en
Feedback
908
Subscribers
No data24 hours
+17 days
+730 days
Posts Archive
ذكريات، بمناسبة ٢٢ فيفري تبقى فكرة الكتاب حية، قابلة للإثراء وتحسين الصياغة كم هوجمت عليه، وفي الأخير كان توصيف الكتاب أقرب للحقيقة ممن رسموا آمالا موهومة بعيدة لا تنبني على أرضية فكرية ^^

علمنة الفقه وواجـب الوقت ـــــــــــــــــــــــــــــــ الملاحظ على الممارسة الفقهية المتأخرة أنها عبارة عن "ردة فعل" فقط لما يفرضه الواقع الحداثي والاستعماري على المنطقة العربية والإسلامية، في حين الممارسة الفقهية الشرعية تعمل على تجاوز رد الفعل إلى الفعل والتأثير لأن وجود نسق شرعي لا يحصل إلا بذلك. لقد نشأت حالة من "غياب الأحكام الشرعية الفاعلة لا المنفعلة"، وفقدان هذا "الفقه الفاعل" جعل الممارسة الفقهية "المنفعلة" أداة تتحكم فيها الدولة الحديثة لتنجز مصالحها والأيديولوجية الخاصة بها. يأتي غياب الفقه الفاعل من الغرق في النظر للجزئيات الواقعية دونما ربطها بالمقاصد الشرعية الكلية، فيتم معالجة المسألة الواردة في شكلها الآني دونما النظر في مآلاتها الكبرى، ويمكن تحديد ثلاث مجالات كبرى يظهر فيها العمل الفقهي المعاصر المنفعل مفصولا عن المآلات الشرعية الكبرى التي بها يكون فاعلا: ١-المجال التربوي والسلوكي التزكوي: باستقراء بسيط لجملة الأحكام الفقهية المقررة في الحالات اليومية التي تتكرر في المجتمع، نجد أن تحكيم البعد التربوي التزكوي في عملية إنتاج الحكم الفقهي شبه غائب أو منعدم، فمراعاة الجانب الإصلاحي للنفس البشرية غائب تماما، وهو مقصد التكليف أساسا، ولأجله خلقت الدنيا. لقد تحول الفقه المعاصر إلى "قانون" وخسر التقنيات السلوكية التي بها يصلح الرعونات الشركية للنفس البشرية. ٢-المجال الاقتصادي: بعمل مقارنة بسيطة بين تعقيدات النظام الرأسمالي والأطروحات المشتغلة به وبين المقاربة الفقهية المعاصرة للنوازل الاقتصادية، يظهر أن هذا الأخير لازال مؤسسا على تصور قروسطي عباسي، فكل المعاملات الاقتصادية الرأسمالية الجزئية التي يبحثها الفقه المعاصر ويوافق على أغلبها إنما تنتهي لخدمة النظام الرأسمالي الذي يضرب كل المقاصد الشرعية! فالفقه يوافق من جهة ويبكي على تأزم الواقع من جهة ثانية! ٣-المجال السياسي: لئن كان المجال السياسي مجرد مظهر نهائي لتفاعل مجالات أخرى كالاقتصاد ومؤسسات المجتمع المختلفة، فإن السياسة المعاصرة ميزتها التشابك بحيث كل أمر داخلي في الدول متعلق بعوامل خارجية وعالمية، وهنا يفشل الفقه المعاصر في بناء نظرة تبحث هذه العلاقات بين الحدث الداخلي وموقعه من خريطة الأحداث العالمية، والتي على أساسها تنبني أحكام ومقررات فقهية، خلافا للسائد الفقهي المعاصر المتحرك بمنطق الحدث الداخلي والجزئي فقط ضمن نفس القرية والبلدة! وبداية تجاوز الفقه المنفعل إلى الفقه الفاعل تكون من خلال إعادة "تعليم الفقه بإدماج هذه المجالات الكبرى"، وذلك عبر مؤسسات غير نظامية لأنها أساس تعليم الفقه المنفعل الخادم لأغراضها السلطوية. هكذا تنشأ بوادر نخبة تعيد تصحيح الوضع الحالي.

وفي صحيح مسلم: "إن أحد جبل يحبنا ونحبه"، وكل محبة هي فرع عن حب الله، أي ما يعين على حب الله يصبح محبوبا، ففي هذا الحديث شرح لمعنى القنوت. وقنوت المخلوقات يجده المؤمن ويلاحظه فيما يعينه على الوصول إلى الله، وهذا لائح من لوائح الصدّيقية، بأن يشهد المؤمن المعاني الإيمانية في قالب واقعي مع معرفة سندها من الوحي حيث لا يقين فيما لم يكن له تثبيت من الوحي. أي يشهد المؤمن شهودا معينا إعانة السماء والأرض والنسمة له مثلما يشهد إعانة أخيه المؤمن له. وهذا الشهود المعين يصحبه دليل معين من الوحي يثبت نسبته للوحي، وهذا حال الصدّيقين، وبذلك كان أبو بكر صدّيق الأمة الأكبر، حيث كانت أحواله الإيمانية المعينة مسنودة دوما بدليل الوحي المعين، خلافا للملهمين المحدّثين فبعض أحوالهم الإيمانية لا يظهر فيها الدليل المعين من الوحي المثبت لذلك الحال، وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء. تصبح تلك الحقائق الإيمانية المدلل عليها شرعا، والتي رفضها الحداثي عقلا بزعمه، في مقام المحسوس المعاين والمشاهد، فمن أين يبقى التكذيب؟! إن المؤمن يعيش وجودا مختلفا في حقيقته تماما، أنطولوجيا مغايرة لذلك الوهم المخيم على بصائر الناس، ومن حيث تجدد الوجود عند المؤمن عاد كلامه بمقدار رؤية عينه وذلك مطابق لما جاء به الرسول، فانهار كل ما سوى ذلك وصارت متابعة الدين هي الحياة واليقين لا ما أخذه المقلد الحداثي من هذيان عن أسياده. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "
وإما رجل قذف الله في قلبه من نوره وهدايته الخاصة ما أشهده شيئا من الخصوصيات، التى هى أعيان تلك الأسماء والصفات، فيعلم ذلك لا بمجرد القياس، ولا بمجرد الوجد بل بشهود علمي مطابق لما أخبرت به الرسل، وتدله على صحة شهوده موافقته لما أنبأت به الرسل، ويحصل له نصيب من النبوة، فإن النبوة انقطعت بكمالها، وأما وجود بعض أجزائها فلم ينقطع. ولا بد أن يكون في بعض الأمور محجوبا عن أن يشهد ما شهده النبي، فيصدقه فيه، لشهوده بعض ما أخبر به النبي، ويبقى ما شهده محققا عنده لثبوت ما لم يشهده، وهذه حال الصديقين مع الأنبياء
"

رشـاقة فلسفية ولائح من لوائح الصدّيقية في تحقير العنجهية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحد أهم مشاريع القرن العشرين، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، هو ذلك العمل (principia mathematica) الذي اشتغل عليه كل من برتراند راسل وصديقه وايتهود المتعلق بإيجاد نسق منطقي رياضي نهائي ومكتمل يكشف عن الحقائق؛ ومن بين النتائج المتوصل إليها أن جميع الرياضيات تعود في الأخير إلى مجموعة الأعداد الطبيعة (N). كانت هذه النتيجة ذات لوازم خطيرة باعتبار أن الأعداد الطبيعة مجرد لغة بشرية موضوعة للوصف لا أكثر! وهو ما هدد المشروع كلية، حيث لن يبق هناك نسق منطقي مطلق كاشف عن الحقائق، بل تصبح الحقيقة تابعة لأنساق متواضع عليها فقط! وهو ما سيؤكده بحسم عمل كورت غودل في مبرهنة عدم الاكتمال (incompleteness theorem)، بالرغم من أنه ابتدأ عمله بطلب من أستاذه هيلبرت لنفس غاية راسل وصديقه، إلا أنه عاد بنقيض مقصوده. في سياق آخر؛ كان ألفريد تارسكي يبحث عن معنى "الصدق"؛ واستغل لأجل ذلك المنطق الرياضي لضبط الدلالات بدقة وهو أمر يصعب في اللغة البشرية العادية؛ لينتهي ببراعة منطقية إلى نفس النتيجة السابقة لغودل؛ وهي أن "الصدق" لا يمكن أن ينشأ من داخل النسق والمسلمات المؤسس عليها، بل ينشأ "الصدق" فقط من خلال "نسق فوقي =meta language"، ثم هذا النسق الفوقي يحتاج لنسق أشمل منه ويتسلسل الأمر. هذه الاكتشافات "الخطيرة" التي وصل إليها الرياضيون، كانت مترجمة في أشكال عليا؛ في مفاهيم: تأريخية مثل "السلطة والمعرفة" عند ميشيل فوكو، لغوية مثل "اللعبة" عند فيتغنشتاين، سياسية وثقافية مثل "النطاق المركزي" عند كارل شميث، علمية مثل "البراديغم" عند توماس كون، وقبل هؤلاء جميعا عند المايسترو نيتشه في صياغة فلسفية تؤسس لكل هذا، وتعيد إحياء مشكلات عميقة مثل "مشكلة الاستقراء" بالصياغة الهيومية. لقد كانت هذه الإنتاجات الفكرية ثورة على مختلف الأصعدة: فلسفيا، سياسيا، اقتصاديا...الخ. وهي إنتاجات ساهمت أكثر في فهم تراث السابقين، سواء من أصحاب النظريات المطلقة الشاملة كأفلاطون ومن تأثر به وصولا للفرق الإسلامية، أو أصحاب المذاهب المغايرة كالسوفسطائين؛ وهي إنتاجات أصابت هذه الفلسفات في مقتل أيضا! وفي الوقت الذي كانت الحداثة فيه ممزقة من خلال هذه الإنتاجات الفكرية، كان العالم العربي والإسلامي منهارا تحت شعاراتها الكبرى، يردد وعودها الرومنسية، فأغلب الكتب المترجمة هي للسوفيات أو للليبرالية؛ والحاصل مثقف في أحسن حالاته يعطي تعليقات أدبية يعتبرها تحقيقات فلسفية! وأصالة المثقف الذي يمارس الفكر برشاقة تكمن في امتلاكه مقاربات للإشكاليات الذي يعرضها نوع العلم المشتغل به كالتي جاء ذكرها الآن؛ بهذا تتميز الأصالة عن الحشو والتعليقات الأدبية السردية؛ وصاحب هذه التعليقات الأدبية يكفيه أن تُذكر له الإشكاليات الكبرى للفن وأصولها فينقطع؛ أما أن يباشر حلها ويملك عنها أطروحات توزن بالذهب، فهذا دونه خرط القتاد، وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء. مع هذا؛ وبظهور فشل السرديات الكبرى للغرب وتحطمها؛ يستمر الحداثي في العالم العربي والإسلامي في استعادة هراء تم تفنيده وتجاوزه وتهديد أسسه وزعزعتها! وهكذا يسيء لنفسه مرتين: بعدم مواكبته، وبتهوره في رد حقائق الدين زاعما التقدم! وإن كان تعميق النقاش بالأدوات السابقة يلغي عنجهية المقلد الحداثي، لكنه مقام سالب فقط، حيث يعيد النقاش إلى حقيقة نسقية ملغاة، أما حقائق الدين فأشرف وأعظم، والطريقة الإيمانية أعلى من أن يستدل عليها بالسلب وأصلها الإثبات والمشاهدة. فالمقلد الحداثي جاوز الجهل المعرفي إلى العمى القلبي؛ فلم يشاهد الآيات وهي حقائق الإيمان ماثلة واقعة، (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، ذلك أن المخلوقات قانتة مسبحة لله سبحانه، فهي في أصل تكوينها وخلقتها تساعد على تحقيق التوحيد وفي أن يتصل العبد بربه، (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، فالسماء والأرض مع نوح ضد الظالمين، (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ۖ)، وهنا الجبال والطير تشارك داوود عبادته وتؤنسه، وهكذا لابد لمن ذاق الإيمان أن يدرك نصيبه من معايشة قنوت المخلوقات، لأنها مسخرة لخدمته نحو غاية هي أن يحب ربه، كما عاش الأنبياء بذلك لا ذاقوه فقط، فالجبال تسبح مع داوود، والريح تسري بأمر سليمان، والحجر يسلم على المصطفى صلى الله عليه وسلم كما الطعام يسبح بين يديه والغصن يحن إليه صلى الله عليه وسلم.

جمعة مباركة بالكاد يغادر المرء المسجدين، المسجد الحرام والمسجد النبوي، فيشتاق ويحن ولا يشبع، خاصة برفقة الأحبة الأفاضل ممن جمعنا الله بهم. اللهم لك الحمد، جمعة مباركة للجميع بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

المثقف والنضج النفسي ــــــــــــــــــــــــــــــــ سخر دوستويفسكي من أفلاطون في روايته (الشياطين) قائلا بأن جمهوريته تصلح لمجتمع من النمل لا البشر، مشيرا بذلك أن النفس البشرية معقدة وعملية إصلاحها ليست في خلق "كليات متسقة منطقيا"! وهي سخرية رمى بها أيضا كانط في (مذكرات قبو). يفترق المثقف الذي حاز نضجا نفسيا عن ذاك الذي غلف ضعفه وعجزه بفلسفة تنتصر له، والنضج المقصود هنا هو الوصول لدقائق الغرائز والرغبات الكامنة في الإنسان وإعادة تحويلها لغرائز ورغبات جديدة بمقتضى تصور معين، ولو لم يكن تصورا شرعيا دينيا، أي يصل الإنسان إلى بناء لاشعور جديد خلافا للقديم الذي جاء من تربيته ووسطه وبيئته، كأن ولادة ثانية تحصل له. هذا الوعي بتغيير الذات إلى أخرى جديدة في عمقها النفساني، يدخل في العملية الفكرية والإنتاج الثقافي للمثقف، فالمثقف الذي انتبه لأمراضه النفسانية وعمل على تصحيحها وتغييرها، ممارسته للفكر مغايرة تماما لذلك المثقف السطحي الذي يعيش بنفس طفولية شكلتها الظروف والعوامل الخارجية دونما وعي داخلي. النضج النفسي، والذي علامته "الانخلاع من العادات"، يدرك صاحبه تعقيد الظاهرة وتعقيد استبدالها، خلافا للفاقد لهذا النضج، هو يعكس سطحيته على الظاهرة فتصبح بسيطة، وتتحول إلى "كليات متسقة منطقية" في لوحة نظرية جميلة! وكان نيتشه نبه على شيء من هذا، أن الفلسفات التي كانت تتصور المثل الإنسانية العليا ليست في حقيقتها إلا صادرة عن جسد مريض ضعيف هو من ابتدأها! فبدل إصلاح الذات من الضعف والوهن وصناعة القوة، لقد تم تقنين الضعف وتحويله إلى فلسفة! عجزت النفوس الضعيفة عن تحقيق الكمال في ظل تقلبات الوجود، فأرادت خلق وجود بنمط واحد مستمر يتلاءم مع ضعفها، أرادت واقعا يغذي شهواتها دوما، خلافا للكاملين كسادة المؤمنين الذين منهم الرضا في السعة كما منهم الرضا في البلاء. أكثر المثقفين يكتبون ما يريدون أن يحصل لهم هم! لسذاجتهم النفسية وجهلهم بعمق ذواتهم. تنعكس تلك الرغبات الباطنية إلى مقررات فلسفية لأنه لم يتم كشفها بالتنقيب عنها، ومن ينقب في باطنه سيجد الأمراض العظيمة ومنه تتغير مقاربته في وصفة العلاج السهلة تلك، فلا يصف دواء الزكام لمرض هو السرطان! وسؤال النضج النفسي هو السؤال الأكبر الذي طرحه الشرع، وجعل ما بعده تابعا له خادما له، فالقرآن والحديث يخاطب النفس لتخرج من ظلمتها إلى حالتها المطمئنة بالله، ومن فاته نضجه النفساني الخاص به، وهو الغالب على حال المثقف العربي والإسلامي، فقطعا سيفوته إصابة الحق في ما تتطلبه أنفس الآخرين. بقدر ما تغفل عن أمراض باطنك، أمراض اللاشعور، أمراض تأليه الذات، بقدر ما ستظهر في مقرراتك الفكرية والثقافية. فما أسوأ ثقافة هي في عمقها تعبير عن نقص ما!

"قال أبو يزيد رحمه الله: قال لى أبو على السندى: كنت في حال مني بي لي ، ثم صرت في حال منه به له"(ص٤١١)

مجالس حوارية سنحاول بحول الله تخصيص مجلسين كل أسبوع، يتعلق المجلس الأول (مجلس الخميس) بإشكالية العصر وهي تحديات الحداثة وسؤال النهضة، ويتعلق المجلس الثاني (مجلس الجمعة) بتثوير معاني الذكر الإلهي لبعث الأرواح وتحريكها بما يتناسب والإشكالية السابقة. ودونكم مواضيع المجالس المفتتح بها، الرابط للمشاركة: https://t.me/genealogya وهذه المزاوجة تأتي من البيان الشرعي كما في قوله تعالى: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فالثبات ضد الفئة يكون بدفع صولتها بما يقتضيه ويستوجبه الدفع، ومن جملة ذلك في زمننا الإلمام بتحديات الواقع وتحليله والمبادرة بإنتاج البديل، وهذا الثبات لا يتحقق إلا بالذكر الكثير، لأن بهذا الذكر الكثير يرى المؤمن أن قتاله لتلك الفئة إنما هو معاملة مع الله عبر خلقه، وقد دلت الآية الكريمة على أنه لا ثبات للمؤمن في قتاله أو علمه أو حاله كيفما كان ما لم يتصل بذكر الله، وهو نوع الذكر الذي تختص معانيه بحقيقة نوع الثبات الذي يقابله، فلكل حال ذكره الخاص به، كما دلت الآية على أن كل ذكر لله مطلقا من غير أن يتحقق بهذا الذكر ثبات ضد تلك الفئة إنما هو نقص وضعف وتلبيس على النفس فقط. ومن كان له ذكر دون ثبات، أو ثبات لا يدخل فيه حقيقة ذكر الله، فهو ليس من المفلحين في عمله، كيفما كان عمله.

bd42c410-c1dc-11ef-a2ca-e99d0c9a24e3.jpg.webp0.07 KB

دروس من تجربة الجولاني ١. في تعريف "السياسي": بين سقوط نظام بشار، وظهور اسم الجولاني على الساحة، ليالي معدودة، لكنها متخمة بعوامل ومتغيرات محلية ودولية هائلة. وإن أفاد هذا المشهد شيئا في التنظير السياسي فهو أن العمل السياسي مجرد عمل سياقي ظرفي يتغير بين دقيقة وأخرى، حيث هو مجرد إدارة لتوازنات، لا يمكن تفسيرها إلا من خلال نموذج فارغ مرن كفلسفة كارل شميث، أو نموذج إيماني يجعل جميع تلك المتغيرات منعكسة في وحدة ثابتة لا تتغير (حسنة/سيئة)، فالسيادة في منظور كارل شميث هي تلك القوة التي تصنع لحظة الاستثناء، بحيث يتغير الواقع من شكل لآخر، فجماعة إدلب صنعوا لحظة الاستثناء التي أزالت بقايا النظام فكانت لهم بذلك السيادة، أما بخصوص النموذج الإيماني فالمصالح الشرعية راجحة وعلى رأسها زوال الشرك العلوي وظلمه. ٢. في ميكانيزم تحقيق المكاسب: الإصلاحات المحمودة لم تأت من داخل الأنظمة بل دوما من خلال جدلية مع ممارسات وأساليب (غير نظامية)، سواء كانت بصفة اقتصادية أو عسكرية أو غيرها، فزوال نظام بشار إنما جاء نتيجة تراكمات (غير نظامية)، من تدخلات روسيا وتركيا والخليج، وقبلها الربيع العربي، كل هذا اندمج مع لانظامية الجولاني، فجاءت المكاسب النسبية، ولهذا المشاريع الحقيقية التي فيها أمل التغيير، هي تلك التي تعمل بصفة مؤسساتية لادولية، تتحرك في أفق واسع ممتد، وهذا ما نبهنا عليه في (تحديات الحداثة وسؤال النهضة)¹، أن العمل في نسق الدولة مجهض قبل بدايته، وتم تجاوزه، والجولاني في بناء سوريا الجديدة إن لم يركز على مؤسسات متجاوزة لأفق الدولة، فسيبتلعه النظام العالمي كما فعل مع غيره، فالسياسة الشرعية لهذا الوضع هي بتحقيق توازنات باسم الدولة السورية تكفل بيئة وحاضنة تنشأ من خلالها مؤسسات متجاوزة للقطرية. أي يصبح النظام تابعا لهذه المؤسسات من غير عكس. ٣. في ضرورة المحيط الاستراتيجي: اضطر الجولاني لإطلاق عبارات التأمين والشراكة لنفس من كان يعتبرهم أعداءً البارحة، وهذا لا شك من فقه الواقع، لكنه يدل على طريقة بناء الحلول، فبدون مناخ ومحيط استراتيجي يشكل نوعا من [القطبية]، لن تتوفر نهضة حقيقية بمشروع هوياتي أصيل للمنطقة، وهذا المناخ الاستراتيجي لا يمكن تشكيله من خلال أنظمة همها الحفاظ على كياناتها برعاية أمريكا، إنما تبرز معالمه الأولى بتلك المؤسسات المتجاوزة للقطرية، وهي أساسا مؤسسات اقتصادية يجب السعي من أجل خلقها. بهذا فقط يمكن أن تتغير معالم الشرق الأوسط وتنشأ فيه متغيرات جديدة تفرض ضغوطات يصعب عدم التعامل معها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ¹: "وضرورة حصول التجاوز بأفق عالمي لا قطري، تكمن في التغير الحاصل، فالدولة الحديثة في وقت سابق كانت هي عالم المواطن الوحيد، فهو خاضع لجميع مؤسساتها بالدرجة الأولى، وكانت وسيلة التأثيرات الخارجية تمر جميعا عبر أجهزة الدولة. خلافا لعالم اليوم، لم تعد الدولة مهيمنة بقدر ما صارت تحفظ النظام فقط، وانفتح المواطن عبر التقنية والسوق الرأسمالية على مؤسسات العالم، بما هيأ لأفول مواطن الدولة الحديثة وبروز مواطن عالمي جديد. وهذا التغير البنيوي، يجعل عملية إصلاح الذات المؤمنة وتجاوز إشكاليات الحداثة يكون عبر مؤسسات ميزتها الانتماء لنسق مفتوح متجاوز للقطرية. على العكس مما هو سائد الآن، أن الإصلاح يكون من خلال الدولة فقط، وذلك بالمشاركة سياسيا وحزبيا" (تحديات الحداثة وسؤال النهضة، نحو مشروع جنيالوجي لنقد وتجاوز الحداثة الغربية، ص ٢٧)

سؤالك ينطوي على اعتراف بأن للدول مذاهبا وسياسات تشبه النظريات تحتكم إليها، وليس هذا هو الواقع، بل الدول لها سياسة وإيديولوجية واحدة وهي المصلحة فقط، وهذه المصلحة متغيرة بتغير معطيات الواقع وسياقاته وظروفه. فدول اليوم، غالبا ما يحركها النظام العالمي [الرأسمالي]، والرأسمالية هنا ليست نظاما اقتصاديا فقط بل هي حمولة ثقافية شاملة لميادين الحياة المختلفة، فلفهم سياسات الدول وتحركاتها فهما واقعيا أنصحك بقراءة كارل شميث، والكتب الشارحة لفكرته والتي ناقشته، فكرة الصديق والعدو، وفكرة الاستثناء، ثم يمكنك النظر في النقد الماركسي للرأسمالية الحديثة، وتجد ذلك في كتب لينين، وبشكل مبسط في كتب جورج بوليتزر، ثم كتب زيجمونت باومان خاصة سلسلة السيولة له، ففيها نقد للجوانب الثقافية للنظام الرأسمالي. هذا لكي تبني فهما واقعيا لا مثاليا ساذجا عن حقيقة ما يحدث، ومما يساعد على هذا الفهم العملي والواقعي هو القراءة في كتب التاريخ، مثل تاريخ الحروب العالمية، وتاريخ الانقلابات، وتاريخ الحركات المتمردة والإرهابية، فالسياسة ليست نظرية أو نموذجا بل هي تفاعلات معينة وقتية وظرفية سياقية فقط تتحكم فيها عوامل ومتغيرات غير منضبطة ومطردة. يبقى الكلام في فائدة الكتب التنظيرية والأمهات، بدءا من جمهورية أفلاطون، إلى ما كتبه أمثال جون لوك وتوماس هوبز ومكيافللي وسبينوزا ومونتسكيو وجون جاك روسو وغيرهم، الفائدة هي فهم الجانب السياسي والاجتماعي لفلسفة الشخص المتسقة مع نظريته في المعرفة، وفائدة أخرى هي التعبير عن النسق الذي يهيمن على فترته الزمنية، أما بناء سياسة دول بكلام هؤلاء فهو مجرد خيال لا حقيقة له، لم يحصل ولن يحصل. يمكنك النظر بداية فيما كتبناه في الجينالوجي عن زيجمونت باومان ونظرته في النقد الحداثي المعاصر، بما في ذلك النقد السياسي، خاصة مقال (أفول مواطن الدولة الحديثة وظهور المواطن العولمي)، هذا الرابط: https://t.me/genealogya/19

لما رأيت أنواره سطعت. وضعت من خيفتي كفي على بصري. خوفًا على بصري من حسن طلعته. فلست أنظره إلا على قدري. روح من النور في جسم من القمر. كحليةٍ نسجت من الأنجم الزهر. اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حسان بن ثابت رضي الله عنه وارضاه 🌿

تجدون على الرابط التالي: https://t.me/genealogya/17 ملف مقال (تحديات الحداثة وسؤال النهضة، نحو مشروع جنيالوجي لنقد وتجاوز الحداثة الغربية) وكتاب (الحداثة في سياقها الغربي: نظرات في نقد زيجمونت باومان للحداثة الغربية) بحول الله ستكون في هذه المجموعة حوارات عامة مفتوحة وورشات لمواضيع مختلفة، كذلك تجدون فيها ما تم نشره سابقا كالعدد الأول والثاني من المجلة الالكترونية. مرحبا بكم للاستفادة والتباحث والنقد والتبادل الفكري. بالنسبة لإخواننا في باتنة، الكتب متوفرة في معرض باتنة، ابتداءً من الغد 14 ديسمبر، دار أدليس بلزمة