكن في المقابل، هناك رجال متطرفون ضد النساء كانت لديهم علاقات كثيرة أصلًا، وبعضهم متزوج وبعضهم ناجح اجتماعيًا. لذلك لا يجوز استخدام التاريخ العاطفي كتشخيص مباشر . الأبحاث الحديثة تحذر من الإختزال البسيط للعداء للنساء في الوحدة أو الرفض. (onlinelibrary.wiley.com⁠)
هذه برأيي واحدة من المفارقات المهمة.
الخطاب المتطرف لا يقسم العالم إلى رجال ونساء فقط، بل يرتب الرجال أنفسهم في هرم. دراسات تحليل خطاب مجتمعات الـManosphere وجدت تصنيفًا متكررًا للرجال إلى رجل (Alpha) قوي ومسيطر وناجح مع النساء، ورجل (Beta) ضعيف يحاول إرضاء النساء، وفي بعض المجتمعات يضاف الرجل غير القادر على الحصول على علاقة أصلًا. (spssi.onlinelibrary.wiley.com⁠) ولذلك تلاحظين أن الرجل المتطرف لا يحتقر المرأة فقط. •يحتقر الرجل الذي يعامل المرأة بطريقة لا يوافق عليها. •الرجل الذي يستشير زوجته عنده (ضعيف). •الرجل الذي يبكي أمام زوجته (ليس رجلًا) •الرجل الذي يساعدها (خاضع). •الرجل الذي يسمح لها بالاستقلال (مسيطر عليه). •والرجل الذي يعتذر لها (منهزم). أي أن الرجل يصبح أسير هذا الخطاب مثل المرأة بطريقة مختلفة.يعيش طوال الوقت في امتحان إثبات الرجولة. وهنا نفهم لماذا يستطيع مؤثر متطرف أن يجمع الرجال حوله. فهو لا يقول لمتابعه فقط: (المرأة هي المشكلة)، بل يعطيه هوية كاملة: أنت واحد من الرجال الذين فهموا اللعبة، والآخرون مخدوعون( ولابد أن ينقذوا الجميع ) . وهذه من أقوى آليات الجماعات الفكرية المتطرفة: صناعة (نحن) و(هم). نحن الرجال الحقيقيون. هم الرجال الضعفاء. نحن فهمنا طبيعة النساء. هم ما زالوا مخدوعين. وهكذا لا يعود الرجل يتلقى أفكارًا فقط، بل يحصل على انتماء ومكانة وهوية. ولهذا فإن السخرية من هؤلاء الرجال وحدها قد لا تغيرهم. لأنك عندما تهاجم الفكرة التي ينتمي إليها، يشعر بعضهم أنك لا تناقش رأيًا، وإنما تسحب منه الهوية التي عوّضته عن شيء كان يفتقده. والإنترنت يجعل الدائرة أكثر قوة. التقارير والدراسات الحديثة حول الـManosphere تشير إلى أن خوارزميات المحتوى قد تدفع الشباب بسرعة نحو مواد أكثر تطرفًا،
وأن هناك صناعة كاملة تستثمر مشاعر الإحباط والوحدة والقلق من المكانة لدى الرجال ثم تقدم لهم تفسيرًا جاهزًا تكون فيه المرأة أو النسوية جزءًا من المشكلة.
(wired.com⁠) وهنا تحديدًا تكمن خطورة المؤثر المتطرف. تكون البداية
بعبارة يجد فيها الرجل شيئًا من تجربته الحقيقية
مثل
: (لا تسمح لأحد باستغلالك).
وهذه نصيحة سليمة. ثم ينتقل لخطوة مثل : (بعض النساء يستغللن الرجال). وهذا ممكن ووارد ويحدث بين الجنسين على حد سواء . ثم: (النساء يستغللن الرجل الطيب) ثم: (المرأة لا تحترم إلا الرجل الذي يفرض سلطته).
ثم في النهاية يصبح الرجل مقتنعًا بأن القسوة حكمة، والشك فطنة، والسيطرة قوامة، وإخضاع المرأة رجولة. وهكذا تحدث الراديكالية: ليس بقفزة واحدة، وإنما بسلسلة أفكار تبدأ من ألم او تجربة أو معتقد او فكرة وتنتهي بتفسير متطرف للعالم. ولهذا أعتقد أن أخطر ما يمكن أن نفعله في مواجهة هذا الخطاب هو أن نقدم للشباب النقيض الساذج: (الرجل ليس له دور)، أو أن نسخر من احتياجات الرجال ومشكلاتهم. الرجل فعلًا يحتاج إلى معنى للرجولة. ويحتاج إلى الشعور بالكفاءة والاحترام والإنجاز والحضور والمسؤولية. وهناك رجال لديهم مظالم وتجارب عاطفية مؤلمة تستحق أن تُسمع.

(١) من المهم منذ البداية أن نفرق بين الرجل المحافظ والرجل المتطرف تجاه المرأة. ليس كل رجل يؤمن بالقوامة أو بالأدوار التقليدية بين الزوجين كارهًا للنساء، وليس كل رجل يختلف مع الخطاب النسوي متطرفًا. التطرف يبدأ في مكان آخر تمامًا: عندما لا تعود المرأة إنسانًا مستقلًا يمكن الاتفاق والاختلاف معه، وإنما تصبح في وعي الرجل (فئة مشبوهة) يجب ضبطها والسيطرة عليها والحذر منها😅. وهنا تظهر مفردات مثل: لا تعطها حتى لا تتمرد، لا تثق بها، فتش خلفها، لا تجعل لها اليد العليا، المرأة المستقلة خطر، المرأة إذا امتلكت المال لن تحتاجك، لا تظهر ضعفك أمامها، لا تعطها مساحة أكبر مما تستحق، وإذا لم تخضع لك فأنت لست رجلًا بما يكفي. ( معتقدات إجتماعية مشوهة ) هذه ليست نصائح زوجية في الحقيقة. بعكس ماهي رؤية للعلاقة باعتبارها صراعًا على السلطة. وفي علم النفس الاجتماعي يوجد مفهوم مهم يسمى (Hostile Sexism) أو التحيز الجنسي العدائي. وهو لا يعني مجرد الاعتقاد بوجود اختلافات بين الرجل والمرأة، وإنما رؤية المرأة – خصوصًا المرأة المستقلة أو التي تتحدى سلطة الرجل – بوصفها تهديدًا أو خصمًا. دراسات حديثة وجدت ارتباطًا قويًا بين العداء للنساء وبين الميل إلى السلطوية، كما تشير أدبيات أخرى إلى ارتباط التحيز العدائي بتفضيل الهرمية الاجتماعية وسيطرة مجموعة على أخرى. وهذا مهم جدًا؛ لأن القضية عند هذا النمط ليست دائمًا (أنا أكره المرأة)، وإنما قد تكون في العمق: أنا أقبل المرأة ما دامت في الموقع الذي أعتقد أنه ينبغي أن تبقى فيه. (onlinelibrary.wiley.com⁠) وهنا نفهم مفارقة مهمة جدًا في هؤلاء الرجال: قد يحب الرجل أمه جدًا، ويدلل ابنته، ويحب زوجته، ثم يحمل في الوقت نفسه أفكارًا شديدة التحيز ضد النساء. لأن مشكلته ليست بالضرورة مع وجود المرأة، بل مع استقلال المرأة عنه. هو مرتاح مع المرأة التي يحتاجها وتحاجه، لكنه يضطرب أمام المرأة التي تستطيع أن تقول (لا). يحب أن يكون كريمًا معها، لكنه قد يغضب عندما لا تمنحه سلطة إضافية أو مفتوحة . يريد أن يحميها، لكن يصعب عليه التفريق بين الحماية والوصاية. يريد أن يكون قائدًا للأسرة، لكنه قد يفهم القيادة باعتبارها امتلاك الكلمة الأخيرة دائمًا. ولذلك تصبح المرأة القوية اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو فكريًا مستفزة لهذا البناء النفسي؛ ليس لأنها أساءت إليه، وإنما لأنها قللت المسافة السلطوية التي اعتاد أن يشعر من خلالها برجولته. وهذا يفسر لماذا تدور خطابات التطرف الذكوري بصورة لافتة حول المال والجنس والطاعة والاستقلال والطلاق. كلها مناطق تحدد سؤالًا واحدًا في عقل الرجل المتطرف: من يملك القوة في هذه العلاقة؟ لكن ماذا يوجد تحت كل هذه الصلابة؟ ليس هناك ملف نفسي واحد يصلح لكل هؤلاء الرجال. وهذه نقطة مهمة جدًا حتى لا نحول التحليل النفسي نفسه إلى صورة نمطية. ليس صحيحًا أن كل رجل عدائي تجاه النساء كان مرفوضًا منهن، أو فشل عاطفيًا، أو أنه رجل ضعيف لا تستطيع النساء تقبله. بل إن دراسة حديثة على رجال من المجتمع العام لم تجد أن الوحدة أو عدد العلاقات الرومانسية يفسران وحدهما العداء للنساء، بينما ظهر الارتباط بالسلطوية أقوى بكثير. (onlinelibrary.wiley.com⁠) لكن توجد مسارات نفسية مختلفة قد تنتهي بالخطاب نفسه. هناك رجل جريح من النساء. مر بخيانة أو رفض أو طلاق مؤلم أو إذلال عاطفي، لكنه لم يعالج تجربته بوصفها تجربة مع امرأة بعينها. بدلاً من ذلك يقوم عقله بعملية تعميم: لم تعد (فلانة خانتني)، بل أصبحت (النساء لا يؤتمنّ). لم تعد (زوجتي استغلتني)، بل (المرأة تستغل الرجل). وهنا تتحول الصدمة الشخصية إلى أيديولوجيا. وهناك الرجل الذي يعاني أصلًا هشاشة في قيمته الذاتية. هذا الرجل يحتاج باستمرار إلى دليل يخبره أنه رجل. ولذلك يصبح اعتراض المرأة عليه تهديدًا لهويته وليس مجرد اختلاف. المرأة التي تقول له (لا أوافقك) لا يسمع منها اختلافًا؛ يسمع (أنت لست رجلًا). وهنا تصبح السيطرة وسيلة لتنظيم شعوره الداخلي بالقيمة. وهناك الرجل السلطوي أصلًا. هذا ربما لم تجرحه امرأة ولم يعانِ رفضًا عاطفيًا كبيرًا. لكنه يرى العالم هرميًا: شخص يقود وشخص يتبع، قوي وضعيف، غالب ومغلوب. وعندما يدخل الزواج يحمل النموذج نفسه معه. بالنسبة إليه العلاقة التي يتساوى فيها صوتان ليست بالضرورة شراكة؛ قد يراها فوضى. وهناك رجل يشعر بأن المجتمع تغيّر أسرع مما استطاع هو أن يتغير. المرأة أصبحت أكثر تعليمًا، ولها دخل، وتستطيع إنهاء علاقة مؤذية، وتملك خيارات أكثر مما امتلكته أجيال سابقة. الرجل السوي يستطيع إعادة تعريف رجولته داخل هذا الواقع: أنا قيمتي ليست في عجز المرأة عن الاستغناء عني، وإنما فيما أضيفه إلى حياتها وهي قادرة أصلًا على الاختيار. ( ومن يقاوم سيتأخر كثيراً ) 🤷🏻‍♀️ أما الرجل الهش فقد يقرأ التغيير بصورة مختلفة تمامًا: إذا لم تعد المرأة مضطرة إليّ، فكيف أضمن أنها ستبقى معي؟

ومن هنا يتحول استقلال المرأة في ذهنه من إنجاز اجتماعي إلى تهديد شخصي. وهذا المسار تحديدًا وجد دعمًا بحثيًا؛ إذ أظهرت دراسات حول الانجذاب إلى أفكار ما يسمى بالـ(Manosphere) أن الشعور بتهديد المكانة الاجتماعية للرجل، وخصوصًا النظر إلى تغير العلاقات بين الجنسين باعتباره تهديدًا، يرتبط بدرجة أكبر بتبني الأفكار المعادية للنساء. (pmc.ncbi.nlm.nih.gov⁠) وماضيهم مع النساء؟

لماذا يجد الخطاب المتطرف ضد المرأة رجالًا يؤمنون به؟ قضية موفق العنزي ليست مثيرة للاهتمام بالنسبة لي بسبب شخص موفق نفسه بقدر
لماذا يجد الخطاب المتطرف ضد المرأة رجالًا يؤمنون به؟ قضية موفق العنزي ليست مثيرة للاهتمام بالنسبة لي بسبب شخص موفق نفسه بقدر ما أثارني حجم التأييد الذي استطاع هذا الخطاب أن يجده لدى بعض الرجال. فالقبض على صاحب خطاب مسيء للمرأة قد يوقف شخصًا، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: من هم الرجال الذين وجدوا أنفسهم في هذا الخطاب ؟ ولماذا شعر بعضهم أن رجلًا يتحدث عن المرأة بهذه الصورة يتحدث باسمهم، أو يدافع عن حقوقهم، أو يعيد إليهم شيئًا يعتقدون أنهم فقدوه؟

قال الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: 138]. سبحان الله، جمال القرآن لا يقف عند فصاحة لغته وبلاغة ألفاظه، بل يمتد إلى ذلك العمق المدهش في معانيه؛ فكلمة واحدة قد تحمل تصورًا كاملًا للحياة والإنسان. ومن أجمل ذلك قوله تعالى: (صبغة الله)، وكأن الإيمان ليس مجرد اعتقاد يسكن العقل، بل صبغة تتغلغل في الإنسان حتى تظهر في نظرته للأشياء، وفي أخلاقه وقراراته وطريقة تعامله مع الآخرين. فكلما اقترب الإنسان من الله، ظهرت عليه آثار هذه الصبغة رحمةً وعدلًا وصدقًا وإحسانًا واتزانًا. وربما هذا أحد أسرار القرآن؛ أنك قد تقرأ الآية مرات كثيرة، ثم تمر بها في لحظة مختلفة من حياتك، فتفتح لك معنى لم تره من قبل، وكأن بعض الآيات تنتظر نضجًا معينًا في داخلنا حتى ندرك شيئًا من عمقها. وجدان

(٣) وفي الجهة المقابلة، رأيت الصورة الأخرى المعاكسة كلياً: إنسان يقرر أن يكون صريحًا، يكشف شيئًا انتهى فعلًا وتغير بعده، ثم تتحول صراحته إلى عقوبة مؤبدة؛ وكل خلاف فرصة لإخراج الملف القديم. وهنا تتحول المساحة التي كان يفترض أن تبني الثقة إلى ملف اتهام دائم. وهذا أيضًا غير عادل. إذا طلبنا من الناس الصراحة، ثم عاقبناهم على الصراحة إلى الأبد، فنحن عمليًا نعلّمهم أن الإخفاء أكثر أمانًا. وهنا يدخل المجتمع بقوة في الموضوع.( التنشئة الإجتماعية ) نحن نتحدث كثيرًا عن الصدق، لكننا لا نتحدث بما يكفي عن أمان الصدق. بعض الناس لا يخافون من قول الحقيقة لأنها ستغيّر قرار الطرف الآخر فقط، هم في الحقيقة يخافون من الوصم، والتشهير، والإذلال، وأن تصبح المعلومة سلاحًا عند أول خلاف. ولذلك من السهل أن نقول للناس: (قولوا كل شيء)، لكن السؤال الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا أيضًا هو: هل نحن أصلًا نملك النضج الذي يجعل الناس يشعرون بالأمان عندما يقولون الحقيقة؟ هذا لا يجعل الكذب صحيح او آمن بالطبع، لكنه يجعل فهم دوافعه أكثر إنسانية وتعقيدًا.
( الأمر نسبي للغاية! مانسبة توقعي أن يتقبل الطرف الأخر الحقيقة بكل تعقيداتها ؟ مامدى معرفتي بالأشخاص كمختصة ! > مخاوفهم وعقدهم ومعتقداتهم ومايؤمنون به ؟ مامدى ثقتي بردات فعلهم!! كيف اعرف واقيس مقدار النضج ؟ حتى أجازف وأشجع على أن تقال الحقيقة كما هي !! هذا أمر لا املكه ولا أستطيع ابداً توقعه ولا معرفته !! ) هو قرار يملكه الفرد ويتعلق به
وأيضًا لا بد أن نفرق بين ما قبل الزواج وما بعده. قبل الزواج السؤال الأساسي هو:
ما الذي أحتاج معرفته حتى أتخذ قراري بحرية؟ أما بعد الزواج فيضاف سؤال لا يقل أهمية: ماذا ستضيف لي هذه المعلومة الآن؟ هل ستساعدني على فهم مشكلة قائمة؟ هل تحمي حقي؟ هل هناك شيء مستمر أحتاج معرفته؟ هل اكتشفت خداعًا وأحتاج إلى فهم حدوده حتى أستعيد إحساسي بالواقع؟ أم أنني أريد تفاصيل لن تغير شيئًا في حياتي سوى أنها ستسكن رأسي وتؤذيني؟ ليس كل ما نستطيع معرفته مفيدًا لنا. وأحيانًا يكون السؤال الأهم للشخص المصمم على معرفة الماضي: ماذا ستفعل بالحقيقة إذا عرفتها؟ هل أنت مستعد فعلًا لسماعها؟ هل تريدها لتتخذ قرارًا، أم لتطمئن، أم لتقارن نفسك بشخص سابق، أم لتثبت شكًا داخلك، أم لتملك شيئًا تستطيع استخدامه لاحقًا؟ لأن طلب الحقيقة نفسه مسؤولية. إذا طلبت من إنسان أن يكشف لي منطقة شديدة الحساسية من حياته، ثم استخدمت اعترافه لاحقًا لإهانته، فأنا أيضًا أخللت بأمان العلاقة. وفي الوقت نفسه، على صاحب الماضي أن يسأل نفسه بصدق: هل ما أسميه (خصوصية) خصوصية فعلًا؟ أم خوف من العواقب؟ هل المعلومة انتهى أثرها حقًا؟ أم أنني أعرف أنها لو ظهرت قد تغير قرار الطرف الآخر ولذلك أخفيها؟ هل أنا أحمي حدودي، أم أحاول الاحتفاظ بهذا الشخص حتى لو اضطررت أن أتركه يختارني بناءً على صورة ناقصة أو غير صحيحة؟
لهذا عندما تأتيني حالة لا أستطيع أن أحكم عليها من جملة:
(هو مصر يعرف وهي رافضة)، أو (هي تنبش في الماضي وهو يريد أن يعيش الحاضر).
أحتاج أن أعرف: ماذا يريد أن يعرف؟ لماذا يريد معرفته؟ ماذا يخفي الطرف الآخر؟ ولماذا يخفيه؟ هل للمعلومة امتداد في الحاضر؟ هل ستؤثر فعلًا في القرار؟ هل سبق أن سُئل عنها وأجاب إجابة غير صحيحة؟ هل الطرف الذي يسأل يبحث عن حقيقة يحتاجها، أم عن يقين كامل لن يحصل عليه مهما عرف؟ وهل الطرف الذي يرفض يحمي خصوصيته، أم يحمي نفسه من نتيجة يعرف أنها قد تحدث لو عرف الآخر الحقيقة؟
أعتقد أن النضج في هذه المسألة لا يكون في شعار (الماضي لا يهم)، ولا في شعار (من حقي أعرف كل شيء). كلاهما تبسيط لمسألة إنسانية وأخلاقية شديدة التعقيد. الصورة الأكثر نضجًا في رأيي هي شخص يقول:
(هناك أجزاء من ماضيّ تحتاج معرفتها لأنها قد تؤثر في اختيارك أو مستقبلنا، وسأكون صادقًا بشأنها، لكن هناك تفاصيل لا تخص حياتنا ولا أرى أن كشفها مفيد).
وفي المقابل شخص يقول:
(أريد من الحقيقة ما يسمح لي أن أختارك بوعي، ولا أحتاج أن أمتلك ماضيك كله حتى أثق بك).
لك حق في الخصوصية، ولي حق في الاختيار. لك حق ألا تُختزل في أسوأ ما فعلت، ولي حق ألا أُدفع إلى قرار مصيري بصورة جوهرية غير صحيحة. ليس من حقي أن أحقق معك في كل تفاصيل حياتك، وليس من حقك أن تقرر نيابة عني أي الحقائق يجب ألا تؤثر في اختياري ثم تخدعني بشأنها. وفي النهاية ربما السؤال الأكثر نضجًا ليس: (هل من حقي معرفة ماضي شريكي؟) لكن : ما القدر من الحقيقة الذي يحتاجه الإنسان حتى يختار شريكه بحرية ووعي، وما القدر من الماضي الذي ينبغي أن نحترمه باعتباره خصوصية لإنسان كان له وجود وحياة كاملة قبل أن يعرفنا؟ وبين هذين الحقين تحديدًا توجد الأخلاق، والنضج، والرحمة، والصدق… وتوجد أيضًا أصعب اختبارات الثقة في العلاقات. وجدان 💕

(٣) وفي الجهة المقابلة، رأيت الصورة الأخرى المعاكسة كلياً: إنسان يقرر أن يكون صريحًا، يكشف شيئًا انتهى فعلًا وتغير بعده، ثم تتحول صراحته إلى عقوبة مؤبدة؛ وكل خلاف فرصة لإخراج الملف القديم. وهنا تتحول المساحة التي كان يفترض أن تبني الثقة إلى ملف اتهام دائم. وهذا أيضًا غير عادل. إذا طلبنا من الناس الصراحة، ثم عاقبناهم على الصراحة إلى الأبد، فنحن عمليًا نعلّمهم أن الإخفاء أكثر أمانًا. وهنا يدخل المجتمع بقوة في الموضوع.( التنشئة الإجتماعية ) نحن نتحدث كثيرًا عن الصدق، لكننا لا نتحدث بما يكفي عن أمان الصدق. بعض الناس لا يخافون من قول الحقيقة لأنها ستغيّر قرار الطرف الآخر فقط، هم في الحقيقة يخافون من الوصم، والتشهير، والإذلال، وأن تصبح المعلومة سلاحًا عند أول خلاف. ولذلك من السهل أن نقول للناس: (قولوا كل شيء)، لكن السؤال الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا أيضًا هو: هل نحن أصلًا نملك النضج الذي يجعل الناس يشعرون بالأمان عندما يقولون الحقيقة؟ هذا لا يجعل الكذب صحيح او آمن بالطبع، لكنه يجعل فهم دوافعه أكثر إنسانية وتعقيدًا.
( الأمر نسبي للغاية! مانسبة توقعي أن يتقبل الطرف الأخر الحقيقة بكل تعقيداتها ؟ مامدى معرفتي بالأشخاص كمختصة ! > مخاوفهم وعقدهم ومعتقداتهم ومايؤمنون به ؟ مامدى ثقتي بردات فعلهم!! كيف اعرف واقيس مقدار النضج ؟ حتى أجازف وأشجع على أن تقال الحقيقة كما هي !! هذا أمر لا املكه ولا أستطيع ابداً توقعه ولا معرفته !! ) هو قرار يملكه الفرد ويتعلق به
وأيضًا لا بد أن نفرق بين ما قبل الزواج وما بعده. قبل الزواج السؤال الأساسي هو:
ما الذي أحتاج معرفته حتى أتخذ قراري بحرية؟ أما بعد الزواج فيضاف سؤال لا يقل أهمية: ماذا ستضيف لي هذه المعلومة الآن؟ هل ستساعدني على فهم مشكلة قائمة؟ هل تحمي حقي؟ هل هناك شيء مستمر أحتاج معرفته؟ هل اكتشفت خداعًا وأحتاج إلى فهم حدوده حتى أستعيد إحساسي بالواقع؟ أم أنني أريد تفاصيل لن تغير شيئًا في حياتي سوى أنها ستسكن رأسي وتؤذيني؟ ليس كل ما نستطيع معرفته مفيدًا لنا. وأحيانًا يكون السؤال الأهم للشخص المصمم على معرفة الماضي: ماذا ستفعل بالحقيقة إذا عرفتها؟ هل أنت مستعد فعلًا لسماعها؟ هل تريدها لتتخذ قرارًا، أم لتطمئن، أم لتقارن نفسك بشخص سابق، أم لتثبت شكًا داخلك، أم لتملك شيئًا تستطيع استخدامه لاحقًا؟ لأن طلب الحقيقة نفسه مسؤولية. إذا طلبت من إنسان أن يكشف لي منطقة شديدة الحساسية من حياته، ثم استخدمت اعترافه لاحقًا لإهانته، فأنا أيضًا أخللت بأمان العلاقة. وفي الوقت نفسه، على صاحب الماضي أن يسأل نفسه بصدق: هل ما أسميه (خصوصية) خصوصية فعلًا؟ أم خوف من العواقب؟ هل المعلومة انتهى أثرها حقًا؟ أم أنني أعرف أنها لو ظهرت قد تغير قرار الطرف الآخر ولذلك أخفيها؟ هل أنا أحمي حدودي، أم أحاول الاحتفاظ بهذا الشخص حتى لو اضطررت أن أتركه يختارني بناءً على صورة ناقصة أو غير صحيحة؟ لهذا عندما تأتيني حالة لا أستطيع أن أحكم عليها من جملة: (هو مصر يعرف وهي رافضة)، أو (هي تنبش في الماضي وهو يريد أن يعيش الحاضر). أحتاج أن أعرف: ماذا يريد أن يعرف؟ لماذا يريد معرفته؟ ماذا يخفي الطرف الآخر؟ ولماذا يخفيه؟ هل للمعلومة امتداد في الحاضر؟ هل ستؤثر فعلًا في القرار؟ هل سبق أن سُئل عنها وأجاب إجابة غير صحيحة؟ هل الطرف الذي يسأل يبحث عن حقيقة يحتاجها، أم عن يقين كامل لن يحصل عليه مهما عرف؟ وهل الطرف الذي يرفض يحمي خصوصيته، أم يحمي نفسه من نتيجة يعرف أنها قد تحدث لو عرف الآخر الحقيقة؟ أعتقد أن النضج في هذه المسألة لا يكون في شعار (الماضي لا يهم)، ولا في شعار (من حقي أعرف كل شيء). كلاهما تبسيط لمسألة إنسانية وأخلاقية شديدة التعقيد. الصورة الأكثر نضجًا في رأيي هي شخص يقول: (هناك أجزاء من ماضيّ تحتاج معرفتها لأنها قد تؤثر في اختيارك أو مستقبلنا، وسأكون صادقًا بشأنها، لكن هناك تفاصيل لا تخص حياتنا ولا أرى أن كشفها مفيد). وفي المقابل شخص يقول: (أريد من الحقيقة ما يسمح لي أن أختارك بوعي، ولا أحتاج أن أمتلك تاريخك كله حتى أثق بك).
فالزواج لا يمنحني ملكية ماضيك، لكنه أيضًا لا يسلبني ملكية قراري. لك حق في الخصوصية، ولي حق في الاختيار. لك حق ألا تُختزل في أسوأ ما فعلت، ولي حق ألا أُدفع إلى قرار مصيري بصورة جوهرية غير صحيحة. ليس من حقي أن أحقق معك في كل تفاصيل حياتك، وليس من حقك أن تقرر نيابة عني أي الحقائق يجب ألا تؤثر في اختياري ثم تخدعني بشأنها. وفي النهاية ربما السؤال الأكثر نضجًا ليس: (هل من حقي معرفة ماضي شريكي؟) بل: ما القدر من الحقيقة الذي يحتاجه الإنسان حتى يختار شريكه بحرية ووعي، وما القدر من الماضي الذي ينبغي أن نحترمه باعتباره خصوصية لإنسان كان له وجود وحياة كاملة قبل أن يعرفنا؟ وبين هذين الحقين تحديدًا توجد الأخلاق، والنضج، والرحمة، والصدق… وتوجد أيضًا أصعب اختبارات الثقة في العلاقات.

قد نرى نحن أن معياره قاسٍ، أو غير منطقي، أو متشدد، وقد يراه الطرف الآخر كذلك. فيقول لنفسه: (هذا شيء قديم ولا ينبغي أن يرفضني بسببه، ولذلك لن أخبره). وهنا يظهر سؤال فلسفي صعب جدًا: هل يحق لي أن أقرر نيابة عنك أن معيارك سخيف، ثم أحجب عنك المعلومة التي تحتاجها لتطبيقه؟ حتى لو لم يعجبني معيارك، يبقى معيارك أنت. ومن حقك أن تختار حياتك بناءً عليه، كما أن من حقي أنا أن أرفض كشف جزء من حياتي. لكن إذا كنت لا أريد الإجابة وأنت لا تستطيع الاستمرار دونها، فقد تكون الحقيقة ببساطة أننا غير مناسبين لبعضنا. أنت لا تملك حق انتزاع الاعتراف مني، وأنا لا أملك بالضرورة حق صناعة إجابة غير حقيقية حتى أتجاوز شرطك وأحتفظ بك. وهذا يقودنا إلى مفهوم أراه مهمًا جدًا في الزواج: حق الاختيار الواعي. أنا لا أحتاج أن أعرف كل شيء عنك حتى يكون اختياري واعيًا، فهذا مستحيل أصلًا. لكن من حقي ألا أبني قرارًا مصيريًا على صورة جوهرية تعرف أنت أنها غير صحيحة. وهناك فرق أخلاقي هائل بين (لم أخبرك بكل شيء عني) وبين (جعلتك تعتقد شيئًا غير الحقيقة حتى توافق عليّ). وهذا تحديدًا يفسر لماذا أحيانًا عندما تظهر الحقيقة بعد سنوات لا يكون انهيار الطرف الآخر بسبب الماضي نفسه. يقول صاحب الماضي: (لكن هذا حدث قبل أن أعرفك، وانتهى منذ سنوات، لماذا تهدم حياتنا الآن؟). بينما الطرف الآخر لا يعيش الحدث القديم أصلًا؛ هو يعيش اكتشافًا جديدًا حدث اليوم. جرحه ليس فقط (ماذا فعلت؟)، بل: (هل كنت سأختارك لو كنت أعرف؟ ولماذا قررت أنت نيابة عني ما الذي يحق لي أن أبني عليه قراري؟). وهنا يصبح الماضي حاضرًا، لا لأن الحدث عاد، لكن لأن الخداع اكتُشف اليوم .