الكاديّ
Open in Telegram
صفحة الرواية بالمنتدى : https://www.rewity.com/forum/t487195.html الرابعـة ✨ : طـوبى لمقفرٍ فيضُ حنين .
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
301
Subscribers
+124 hours
-47 days
+130 days
Posts Archive
301
فتفرغ هو لحياته التقاعدية بعيدًا عن روتين العمل
وصل إليه بعد دقائق, دلف إلى طابق مكتبه .. رأى هناك سكرتيره فبادره بالسؤال:
-هيثم موجود بمكتبه؟
وقف السكرتير مبتسمًا, وهو مندهش قليلًا من وجوده في هذا الوقت بالذات:
-حياك يابو هيثم, موجود تفضل المحل محلك
دلف نايف إلى مكتب هيثم, الذي ما إن رأه حتى وقف مندهشًا من وجوده .. فهو قلما يرى والده في زيارة له إلى الشركة خاصة بعد تسلّمه الإدارة, رغم ذلك هتف مرحبًّا بإحترام:
-هلا والله يالله حيه, أسفرت وأنورت يابو هيثم
أشر له نايف براحة كفه يمنعه من التقدم ومصافحته, هاجمه حينها بنبرة جادة جدًا:
-أنا يوم عطيتك إدارة هالشركة عديتك كفو ولا مو كفو؟
عقد هيثم حاجبيه من هذا الهجوم المباغت, لكنه تسلح بالهدوء وقال بنبرة خرجت باردة:
-إلا كفو وأنا ولد نايف
نايف بذات النبرة:
-ويومها قلت لك شي(ن) واحد ياولد نايف .. نام مظلوم ولا تنام ظالم ! وإياك وهضم الحقوق, قلت ولا مو قلت؟
شد هيثم من ظهره, وهتف بهدوء صقيعي: قلت يابوهيثم !
حينها انفجر فيه نايف بغضب, ووجهه يحتقن من شدة إنفعاله:
-أجل وش تسمي الشكاوي إللي توصلني لبيتي بسبب شغلك اللي تعد نفسك كفو فيه ؟ ما تستحي على وجهك رجال هذا طولك يشتكوك الناس عندي كنك بزر يبوني أأدبك ..
شبك هيثم يديه خلف ظهره, في صورة للحفاظ على تماسكه, شعوره بالغضب والحنق بدأ يطغى عليه لكنه صامد .. ليس قبل أن يفهم:
-ليه يبه من هاللي شكاني عندك ؟
نايف بسخط :
-الظاهر من كثرهم ما عاد أحصيتهم, من غيره أبو هتاف .. اسمعني يا هيثم, سوق العمل نافس فيه منافسة شريفة لا تجبر غيرك على قبول عروض ومناقصات بعدين تعجزهم عليها كأن الأمر كله بيدينك أنت, انتبه ياولد .. اللي أعطاك قادر يحرمك !
هيثم بإبتسامة مستفزة, أستند على طرف مكتبه:
-الله الله, حرمان مرة وحدة يالغالي .. بس أنت أدرى فيني يبه أنا أسير على منهجك اللي يقول ( مصالحي أولًا ), وأبو هتاف عارف اللي بيننا من شروط, اللي ما ألتزم هو فيها
رفع سبابته في وجهه مهددًا:
-زبدة الموضوع ياولد, تتنازل عن أبو هتاف وتتركه في حال سبيله, ما وقفت مصالحك عليه!
احمّرت عينا هيثم بإحتقان, هتف بنبرة غاضبة جدًا:
-معليش يبه لين هنا وأقولك سامحني, مافي شيء راح يخليني أتنازل في الفترة الحالية .. هذه عقود وسلفيات سبق واتفقنا عليها برضى الطرفين وإنسحابه يعني تعويضي, والتعويض ما يرضيني .. دامه مشى في هذا الطريق فيكمل معي لنهايته !
(وبإبتسامة سخرية)
-ولو إن الشغل مع أمثاله ما هو جايب إلا الفشل, أجل يشكيني عندك ؟ لو إنه رجال ما سواها بس رخمة وعرف من أي مدخل يدخل علي
#طوبى_لمقفر
301
بس بنتنا ماعادها بصغيرة وأنت أبصر بخطابها وش هم من طينه صايرين .. ما أقول إن العيبة من بنتي ! تربية يديننا وحنا أبخص بها, بس شوفة عينك بتعدي الثلاثين وماهي لاقية إلا هالنوع
نايف بهدوء وهو يتفهم وجهة نظر زوجته:
-والله يا إني رديت أزين الرجاجيل أخلاقًا ونسب عشان خاطرها, وكم مرة افتشلت من الرفض اللي أعطيهم إياه, بس بنتي ماقدر أغصبها على شيء
أم هيثم بذات الجدية:
-لا تغصبها يابو هيثم, من متى نغصب بناتنا على عيشة ما يبونها؟ بس أنت من تالي معطيها وجه بزيادة .. أختها إللي أصغر منها تزوجت قبلها بسنين, وخطاطيب تليد شايف وش كثرهم, وش معنى هي موقفه نصيبها بيديها؟
مسح على لحيته بثقل متباطيء, لما يشعر بالحزن يغزو عينيها في كل مرة يلمح فيها الرفض؟ لما يشعر بقلبها يخرج من صدرها يترجاه أن ينصت إليه ويمد يد التفاهم؟ لما يشعر بقلبه هو يهوي إلى بطنه لمجرد رؤية رفضها الشديد .. أردف:
-البنت ماهي خالية, الوكاد إن أسباب رفضها قوية وماتبي تعلمنا عنها
-"ماهو على كيفها .. لو هي رفضت الخطيب حقٍ عليها تعلمنا عن أسباب رفضها, الوكاد ما غير دلع البنات الماصخ وتغليهم"
قالتها أم هيثم بذات جديتها، عقد حاجبيه بلا إعجاب من قولها, وأردف بنبرة جادة:
-حنين ماهي مثل البنيات, بنيتنا عاقلة وتعرف تقرر صح! أنت دارية عن رباتها وشلون كانت .. ماعمرها أتعبتنا مثل باقي أخوانها
زفرت أم هيثم, بهمٍ ثقيل:
-الوكاد أنا ما ارتحت لأبو عدن ولا لأهله .. كنسل الخطبة إذا بنتك برأسها رافضة والله يعوضها بالنصيب الزين وتقر عيني بشوفتها في بيتها وعيالها تحتها
آمن نايف من وراء دعوتها, آمن كثيرًا وجدًا لابنته الرقيقة التي تحمل شموخًا كشموخ الجبال, وصبرًا كصبر الجِمال في عمق الصحراء, يثق بها! ويثق أن نصيبها سيأتيها وستقتنع به عاجلًا غير آجل
رن هاتفه فأخرجه من جيبه, فإذا به رقم إحدى رجال الجماعة الذي له مصالح متبادلة معه ومع هيثم ابنه .. رد بلباقة وترحيب شديدين .. ثم أنصت بإهتمام إلى ما يقوله الطرف الآخر .. سرعان ما احتقنت عيناه بالدماء .. وتعالت أنفاسه حتى أوشكت على الثوران
رد على الطرف الآخر بنبرة جادة حادة:
-تبشر وأنا ولد بشير, حقك بيرجع يا أبوك .. حقك بيرجع
أغلق الهاتف ووقف بنفسٍ غاضب, رتب الشماغ على رأسه بعد أن كان على كتفه .. لتقول أم هيثم بإستغراب:
-خير إن شاء الله منهو هذا اللي اتصل فيك؟
نايف بغضب وهو يحمل حاجياته في جيوبه:
-أي خير بيجيني من وراء ولدك الجحش, أي خير ؟
قالها ليخرج من منزله متجهًا إلى شركة ابنه التي كانت تحت رئاسته هو, لكن بعد مدة من الزمن وبعد تأكده من كفاءة هيثم سلّمه الشركة بما فيها
#طوبى_لمقفر
301
طيب؟ النتيجة وش تقول ؟
الطبيبة بذات النبرة التي حاولت تليين لغتها قدر المستطاع:
-يؤسفني إني أنقل هذا الخبر, لكن مع الأسف الأخت حنين مصابة بسرطان المبيض في مرحلته الثانية
*
*
*
اليــوم ..
دلفت حنين إلى غرفتها غاضبة أشد الغضب, تتبعها هناء بخطواتها المتأنية القلقة .. نزعت قرطيها ويديها ترتجفان, أعقبته بإسوارتها الذهبية .. ثم عقدها الأنيق الذي لا تكاد تنزعه
تزفر الغضب, تكبت لسانها عن الإنطلاق بكلامٍ لا يرضي مقام عمتها لديها !
تكبح ذاتها بصعوبة .. صعوبة بالغة رغم إعتيادها على كبح جماحها
قالت هناء بهدوء وهي ترى إحمرار وجهها الندي:
-حنين افهميني .. ما سويت هالشيء إلا لمصلحتك ! أبيك تعيشين التجربة عشان تختارين صح, ما أنتي حابه تعطين نفسك فرصة بسيطة تشوفين منها هالحياة مسكرة على نفسك ومقررة قرار دون تجربة
التفت لها حنين والغضب يشع من عينيها:
-عمة تكفين .. تكفين أترجاك أنا ماسكة نفسي بصعوبة مابي أغلط عليك بكلامي, اطلعي وخليني بحالي
هناء بإلزام وحزم:
-ماني طالعة لين تقولين لي ليش هالرفض المستميت ؟ منتي صغيرة يابنت أخوي وعقلك أكبر من تسطيح هالأمور .. أنتِ ما تبين تخوضين هالتجربة رغم إن الله شرع الشوفة الشرعية لهذا السبب
أغمضت حنين عينيها بقهر, وأردفت بنبرة مرتجفة من تعاظم وجعها:
-حتى إللي يخوض تجربة يكون عارف مسبقًا وش هي .. وأنتِ يا عمة جريتيني مثل ما يجرون الأغنام للذبح, حطيتيني في وجه المدفع وتقولين عطي نفسك فرصة واختاري صح, انتهكتوا قراري ما باقي إلا تزوجوني غصب
هناء بهدوء .. تجلدت به قدر المستطاع:
-ما عاش من يجبرك على شيء ما تبينه يا بنت نايف وأنتِ أبخص بنايف, بس أرحمي أمك وأبوك إللي شايلين همك
نظرت إليها والغضب يطفح من عينيها, فكت شعرها لشعورها بالحرارة التي تخرج من قمة رأسها وبنبرة غاضبة غائصة في الوجع:
-وأنتو متى ترحموني ؟ يا عمة قلتها لك زواج بهالطريقة ماني متزوجة .. ودام إني مو مقتنعة بفكرة الزواج ككل فما راح تجبروني عليه بأي شكل من الأشكال!
قالت ما عندها لتدخل إلى دورة المياة مبتعدة عن خوض أي نقاش آخر برفقة هناء التي أخرجت تنهيداتها المتحسرة على ابنة أخيها, الابنة التي لا تعلم متى ستتجاوز الماضي بكل مآسيه وتبدأ صفحة جديدة من دفتر حياتها
بالأسفل, كان نايف يجلس بجانب زوجته .. مهمومًا مغمومًا, يفكر في التي صعدت بريحها الهوجاء دون أن تسمح لأحد بإضافة كلمة واحدة بعد خروج ضيوفهم .. تنهد:
-تهقين هناء ضغطت عليها بزيادة ؟
أعقبت أم هيثم بجدية أم :
-ماهي هناء إللي أضغطت عليها أنا اللي ضغطت على هناء حتى تقنعها،محشومة بنت بشير ماتبي إلا الزين لبنت أخوها
#طوبى_لمقفر
301
ولا تعلم ما البرود الذي ارتسم على ملامح حنين الساكنة بشكلٍ مفاجيء .. سألت الطبيبة بهدوء قلق:
-وش نتيجة الفحوصات يا دكتورة, طمنينا ؟
أنزلت الطبيبة الأوراق على طاولة مكتبها, شبكت يديها ببعضها .. وقالت بنبرة هادئة:
-أحتاج أعيد فحوصات الدم حتى أتأكد إنها أكثر دقة من اللي بين يديني .. بالإضافة إلى عمل اختبار تصويري مثل التصوير بالموجات فوق الصوتية, وإن استدعى الأمر لمجرد قطع الشك باليقين راح نعمل فحص سريع للحوض
أغمضت حنين عينيها بتروي, كأنها تستعد لإستقبال أسوء الإحتمالات .. كلام الطبيبة يحتمل شيئًا واحدًا .. أن مصدر آلامها ليس معدتها مثلما كانت تظن .. بل جهازها التناسلي .. -رحمها- على وجه الخصوص .. قالت بهدوء:
-أدلي بشكوكك يا دكتورة .. أنا مؤمنة والمؤمن مبتلى, راضية بالنتيجة مهما كانت
الطبيبة بجدية بالغة:
-في عملنا مافي مجال للشكوك يا أخت حنين, احنا نعطي العلم اليقين بعد الفحوصات والأشعات والاختبارات اللازمة, وأي كلام عشوائي احنا محاسبين عليه .. بعد عمل اللازم راح أعطيك النتيجة كاملة .. تفضلي الحين مع الممرضات راح نبدأ الكشف
لمدة ساعة ونصف آخرى أجرت الطبيبة الفحوصات الطبية اللازمة للشك الذي راودها بعد أن رأت الكشف الأولي من طبيب الطوارئ .. شعرت حنين بالتعب ! والكثير من التعب .. تكره المستشفى ورائحة معقماته, تكره وخز الإبرة ومنظر الدم .. تكره أوراق الوصفات الطبية وتكره الأدوية .. تهربها طوال هذا الوقت كانت تجنبًا لهذه اللحظة
لكنها خضعت رفقًا بقلب عمتها هناء .. فهي رأت الخوف وكيف ارتسم على ملامحها حين استفاقت, ولم تود أن تجرها الأنانية أكثر مما جرتها لتصبح على ما هي عليه الآن وتؤذي عمتها من جديد
بعد ساعتان آخريات .. دخلتا من جديد إلى الطبيبة, كانت حنين قد فقدت طاقتها تمامًا وأصبح كل ما تتمناه الآن هو رؤية سريرها والتنعم بالنوم عليه ..
ملامح الطبيبة كان لا تنبيء بالخير, هذا ما استشفته هناء فور دخولهما لمكتبها .. وساورها القلق الشديد على ابنة أخيها ومصابها ..
بادرت هناء بإندفاع:
-بشري يا دكتورة عسى النتيجة واضحة لكم الحين ؟ وأترجاك لا تقولين البنية بتحتاج فحوصات زيادة لأنها شوفة عينك ماعاد بها طافة
الطبيبة بجدية مهنية, جدية من واجه هذا الأمر كثيرًا واعتادت على طرحه أمام المريض وأهله .. قالت:
-لا خلصنا,الأخت حنين ما تحتاج لفحوصات زيادة لأن الكشف الأولي وأعراضها إللي أسلفت بذكرها لطبيب الطوارئ أعطوني صورة مبدئية عن حالتها
تنبهت حنين إلى كلام الطبيبة, أي كانت تعلم مسبقًا بالنتيجة ولكن آثرت التأكد أكثر حتى لا تقع في محظور الشك أردفت هناء وقلبها يطرق بشدة:
#طوبى_لمقفر
301
والأخيرة أوجعت قلبها, صلتها بحنين تتعمق سنةً بعد سنةً لقرب السن بينهما, ولكن بعد طلاقاتها الاثنتين وهي تصبح أكثر إبتعادًا حتى تعيش حسرتها برفقة ألمها دون أن تشرك أحدًا ما به
وللتو تنتبه إلى كمّ التشابه بينها وبين حنين, كلتيهما داريا ألمهما -نفسي كان أم جسدي- .. عن أقرب ناس إليهم, وكلتيهما كان لهما وجهة النظر ذاتها .. النأي بالأوجاع عن الأحباب
بعد أن خرجت الممرضتين وطبيب الطوارئ, سحبت هناء كرسيًا وجلست بجوار حنين التي عادت للنوم بعد أن تغلب عليها شعور الراحة, مسحت على كفها الظاهر بحنو عميق, هامسة بوجعٍ خالص:
-الله لا يجعلني أعيش لومتك ياحنين, وش اللي وصلك لهالحالة وأنتِ ساكتة؟ يارب .. اشفها شفاءً لا يغادره سقمًا
طال إنتظارها في الطوارئ, وهي ما بين دموعٍ ودعوات .. قلبها يتألم لمصاب الرقيقة التي تلقت الكثير في حياتها وظلت صامدة عازمة على كسر شدة الرياح التي تتلقاها ..
عدلت من غطائها حين دخل طبيب الطوارئ بعد ساعتين .. وقفت هناء بجوار حنين, نظرت إليه وهو يحمل بعض الأوراق وينظر إلى المغذي الذي شارف على الإنتهاء:
-ممتاز المغذي ما باقي له إلا شوي, بس ينتهي راح أحولكم على دكتورة نساء وولادة
سقط قلب هناء إلى معدتها, لم تكدْ تشعر به من شدة ما هوى .. وبهلع أردفت:
-ليه يا دكتور ؟ الفحوصات وش هي تقول ؟
طمأنها الطبيب -أو حاول طمأنتها قدر المستطاع- , قائلًا بمهنية:
-الفحوصات إللي عندنا مبدئية وتحويلها لطبيبة نساء وولادة راح يكون أشد دقة , يمكن تحتاج لأشعات أو اختبارات عشان تعرف سبب الحالة إللي هي فيها
(على إنتهاء كلامه فتحت حنين عينيها ببطء, ليردف الطبيب بذات المهنية)
-الحمدلله على السلامة أخت حنين إن شاء الله ماعليك شر, الممرضة راح تشيل عنك المغذي وبترافقكم لين الدكتورة المعنية وإللي راح تكملين معها .. تمام ؟
هزت رأسها بضعف شديد, وأخذ التفكير يأكل عقل هناء .. ثم تذكرت ذاك اليوم !
نزيف حاد إستطاعت رؤية قطراته على أرضية غرفتها ..
لا رغبة في الأكل ..
كثرة التقيؤ, وخاصة بعد الأكل ..
الشبع السريع, وهذا ما لاحظته مؤخرًا حينما يجلسون في مائدة الطعام لتناول الوجبات ..
مؤشرات جعلتها تتيقن أن هناك مصيبة, مصيبة قادمة على هذه الفتاة التي لا تعلم بعد كم ستحمل من هم المصائب وثقلها على أكتافها
صعدتا برفقة الممرضة إلى طبيبة نساء وولادة, دخلا عندها بعد أن عرفت بنفسها واسمها, ثم أخذت تنظر إلى تقرير الفحص الذي ناولتها إياه الممرضة قبل خروجها
سألت أسئلة تخص تاريخ عائلتها في بعض الأمراض, وإن كانت هناك أمراضًا وراثية أو ما شابه
كانت حنين تجاوب بهدوء تام, على عكس هناء القلقة
#طوبى_لمقفر
301
ركضت بخطواتٍ واسعة إلى دورة المياة, رأتها .. ويا لوجع المرأى .. فقد كان وجهها أحمر كما لو أن الدم اجتمع بأكمله كقبائل ثائرة, وعيناها شاحبتان كسماء تعججت بالغبار, صدرها يرتفع ويهبط في نغمة ألم ووجع كأن ملك الموت يقف بالقرب منها طالبًا روحها ..
صرخت باسمها هالعة, اندفعت لتجلس بالقرب منها تسند كتفيها إلى صدرها وتحتضنها مسمية عليها بسم الله من شيطان السقم وجحيم العذاب .. ربتت على خدها المحمر إحمرارًا شديدة
نادتها, ترجتها أن تقوم فقط لتخرجها من دورة المياة بعيدًا عن برودة أرضيته, استجابت لها عن طريق أنة متألمة وتأوه موجع, همست هناء والدمع شق طريقه لخديها:
-تكفين حنين صحصحي معي بس أطلعك من الحمام, مب زين ياروحي
استطاعت بعد طول عناء أن تخرجها من دورة المياة, وتركتها متبطحة في غرفة ملابسها الباردة كذلك .. بحثت عن شرشف ثقيل لتدفيها به, فوجدت واحدًا في الخزانة
دثرتها به, وقلبها من يحتاج لتدثيره .. فقد شعرت به باردًا صقيعيًا على غير العادة ..
لم تحتج وقتًا لتتصرف التصرف الصحيح, وبما أن المنزل خاليًا اتصلت بالسائق ليقوم بتجهيز السيارة بينما تلبس عبائتها وعباءة حنين !
استفاقت على إثرها تلك المتألمة .. هامسة بصوتٍ مبحوح:
-خليني يا عمة مابي أروح مكان
شعرت هناء بالغضب .. والغضب الكثير على الإهمال الذي طال مداه لجسدها وأصبحت بهذه الصورة, فقالت بغضبٍ باكٍ:
-اص ياحنين .. اص اسكتي, خليني ألحق عليك للمستشفى يشوفون علتك إللي تدارينها عننا
ولا يمر على بالها سوى وصية نايف وزوجته لأبنائهم .. وبالأخص لحنين وسطام ! فالأولى مرهقة تداري إرهاقها عنهم .. والآخر طفلٌ صغير قد يشتاق إليهم ويتعب.
خرجتا من الغرفة وكل واحدة تسند الأخرى, حاولت هناء التجلد بالقوة والصلابة فهذه الضعيفة تحتاج قوتها لا ضعفها وهلعها, ركبتا السيارة وأمرت السائق بالتحرك إلى أقرب مستشفى
كانت الساعة تشير إلى الثالثة ظهرًا, وحينما اقتربوا من المستشفى تذكرت هناء نسيم النائمة وسطام المنشغل في غرفته فاتصلت سريعًا بالعاملة التي تثق بها لتخبرها بوضعهما .. فاستجابت تلك بطواعية
نزلتا من السيارة وإلى الطوارئ مباشرة حيث استقبلوا حنين وكشفوا عليها كشفًا مبدئيًا, أخبرتهم هناء أنها تقيأت ولا تعلم مقدار ما تقيأت به, فهي على لحم بطنها منذ الصباح .. وضعوا لها محلولًا مغذيًا, وأمر طبيب الطوارئ بأخذ عينة من الدم بعد أن سأل هناء بعض الأسئلة
منذ متى بدأ معها التقيؤ؟
ما الأعراض التي رافقته ؟
ما مقدار وطبيعة أكلها ؟
ما صلة قرابتك بها ؟
#طوبى_لمقفر
301
عيني عليك ياحنين، ما وراي غيرك بعد ما يروحون أمك وأبوك بالسلامة، التعب إن تكرر مرة ثانية اسمحيلي وقتها بجرك للمستشفى جر وماني حاسبة لرفضك حساب
خرجت هناء بعد قولها، فعاودت حنين الجلوس بقوة وهي تشد على شعرها وتعض شفتيها بشدة، إن كانت هي لم تفهم علامات الألم على جسدها فكيف بعمتها؟ لطالما تهربت من الذهاب إلى المستشفى والخضوع للفحص خوفًا من هذه اللحظة
اللحظة التي يقول فيها الطبيب أن هناك أمرًا ( كائدًا ) ستتغير حياتها بأكملها بعد معرفتها به، فالتهرب كان لا بد منه حتى تنجي بنفسها من الشعور بالألم الروحي، إضافةً إلى ألمها الجسدي
/
\
بعدها بخمسة أيـام ..
كان المنزل هادئًا هدوءًا موحشًا، وهناء تجلس في الصالة لوحدها ترتشف القهوة العربية، فهيثم في منزله برفقة زوجته الحامـل، وزياد قلما تراه، نسيم في غرفتها نائمـة، وتليد منذ ذهاب والديها انتقلت إلى منزل فاضل لتتسلى برفقة أختها ريمان
وحنين !
حنيم معتصمة في غرفتها!
أصبحت تتحاشى رؤيتها لدقائق طويلة تمتد لساعات بعد الوعد الأخير، تتعذر برغبتها في الدراسة والبحث فالسنة القادمة ستبدأ بدراسة الماجستير بعد أن أنهت متطلبات البكالوريوس
يعجبها هذا الطموح في حنين، فتاة تشربت العلم منذ صغرها، تهوى المطالعة والتعلم ولا ترضى بالقلة، لديها نهم حاد في كل ما هو جديد في العلوم
ترى أنه لم يشابهها في هذا الطموح سوى سطام
وبذكر سطام!
ارتأت أن تطمئن عليه فوقفت، اتجهت إلى غرفته ودخلت بإبتسامة لطيفة، رأته منكبّ على لعبةٍ ما وقد فككها إلى أجزاء صغيرة، تساءلت:
-سطام تبي تاكل أو تشرب شيء؟
هز سطام رأسه نافيًا، فأكدت عليه هناء مرةً أخرى:
-متأكد ما تبي شيء؟
رفع رأسه إليها وقال منزعجًا:
-مابي شيء عمة لو بغيت علمتك!
ضحكت هناء بخفة، قالت وهي تغلق الباب:
-طيب طيب فديتك لا تاكلني، إذا بغيت شيء علمني هاه
تركته على راحته، وقررت التوجه إلى غرفة حنين .. لعلها تعتذر .. لعلها تقص خيوط العتاب وتقترب منها أكثر لتستشف ألمها وتدوايه, لم تكن يومًا بهذا البعد عن أبناء أخيها, فهي عاشت أغلب أيامها في منزل نايف خاصة بعد وفاة والديها تباعًا
لذا فإن القرب منهم والحب إليهم لم يتطلب شروط ولا أحكام, جاء خالصًا نقيًا كما لم يجيء من قبل
طرقت باب غرفتها, ثم نادت من خلفه بهدوء .. مرة واثنتين, وحين لم ترد سمحت لنفسها بالدخول .. فور دخولها تلقاها صوت إستفراغ ( أعزكم الله ) قادمًا من دورة المياة, يتبعه آهاتٍ .. ثم سعالٍ .. ثم بكاءٍ ونشيج!
ارتعب قلب هناء .. أكانت طوال هذا الوقت تتألم وهي من حاول كبريائها التدلل عليها حتى تأتيها مقتنعة بخطئها؟
#طوبى_لمقفر
301
انتفضت هناء بغضب، لتقول موبخة:
-ويوم إنه سوء تغذية وراك ما تهتمين بنفسك وتتغذين زين؟ أنتِ ماتدرين سوء التغذية يسبب لخبطة في الهرمونات؟
زفرت حنين بتعب، مزاجها لا يسمح بسماع أي توبيخ أو تهزيء، لا أمها ولا أبيها .. والآن لا عمتها سيصدقون
لكنها لا تشتهي الأكل!
لا تستسيغ اللقمة، تشعر بها كالزقوم في بطنها، حتى عملية المضغ أصبحت ثقيلة على فكها! ورائحة الطعام لمجرد إشتمامها باتت تتعبها
ولعل هذا سبب فقدان الوزن التي لاحظته هناء فور عودتها إلى منزل نايف، ولأنها لم ترْ حنين منذ زمن فقد لاحظت الفرق فورًا، سألتها بهدوء:
-حنين حتى وزنك نازل، ووجهك فقد بريقه، شعرك من نظرة وحدة لسريرك شفته متساقط! وين اللي حتى وسط إنشغالها بدراستها ما نست الإهتمام بجسمها؟
جاهدت حنين على الابتسامة، فقالت بإجهاد باسم:
-الله الله وش هالتحبيط ياعمة؟ قولي صرتي شينة وهاتيها من أقصاها
تنهدت هناء، ربتت على كتفها هامسة بحنو:
-يا بنت أخوي أنا ما شفتك لي شهور، ومن شفتك أول مرة جيت فيها بيت نايف تفطنت لك، أنتِ منتي خالية! تعبانة نفسيًا وعضويًا، وهالشيء ما راح اسكت عنها
انتفضت حنين من مكانها بجزع، وقفت تنظر إليها برهبة:
-تكفين عمة أمي وأبوي لا يدرون باللي فيني، أنا ماغير أتعلل بدراستي لهم، مابي أشغلهم وهم بيروحون مكة الليلة
هناء بغضب حانٍ وقفت تجاريها:
-بلاك خايفة أمك وأبوك يدرون منتي خايفة على صحتك، بتجننيني أنتِ وش اللي مخوفك من إبرة الفحص هالكثر؟
مسحت على وجهها، ثم شعرها، مرورًا برقبتها وهي تعض على شفتيها بمقلتين ملئها الدمع:
-كرهتها، كرهت المستشفيات، تذكرني بطيحاتي قبل سنتين! والله يا إبر المغذيات ما راح أثرها من يدي ياعمة
استهمت هناء، ما الذي تخفيه هذا الفتاة المندفعة للحياة، وكيف انطفأ نورها مرةً واحدة، أهو المرض الذي تدعيه ؟ أم أمرًا أخر مخفيًا عنها؟
سمعن طرقات الباب، مسحت حنين على وجهها تخفي الدموع التي كادت تسيل، لتدخل من خلف الباب نسيم وتبتسم برقة شديدة:
-عمة أنتِ هنا وأنا أدور عليك؟
ابتسمت هناء ابتسامة صغيرة، وقالت:
-سمي ياروح عمتك، تبين شيء؟
هزت تلك رأسها بالنفي، وقالت تنقل نظراتها بين وجه حنين المحمر ووجه هناء المتغضن:
-لا سلامتك مابي شيء بس أمي تبيك قالت ناديها من المطبخ إذا خلصت هلكت نفسها والعاملات يقدرون يخلصون كل شيء
تحرك هنا بخطوات بطيئة نحو الباب، تعطي حنين ظهرها وتبتسم لنسيم:
-انزلي قولي لأمك إني بتسبح وبصلي وأتجهز ثم بنزل لها، يلا انقزي
خرجت نسيم ملبية أمرها، لمست هناء مقبض الباب محنيةً رأسها، قائلة لحنين دون أن تنظر لها بهدوء:
#طوبى_لمقفر
301
٧)
*
*
( 2016 )
*
هذه هي المرة الثانية التي تدخل فيها إلى منزل أخيها منكسرة، معطوبة الروح، وملتهمة المشاعر، أيقنت في تجربتها الثانية أن نصيبها من الزواج قد انقطع وما عادت تصلح إلى تجربة ثالثة ورابعة .. فاكتفت
إلا أن اليأس الذي تقرحت به جوانب روحها وأضرمت فيه الشر جزمت أن ما وراءه خيرًا كثيرًا، فمنزل نايف آنذاك كان قابعًا في فوضى المشاعر والأحاسيس، شعرت بعودتها إليه بعد طلاقها أنها جاءت لترتبهم عاطفيًا وتلم شملهم أسريًا، وتجبر ما تستطيع جبره ومداواته
/
\
في إحدى نهارات أيام سنة 2016، وقبل يوم عرفة بعشرة أيام
أنهت للتو من ترتيب وليمة الغداء التي أعدتها بمساعدة العاملات، نايف وزوجته سيؤديان فريضة الحج هذه السنة، وسيسافران الليلة إلى أطهر بقاع الأرض المتوشحة ببياضها إستعدادًا لإستقبال حجاج بيت الله!
تركت أخر الأعمال للعاملات، وصعدت إلى غرفتها حتى تستحم وتبدأ بإستقبال الضيوف القادمين للغداء، نظرت إلى غرفة حنين المغلقة المجاورة لغرفتها
تباطأتها فعلًا
كانت معها في المطبخ منذ نصف ساعة، قالت أنها ستعاود النزول، لكن لم تنزل .. وللتو تنتبه إلى غيابها الذي طال
اتجهت نحو الغرفة، طرقت الباب ثلاثًا ونادت باسمها مرتين، فتحت الباب لتفاجئها البرودة الشديدة، دخلت إلى الداخل وأغلقت التكييف .. المجنونة ستقتل نفسها
بحثت بصورة بانورامية عنها في الغرفة فلم تجدها، أنتابها القلق، جرت خطواتها إلى غرفة الملابس الملحقة بدورة المياة، لتشعر بالذعر وهي ترى نقاطٍ من الدم على الأرضية الرخامية
طرقت باب دورة المياة بهلع، نادت من خلفه باسمها:
-حنين .. حنين إذا تسمعيني ردي علي، ردي يابنت لا تخوفيني عليك
من جهتها فتحت الباب مرتدية لروبها الأبيض، وشعرها المبلل تتقاطر منه المياة، علائم الذبول والتعب مرتسمة على وجهها، همست بوهن:
-خير ياعمة وش فيك؟
نقلت هناء عينيها من وجه حنين المرهق إلى بقع الدم، أردفت بقلق عارم:
-أنتِ اللي وش فيك، من وين جاء هالدم ؟
أسقطت حنين نظراتها نحو بقع الدم المقصودة، قطبت جبينها بإنزعاج وأخذت تمشي إلى الغرفة حتى جلست على السرير:
-من اللي أنتِ خابرتها، فاجأتني بغير موعدها
اتجهت إليها لتجلس بالقرب منها مردفةً بقلق:
-طيب كشفتي، سويتي فحوصات ؟ الكمية هذه ماهي كمية عادية، لا يكون اللي معك نزيف!
شبكت يديها ببعضها البعض، تغض جبينها من شدة ألمها، همست بضيق:
-تكفين عمة طاري المستشفيات والفحوصات يجيب لي الهم، يكفي ما ضاع علي من السنة الدراسية هذه وأنا ماغير مغذي رايح ومغذي راجع، على قولة الدكتور هذا كله من سوء التغذية، شايلة هم دراستي لا غير
#طوبى_لمقفر
301
صباح الفل والياسميـن ✨!
أعتذر منكم ياحبايب هالأسبوع *مافيه فصل* لبعض الظـروف اللي أمر فيها
ألقاكم الأسبوع القادم -إن قاله الله- في فصليـن كتعويض✨
301
صباح الورد والكاديّ 💕
فاصـل ونواصـل، عشان القراء اللي يسألون عن رواياتـي السابقة آثرت وضعها في قناتي
حتى تصيـر مرجع لهم، بدل تشتت القنوات
تفضلـوا المستندات، وأتمنى للجميع قراءة ماتعة ✨
301
زفر بقوة، وزفرته تلك شكلت أمواجًا سوداء على طرف القهوة، وبذكر السواد
تبادر إلى ذهنه الضيفة الثانية التي رآها في منزله قبل سفره بيوم وقد كانت تقف بالقرب من هناء ابنة عمه
من تكون ؟
نسيم .. أم حنين ؟
حنين !
حنين !
أجل حنين، بالطبع هي!
ومن سيكون غيرها إن كانت نسيم زوجةً لغسان
لكن كيف ؟
ألم تتزوج ؟ يذكرها في طفولتها، ذكريات ضئيلة جدًا
كل الذي يعلمه، أنه يكبرها بسبعة أعوام
أحب أن يتأكد، ليس لشيءٍّ مهم، لكنه يكره الأحجية الناقصة ويهوى جمعها بكل الطرق والسبل المشروعة .. تناول هاتفه وأرسل رسالة إلى تليد من كلمة واحدة
-"نايمة؟"
ردت تلك بعد أقل من دقيقة بالرفض، فاتصل بها عمران مباشرةً، وبعد السلام والتحمد بالسلامة سألها بشكلٍ مباشر:
-يومك جيتيني ببيتي قبل سفري بيوم، من كان معك قلتي لي ؟
أجابت تليد على الطرف الأخر بعفوية:
-عمتي هناء وأختي حنين وسطام!
عمران بذات القنص المباشر:
-من وين كنتو جايين وقتها ؟
تليد بذات النبرة:
-من بيت أختي نسيم، ليه فديتك تبي شيء؟
جاوبها عمران بالنفي وهو يودعها، أغلق هاتفه ووضعه على الطاولة بالقرب منه، وسرح
سرح في ذكرياتٍ كثيرة .. وصورٍ أكثر
تناحرت، تعاركت، اخترقت جيوش الذكريات والوقائع، ثم اختلطت أمام عينيه صورتين
صورةٍ لريمان، وصورةٍ لحنين
تركتني للذاريات؛ فحسبتني
جذعًا شامخًا لا ينحني
يا ساذجًا !
من قال أني جذعٌ
من قال أني شجرْ؟
من قال أني فرعٌ .. من أصل
يا ساذجًا
أنا ذاك الصخر،
أنا ينبوع ماءٍ .. تفجّر
أنا كالأرض، لا ترتوي
مثل السماء ..
لا تلتقي بي
مثل شمسٍ الصبح!
وشفقِ الغروب ..
وقمر الليلٍ
في منتصف الشهر!
أنا سبب الحروبِ
وفتنةِ الألوفِ
وبي قليلٌ، بل كثيرٌ
من كيد امرأة العزيزِ
انتـهى ❤️
#طوبى_لمقفر
301
دخلت إلى دورة المياة، فجلست هناء على الكنبة الراقية ونبضات قلبها تتزايد وتتعالى، ليس جيدًا ما تقوم به من تصرف بحق حنين، ولكن من أجل مصلحتها، من أجل مصلحتها فقط
خرجت حنين من دورة المياة، وقفت أمام المرآة، سرحت شعرها الليلي الطويل، طيبّته بعطرٍ منعش، جددت عطرها بعد أن بخت منه في أماكن النبض، زادت "القلوس" على شفتيها وكذلك "الماسكرا"، نظرت لإنعكاس عمتها في المرآة، قالت بابتسامة:
-عمة اللي ماخذ عقلك يتهنى
انتفضت هناء، عقدت حاجبيها ووقفت، فهمت ما ترمي إليه فقالت بضيق:
-خلي عنك عقلي واللي فيه، أنتِ خلصتي؟
التفت إليها وابتسمت ابتسامة حُلوة:
-خلصت، الله يكفينا شر هالشطة، هاه ننزل نرحب بالضيوف؟
رسمت هناء ابتسامة متكلفة ومتصنعة، وتمعنت في أناقتها البسيطة التي زاد جمالها بذخًا مفرطًا
احتضنت حنين عضد هناء وجرتها بابتسامة ضاحكة:
-أمشي ياحبيلك الظاهر بتنامين في غرفتي، وولا تزعلين ياعمة ترا ما دريت إن في ضيوف ولا كان قمت بالواجب
ربتت على كتفها المستريح جهة عضدها بذات الابتسامة:
-أصيلة يا بنت نايف، ياحظ من أنتِ شمعة في بيتٍ له
أمتعضت حنين من جملتها، لكن عاودت رسم الابتسامة حين دخلتا إلى صالة النساء الداخلية، سلمت على الحاضرين برقة ورقي اعتداته كثيرًا بحكم عملها السابق، كانت امرأة كبيرة في سنة، وأخرى بمنتصف العمر، واثنتين تبدوان في سن المراهقة
حين أنهت سلامها وتوجهت بابتسامتها البراقة حتى تجلس غافلة عن نظرات والدتها المتحسرة ونظرات هناء المتوترة .. أختفت ابتسامتها حين هتفت المرأة العجوز:
-هذه عروستنا ؟
*
*
قبل منتصف الليل بساعة، يجلس في صالة غرفته الفندقية التي حجزها إليه حكيم، مرتديًا لروب أبيض بعد أن استحم طويلًا ليزيح عنه أثر الحفلة الصاخبة!
يجلس على كرسي منفرد، أمامه طاولة وضع عليها حاسوبه المحمول، وبجانبه كوب قهوة سوداء مرّة لا تناسب ذائقته، لكن يرجو أن تخفف من حدة صداعه
تبًا!
وبئسًا!
لما كلام نايف وضيفه لا يبرح من عقله، مندهش!
أي جنونٍ احتل عقل نايف ليزوج بناته ذاك الرجل الأربعيني الذي رآه، ثم أي ابنة بقت لم يزوجها بعد؟ فحسب ظنه هناك اثنتين، كلتاهما على رباطٍ مقدس .. والثالثة هي تليد، أخته من الرضاعة
يستحيل أنه سيقوم بتزويج تليد من ذاك الرجل، ثم ما قصة هيئة ذاك الابن المريب الذي ظل ملاصقًا لأبيه حتى خروجهم من المجلس!
#طوبى_لمقفر
301
تقدمت ريحان وهي تقول بتهكم:
-امشي امشي مسوية تخاف من زوجها، خليها مستورة بس
اتسعت عينا مرجان بصدمة من كلام ريحان، وقالت بحدة:
-ترا أنتِ صايرة قليلة أدب، إما تتعدلين ولا أفتن عليك عند أبوي هذاني حذرتك
خرجت مرجان متجهة إلى السيارة، ثم خرجت من خلفها ريحان وهي مرتدية لعباءتها وتحمل سامي في حضنها، تناغشه، وتحاول الفكاك منه بالمغريات:
-سوسو حبيبي، يا روح أمك وأبوك البليد يا أنت، إذا جيت مرة ثانية بعطيك حلاوة، طيب حواوة .. شرأيك بأواووه؟
رفع الصغير رأسه من كتفها، نظر إليها بطفولية كمن فهم الكلمة السحرية وفكك رموزها:
-أواوه ؟
ضحكت، فبُترت ضحكتها وكادت أن تتعثر من درج منزلهم، بل تعثرت .. وهي ترى صاحب العينين السوداوين في السيارة المقابلة لسيارة شهاب، يجلس ملء الكرسي بهيبة لم ترها من قبل! عدوان .. إنه هو
بطل قصتها الخائبة!
قصةٌ رسمت نفسها كبطلة مخفيّة
لا ترى بالعين المجردة!
بردت أطرافها، وارتعشت أوتار قلبها عازفًا سيمفونية سطرّت أغنى أنواع المشاعر.
ياه !
لم تراه يومًا بهذا القرب الكثيف، كانت نظرة، نظرة ستكلفها عمرًا كاملًا من التحسر
تجاهلت توبيخ والدها وقبضته الحديدية على عضدها لعدم إنتباهها، لم تستوعب حتى نزول سامي من حضنها خوفًا من صوت جده المرتفع إلى حضن والدته
ابتلعت ريقها بصعوبة، جرت خطواتها نحو فناء المنزل وطرفت الباب من وراءها، شعرت بأحدٍ ما يمسك طرف عباءتها ويجرها إلى إحدى الغرف .. إلى غرفتها وأختها
سمعت صوت إنغلاق الباب، وصوت فردوس أتاها حادًا بشكل مؤذي:
-وش بينك وبين عدوان ؟
*
*
طرقت الباب طرقة طرقتين ودخلت على عجل، نظرت إلى حنين التي تجلس على مكتبها وترفع شعرها بالكامل إلى الأعلى، وبدهشة أردفت:
-أنتِ للحينك جالسة؟ قومي بسرعة هزي طولك
حنين بإستغراب، قالت:
-خير ياعمة وش فيك ؟
اقتربت هناء من غرفة ملابسها، استخرجت أقرب فستان ساتر رأته أمامها، أخرجت معه حذاء بكعب عالي ( وأنتم بكرامة )، وعادت أدراجها إلى الغرفة، بجدية:
-أنا ما أرسلت لك رسالة وقلت لك ربع ساعة وكوني جاهزة؟ في ضيوف جاين لأبوك والزوجة تحت عند أم هيثم
وقفت حنين بإندهاش، ترى حركة عمتها السريعة في الغرفة، تخرج ذاك وذاك وغيرها من أغراض الزينة:
-يا عمة بشويش وش فيك بسم الله عليك، ماشفت جوالي كان عندي إجتماع مهم عن بُعد، من هم هالضيوف؟
-"وحدة أول مرة تدخل بيت أبوك، قومي غيري لبسك "
قالتها هناء، فضحكت حنين بخفة وحملت الفستان الذي استخرجته هناء بمجهودات تُشكر:
-حاضرين يا أحلى عمة، نلبس على ذوقك اليوم
#طوبى_لمقفر
301
اجترع مرارة كبيرة حشرت في حنجرته بدعوتها الأخيرة، فخرج من بيت جدته يجر أذيال الوجع عند ذاك الذِكر الذي أشتاق له
آمن بدعواتها، آمن بإستوداعها، آمن مرة ومرتين وعشرة مرات، حتى شعر بجفافِ حلقه
*
*
وضع آخر حقيبة في صندوق سيارته ذات الدفع الرباعي ليغلق بابها بقوة، نفض يديه من التراب ورفع نظارته الشمسية أعلى شماغه الذي يرتديه، ابتسم لهادي الواقف:
-ياعم بعدك على رأيك؟ رد لي الشور واسمع مني .. خلني أخذك بيت بنتك وتشرفنا بحضورك
اتكأ هادي بكفيه على طرف عصاته، وقال بهدوء:
-ما يوالمني إلا هواء هالديار، وإن جيت للمدينة جيت لحاجة
(وبصوتٍ هامس لم يسمعه شهاب)
-وحاجتي هالمره قريبة
هز شهاب رأسه بإيجاب، قال:
-البيت بيتك ياعم متى ما بغيت تجونه أنت وخالتي والبنات حياكم، أنتم الداخلين وحنا الطالعين
ربت هادي على كتف شهاب بابتسامة:
-ماعليك زود وأنا أبوك، والله الله بمرجان، ترا ما يعرف قيمتها إلا إللي غاص للبحر عشانها! خلك قد البحر
ابتسم بثقة مفرطة:
-مرجان بعيوني ياعمي، لا توصيها علي كأنها بأول أيامها معي
(رفع صوته مناديًا للمتوشحة بالسواد من خلف الباب)
-يالله يا أم الريم ورانا طريق سفر
*
من خلف الباب كانت توادع والدتها وأخوتها ككل مرة، تأتي يومين وتغيب عنهم خمسة أيام، وينعاد ذات الشريط كل أسبوع، لكن في كل وداع تشعر بفقدٍ عميق لمنزل والدها وثناياه الحنونة التي عاصرتها لثلاثين عامًا
حاولت حمل سامي المتمسك برقبة ريحان الضاحكة، ومرجان توبخها بحنق:
-بنت ياريحان، اعترفي بايش أرشيتي ولدي عشان يتمسك فيك هالكثر؟
ريحان بضحكاتها الرنانة:
-هوايل هوايل ماتدرين عنها، قضيناها تسيّب هاليومين
مرجان بذات الحنق:
-ياويلك مني إن ما نام هالاسبوع بسبب خرابيط بقالة فردوس
ابتسم تلك الرقيقة التي تحتضن كتف والدتها غنية، وقالت بإندهاش باسم:
-الله الله وأنا وش دخلني، الروس يسرقون والأمريكان يهددون والعرب ماكلتها
نظرت إليها ريحان بتهكم، وهي محتضنة لسامي في حضنها بقوة:
-يا نااااااس على الفاهم، ممكن تتكرمين علينا وتفهمينا وش دخل هذا بذاك
ضحكت فردوس، تراجعت خلف والدتها وقالت بنبرة جادة مضحكة:
-لا قريتي الكتاب اللي عطيتك إياه فهمتك، بس زبدة الموضوع أنتِ الروس، ومرجان الأمريكان .. شوفي السجع .. مرجان أمريكان، ماعلينا .. وأنا العربية اللي ماكلتها
ضحكن الأخوات الثلاث، واتسعت ابتسامة والدتهم التي تنظر إليهن بخوفٍ وقلقٍ من القادم، شهقت مرجان عند سماعها لبوق السيارة، فنظرت إلى ريحان بعجلة:
-وصلي الولد للسيارة، ياويلي شهاب بيعصب الحين
#طوبى_لمقفر
301
طرق الباب بطرقات قوية مزعجة للآذان دون أن ينبس ببنة شفة، فخرجت خالته من خلف الباب بعينين منتفختين وجبينٍ متغضن، أرتبكت فور رؤيتها لعمران، الذي قال بجمود تام:
-صحصحي يا خالة وألحقيني على المطبخ!
استجابت تلك لأمره مرتبكة وقد علمت ما هو قادمٌ إليها من توبيخ، خرجت بعد أن بللت وجهها واستبدلت ملابسها، مرت على الصالة وقبلّت رأس والدتها بتزمت
دخلت المطبخ فتفاجأت به يقف منتصبًا بالقرب من الثلاجة يكتف يديه في صمتٍ موحش:
-بلا لف ودوران يا خالة، أنا جبتك هنا عشان تخدمين جدتي وقلت لك كل شيء بأجره، رغم إنها أمك منتي محتاجة فلوس عشان تقيمين فيها، لكن خليني أكلمك بلغة تفهمينها، وهي لغة الفلوس
(بحدة أكبر )
-المبلغ اللي ينزل في حسابك شهريًا لا تحديني أقطعه وأنا أشوفك مهملة جدتي ولا حتى تسوين لها فطورها وقهوتها وتجلسين حولها تردين الصوت لها، صدقيني منتي لاقية مثل هالمبلغ عند زوجك الثور اللي رامي عيالك على عماتهم!
اتسعت عيناها برعب، كيف علم بهذه التفاصيل ؟ وأيّ حق امتلكه لينعت زوجها بمثل هذا النعت، كانت ستندد برفضها لطريقته المتجبرة، وتذكره بأنها خالته وأنها أكبر منه عمرًا، لكن قاطعها حين رفع كفه بوجهها:
-من الآخر، منتي قد المهمة ولّي خطواتك من وين ما جيتي، وألف غيرك يستحقون هالمبلغ!
صدت بوجهها عنه، زفرت بقوة ثم قالت:
-يا عميد يا ولد أختي تراني خالتك وأكبر منك، قلة إحترامك هذه تظنها ترضي أمي؟
أشر بسبابته نافيًا، بابتسامة ساخرة:
-لا لا يا خالة، لا تدخلين علي من سالفة أكبر منك واحترمني وما باقي غير أبوس رأسك، اللي بيني وبينك كلها ثلاث سنين لا تخليني أنسف هالثلاث سنين وأنسى إنك خالتي بحق وحقيق!
جدتي لها الأولوية، فاهمة ولا لا؟
تأففت بضيق من خِناقه، فقالت تنفذ بجلدها:
-طيب طيب، المهم المبلغ حول لي إياه على حسابي مرة محتاجته أبي لي مقاضي واجد .. وايه نسيت أعلمك يمكن نحتاج زيادة عيالي جايين وخالاتك الثانيات بعد قرروا يجون عند أمي
أنزل يديه واتجه إلى باب المطبخ خارجًا، قبل أن يقول:
-ولا تشيلين هم كل شيء بيوصلكم على أتم الأشكال، لكن الأهم لا يوصلني أي تقصير منك ناحية جدتي، وهذا أخر إنذار
خرج من المطبخ إلى الصالة، لثّم رأس جدته ويديها بقوة، همس بنبرة دافئة:
-يمه أنا رايح في مهمة عمل، لا تنسيني من دعواتك
لمست ملامح وجهه، أحاطتها، قرأت آية الكرسي ثم نفثت في كفيها ومسحت به على وجهه وكتفه وما طالت من صدره، همست بحنية:
-استودعتك الله الذي لا تضيع عنده الودائع، الله يرجعك لي بالسلامة ويرجع أهلك، ويحنن قلب أمك علينا
#طوبى_لمقفر
301
هز تيمور رأسه في صمت، واتخذه طريقه إلى غرفة أبا ساعي، بينما خرج كلًّا من عدوان وعمران إلى سيارته المركونة
بعد دقيقة صمت، وصلا إلى منزل الجدة ثريا، جدة عمران .. وقبل أن يترجل عمران هتف دون أن ينظر إليه:
-عدوان أنا رايح للمدينة في شغل مادري كم بطول عن ديار شرق، هاك هذا المبلغ أبيك تمول بيت جدتي بمؤونة أسبوعية ولا تنساهم من خبز يدينك
رفض عدوان تناول الظرف الذي مده إليه عمران، وقال في هدوء بالغ:
-ترا طول هالسنين والمؤونة ما توقفت عن بيت جدتك، وأنت حاط حساب مفتوح عند بقالة أبو سليّم، ليش هالمبلغ؟
عمران بذات هدوءه:
-يمكن يعتازو شيء ومايقدرون على ثمنه، خذه وحطه معك، كلي ثقة فيك
ابتسم إحدى ابتسامته القاسية، استلم الظرف هذه المرة بلا تردد وأدخله في جيب ثوبه، نظرا إلى الجلبة الحاصلة أمام بيت هادي المجاور لبيت عمران تمامًا،
ترجل عمران من السيارة بعد أن استأذن من عدوان لدقائق، رفع صوته يسلم على هادي وشهاب الواقفان أمام سيارة دفع رباعي من باب الإحترام والتقدير لهادي
دخل إلى المنزل بعد أن استخرج مفتاحه، ثم توجه مباشرةً إلى حيث تجلس جدته عادةً .. في الصالة! تحمحم، سلم بصوتٍ عالٍ، تهللت أسارير الجدة ثريا وابتهجت
ابتسم عمران، انحنى ثم قبّل رأسها ويديها:
-يمه وأنتِ كل ما سمعتي صوتي تنافضتي
الجدة الثريا بنبرة محتنقة:
-من الشوق يا يمه، ماحبك تغيب عن روحي
ياه ! يا للرقة المسمى
فالأبصر عادةً ما يقول ( تغيب عن عينيّ )
لكن العميان، أمثال هذه الحنونة الرقيقة، لا تبصر سوى ذبذبات الأرواح وهمهمات نسماتها، فتقول ( تغيب عن روحي )
جلس بالقرب منها ولاصقها، مسح على ظهر كفها الممتليء بالتجاعيد والنمش، تناول كفها وقبلها:
-والله يا يمه كنك على روحي سماء ما أبصر إلا إنعكاسها، يطيب حالي لا شفت عيونك
قرصت ظهر كفه، بحنية باسمة:
-يا عيارتك، عجوز عمياء وش من حالٍ يطيب لك لا شفت عيونها!
ضحك بخفة، ضحكة لا تدل طريقها إلا لأشخاصٍ معينين وهذه العتيقة من ضمنهم:
-يمه يقولون ماخذت ياعميد إلا عيون جدتك، أثرهم صادقين
ابتسمت الجدة ثريا:
-فات علينا يامك، ما عاد باقي إلا الرماد
احتفظ بابتسامته الهادئة، وهو يسمعها تشير إلى عمى عينيها وتحول لونهما إلى الرمادي المحاط بدائرة بيضاء نتيجة الكِبر، والعمى!
همس عمران بعد فترة صمت قضاها في إرتشاف فنجان قهوة:
-وين خالتي؟
زفرت الجدة، وقالت بأسى :
-راقدة الله لا يواخذنا .. في أحد يرقد لهالحزة!
وضع الفنجان بصورة قاسية على الصينية الذهبية، وقف بحدة وهو يرمي شماغه الذي كان يلفه بعشوائية على رأسه بجانب جدته واتجه إلى الغرفة التي تنام بها خالته
#طوبى_لمقفر
