صيقع سيف الإسلام
Open in Telegram
908
Subscribers
No data24 hours
+17 days
+730 days
Posts Archive
الحي القيوم، شهود هذا الاسم، هو أن ترى كل شيء كأنه يكون لأول مرة ولو تكرر لك ألف مرة، هكذا يتحقق العبد بمشهد القيومية التي لله سبحانه، ولذلك كان هذا الاسم داخلا في استغفار العبد: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، لأن ذنب العبد شعبة من الشرك، حيث يذنب العبد لرؤية نفسه قائما بأمره لا بالله، نتيجة وهم الإلف والعادة والتكرار، فكانت مغفرة الذنب حاصلة بتوبة يشهد فيها العبد قيومية الله وحده.
واختار شيخ الإسلام أنه اسم الله الأعظم.
كثرة ذكر الله، ورأسه: تلاوة القرآن، ثم الأذكار الشرعية التي جمعت كل الخير، وهي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، (الصلاة الابراهيمية على النبي صلى الله عليه وسلم)، (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه)، (سبحان الله والحمد لله والله أكبر)
من داوم عليها، وكانت له وردا يوميا، يوشك أن يتحقق بالإيمان.
"كلما قويت محبة العبد لمولاه، صغرت عنده المحبوبات وقلّت، وكلما ضعفت، كثرت محبوباته وانتشرت...وطريق التخلص من الآفات كلها : الإخلاص لله عز وجل، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد [وهو ترك ما لا ينفع في الآخرة]¹ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي"
(مجموع الفتاوى، ج١، ص٩٤، مختصرا، وما بين [ ] تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للزهد ليحصل بيان الكلام)
وبمثال أخي سمرين عن إنقاذ الغريق، يقال ممارسة سبب الإنقاذ من طرف المنقذ هي أساسا لما يعود على نفسه، أما موضوع الإنقاذ فهو الغريق الذي قد يموت ولا ننجح في إنقاذه، لكن فعل الإنقاذ قد أتى بنتيجته التعبدية وهي نتيجة انطبعت بها النفس البشرية وصارت حقيقة متعينة في الخارج.
ومدار الإشكال كله بعد التوضيح السابق: كيف نحدد السبب الشرعي الذي نشتغل به؟ وهذا يكون بالاحتكام لكليات الشرع وجدليتها فذلك ما يحدد لنا السبب الشرعي لممارسته وفعله، إلا أن ممارسته وفعله لأن المقصود إصلاح النفس به أساسا، لا المقصود خلق نتائج معينة قطعية خارج النفس الإنسانية، فذلك مسمى قدر الله وقضائه ويدخل فيه إرادته الكونية حتى.
وبهذا يتبين معنى ممارسة العلم ممارسة شرعية، فأنا أمارس العلم لإصلاح نفسي، لا أن علمي ونظرياتي ستأتي بنتيجة متعينة في الخارج هي إنقاذ العالم وقيام الخلافة! بل هذه ممارسة شركية للعلم، فالجوهري هو إصلاح النفس وتهذيبها، والعرضي مخلوق لله تابع لإرادته.
تعلم شيخ الإسلام العلم فكان أولا لإصلاح نفسه ووصوله لمراتب الإيمان العالية، لا أنه نوى بعلمه التحكم في الواقع فيؤمن الناس بكلامه ويتركون كلام غيره، وقد شاء الله أن يظهر علمه بعد قرون طويلة، فهل المقصود ظهور علم شيخ الإسلام بعد قرون مديدة! أم الجوهري هو تزكية روح شيخ الإسلام بممارسته للعلم كموضوع للإيمان.
من فاته التوحيد ومراقبة الله في أفعاله، وعبادته كأنه يراه، وبذله للأمور قاصدا بها بلوغ جنته، وكان همه خلق نظريات وقواعد وتصورات يصنع بها دولة أو قرية، فهو مسكين لم يفهم لا الواقع ولا الغاية من خلقه. الجوهري هو نفسك والعرضي لله وسيبقى عرضيا وإن صنعوا من كلامك نظاما عالميا، إن الآخرة لهي الحيوان.
وهي مباحث دقيقة، وعرة، خاصة لمن نال فقها وفهما، وما كنت لأجيب لولا تجدد السؤال، فتح الله على الجميع ونفع بهم، وكانت جهودهم للتكامل لا للتناطح ^^
منشور أخير عن المسألة، لدقتها وطول الكلام فيها ^^:
لا مدخلية للأشاعرة في الموضوع، بل النظرة تيمية محضة، والتركيز قد يغيب بالأحكام المسبقة فقط، لكن بالأمثلة يتضح الأمر إن شاء الله.
أولا:
يقال: هل ممارستك لسبب الأكل يؤدي ضرورة لحصول نتيجة الشبع؟ جواب شيخ الإسلام رضي الله عنه هو: لا. لأن حصول الشيء محكوم بوجود شروط وانتفاء موانع.
وكذلك في ممارستك لأسباب: الدعاء بأمر معين، الذهاب لزيارة شخص، كتابتك لمقال، وغيرها من الأمور، فقد لا يستجاب لدعائك، ولن تجد الشخص في بيته فلا تحصل الزيارة، وبكتابتك لمنشور أو مقال لن يتحقق الفهم فيه (كما حصل مع ما كتبته لكم وخلق الله في رؤوسكم أنه قول الأشاعرة!)
فالله يخلق بواسطة الشيء، لا عنده، لكن السبب الذي يمارسه العبد ليس موجبا حتميا للنتيجة المطلوبة إلا بأن يحقق الله له شروطه ويزيل موانعه فيحصل في الواقع!
والحمد لله كنا من القلائل الذين شرحوا مقولة الخلق بواسطة الشيء وربطها بالممتنع لغيره، والمقال في أول تعليق.
ثانيا:
يقال: ما العلة الكلية أو الغاية من كل فعل تفعله أو سبب تمارسه؟ الجواب هو: التقرب إلى الله وتوحيده ومحبته. وهنا النكتة: هذا التقرب أو المحبة له وجود أنطولوجي حقيقي متعين في الخارج.
هل تنفك هذه العلة الكلية عن أي فعل تفعله؟! الجواب هو: لا. الشرع يطالبك بأن تتحرك كل حركة ونبضة والتفاتة لله عز وجل.
إذن، وركز هنا جيدا: ممارستك لسبب الأكل هي لنتيجة مطلوبة تتمثل في تحقيق القرب من الله، ثم الله قد يخلق بواسطة أكلك الشبع فيك (وقد لا يخلقه)، ويتحول هذا الشبع إلى سبب آخر النتيجة المطلوبة منه هي تحقيق القرب من الله، وبعد هذا الشبع قد تصلي أو تسافر أو تنام، مهما يكن، النتيجة المطلوبة هي تحقيق القرب من الله.
لاحظ هنا أين يغلط القوم: هم لا يرون أن ممارسة سبب الأكل يخلق الله بواسطته أثرا على النفس أو الروح، بل يقفزون لما يأتي بعد الأكل فيظنونه المقصود، وليس هو المقصود بل أثر الأكل أو غيره على النفس هو المقصود لأن النفس هي التي تحمل الحسنات أو السيئات، فيجعلون ترتيبا خطيا بين الأكل والشبع دون الانتباه أنه ليس ترتيبا خطيا ساذجا كما هي السببية الميكانيكية، بل هنا سببية جدلية محلها النفس دوما وحسب حالتها تتحدد الأمور. أي: الأكل سبب يؤثر على النفس ضرورة وتأثيره إما بازدياد صلاحها أو نقصان ذلك، ثم قد يكون الشبع أو لا، فإذا حصل الشبع فهو سبب جديد له تأثيره على النفس إما بازدياد صلاحها أو نقصان ذلك، وإذا لم يحصل الشبع وحصل لك إسهال فهو سبب له تأثيره على النفس بازدياد صلاحها أو نقصان ذلك.
الفرق كامن في تصور السببية أنطولوجيا، بين من يراها خطية ميكانيكية، وبين من يراها نسقية تركيبية جدلية، فمن الأشعري ومن الأرسطي يا ترى؟!
فالعلة الحقيقية في جميع الممارسات السببية هي: النتيجة التي تقوم قياما أنطولوجيا حقيقيا متعينا في النفس، والعلة الشرعية هي تهذب النفس وتزكيتها وصلاحها بمحبتها لربها، لذلك قلت في المنشور السابق (السبب لإرغام النفس على التوحيد لا لأجل نتيجة محددة في الخارج، خارج النفس) فاللام في كلمة (لإرغام) هي للنتيجة الحقيقية المترتبة على فعل السبب.
فالله أراد تهذيب وتزكية النفوس لتصلح لرؤيته وسماع كلامه ونعيم جنته، وجعل هذا التهذيب من خلال مفاعلة الأسباب، فأنت تمارس السبب للتقدم والترقي في علاقتك مع الله، أي في تطوير إيمانك وإسلامك.
فهنا نظرة ميكانيكية ساذجة للسببية، والمنشور يتكلم بنظرة جدلية معقدة للسببية محلها النفس البشرية، وهكذا الخبير بكلام شيخ الإسلام.
نأتي للخلاصة الثالثة:
بما تقدم، هل ممارستك للسبب لأجل طلب النتيجة الخارجية المعينة بشكل يقيني قطعي؟ أم الممارسة الشرعية الحقيقية للسبب هي لأثره على الروح بجيث تتحقق بتوحيد الله والإيمان به؟
فعل السبب لأجل النتيجة المعينة المضبوطة بشكل مضمون هو الشرك بعينه، كما ذكرت في المنشور السابق، لأنه يتدخل في باقي الأسباب الخارجة عن العبد وهي تابعة لإرادة الله (الشروط والموانع)، حيث فيه دعوى معرفة الإنسان للأصلح بنفسه، أي تأليه نفسه، مثال قارون وفرعون وغيرهم، وفيه دعوى التحكم في الأشياء والطبيعة والأمور الخارجة عن الإنسان، والأمران متلازمان.
فالمؤمن يمارس السبب مراقبا أثره على نفسه لا عما سيحدث خارجه لأن ذلك خاص بالله تعالى (بجدلية الشروط والموانع التيمية)، وهنا يمارس السبب مستعينا على الله متوكلا عليه، لأنه يرى السبب محلا للممارسة الإيمانية ازديادا ونقصانا، لا يراها لأمر دنيوي! وهذه الممارسة الإيمانية هي حقيقة أنطولوجية متعينة في الخارج، محلها النفس الإنسانية المتحركة.
رابعا:
سؤال مهم: ما هو السبب الذي نشتغل به؟ يقال: حسب السياق والمعهود في ذلك السياق، حيث قاعدة شيخ الإسلام: الاشتغال بالسبب ما لم يكن غيره أولى منه.
توضيحا للمنشور السابق
عن الممارسة العلمية الشرعية
والمباينة للممارسة العلمية المعاصرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك من الإخوة من لم يفهم النظرة الشرعية للأسباب عموما، والاختلاف مع النظرة الغربية، وتطبيق ذلك على الممارسة العلمية المشار إليها في المنشور السابق.
يقال: يطلب الشرع من المؤمن ممارسة السبب لإرغام نفسه على التحقق بالصدق مع الله طلبا واستعانة، لا يطلب ممارسة السبب لحصول النتيجة في الخارج (الواقع)، أي أن الممارسة السببية أثرها منعكس على النفس لا أن أثرها محدد للواقع الخارجي، فما يفعله المؤمن من سبب معين لا يحدد نتيجة معينة بذاتها في الخارج، بل ذلك عائد للجدلية مع جملة الأسباب الخارجية وتفاعله معها، أي يعود لإرادة الله في تسيير عمل المؤمن.
يدل على هذا المطلوب مجموع نصوص الوحيين، فالعلة مطردة (السبب شرعا هو لإرغام النفس على التحقق بالصدق مع الله في توحيد الطلب أي الربوبية وتوحيد الغاية أي الألوهية، لا لحصول نتيجة معينة في الخارج)، ومن جملة هذه النصوص:
١-(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)، فسبب الهز للنخلة من امرأة أضعفتها الولادة ليس لتحريك النخلة الصلبة! حيث تحريك النخلة ليس متولدا عن قوة مريم عليها السلام فقط، إنما فعل الهز في حقها موجب لحكم يعود على نفسها حيث ترى عناية الله بها ولطفه بحالها فتتحقق روحها بأن الله مالك ومدبر كل شيء وأن التعلق به وحده هو سلاك العبد ونجاته وفرحه.
٢-(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، فنفى عن أهل بدر النتيجة وهي القتل ولو أن السبب وهو المقاتلة موجود منهم، فالقتل ليس متولدا فقط من السبب الذي يمارسه البدري وإنما بمجموع أسباب مضافة أخرى هي خارجة عن قدرة العبد. وإذا كان كذلك فإن ممارسة سبب القتال من الصحابي هو لأمر يعود على نفسه مادام أنه ليس لأجل النتيجة (القتل)، بل قد يموت الصحابي. وهذا الأمر العائد على نفسه هو التحقق بالصدق مع الله فيزداد الصحابي يقينا وإيمانا بربوبية الله وقهره ويزداد حبا وتعلقا بالله سبحانه وحده.
وهكذا في سائر الأسباب ومختلف أنواعها، ما كان سببا عاديا أو معجزا كضربة موسى عليه السلام بالعصا لتنفجر الأنهار، كل ممارسة سببية هي لإرغام النفس للتحقق بالتوحيد.
وخلافا للنظرة الشرعية، تؤمن النظرة الغربية والحداثية بأن الممارسة السببية هي للتحكم في النتيجة، لا لإرغام النفس، بمعنى أن ممارسة السبب تؤدي للتحكم في النتائج الواقعية الموجودة في الخارج، أي التحكم حتى في الأسباب المضافة والبعيدة عن قدرة العبد، تلك الأسباب التي نفى القرآن التحكم فيها كما هو مبين في النص السابق، وهذا التحكم الخارجي هو أساس الشرك ومنطلقه وقاعدته كما هو في مثال قارون وفروعون، ومثال قوم عاد وثمود ومثال قوم بلقيس وغيرهم، جميعا يذكرهم القرآن بوصف جامع أن لهم تحكما في النتائج الخارجية وهذا عين الشرك.
إذن نحن أمام نوعين من الممارسة السببية، وبين سيكولوجيتين متناقضتين، بين سيكولوجية تمارس السبب لإرغام النفس مع عدم ضمان النتائج، وبين سيكولوجية تمارس السبب لضبط النتائج الخارجية! الأولى هي عين التوحيد، والثانية هي عين الشرك.
ومن تطبيقات هذه الممارسات، الممارسة العلمية والفكرية، بين من يمارس العلم والفكر لإرغام النفس، وبين من يمارس العلم لضبط النتائج والمخرجات الواقعية عبر تصوراته المصاغة في نظريات وتأصيلات عابرة للزمان والمكان! والعبرة بالحال لا بقناعات قولية يخالفها السلوك العملي.
وميزة الممارسة العلمية الشرعية (إرغام النفس) أنها تعيد النوازل والحوادث العينية لجدلية النصوص الشرعية للوصول للحكم عليها، أما الممارسة العلمية الحداثية فهي تريد ضبط الواقع في صورة نظرية واحدة يسير عليها باطراد في المستقبل.
فليسأل النخبوي الإسلامي مدى تحققه بالتوحيد أثناء ممارسته العلمية؟ وليراقب تقدم قربه من الله أو تأخره حتى يعرف نوعية ممارسته للعلم؟ هل هي إلا حظوظ نفس وتأليه خفي لها أو هو متابعة لمراد الله حبا في الله؟
ومعيار ذلك: أن المتشرع لا يغضب وينزعج إذا لم يأخذوا بكلامه وعلمه، لأنه يرى ذلك من عمل الله فهو خارج عن تحكمه وقدرته، أما المشرك الحداثي فتثور مشاعره لأن الواقع لا يسير كما يريد حيث يعتبر نفسه إلها على الواقع إرادته نافذة فيه!
وليس السائد في يومنا سوى الممارسة العلمية بنمطها الحداثي، يحتكم إليها المسلم بطريقة لاشعورية، ويعيش عليها وينظر بها، أي هو ينطلق من سيكولوجية شركية لكي يقترح حلولا شركية مآلها تأليه الإنسان وتوهم هيمنته على الوجود.
وماذا يكون من نخبة هي في إصلاح نفسها قاصرة وجاهلة بالمقامات الربانية العالية؟ هل هو إلا مزيد التخبط!
عن الممارسة العلمية المعاصرة
واللاشعور الحداثي المحرك لها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعمل العقل البشري بطريقة التصنيف (category)، فلكي يستطيع التعامل مع جزئيات الواقع الكثيرة يقوم برد هذه الجزئيات إلى أصناف أو كليات مبنية على تشابه (قدر مشترك)، وبعد التصنيف الذي يمارسه يعيد إسقاطه من جديد على الواقع للتعامل معه والحكم عليه.
الإشكال التاريخي الذي صاحب العقل البشري أنه غالبا لا يملك كليات تعم الوجود في شموليته حتى تكون أحكامه دقيقة، فهو أبدا محدود محصور في نوع معين من الحوادث، يحاول من خلالها خلق صورة عن الوجود تستمر في المستقبل، وبناء عليها يسيطر ويهيمن على هذا الوجود، لكن الفشل صاحب أغلب هذه المحاولات وجعلها تاريخا يحكى فقط.
يظهر أكثر ما يظهر هذا الإشكال في الفكر الغربي، منذ اليونان وفلسفة اللوغوس، إلى الحداثة الغربية بعد عصر التنوير، وذلك بمحاولة صياغة نظريات مطابقة للوجود، على أساسها يتحقق التحكم في جزئيات هذا الوجود المعينة، وهو تحكم ثابت جامد يضمن عدم التغير في المستقبل، ومنه يمكن بناء المجتمع المثالي الذي تسود فيه المثل العليا ويبرز فيه الإنسان الكامل.
بقليل من التأمل، نلاحظ أن هذه الممارسة العلمية، والمحددة في شكل (بناء نظرية مطابقة تخلق صورة جامدة مستمرة في المستقبل يصل بها الإنسان للعيش الرغيد)، هي ممارسة تجد مكانها في أذهان كثير من النخب الإسلامية، وهي ممارسة طارئة جاءت عقب اتصال الغرب بالشرق، خلافا للممارسة (الفقهية تحديدا) العلمية القديمة.
وإذا كان سؤال: [لماذا لا يملك الشرع (قرآنا وسنة) صياغة دقيقة لنظريات تضبط الواقع؟] سؤالا لافتا يبين المفاصلة والتمايز عن الممارسة (الحداثية) العلمية المعاصرة، فإن التقرير الشرعي في نفسه يرفض هذه الممارسة باعتبارها تأصيلا للشرك، حيث إرادة [صياغة نظرية تضبط الواقع في تفاصيله وجزئياته بما يمنع تغيره مستقبلا] إنما هو تأسيس لسيكولوجية خاضعة للأسباب في ذاتها، أي تأليه للإنسان لذاته فهو يرى استمرار نمط معين ثابت ومستقر تابع لإرادته في الأخير.
ولما كان الوصفان متلازمان، أي بناء صياغة شاملة للتفاصيل تضبط وتتحكم في الواقع حاضرا ومستقبلا، جاء النقض القرآني لكليهما، فالأول في مثل قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، حيث ظهر عجز الإنسان عن الإحاطة بشروط ما يعايشه في تجربته المباشرة لوحده فضلا عن تجارب الآخرين، أما عن وهم التحكم في الواقع ففي مثال قارون وفرعون وغيرهما، زعم أحدهما في ماله (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)، والآخر ((أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ).
ويقدم الشرع البديل، وهو محور مواضيع القرآن والسنة جميعا، أن الإمكان الوحيد للاختيار الصالح في لحظة ما في ظل تقلبات الوجود هو بتحقيق الاستعانة بالله والافتقار إليه، وتقلبات الوجود أبرزها القرآن في مثال الأنبياء، فأيوب يمرض، ويوسف يرمى في الجب، ولسليمان الريح، وعيسى يحاولون قتله، فالغاية تحقيق إصلاح النفس وتزكيتها بالاستعانة بالله لتحقيق مراده، ولذلك كان أعظم دعاء يكرره المؤمن (اهدنا الصراط المستقيم)، فالشرع جاء بأوامره المفيدة لتحقيق الصلة بالله، وعلى أساس هذه الصلة والاستعانة فقط يمكن أن ينصلح الإنسان ويجد أمثل صيغة للعيش. وهي استعانة لحظية بقدر ما فارقها الإنسان ضل وفسد وضاع، فلا حول ولا قوة إلا بالله سبحانه.
فالشرع نفى ضبط المستقبل الدنيوي بشكل معين مستمر، ونفى القدرة على صياغة نظرية تشمل هذا المستقبل في جزئياته، فلم يبق للإنسان سوى لزوم الاستغاثة بالله دوما وأبدا، وهذه هي سيكولوجية الإيمان والتوحيد.
أما حديث القرآن عن الأمم السابقة وذكر أحوالهم، فهو لتوضيح الشرك من التوحيد، وقوانين الشرك والتوحيد هي الكليات الشاملة لجزئيات الوجود، فالمراد من ذكر السابقين هو تفصيل الشرك ( =توهم العلم الشامل والتحكم في الواقع) وصوره وبيان مآلاته لبيان حقيقة التوحيد والإيمان المتمثلة في الاستغاثة بالله والاستعانة به.
من هنا كانت الممارسة العلمية الشرعية متمثلة في تحديد صور الشرك والتنبيه لها، وتأسيسا للتوحيد والإيمان، فتكون الممارسة العلمية الشرعية في هذا الزمن فضج وكشف الشرك المعاصر القائم في صورته الحداثية، وتقديم بدائل التوحيد العملية المطلوبة.
ويجسد الفقه القديم ممارسة علمية شرعية، لأنه يعالج حوادث الواقع بالرد للشرع بحسب الحاجة، فهو لا يرسم مستقبلا للدول والأشخاص، إنما يعرض مجريات الواقع على حقائق الشرع ليعطي حكما يناسب النازلة. ليست هناك نظرية ضابطة يتم الاحتكام إليها دوما، بل هناك جدلية متجددة في كل حادثة عينية.
من معاملة الخلق، للشيخ زروق الفاسي:
"أن تكبر عليهم أربعاً وتحسبهم من جملة الموتى، فلا تعتمد عليهم في أحوالك ولا تأمل حظهم في أعمالك وترى ما يجري منهم ليس صادراً في الحقيقة عنهم، وإنما هم مسخرون أو مسلطون، فترجع لمولاهم شكراً حيث أحسنوا والتجاء واضطراراً حيث أساءوا وأخشنوا"
"واعلم أني خبرت الناس جملة وتفصيلا فلم أجد إلا رجلاً يريد أن يكمل بك دنياه، أو رجلاً يريد أن يستعين بك على هواه، أو ثالثاً يستأنس بك في ما هو به من مناه. والكمال كله في علم بحق أو عمل بصدق أو حال بحقيقة، ولن تصل من كل منها إلا ما قسم لك، فلا تعجل في الطلب ولا تتباطأ في السبب والله ولينا في ما ترومه من ذلك وهو حسبنا ونعم الوكيل"
اقتباسات معرض الكتاب
دار أدليس بلزمة (D73)
جلسة التوقيع: السبت 09 نوفمبر
ابتداء من الساعة 14:00
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ولحد الساعة، تكاد تكون كل المحاولات السابقة في بناء نهضة للعالم العربي والإسلامي، خاصة الإسلام السياسي، وحتى ما كان من المقاومات العسكرية في القرن العشرين، مجرد تنويع على فسيفساء الحداثة ومزيد امتصاص لآلياتها وأساليها. ودليل ذلك أن الغرق في عالم الحداثة لا يضعف بل هو يزيد ويتقدم بنسب متفاوتة، وبالرغم من هذه المحاولات المختلفة إلا أنها انتهت دوما للذوبان في السائد، ولم تتحقق صفة التراكمية التي بها تظهر مفاصلة حقيقية"
(تحديات الحداثة وسؤال النهضة، نحو مشروع جنيالوجي لنقد وتجاوز الحداثة الغربية، صيقع سيف الإسلام صيقع)
"فالأمر سيان بالنسبة للفلسطينيين ويهود الهولوكوست. النظام البيروقراطي قد وظف الفلسطينيين و«اليهود الوظيفيين» بتعبير باومان، والحقيقة أن السلطة الفلسطينية تأخذ مكانة المجلس اليهودي الذي كان برئاسة ايخمان الذي مثل القلب الدافئ الذي ساعد النازيين في عملهم، وهو نفس الحال بالنسبة للسلطة الفلسطينية فهي قد أصبحت تخدم الكيان في السر وفي العلن وفق معايير عقلانية خاصة، وبعبارة أخرى أصبح الممثلون الفلسطينيون يعملون تحت سيطرة جلاديهم و يسهلون مهمتهم ويحفرون قبورهم بأنفسهم مهتدين في ذلك لما يطلق عليه من وجهة عقلانية «الرغبة في البقاء على قيد الحياة»"
(نظرات في نقد زيجمونت باومان للحداثة الغربية، الهولوكوست في نسخته الفلسطينية، محمد مشماش مهدي Mehdi Mech)
"هذا التداخل بين المراقبة والرأسمالية يؤكد أن البيانات الشخصية أصبحت أحد الموارد الأكثر قيمة في القرن الواحد والعشرين، لذلك يمكن القول إن المراقبة السائلة في عصر الذكاء الاصطناعي هي أكثر من مجرد ظاهرة تقنية، بل هي جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي والسياسي العالمي الحديث"
(نظرات في نقد زيجمونت باومان للحداثة الغربية، المراقبة السائلة في عصر الذكاء الاصطناعي، محمدي نسيم Nass Mdi)
"ورغم أن باومان في الأخير يدعوا إلى نظرية سوسيولوجية في الأخلاق تتجاوز التفسيرات الوظيفية للأخلاق، إلا أن نظريته القائمة على المسؤولية تجاه الآخرين هي إعادة تكرار لفكرة إيمانويل كانط عن الأخلاق بأنها استجابة للواجب (الكانطي) بغض النظر عن الفوائد وحسابات الربح والخسارة وغيرها"
(نظرات في نقد زيجمونت باومان للحداثة الغربية، الفشل الأخلاقي للحداثة، حسام تمرسيت)
مشاركة في معرض الكتاب
سعيا للاستمرار في مشروع الجنيالوجي، ومحاولة للمساهمة في هموم الأمة وتحدياتها التي تجابهها، تم بذل جهد منقوص مدغول عساه ينصلح بالوقت، دفعا للبطالة والاستقالة التي هيمنت علينا.
أولى هذه المساهمات (تحديات الحداثة وسؤال النهضة، نحو مشروع جنيالوجي لنقد وتجاوز الحداثة الغربية) عبارة عن مقال يحدد المسار الذي يجب أن تتحرك فيه الجهود وتُبذل لأجله المساعي، غاية المقال توضيح الإشكالية الكبرى التي يعاني منها واقع الأمة الإسلامية، توضيحا في الصميم دون الوقوع في خطأ جعل العرضي جوهريا، ثم كيفية مواجهة هذه الإشكالية عبر بيان الوسيلة والكيفية والأهداف والتطورات.
ويعتبر العمل الثاني بداية ممارسة تطبيقية للتأطير الكلي الذي يوجه له المقال (البيان)، وهو (نظرات في نقد زيجمونت باومان للحداثة الغربية)، والذي يمثل الجزء الأول من فكرة موسوعة تعالج عموما (الحداثة في سياقها الغربي).
الاستفادة من أطروحة زيجمونت باومان جاء في مؤلف جماعي شارك فيه الإخوة بإبداع وإضافات حقيقية تمثل بادرة مشجعة لهم ولغيرهم، حيث ناقشت مقالاتهم:
-أفول مواطن الدولة الحديثة وظهور المواطن العولمي
-الهولوكست في نسخته الفلسطينية
-المراقبة السائلة في عصر الذكاء الاصطناعي
-الفشل الأخلاقي للحداثة
يمكنكم الحصول على نسخ الكتابين في المعرض الدولي
سيتم لاحقا الإعلان عن موعد جلسة التوقيع إن شاء الله
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعدما يتوكد مشهد القيامة في روح المؤمن، ويصبح حاله كأنه يرى ربه، موقنا أن الساعة آتية؛ يعامل الخلق عموما والناس خصوصا بالترك والتخلي والابتعاد إلا من أمر يضر آخرته وعاقبته، فهو لا يأخذ حظ نفسه وهواه معهم فيكون صفحه مجرد صفح، وإنما يترك حظ نفسه لحظ آخرته فيصبح الصفح جميلا، جميلا ولو كان مؤلما قاتلا؛ ولا يضير المؤمن كثرة تلون الخلق والدنيا عليه، ما كان مؤدى ذلك كله مشهد الساعة القائم، فلجميع الخلق المتنوع الزم صفحك الجميل الذي فيه حظ آخرتك مقدم على حظ نفسك، فربك عليم سبحانه، في علمه كمال الحكمة وكمال الخير لك.
