الكاديّ
Open in Telegram
صفحة الرواية بالمنتدى : https://www.rewity.com/forum/t487195.html الرابعـة ✨ : طـوبى لمقفرٍ فيضُ حنين .
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
301
Subscribers
+124 hours
-47 days
+130 days
Data loading in progress...
Similar Channels
Tags Cloud
No data
Any problems? Please refresh the page or contact our support manager.
Incoming and Outgoing Mentions
---
---
---
---
---
---
Attracting Subscribers
September '24
September '24
+24
in 0 channels
August '24
+26
in 0 channels
Get PRO
July '24
+19
in 0 channels
Get PRO
June '24
+46
in 0 channels
Get PRO
May '24
+26
in 0 channels
Get PRO
April '24
+20
in 0 channels
Get PRO
March '24
+36
in 0 channels
Get PRO
February '24
+1 139
in 0 channels
Get PRO
January '240
in 0 channels
Get PRO
December '230
in 0 channels
Get PRO
November '230
in 0 channels
Get PRO
October '230
in 0 channels
Get PRO
September '230
in 0 channels
Get PRO
August '230
in 0 channels
Get PRO
July '230
in 0 channels
Get PRO
June '230
in 0 channels
Get PRO
May '230
in 0 channels
Get PRO
April '230
in 0 channels
Get PRO
March '230
in 0 channels
Get PRO
February '230
in 0 channels
Get PRO
January '230
in 0 channels
Get PRO
December '220
in 0 channels
Get PRO
November '220
in 0 channels
Get PRO
October '220
in 0 channels
Get PRO
September '22
+10
in 0 channels
Get PRO
August '22
+305
in 0 channels
| Date | Subscriber Growth | Mentions | Channels | |
| 25 September | 0 | |||
| 24 September | 0 | |||
| 23 September | 0 | |||
| 22 September | 0 | |||
| 21 September | 0 | |||
| 20 September | +1 | |||
| 19 September | +1 | |||
| 18 September | 0 | |||
| 17 September | +2 | |||
| 16 September | +1 | |||
| 15 September | 0 | |||
| 14 September | +4 | |||
| 13 September | +2 | |||
| 12 September | +5 | |||
| 11 September | 0 | |||
| 10 September | +1 | |||
| 09 September | +2 | |||
| 08 September | +1 | |||
| 07 September | +1 | |||
| 06 September | 0 | |||
| 05 September | +1 | |||
| 04 September | 0 | |||
| 03 September | 0 | |||
| 02 September | +2 | |||
| 01 September | 0 |
Channel Posts
رفع السائق نظراته نحو سيدته التي تجلس في الخلف، لتزفر تلك والغضب ما زال يأخذ منها مأخذًا من نزاعها قبل قليل مع تليد، وبنبرة متدنية مهذبة، وجادة في الوقت ذاته:
-معليش يا " ولد عم أبوي "، عندي مشوار مهم للجامعة .. مشكور على التوصيلة ونعتذر عن تعطيلك
اجتاحه الذهـول، تراجع مدهوشـًا حين تحركت السيارة .. وصوتها ما زال يرن في أذنه بنبرته الغاضبة
ربـاه !
كيف لنغمةٍ صوتٍ أن تفتح صنبورًا صدئًا، لتنهل منه قطرة، تتبعها قطرة، تتلوها قطرة حتى تمتلىء به الأرضٌ، وترتوي به
عادت تلك الذكرى البغيضة تطفو على سطح عقله، وصوت أخته ريمان بتبريراتها السريعة تضج برأسه
وعزم .. عزم بشكلٍ نهائي !
إن كان مترددًا قبلًا في الخطوة الذي ود القيام بها، لأنمحى كل ترددٍ الآن
*
*
*
بعد نصـف ساعة كان يجلس في منزل نايف، الذي كان به يوم أمس .. في نفس التوقيت، ونفس المكان
وضع الفنجان بجانبه، التفت إلى نايف الساكن، ثم حسم أمره وقال بجدية تامة:
- ياولد عمي أنا أعرف إن خطبة على خطبة ماتجوز، لكن خلي هالكلام بيني وبينك، إن ما صار فالله في أمره خيره، وإن صار تأكد إن أسعد مني بهالشرف مافي
(صمت لثانيتين، فنايف عرف الموضوع منذ أول جملة نطقها)
-أنا أطلب القرب من بنتك حنين، أبيها حليلة لي على سنة الله ورسوله
لا شك أنكِ السبيل ..
إلى الحنين
لا شك أن الذكريات
برفقة عيناكِ
لا تستقيم
ولا تميل
أخبريني يا "سلطانة
التائهين" ..
متى يحل الوقت
ويحين
.. للوداع
إن لم تكوني سوى
معبرًا للحنين
يا سيدة الأزل
رمشكِ ذاك .. أم ليلِ سرمد
شعركِ ذاك .. أم جندِ منفرد
خصركِ ذاك ..
أم سيفِ مجنّد
فإن كان ليلٍ، أم جندٍ
أم سيفٍ يشتهي
الدم
فسيّلي دماء قلبي ..
لعلي أجد بعدكِ
نبضًا مستعر
انتـهى ❤️
| 2 | فور خروجه، احتضنت نفسها ولملمت جيب فستانها الصيفي وانتحبت بشدة .. كان بكاءً جنائزيًا يشبه وداعًا أبديًا لقلبٍ دفن تحت التراب، والقلب هنا لم يدفن وحده .. بل دُفنت هي حية، دُفنت بحقارة ولا إنسانية .. دُفنت جسدًا كان ينبض بالحياة
تأوهت بألم، بحزنٍ كسيف على حالتها، آه كانت قد استيقظت سعيدة من أنها ستخرج برفقة أخوتها ولو لساعاتٍ قِلال، لكن ثورته نسفت سعادتها، نسفت حتى رغبتها بالحياة
بالأسفل، فتحت غسان الباب بإندفاع، فإذا به يتراجع للخلف حين لمح امرأتين متوشحتين بالسواد، ترك لهن مجال الدخول فقد عرفهن .. لكنه اندهش، بل انصدم من الواقف خارج سيارته ومتوكيءٌ عليها
أغلق باب المنزل بقوة، وقف أمامه وهتف بنبرة حادة:
-وش تسوي قدام بيتي؟
كان عمران متكتفًا، يرتدي نظراته الشمسية فلذا لم يستشف غسان نظرات عينيه التي كانت تحمل الكثير من الشفقة واللوم، أردف بصوتٍ هادي:
-السلام عليكم، ما راح أقول ضيفني ببيتك لأني أدرى باللي في القلوب وإن بيتك آخر مكان ممكن يستقبلني، لكن عندي سؤال
غسان بغضب متراكم، غضبٌ من نفسه، غضبٌ على نسيم، غضبٌ لعمران:
-وبأي حق تسألني سؤال، يا مجرم يا قاتل!
تفهم عمران ثروته، اعتدل في وقفته .. قال بذات النبرة الهادئة:
-لا تقول كلام أكبر منك يا غسان، أنا صدقني مقدر كل وضعك ومستعد أتحمل كل كلامك .. لكنك منت أفهم من الدولة في قوانينها .. واسمع سؤالي!
قد تواصل معك أحد، طلب منك طلب غريب؟ أو حتى دلك على مكان تلتقي به فيه!
نفث غسان نفسًا حارقًا، نظر إليه بنظراتٍ مشتعلة:
-لو تحب السماء ما جاوبت على أسئلتك يا عمران، عيش بفضولك .. عيش على سؤال وعساك ما تلقى جوابه! والحين انقلع من قدام بيتي لا أشتكيك عند الشرطة
قالها غسان، لكن لم يكْ عمران من انسحب .. بل هو ! حيث أخذ سيارته وفر هاربًا إلى مكانٍ بعيد .. بعيد جدًا عن وجع النسمة، ووجع الذكرى
زفر عمران وهو ينظر إلى غبار سيارته التي أحدثه ولوّث بياض ثوبه، لم يعقب على قوله .. بل يعلم قدرته على سحب الكلام منه سحبًا في أقل من ٢٤ ساعة، لكنه يحترم حالته النفسية، ولا يريد أن يمتهن إنسانيته مثلما فعل قبل سنتين -وإن كان عن طريق الخطأ-
فوجئ بالباب وهو يفتح، لتخرج من خلفه ممشوقة القوام تلك بخطواتها التي تبين غضبها، غض بصره بصورة تلقائية، لكنه تفاجأ بها تركب السيارة التي توقفت خلف سيارته مباشرة
شعر بالغضب لوهلة، وخاطر سيء لا يريد حتى التفكير به مر على باله .. اتجه إلى نافذة السائق قبل أن يتحرك
أنزل ذاك النافذة بارتباك حين قابله عمران بجدية وهو ينزع نظارته الشمسية فتلتمع عينيه من خلفهما:
-وين رايح؟
#طوبى_لمقفر | 86 |
| 3 | سلمت عليه وقبلت أنفه وجبهته في سلام أخوي، خلال ذلك أرسلت رسالة لحنين تخبرها بآخر المستجدات
لكن حنين لم ترْ الرسالة!
وليتها رأتها ..
*
*
*
"تكفى غسان تكفى، اهدى الله يخليك .. مابي منك شيء والله مابي بس اهدى، لا تخوفني"
صرخت بها نسيم بصوتٍ مبحوح لذاك الثائر الذي قلب غرفة نومهم رأسًا على عقب من شدة غضبه وحنقه
استنفذت جميع الوسائل لتهدئته، اتخذت الزاوية مهربًا لها من الأشياء الطائرة،
لم يكْ غسان في وعيه، سئم حالته وسئم من الكلام الذي وصل إليه وسئم من حياته ككل، فكل شيء تغير بعد ذاك الحادث، كل شيء اختلف بعد الغرق والإشتعال
صرخ بصوتٍ مهتاج، غاضب وهو يتنفس بزفير مرتعش:
-كم مرة قلت لك اسكتي، ابلعي لسانك .. انطمي ولا تتنفسين حتى النفس، ليش لازم اسمع هالكلام منهم، ليش لازم زوجتي تخبي علي
صاحت بصوتها المتألم، ترتجيه أن يصدقها:
-والله العظيم ما قلت شيء، ما حتى تكلمت بقلة أدب قدامهم .. ليش ماتصدقني ؟
اقترب منها بخطوات غاضبة، أمسكها من عضديها وشدها إليه ليعاود دفعها إلى الجدار مرة أخرى، صاح مغتمًا:
-أنا أصدقك، أصدقك لو شفت كذبك قدام عيوني.. بس كيف أخليهم يصدقوني؟
تشنجت ببكاءها، شعرت بالظلم والقهر والإضطهاد، هناك أمه وأخواته يأخذنها يمينًا وشمالًا بكلامهم المهين المبطن، وهنا غسان ينتفض فيها مخرجًا حرقته بأسوء شكل
تعبت !
يأست !
حتـى متى؟ حتـى متى ستجترع المر والعلقم على حساب راحتها وهدوء بالها ..
لم تملك الآن سوى البكاء، عله يغسلها من الهم الذي كساها وكسى روحها حتى باتت تشعر بتشوهها..
شعرت به يحتضنها بقوة حتى غرسها في صدره، أصبح يحتكرها بين جسده وبين الجدار لتستمع إلى فرقعة عظامها
كانت يديه تنتقل من شعرها إلى عنقها، ثم إلى خصرها .. حتى انتهى به الأمر يعصره بين يديه .. وهو يملأها قُبلًا واعتذارات واهية غير مسموعة، يهتف من بين أنفاس قبلاته السريعة " ما ياخذك مني احد، أنتِ لي .. حطي هالكلمتين في رأسك، لي .. بطفل ولا بدون طفل ما أعطيك لغيري"
حاولت إبعاده عبثًا فقوته الجسدية كانت تفوقها بالكثير، شعرت به يتمادى لتشعر بالإمتهان والإحتقار لذاتها، ولجسدها كذلك .. تكرهه حين يأتيها غاضبًا، تكرهه حين ينطق بذاك الكلام، الذي كان سيسعدها لو كانت في موضعٍ أخر
لكنها تمقت سماعه الآن!
أنتّ بوجع، فضغطه على ظهرها ازداد، فجعت حين سمعت رنين جرس المنزل بل فجعت أكثر حين تراجع هو بقوة وأسقطها على الأرض دون حسبان!
تنفس بأنفاسٍ سريعة وهو ينظر إلى حالتها المسكينة، مسح وجهه بكفيه سريعًا ليهتف يبتلع ريقه:
-لا تنزلين لين أناديك
#طوبى_لمقفر | 64 |
| 4 | خرجت بعد كلام والدها باتخاذهم الحرص، أثناء سيرها للسيارة رن هاتفها فإذا بها رسالة من أحد زميلاتها الإداريات تخبرها فرحًا أنها وجدت ( الموظفة المثالية ) بالشروط التي تريدها لأكاديميتها، وأنها اتفقت معها على مقابلة سريعة لمناقشتها
ردت عليها حنين بسعادة عميقة، شكرتها كثيرًا على جهودها ووعدتها برد المعروف عاجلًا غير آجل
ركبت السيارة، وإذا بها تتحرك بسرعة .. رفعت رأسها حين اشتمت رائحة رجولية اختلطت مع عطر رجالي صباحي أثر قليلًا على جيوبها الأنفية
كاد أن يهوي رأسها على الزجاج من شدة صدمتها وهي تنقل نظراتها إلى السيارة الأنيقة جدًا .. ليست سيارة السائق، ولا إحدى سيارات أخوتها
استقرت عيناها على ذاك الذي يجلس خلف مقود السائق .. والذي لم تلمح منه سوى جانبه الأيمن، وحتمًا
بل مؤكدًا ..
لم تخطيء برؤية عينيه الذهبيتين ..
/
\
قبل ذلك بدقائـق قليلة
تنصلت تليد من جلسة والديها حين تلقت إتصالًا من عمران، بادرها فيه بالسلام والسؤال عن الأحوال لتقول له فرحه:
-رجعت من دورتك؟
على الجهة الأخرى ابتسم عمران لفرحتها البادية من صوتها:
-ايه رجعت اليوم فجر، ما طولت الحمدلله
ابتسمت تليد بإشتياق:
-أجل غداك ببيتنا؟
عمران بذات الابتسامة الهادئة:
-راعية واجب طول عمرك وأنا أخوك، بس اليوم برجع بيتي طولت عنه
ضحكت تليد بخفة، ثم أردف بشقاوة يطرب لها قلب عمران كثيرًا:
-أجل نتغدى أنا وأنت في بيتك، هاه وش قلت؟
هز رأسه بابتسامة وهو يعتدل في جلسته على كرسي سيارته الواقفة أمام منزل نايف، ليقول:
-وأنا أقدر أقول لا، حاضرين .. تنورين البيت باللي فيه
(تحولت نبرته للجدية استشفتها تليد جيدًا)
-تليد، ياكثر ما أسألك الأسئلة الغريبة .. بس أبيك ترسلين موقع بيت أختك نسيم زوجة غسان
اندهشت تليد لوهلة من طلبه، لكنها لم تسأل وتستفسر كثيرًا لعلمها أن عمران لا يحب الجدل المطول في بعض الطلبات، فقالت بهدوء:
-إن شاء الله تبشر، بس احنا رايحين لها الحين إذا تمشي ورانا
حينها هتف عمران بحزم، ولم ينتبه لجملة ( احنا رايحين ) التي قالتها :
-حلو أجل أنا واقف برا أنتظرك، اطلعي لي ودليني عليه بالمره
همست حينها تليد بإحراج:
-عمران فديتك مب لحالي معاي أختي
أصر عمران على موقفه، وما يعني إن كانت هي بصحبة أختها، فقال بحزم وإصرار:
-طيب أطلعي أنتِ وهي أوصلكم لبيتها وأقابل غسان، يلا لا تعطليني .. وايه صح لا تعلمين نايف إني وصلت قدام البيت ولا نزلت أسلم عليه ماهي حلوة بحقي، أنا بجيه بعدين أبيه بموضوع مهم
أغلق الهاتف، لتغلقه هي وتعض شفتيها بورطة .. ارتدت عباءتها وخرجت لسيارته التي كانت بالفعل مركونة أمام باب المنزل
#طوبى_لمقفر | 59 |
| 5 | بقوم، انتظريني تحت بتجهز وأنزل لك .. اشكري ربك إني تذكرت شغل لازم أخلصه والطلعة جت من الله
خرجت تليد على عجل لترتدي عباءتها، لتتجه حنين نحو دورة المياه حتى تخفي عن ملامح وجهها تعب البارحة وصدمتها .. صحيح أنها لم تنم إلا ساعات قلائل .. وأنها ظلت مستيقظة الليل بأكمله تأكل بنفسها وتراجع ما فعلته عمتها هناء، لكنها تجاوزت ما حدث ..
لعلمها التام أن والدها لن يجبرها على أمر لا تبتغيه، وأن مهما حاولت والدتها وعمتها إيقاعها في فخ ( عريس الغفلة ) كالعادة، يبقى القرار بيدها هي ..
كم بات هذا الموضوع يضايقها، ويخنق روحها!
لكنها في الوقت نفسه تحترم تضييق والدتها الخناق عليها، ولا تلومها على ذلك أبدًا فهي لا تعلم شيئًا مما أصابها
لكنها لا تستطيع أن تعذر عمتها هناء، التي عاشت جميع مراحلها المتعبة وحاولت بإستماتة أن تخفي أمرها عنهم
من العلاج الكيماوي .. لجراحة الاستئصال .. لكمية الحبوب التي تناولتها وأثرت حتى على هرموناتها وانتظام دورتها الشهرية ..
جميعها مراحل، كانت هناء في إطار صورتها .. فلا يحق لها ذلك .. لا يحق لها رميها كطعم أمام أم العريس الغافل، ولا أمام أحدٍ أخر
استحمت على عجل، ترتجي أن يختفي معه الصداع وأن تبدأ يومها بلطفٍ وهدوء على الأقل.. خرجت من دورة المياه لتقف أمام طاولة منتجات عنايتها .. نشفت شعرها جيداً، رطبته ثم عطرته، وجدلته في جديله طويلة، رطبت بشرتها ثم أعقبته بواقي شمس واكتفت بذلك
ارتدت ملابسها، ثم حملت عباءتها وحقيبتها في يدها .. نزلت إلى الأسفل لتجد والدتها ووالدها يحتسيان القهوة ويتبادلان الأحاديث الهادئة، قبلت رأسيهما في صمت .. لتشعر بوالدتها تجرها من عضدها وتجلسها بجانبها
بادرتها أم هيثم بجدية حانية:
-تتصددين من أمك ظنك ما راح ألمح الضيق على وجهك، اسمعيني يابنت بطني عمتك هناء ما لها ذنب في الموضوع كله .. أنا اللي لزمت عليها وهي سمعت كلامي ونفذته .. عداها العيب ! لا أشوفك موريتها هالوجه العبوس
أكمل نايف على كلام زوجته قائلًا بهدوء:
-وترا عريس البارحة رديناه، حنا كنا نبي نعطيك فرصة تختارين لعلك ترتاحين له بس الظاهر أمك اللي ما ارتاحت له
هزت حنين رأسها في هدوء تام وهي تتنفس الصعداء من تجاوز والديها لهذا الموضوع أيضًا، انحنت تقبل كتف والدتها هامسة بإعتذار لطيف، لتقول تلك بابتسامة:
-لا تعتذرين مني اعتذري من عمتك، شوفيها حتى اليوم ما نزلت لنا، الوكاد إنها متضايقة
وقفت، ارتدت عباءتها ثم ابتسمت بخفة:
-عمتي أعرف أراضيها، خلينا نتصافى بين بعضنا يمه .. الحين اسمحوا لي ألحق على بنتكم أكيد طلعت للسايق من عجلتها
#طوبى_لمقفر | 51 |
| 6 | التفتت له سبأ بنظرات واجمة، هتفت بهدوء:
-ياحبك للدراما يا وهاب، البنت مسكينة واضح إنها مشتتة، أنا أول ما خلصت الممرضة تضميد يدي شفتها تبكي في وحدة من غرف الطوارئ .. ما قدرت أمشي بدون لا أسأل إن كانت محتاجة شيء أو لا والظاهر هي انصدمت من وجودي، قالت لي إن جوالها فضى الرصيد والنت حقه وماتدري شلون تتصل بالسايق حتى يرجعها وعيالها للبيت
(زفرت ثم أكمل )
-قلت لك واضح إنها مشتتة لأن كان بإمكانها تسأل الاستقبال عن تلفون وتتصل بالسايق بس ياعمري عليها ما كأنها بالدنيا عيالها كل واحد طايح مريض
هدأ وهاب من روعه، فهو حريص بدرجة كبيرة ولا يتعامل مع الغرباء بهذا الشكل المباشر ما دام ليس بنطاق عمله، قال بهدوء:
-الله يفك عوقها، وزوجها وينه؟
هزت سبأ كتفيها بلا دراية:
-مادري، ما جابت طاريه بس شوفة عينك تقول إنه في البيت، يعني هذا وش تفسيره ؟ الله يستر عليها ماودي أتدخل بأمور ما تخصني
نظر لها لثانية ثم أعاد نظره على الطريق:
-منهي بنته؟
حركت يدها المضمدة يمينًا وشمالًا وهي تعلم أن تحقيق وهاب لن ينتهي:
-بعد مادري، بس إن اسمها مرجان .. ولمحت اسم ولدها الصغير من ملفه، اسمه سامي شهاب آل منيب ..
تأفف وهاب وهو يمدد يديه، قائلًا بضيق:
-أعوذ بالله من شعور الحمية اللي شب بصدري، الحين حنا تركنا المره وعيالها داخل بيت بدون ما أتأكد من إنه آمن، طيب وش دراني إن زوجها مو سكيّر ولا راعي خرابيط وبيأذيها
نظرت له سبأ بدهشة:
-لا وأنا أختك هذا شعور الفضول العملي اللي ما ينتهي بشغلك، فكنا من المشاكل وخلينا نمشي للبيت
حك لحيته بـ(وهقة) وهو يشعر بذاك الشعور الذي يتراقص في صدره، شعور الحمية، شعور الفضول ربما -مثلما تقول سبأ-، لكن لا شك أن شعورًا بالتوجس راوده من سماع هذه القصة
*
*
*
صباحًا ..
مع بزوغ أول خيوط الفجر .. وبعد أن ارتفعت الشمس مقدارًا جيدًا لتنشر أشعتها بلونها البرتقالي الدافئ على سماء المدينة ..
يبدو أن ليلها لم تنمه، وإلحاح هذه الصغيرة يصنع حفلًا راقصًا من الصداع في منتصف رأسها .. تترجاها منذ ربع ساعة وهي صامتة لا تجد جوابًا تقوله حتى تصمت:
-تكفين تكفين حنين، خلينا نطلع نتمشى ونفطر برا .. أنا قد كلمت نسيم اليوم فجر وقالت مروني ماعندي مانع
قالتها تليد، لتمسح حنين على وجهها المرهق بقلة صبر، أخذت نفسًا عميقًا تملأ به رئتيها:
-طيب تليد طيب خلاص يكفي زن فوق رأسي، وأنتِ بتطلعين كذا ولا استأذتني من أمي وأبوي؟
كشرت تليد عن أنيابها، قائلة بفمٍ مائل:
-إلا استأذنت لو ما أذنوا لي ما كنت زنيت في رأسك كذا، بتقومين؟
تنهدت حنين، وقفت ثم اتجهت إلى غرفة ملابسها، تقول بصوتٍ عالٍ:
#طوبى_لمقفر | 50 |
| 7 | تراجع هو الآخر خطوات أكبر من سابقتها والإحراج يكسوه حين رأى خروج فتاة متغطية من أعلاها لأسفلها وتحمل بحضنها فتاة يتعدى عمرها السبعة أعوام، نائمة هي الآخرى
التفت سبأ للتي خلفها، همست بابتسامة ودودة:
-تعالي يا أختي السيارة برا
مشت سبأ محاذية لوهاب، ومن خلفهم تلك الباكية الخجولة من إحراج الموقف ككل، انحنى وهاب نحو سبأ هامسًا بحنق:
-على أساس السيارة صافه في مواقف الطيارات، أنت دخلتي بكل قواك العقلية وطلعوك مجنونة؟ وش ناوية عليه يا حيوانة
همست سبأ من بين أسنانها بغيظ من إصراره على إحراجها أمام الضيفة التي تعرفت عليها للتو:
-وهاب ممكن تسكت لين نوصل البيت وأعلمك السالفة؟ خلينا نوصل البنية وعيالها لبيتهم تقول إنه قريب من المستشفى ثم هاوش على كيفك
وصلوا حد السيارة، ركبت سبأ في الأمام وهي ما زالت تحمل الطفل النائم في حضنها، والضيفة ركبت خلفها مباشرة وقدميها لا تحملانها من شدة التعب والإرهاق والضيق والبكاء .. ركب وهاب أخرًا وتحرك بالسيارة
ناولته سبأ هاتفها حيث أخرجت عنوانًا ما دون أن تتكلم، رأه وهاب بطرف عينه وهز رأسه بصمت .. ليقود بذات الصمت
وقد كانت تلك محقة، فمنزلها لم يبعد عن المستشفى سوى سبع دقائق وثوانٍ قليلة
حين توقفت السيارة كانت الضيفة الصامتة ستنزل، لكن وهاب هتف بجدية هادئة:
-لحظة يا أختي خليني أتأكد إن المكان آمن، الوقت متأخر
همست تلك بنبرة مبحوحة من بكائها، لتقول:
-مشكور أخوي، زوجي موجود بالبيت
تراجع وهاب بصمت، فنزلت سبأ وبيدها الطفل لتجاري خطواتها نحو المنزل الذي من حسن حظهم كان في الطابق السفلي -المنزل بنظام الدوبليكس مكون من ٤ شقق، شقتهم كانت في الفيلا الثانية، الشقة الأرضية-
دخلت أولًا تحمل الطفلة حتى وضعتها على كنبة الصالة، ثم عادت لسبأ لتأخذ منها الطفل الصغير، لتقول بصوتٍ بح من بكائه:
-مشكورة حبيبتي مشكورة، ما أدري كيف أرد لك هالمعروف اللي سويتيه لي
ابتسمت سبأ بود واحتضنت يدها المضمدة بشاشٍ أبيض:
-ما سويت إلا واجبي اتجاة بنت بلدي يا "مرجان"، إن احتجتي شيء وقت ما زوجك مشغول تكفين اتصلي فيني! عديني أختك
ابتسمت مرجان بتعب، وهي ترفع غطاء وجهها وتمسح دمعها ثم تحتضنها بخفة:
-وأنتِ بحسبة أختي، ذكرتيني بأختي .. الله يوفقك ويحفظك وين ما كنتي
آمنت سبأ خلفها بخجل عميق من مبادرتها اللطيفة، وادعتها ووعدتها بإتصال قريب منها لتطمئن على أطفالها ..سامي والريم
ركبت السيارة، وما إن أغلقت الباب حتى بادرها وهاب بجدية غاضبة:
-ممكن الحين تنوريني بالعلم الصحيح بدل لا أنا مثل الاطرش في الزفة المره اللي وصلناها بيتها ذي وش من طينه، آنسية ولا جنية ولا حرامية؟
#طوبى_لمقفر | 50 |
| 8 | تناولت رقمها وبطاقة أحوالها منه ليلتفت إليها حين قال بجدية:
-أنا بقعد في الإنتظار عن صياح البزارين ذا .. لا نادوك ادخلي ثم لا طلعتي اتصلي فيني، ياويلك تمشين يمين يسار! اتصلي وأنا بجيك لين مكانك
تغضن جبينها بامتعاض، تأففت بخفة لتقول بهمس:
-طيب طيب خلاص، اف
خرج وهاب إلى الخارج بعيدًا عن رائحة المستشفى وإزعاج الأطفال مثلما قال، جلس على إحدى الكراسي المتوزعة في حديقة المستشفى، ولدرء الملل .. هاتف أصحابه الذين يجتمعون في استراحتهم، شاكسهم، رمى عليهم النكات السخيفة، هددهم بأخذ حقه منهم .. والكثير من الكلام الذي لا ينتهي من وهاب
حينها رن هاتفه باسم إياس، أجابه مباشرةً بعد أن أغلق اتصاله بأصحابه:
-ياهلا والله بالشجاع المغوار، انشهد إنك أخو وهاب ما رحت بعيد عنه .. الحمدلله على السلامة يابو إبراهيم
إياس بالطرف الآخر أردف بنبرة جادة:
-الله يسلمك، وش عنده خطك مشغول له ساعة؟
اتسعت ابتسامة وهاب وهو يفهم نبرته:
-أبد كنت أتوصى بأخوياي، تبي شيء تآمر على شيء؟
أردف إياس بذات الجدية والحزم:
-مابي منك شيء، سبأ وش أخبارها ؟ إذا هي جنبك عطيني أتطمن عليها
وهاب بنبرته المرحة أردف:
-أولًا وقبل كل شيء تراها احترقت عشاني بسم الله عليها، لا يكبر رأسك وتقول لك الشيخة بنت الشيوخ إن العشاء كان لعيونك .. أدري فيها أم وهاب قالت وخلصت، ثانيًا سبأ مهب جنبي قاعدين يضمدون لها الجرح .. قصدي الحرق اللي هو
حينها أردف إياس بنبرة غاضبة مجهدة:
-وهاب ماهو وقت تخفيف دمك علي، أنت كيف تارك أختك لحالها ليش ما دخلت معها تطمن عليها ؟
-"أختك جدعة ما تحتاجني عشان تدخل عند الدكتورة، بعدين ياخوك أنا بطني يمغصني من ريحة المستشفى، ما أدانيهم هم ودكاترتهم"
قالها وهاب بابتسامة، وهو يستريح في كرسي الإنتظار، ليزفر إياس بيأس من أحاديث وهاب:
-الله يصلحك، قوم روح لها وإذا طلعت خلها تتصل فيني، قلبي عندها
وهاب بمشاكسة لطيفة، يحاول بها تغيير جو إياس الذي تعكر من نبرة صوته:
-فديت القلب يابو إبراهيم، ما ينولنا منه شيء؟ عطينا الله يعطيك
قهقهه وهاب حين أغلق إياس الخط في وجهه، ادخل هاتفه بجيب ثوبه واتجه لداخل المستشفى بحثًا عنها، وقف بالقرب من استراحة النساء التي دخلت إليها، حين تباطئها كان سيتصل بها .. لكن فوجئ بها تخرج من الباب حاملة بيدها طفل صغير نائم على كتفها
تراجع وهاب وحاجباه يرتفعان، هتف هامسًا بدهشة:
-بسم الله الرحمن الرحيم، أنتِ رايحة تضمدين ولا تولدين؟
عضت طرف شفتها باستياء وإحراج شديدين، همست بنبرة ساخطة:
-ما أكبر سخافتك ياوهاب، اسكت فشلتنا البنت وراي
#طوبى_لمقفر | 49 |
| 9 | يمه أخاف أطيرك أنا بسرعتي, امش جعلني قبلك والله إني طيب وماعلي باس
وصلا حتى الصالة, اراحته على الكنبة ووضعت من خلفه الوسائد حتى ارتاح في جلسته:
-إلا والله جعلني أنا قبلكم أنت وأخوانك ولا أذوق أحزانكم
تناول إياس كفها، قبلها بعمق واشتم رائحة الحنية المنبعثة من مسامات جلدتها، همس بحنو:
-ولا يورينا حزنك يالغالية، وش فيك ضايق خلقك؟ هذاني قدامك بخير وعافية هونيها على نفسك
تنهدت شيخة، جلست بجانبه، مسحت على يده التي تمسك كفها:
-أنتو رأس مالي يا إياس، ما عاد باقي لي أم لا أب لا أخوان ولا سند .. أنتو ظهري وعزي وذخري اللي أراهن فيه وجايع هالزمن، لو هي وخزة إبرة يضيق خلقي عليها، ما بالني وأنا أشوفك ترمي نفسك في النار
ابتسم ابتسامة مجهدة وهو يشد على كفها:
-يمه الله يخليك لي لا تبدين بموال شغلي اللي مستحيل أتركه إلى أن يشاء ربي
(تحولت نبرته للهمس الحاني)
-افتخري فينا يمه، بدل لا تاكلين نفسك بالخوف افتخري فينا واحتسبينا عند الله، والله ما أغلى منك إلا هالشغل دامه في سبيل الله ولأجل الوطن
نظرت له بنظرات دامعة، متألمة على حالها:
-وهو بيدي يامك؟ بيد هالقلب اللي ينقال عنه قلب أم .. بكرة لا جالك عيال وجربت شعور الأبوة منت قادر تحاسب أمهم على إحساسها فيهم
استكانت ملامحه عند الخاطر الأخير، سعل بخفة ومسح على صدره .. نظر لوالدته بهدوء:
-أجل وين وهاب وسبأ؟ ظنيت إنهم بيستقبلوني من على باب البيت وكل واحد فيهم بيشيلني عن يميني ويساري
نزعت شيخة عباءتها، ثم تنهدت ببأس:
-أختك الله يصلحها دخلت المطبخ عشان تطبخ لنا العشاء على قولتها وحرقت يدها .. أصر عليها وهاب ياخذها المستشفى عشان يتطمن على حالة يدها، لما طلعنا احنا كانو هم على وصول للمستشفى بتصل في وهاب أتطمن عليها
اعتدل إياس في جلسته بقلق، وهو يهتف بنبرة متوترة:
-وتوك تقولين لي يمه الله يهديك، خليني اتصل في وهاب أشوف وش سوو يمديهم خلصوا هالوقت
*
*
التفت وهاب إلى سبأ أثناء مشيهما إلى مدخل المستشفى، بنبرة قلقة:
-أنتِ بخير؟ حاسه فيها بألم؟
ابتسمت سبأ بوجع، يدها تؤلمها بالفعل وتشعر بوخزات حارقة بها لكن تصطبر، إلا أن وهاب أتعب رأسها من كثرة الأسئلة:
-لا والله وأنا أختك بس أحس بالحرارة تدغدغني عشان كذا يدي حمراء .. وهاب خلاص أهلكتني بالأسئلة طول الطريق قلت لك حرق بسيط بس أنت اللي أصريت على روحة المستشفى
توجها للإستقبال، اخرج بطاقة أحوالها وأعطاها الممرضة خلف الطاولة، همس وهو ينحني إليها:
-مهب عشاني حاس بتأنيب ضمير لأني غصبتك تسوين لي معكرونة بالبشاميل، لازم أكفر عن ذنبي
عضت على لسانها بحنق، وصمتت إحترامًا للمكان ..
#طوبى_لمقفر | 49 |
| 10 | حسبي الله عليك يا شهاب من زوج وأبو "
هتفت بها مرجان بنبرة هامسة باكية وهي تقف في طوارئ المستشفى تحمل بحضنها سامي الصغير, وتمسك بيدها الحرة يد الريم المرهقة .. تحسبت على شهاب مرارًا وتكرارًا غير آبهة بما سيحصل له من وراء تحسبها عليه
عديم المسؤولية, تركها هي وابنائها في هذا الوضع المزري
كانو قد وصلوا إلى المدينة في وقت متأخر نظير توقفاتهم المتكررة في الطريق, وحينما وصلوا إلى المنزل الذي أصبح مقرًا لهم وجدته في حالة يرثى لها وهي من تركته ليومين فقط, تجادلت هي وشهاب مطولًا انتهى الأمر بخروج الأخير من المنزل ضاربًا بابها بقوة شديدة
استغرقت حينها مرجان ساعتين في التنظيف والترتيب وسط فوضى ابنائها وإزعاجهم اللامتناهي, وحين انتهت شعرت بالخوف من سكون المكان وسكوت أبنائها عن تذمرهم .. بحثت عنهم فوجدت الاثنين ينامان في غرفتها هي وشهاب, ارتاع قلبها من منظرهم المجهد
سامي كان ينام في الأرض, والريم تنام عرض السرير .. اتجهت أولًا نحو سامي وحاولت إيقاظه, وفور أن رآها بدأ بالبكاء والنشيج بصوتٍ عالٍ .. وهي تسمي عليه وتحصنه مراتٍ عدة, حممته, أبدلت ملابسه بملابس نظيفة, حاولت إطعامها عشاءً خفيفًا فرفض بإستماتة
لمست جبهته, وجدتها دافئة آنذاك .. رددت بداخلها وهي تحتضنه وتذكر اسم الله عليه:
-" الله يهديك يا ريحان كم مرة قايله لك شغل الحلويات بطليه عنه "
حملته برفقتها وعادت إلى الغرفة الرئيسية, انحنت على الريم الذي تعرق جبينها:
-الريم, يا ماما .. قومي حبيبتي غيري ملابسك ونامي على سريرك, يالله قومي
أنتّ الريم آنة موجوعة, فشعرت مرجان بوخز إبرة .. انحنت مجددًا, لمست جبينها فارتعبت حين وجدته ساخنًا, بل ويشتعل من شدة سخونته
صعد الدمع إلى عينيها, وأخذت تبكي وجعًا وحسرة, وجعًا على وجودها بعيدًا عن أهلها .. وحسرةً على زوج ائتمنته على نفسها وصغيريها .. فوجد الفرصة ليهرب من مسؤوليتهم
تماسكت بصعوبة, ثم تصرفت سريعًا, فيجب أن تلحق على ابنتها حتى لا تؤثر بها الحمى وتقضي عليها, لبست عبائتها وطلبت إحدى سيارات الأجرة
ولم تنسى أثناء خروجها أن تحمل معها حقيبتها بإثباتها
وهاهي تجلس في كراسي الطوارئ تنتظر دورها في الكشف, ولسانها ما انفك يدعو ويتحسب على زوجها البليد, لتشمل أبنائها في دعواتها بالشفاء العاجل
نادت الممرضة على اسم الريم شهاب فوقفت بوضعها ذاك لتدخل أخيرًا إلى الداخل
*
*
دخلا من باب المنزل, لا تعلم من يسند الثاني .. هي أم هو, هتفت بحنية:
-بشويش يمه بشويش على نفسك هدي من مشيك مافي شيء بيطير
ابتسم إياس بإرهاق بادٍ على وجهه بعد خروجه من المستشفى هذا اليوم, ويد والدته تحتضن عضده:
#طوبى_لمقفر | 47 |
| 11 | لولا العالم الداخلي الذي صنعه وابتكره لنفسه
كان المنزل من الداخل زاخرًا بالنباتات الخضراء في كل ركن وزاوية, على أرضيته سجاد إيراني يطغى عليه اللون الأحمر بنقوش خضراء وسكريّة اللون, وأثاث معتق باللون البني المحمرّ
بدى حقًا كواحـة خضراء وسط رمال الصحراء
*
وقف ذاك أمام حوض المغسلة في دورة المياة الضيقة عاري الجذع, نظر إلى إنعكاس عينيه السوداء في المرآة الصغيرة, رفع الشفرة التي لمع طرفها ببريق أضاء بؤبؤ عينيه
لو أنه فقط, لو تصبح هذه الأداة سبيلًا لمصيره فتتوقف ساعاته عن الدق وتخفت نبضاته عن النبض, ليتها تصبح حلًا أخيرًا ومهربًا أبديًا من حياته السابقة
وياللعجب!
إن حياته السابقة كانت أفضل وأكثر جزلًا وعطاءً من الآن, يبدو أن عميد (عمران) محق, عليه أن يبنى عائلة تبيد عنه هذه الوحدة والأفكار الموحشة التي تخطر في باله بين الفينة والأخرى
الموت, الإختفاء, الهرب .. الرحيل إلى أبعد مكان
حلول يعلم أنها متاحةٌ له, لكنه يعجز عن التنفيذ .. لأن هذه المنطقة, هذه الديار .. هي أفضل مكان للمأرب الذي يبتغيه لنفسه
رفع الشفرة, مررها على خده برفق فأنشالت معها رغوة الحلاقة التي كان يضعها على لحيته, حين أنهى مسح بالمنشفة المبللة على كامل وجهه فبانت ملامحه التي كانت تختفي خلف لحيته الكثيفة
سمع رنين الباب, ثم الطرق عليه
خرج من دورة المياه واتجه بخطواته العرجاء ليفتحه, قابله وجه تيمور المحتقن الذي بادره بسؤال مباشر:
-شفت ساعي؟
عقد عدوان حاجبيه, هز رأسه بالنفي .. ضرب تيمور بقبضة يده على طرف الباب وخرجت منه شتيمة كانت بلا شك موجهه لساعي, هتف بغضب حانق:
-الحين أنا طول اليوم رايح راجع على أبوه وعيني ما طاحت من غرفته أتحراه يطلع منها, لما رحت قبل ساعتين أشيك للمرة الأخيرة عليه لقيت باب الخارج مفتوح, وساعي مب فيه
صمت عدوان لثوانٍ قليلة, هتف بعدها بأول مكان خطر على باله:
-شفته من الميدان؟
زفر تيمور بتعب وضيق بال:
-لا ما شفته ولا جاء في بالي, يعني أنا لا رجعت الديرة إما أرجع على مصايبكم ولا مشاكل أهلي وأقعد متحملها عشانكم .. امش معي خلنا نشوفه من الميدان
أغلق عدوان باب المنزل, ثم ركب سيارة تيمور التي كانت متوقفه أمام منزله .. قادا إلى الميدان الذي لا يبعد كثيرًا عن منازلهم بل يحبذون بعض الأحيان السير على أقدامهم إليه
فور وصولهم تراءى لهم نورٍ مشتعل بدى واضحًا من بعيد, هتف على إثره تيمور بدهشة:
-يالله سترك وشهو اللي صاير هنا؟
نزلا من فورهما على عجلة, يتقدم تيمور ومن خلفه عدوان بخطواتٍ متسارعة وهما يلمحان أخيرًا مصدر النار التي كادت تبلغ عنان السماء من شدتها
#طوبى_لمقفر | 50 |
| 12 | طال عمرك أنت من طلعت من القصر وأنت منت على بعضك, ساكت طول الطريق ولا حتى ناقشتنا في مستجدات المهمة
عمران بذات الجدية:
-المستجدات أنتو أخذتوها صوت وصورة, وش تبون زيادة ؟
نظر فزاع إلى حكيم, أشار الأخير برأسه ليردف فزاع بهدوءه:
-يعني مثلًا عن الضابط اللي ما زال حي وتحت سيطرتهم ؟
تنهد عمران, اتكأ بكوعيه على فخذيه, مسح وجهه مرتين يمحي خلفهما الهم الذي أصابه, قال بنبرة حزم:
-فزاع أجل الكلام في هذا الموضوع واتصل الحين على مساعد, أبيه يتواصل مع خفر السواحل حتى يعطيني تفاصيل حياة غسان العملية خلال هالسنتين, إجازاته المستقطعة, كشف حسابه, أبي أعرف حتى عدد المرات اللي سجل فيها دخوله لمكتبه
(أكمل بجدية حين رأى فزاع يخرج هاتفه بطاعة)
-اتصل فيه بتلفون الأقمار, وإن ما تعاون خفر السواحل مع الأمر خليه dقدم طلب عن طريق اللواء أبو تركي لوزارة الداخلية .. وعلمهم إن المسألة فيها أمن ضابط ومواطن
استجاب فزاع لامره, أخرج الهاتف الذي دائمًا ما يحمله معه, تكلم مع مساعد وأخبره برغبة عمران فأخبره ذاك على الطرف الآخر أن بحلول الصباح ستصبح كل المعلومات بين يديه
حين أغلق فزاع, التفت عمران إلى حكيم الواقف بجانبه, فقال بجدية:
-وأنت وش عندك؟
اعتدل حكيم في وقفته, فتح التابلت ثم تحركت أصابعه بشكل سريع على شاشته الملساء وهو يقول:
-الصراحة أنا لفتتني حاجة في الدقيقتين اللي جلست تنتظر فيها صاحب القصر, وقلت لازم أوريك قبل لا اكتب التقرير وأرفعه للواء .. تفضل
ناوله حكيم التابلت فتلقفه عمران وهو يمعن النظر في الفيديو المصور الذي يظهر من الكاميرا الصغيرة التي كانت مثبتة في زر ثوبه, أشار حكيم إلى رجلٍ ما يرتدي بذلة رمادية بشعرٍ رمادي ونظارة طبية كبيرة نوعًا ما, قال:
-يعني كنت بقول النظارة اللي لابسها معطية إنعكاس للصورة, بس لا الرجال هذا من جلست لين مشيت مع صاحب القصر وعينه عليك
عقد عمران حاجبيه بتوجس, قال بحزم:
-بحثت في السجلات من هو ووش يكون؟ شكله ما يوحي إنه عربي
تراجع حكيم بعد أن كان منحنيًا, ليقول بجدية هادئة:
-ايه كلمت مساعد يشوفه لنا من قاعدة السجلات بس ماهو موجود, معناه سجله نظيف .. بس راح نبحث عنه في الأحوال .. أنا أقول إنه عربي, عرق البداوة فيه واضح
همس عمران وهو يعيد تشغيل الفيديو مرتين, وثلاث .. وأربع! متوجسًا من هيئة الرجل الذي في كل إعادة ينظر إليه بتركيز, وتحفزت لديه حساسات الدهاء :
-الشكل هذا أنا وين شايفه .. وين ؟
*
*
*
ذات التوقيـت
في ديـار شـرق
إحدى البيوت الصغيرة الذي يطغى على صبغتها اللون البني الباهت, يبدو في هيئته بيت بسيط لشخصٍ بسيط
#طوبى_لمقفر | 50 |
| 13 | وأنا أشهد إنك قبل سنتين ماقصرت معانا, من كان يظن إننا راح نقدر نتغلب على خفر السواحل ونقصف قاربهم ويموتون عليه .. ضربة حظ حلوة
(ثم التفت له بخبث)
-رغم إن واحد منهم ما زال حي, بس تحت سيطرتنا الكاملة
اضطرب عمران, حافظ على ثباته قدر المستطاع .. هو يعلم ( القارب المقصوف ), ويعلم الأشخاص الذي استشهدوا عليه, بل ويعلم من الذي ( ما زال حي ), فشعر بالتوجس من كلامه الأخير لذا قال بثبات وهو ينظر إلى الساحة الشاسعة التي تغطيها الأشجار والإنارات:
-وش قصدك؟
نفث أبا قاسم نفسًا من غليونه, ونظر إلى حيث ينظر عمران للأمام قائلًا بخبث:
-ياحبيبنا ياعميد تحسب إننا ممكن نترك كل شيء للحظ؟ إذا نفع معانا المرة الأولى وكانت إحداثياتك صحيحة وقدرنا نذبحهم, فما راح نترك الحظ مرة ثانية يسيرنا على هواه .. المهم الأفواه مغلوقة, و الكرة بملعبنا
شعر باحتراق رئتيه, كاد أن يشتم رائحته عطبهم من القهر الذي راوده على حين غرة, إن كان ما يقوله صحيح .. إن كان فقط !
تمالك نفسه بصعوبة بالغة, لن يضيع عمل السنتين هذه في لحظات غضب كثيرًا ما واتته .. قال وهو يلتفت ليعطي ظهره الساحة:
-صار لازم أمشي, المرة الثانية إن بغيت تجتمع فيني لا تلم رجالات الأعمال .. الزحمة ما تناسبني يا أبا قاسم, وجودي وإنكشافي للملأ راح يأثر على سير معاملاتكم فالأفضل خلينا في الظل
ابتسم أبا قاسم والتفت له ضاحكًا:
-الله الله تبشر ياعميد, يستهوينا الظل واللي وراه
انسحب عمران بخطوات واثقة دون أن ينظر للخلف أو حتى يلتفت جانبًا, خرج متخفيًا صامتًا مثلما دخل, خرج وهو يأمل أن استقطب انتباه أبا قاسم, الذي بدوره سيأتي بالشبح -آملًا- إلى قعر دارهم
*
*
وها هـو بعد إنتهاء المهمة التي مشت سريعًا مثلما خططوا لها بذات السرعة في غرفة فندقه, وبعد أن استرعى انتباهه حديث تليد وذكرياته التي انسكبت على دماغه واحدة تلو الآخرى
لم ينتشله من الغوص فيها إلا طرقات على الباب, وقف بتحفز واتجه إلى الباب وهو ما زال بروب الاستحمام ولم يلبس ملابسه بعد, نظر من خلف العين السحرية فتنهد بخفة
فتح الباب ووقف خلفه, قائلًا بجدية:
-ادخلوا
دخلا فزاع وحكيم من خلف الباب تباعًا, أغلق عمران الباب واتجه خلفهم حيث كان يجلس على كرسيه, جلس فزاع على طرف السرير واتكأ حكيم على الجدار يكتف يديه التي تحمل إحداها جاهز ( تابلت ):
-وش جابكم وليش ما نمتوا ؟ رحلتنا على الفجر ومن المطار لازم نطلع على المقر
تبادلا فزاع وحكيم النظرات, صمتا على توجس منهم عمران فقال بجدية:
-تكلموا ولا يحتاج اسحب منكم الكلام سحب؟
فزاع بهدوء, لبى طلبه ببساطة:
#طوبى_لمقفر | 47 |
| 14 | استمع إلى صوته . إلى أزيز أمواجه وتلاطم ذراته, اشتمت خياشيمه رائحته المملحة .. وعلى حين غرة اجتاحه الحنين
حنّ!
حن كثيرًا إلى امتزاج مسامات جسده بذرات البحرفور تلقفه إياه
حن كثيرًا إلى اندفاعاته وأمواجه التي تيسره وقتما يطفو على سطحه
لطالما شكل له البحر مثالًا للصداقة العميقة التي تجمع بين إنسانٍ وجماد, لا يراه غدارًا ولا جمادًا منصتًا للهموم مثلما يراه البعض, بل يراه صديق ..
صديق يستقبله بأزيزٍ منعش
صديق يتقبله بعيوب روحه
صديق يحمل إرهاق جسده
كان سابقًا -أي في شبابه- هاويًا للغوص والصيد, تأصلت هذه الهواية من والده وتجذرت فيه حتى أصبحت منفذه ومهربه من عالمه, لم يكْ يمانع أن يستقل طائرة, أو أن يمشي في خط سفرٍ طويل ليصل إلى أطراف البحر ..
إلا أن هذه الهواية بدأت تسكن ثورتها بعد ترقياته وإستلامه لمسؤوليات أكبر في الدولة
أخرجه من ذكريات الحنين صوت أبا قاسم الذي قال بجدية وهو يضع كوب مياه غازية كان قد تناولها من إحدى الخدم قبل خروجهم إلى الشرفة:
-خذ راحتك أنا غيرت الحرس لحرس مؤقتين عن كل مرة تجيني فيها, مافي أحد يعرفك حتى لو شافك
تكتف عمران وانتصب في وقفته, فأكمل أبا قاسم كلامه بذات الجدية:
-أتمنى جايب شيء يرضيني ويرضي اللي فوقي يا عميد
قست ملامح وجه عمران, لكن ذاك لم يظهر على وجهه بل ظل محافظًا على ثباته, فهو هنا يأتيهم بحلول لفساد بلده وفساد شبابه .. لكنه يعلم أنها مهمة وستنتهي, وأن هؤلاء السفلة سينتهي عهدهم وعهد كل من جاء فوقهم:
-استثمار جديد أظنك بحاجته وبشدة هذه المرة, المياه الإقليمية من الناحية الشرقية راح تكون تحت سيطرتنا لو استثمرتوا في هذا المشروع الحكومي
التفت له أبا قاسم بإهتمام مما يسمع, وهو يريد أن يلقط كل حرف حتى ينقله بحذافيره لرؤسائه:
-مشروع حكومي؟
اتسعت ابتسامة عمران القاسية:
-ايه نعم, هم بصدد وضع مناقصة لمشروع الساحل الشرقي بطول 12 كيلومتر, راح يبنوا مرسى للسفن واليخوت ..المشروع ما بيكون ممول 100% منهم, يحتاجون مستثمرين لإستقطاب أكبرقدر من الاموال, وحط في بالك إن كل ما زاد مبلغ استثمارك كل ما زادت الفائدة المرجوة
تأمل أبا قاسم فيه قليلًا, ثم قال بإستفسارٍ وجل:
-تبي تقنعني إن المرسى ما راح يخضع لحماية حرس الحدود وخفر السواحل؟
عمران بهدوء وجدية تاميين:
-أكيد راح يخضع لحمايتهم ومراقبتهم, بس مثل ماقدرنا نسهل مرورهم قبل سنتين نقدر نسهل مرورهم مرة ثانية .. الموضوع عندي
ضحك أبا قاسم ضحكته الثقيلة البغيضة, قائلًا بنبرة فخر أشعلت ذهبيتا عمران حقدًا وغضبًا:
#طوبى_لمقفر | 48 |
| 15 | نزل عمران من السيارة واتجه مباشرة إلى القاعة عابرًا الممر الحجري الذي تحفه الأشجار من الجانبين, تحدث في سماعة إذنه المتصل بها ميكروفون صغير:
-فزاع، حكيم .. جاهزين؟
الاثنان من خلف السماعة هتفوا:
-جاهزين طال عمرك
دلف عمران إلى القاعة الداخلية التي بدت صاخبة وممتلئة بالرجال متعددي الجنسيات، شد منظره فور دخوله بعض المعازيم لكن سرعان ما شتتوا انتباههم، استقبله أحد الخدم بصينية بها أكوابٍ مملوءة بمياه غازية وقطعتي ليمون, رفض تناوله فهو يجب أن يكون حذرًا في كل ما يقوم به داخل هذا القصر
اتخذ إحدى الكراسي مجلسًا له, وضع ساقًا فوق ساق وأخذ يمشط المكان بعينيه التي تغطيهم نظارة شمسية سوداء, يستمع تارة إلى تنبيهات فزاع وحكيم, وتارة يبحث عن الشخص المنشود, يريد أن يدلي بدلو الماكر وأن تنتهي هذه الليلة على خير
تغيرت الموسيقى الكلاسيكية التي كانت تصدح من زوايا القصر, فأصبحت صاخبة أكثر .. ضحك عمران في داخله على صاحب القصر .. يالدرامية هذا الرجل, يحاول إثبات حضوره بطريقة تبدو طفولية وفوضوية
ظهــر أخيرًأ
من خلف باب القصر الداخلي, مرتديًا ثوبًا وشماغًا أحمر-الذي لا يستحق أصالته-, كهولته واضحة على محيّاه, بل معالم الشر مهما أدعى اللين فإنها تقدح من نظرات عينيه, بيده غليونه الذي منذ عرفه وهو يحمله
لم يقف عمران كما وقف الآخرون للسلام عليه, فهو ضيف إستثنائي .. ضيف نبّه عليه صاحب القصر ألا تحاولوا توجيه الكلام إليه ما دمت لم أفعل, -رجل حكومة- من الدرجة العالية, عالية السرية .. وحضوره يجب أن لا يكون مكشوفًا كثيرًا
بعد دقائق من السلام والتحية, اتجه صاحب القصر - أخيرًا - إلى حيث يجلس عمران, وقف أمامه بإبتسامة واسعة, يمد يديه بمستوى كتفيه مرحبًا:
-عميد !
وقف عمران بابتسامة طفيفة, اقترب منه واحتضنه بخفة لينسحب بذات الخفة والحذر:
-أبا قاسم
ضحك ذاك وأشار بسبابته الذي يختبئ بين جنباتها الغليون:
-نسمعها مثل ما سمعناها من عميدنا من قبل, عاش من شافك !
انتصب عمران في وقفته بثقة مفرطة وابتسامة جادة:
-عاشت أيامك يا أبا قاسم
ربت على كتفه وأردف بابتسامة ودودة -خبيثة في مغزاها-:
-إن شاء الله غيبتك جايبه الغنايم, تعطل شغلنا بعدك ياعميد
حرك عمران رأسه يمنةً ويسره بصورة مصطنعة حتى يتلقى أبا قاسم ما يود القيام به, فالتقطها ذاك ليقول بهدوء جاد:
-نطلع للشرفة عشان نتكلم براحتنا ؟
استجاب عمران لطلبه, هو يفضل أن يكون مكشوفًا هكذا حتى يصبح في نطاق فزاع, وبعيدًا عن ضجيج الداخل .. خرجا إلى الشرفة فهب النسيم المشبع بالرطوبة القادمة من البحر
#طوبى_لمقفر | 49 |
| 16 | لا يغرك الفرق العنصري هذا, لكنه منطق واستوعبيه
مسحت دمعها الذي يهطل من مقلتيها, اتجهت نحو الباب وقبل أن تفتحه قالت بنبرة خاوية من كل شيء:
-تعايرين شخص ما اختار قدره وحياته, من متى ونحن نطلع من بطون أمهاتنا عارفين بأقدارنا؟ الله يسامحك يا بنت هادي
*
*
*
قبل ذلك بساعات طويــلة
قصــر البيضاء …
دلفت السيارة الفارهة التي تقل -عمران- إلى ساحة قصر البيضاء ملبيًّا دعوة صاحبه, وآكلًا الطعم الذي رماه اللواء أبو تركي .. دارت السيارة نصف دورة حول بركة المياه الشاسعة التي يتوسطها نافورة من الحجر الأبيض والإنارات من حولها مضاءة بالكامل, ليست المرة الأولى التي يزور فيها عمران هذا القصر, لكن في كل زيارة له - متقمصًا - ينبهر بالهندسة المعمارية المغربية الإسلامية التي يعج بها القصر
ساحته فقط, ممتلئة عن بِكرة أبيها بأشجار النخيل والريحان, لذا دائمًا ما تفوح رائحة الساحة برائحة الريحان التي تدغدغ الحواس وتحنن القلوب!
نقوشه الزخرفية الدقيقة التي تحيط بجدران القصر, تداخل الزخارف في إطارات النوافذ وتشابكها ببعضها البعض حتى يخيّل للرائي أنها كتابات بحروفٍ عربية .. وهي كذلك
يلمح على هرم القصر جملة " بسم الله الرحمن الرحيم " .. وفي إحدى زوايا أبوابه البيضاء الخشبية الكبيرة زخارف متراقصة شكّلت عبارة " ما شاء الله تبارك الله "
وحتمًا
بل أكيدًا .. أن قبة قاعته الداخلية كتب أعلاها بنقشٍ ذهبي منمق
(ما أرضها إلا خزائن رحمة
وما قد سما من فوق ذاك غطاؤها
وقد شبه الرحمن خلقتنا به
وحسبك فخرا بان منه اعتلاؤها
ومعروشة الأرجاء مفروشة بها
صنوف من النعماء منها وطاؤها
ترى الطير في أجوافها قد تصففت
على نعم عند الإله كفاؤها )
وهي أبيات شعرية مقتبسة من قصيدة ابن زمرك الغرناطي في وصف قبة ( قصر الحمراء ) بغرناطة, والذي يعد من أهم الشعراء الأندلسيين في هذا الفن الزخرفي, والتي ما تزال قصائده منقوشة في جدران وقاعات قصر الحمراء بنقوش غاية في الجودة والإتقان حتى يومنا هذا
لذا كثيرًا ما يذكره هذا القصر بقصر الحمراء, لولا لونه الأبيض والذي كُنيّ به لاحقًا ..
تنبه عمران إلى صوت السائق الذي قال له وهو ينظر إليه من مرآة السيارة الأمامية:
-وصلنا يا طويل العمر, السيارة ما راح تتحرك من هالموقف أي وقت تطلع فيه بتلقاني موجود بإنتظارك
رفع عمران ساعة يده بمينائها البلاتيني, التي تشير عقاربها إلى الساعة السادسة وخمسٍ وخمسين دقيقة, أي لم يتبقى على بدء الحفل إلا خمس دقائق, وهي المدة التي سيستغرقها في المشي من المواقف إلى قاعة القصر:
-تمام .. لا تتحرك من مكانك ولو تراقب لي سواّق الزوار يكون أفضل
#طوبى_لمقفر | 48 |
| 17 | فقالت بعينين متسعتين :
-وش تخربطين فيه أنتِ ؟ وش اللي بيني وبين عدوان
اقتربت منها فردوس وهي تزفر أنفاسها الغاضبة, قبضت على عضدها, هزته بقوة, عيناها تلمعان بشراسة لأول مرة تلمحها ريحان:
-ريحان لا تستغبيني, الأعمى وشاف تناحتك في الرجال اللي جالس في السيارة, لو أبوي ما تنبه فشهاب أكيد, إلا أكيد إنه انتبه! كنتِ بتطيحين الولد من يدينك بس لمحتيه
تراجعت ريحان للوراء بحنق, غاضبة من هذا الإتهام الذي تتهمه فيها فردوس على وضح النهار.. أردفت بقهر:
-أنتِ ما تخافين الله تبهتيني ظلم ؟ وش اللي بيني وبين رجال ماعمره لمح ظفر مني, ولا عمره عطاني وجه أو لمح لي بكلمة .. خافي الله فردوس خافي الله!
صمتت فردوس, زفرت بقوة, نظرت إلى عينيها اللتين تلمعان بالدموع, أتصدق عينيها؟ أم تصدق نبرة القهر ودموع الغلبة في مقلتيها, تصرفات أختها في الفترة الأخيرة باتت غريبة, خاصة جلوسها في سطح المنزل في أوقات معينة متعللة استنشاقها نسيم لطيف
تخاف أن تقع أختها في المحظور
ففتاة مثلها مندفعة للحياة, قد يصبح خطرًا على قلبها خوض هذه التجربة .. الحب !
حرفان مرفقان بآل التعريف, قد يصبحان نارًا تلظى على قلبٍ هش كقلب أختها
اقتربت منها, أمسكت كتفيها براحة كفها, همست بنبرة حانية, وهي تراها تمسح الدموع كطفلة تلقت توبيخًا من والديها:
-أعوذ بالله من إني أبهتك ظلم يا ريحان, بس حركتك مالها إلا تفسير واحد .. وأنا خفت عليك! تخيلي وضعك لو إن أبوي انتبه لك وركز وين راحت نظراتك؟ قولتك راح تبقين حية بعد كذا وتتنفسين هالهواء ؟
همست ريحان بسكون باكٍ:
-ماهو اللي في بالك يافردوس, ماهو إللي في بالك والله العظيم
فردوس بجدية بالغة, غلفتها بحنية أخت:
-أدري, أنا أختك وأدري فيك, بس أقولها لك خوفًا عليك وعلى قلبك .. لا تعلقين قلبك بآمال زائفة, لأن الآمال هذه تودي لطريق واحد, طريق مهلك ما أنتِ بحمل عليه .. وتذكري من أنتِ ومن هو عدوان
حاولت محادثتها بما تقتضيه المصلحة من تفاهم الأخت لأختها, وأن تكون لها كتابًا مفتوحًا واعيًا على ما تُقبل عليه الفتاة من إندفاعٍ ورغبة .. قالت ريحان بذات السكون وهي تنظر إلى فردوس:
-ليه منهو عدوان ؟
فردوس بجدية, أنزلت يديها وتراجعت للخلف حتى جلست على سريرها:
-واحد ما نعرف له أصل من فصل, مقطوع من شجرة, عايش في بيت صغير لحاله, عنده مخبز صغير يسترزق منه, أعرج, قليل الكلام, ووجهه مخيف!
-"وأنا ؟ منهي ريحان؟"
قالتها ريحان بهدوء مزيف, لتردف فردوس بحزم:
-أنتِ بنت هادي بن سامي, المشهود له بحسن الأخلاق رغم فراغ جيبه, بنت هادي اللي يحسبون له ألف حساب ويعاملونه كأنه واحد من الشيوخ!
#طوبى_لمقفر | 50 |
| 18 | وأنا مابي اشتري أسهمك, دور لك على بديل ثقة من آل نايف, تفهم وش آل نايف؟
قاطعهم نايف بجدية وهو يرى أسلوب هيثم الذي بدأ ينحدر للإهانة المبطنة, فقال يقطع الأخذ والعطاء في هذا الموضوع :
-حنيـن راح تشتري أسهم زياد وتصير من مجلس إدارتها حالي حالها, ما راح تحضر إلا الاجتماعات الشهرية والسنوية المهمة لمناقشة أوضاع الشركة وتقاريرها
وقف هيثم وهو غاضب, لا ينكر .. كان قد فكر في حنين مسبقًا, لكن لأنها -فتاة- لم يجد من اللائق أن تجاوره في مجلس إدارة الشركة الذي هو رئيسًا لها بالطبع, تعظمًّا منه ربما, أو كبرياءًا منه .. لكن أن يفضي والده بهذا الرغبة ويفتح الطريق أمام زياد لهو أمرٌ غير مقبول لديه, لذا قال بنبرة غائصة في الحنق:
-وش اللي حنين يبه! لا ما يصيـر .. حنين ما تنفع, عدا إنها مشغولة بالأكاديمية العجيبة اللي تبي تفتتحها
نايف بجدية وقف ليجاريه وهو يغلق الموضوع تمامًا:
-وليه ما تنفع إن شاء الله ؟ خريجة ماجستير وعندها خبرة عميقة في الدراسات التجارية بشكل عام, وراح تكون إضافة ممتازة للشركة في حال احتجت مرجع ! وخلصنا يا هيثم .. انتهى النقاش وقع استقالة زياد وخليه يشوف طريقه
أعقب نهاية كلامه بخروجه من المكتب يتبعه زياد الصامت تاركين هيثم يشتعل بغضبه من تحريك سفينته بشراع لم يصنعه بيديه, وفي الخارج التفت نايف إلى ابنه بحنو أبوي:
-لا تسمح لأحد يجبرك على وضع انت ما تبيه وأنا أبوك, حتى وإن كان أخوك .. خلك شامخ بقراراتك, متيقن من نتيجة نواياك, المكان اللي ما يناسبك انسحب منه وإن ما لقيت اللي يناسبك .. اصنعه لنفسك
هز زياد رأسه بإيجاب صامتًا, ولم يعقبّ .. فأكمل نايف بذات الحنو:
-ما حنيت للمستشفى ؟
إبتسامة سخرية صغيرة نبتت على ثغره, ورغم تشمع الوجع في جروحه نتيجة هذا الموضوع إلا أنه أردف بإحترام خالص لوالده:
-صفحة وانتهت من حياتي يبه, ما حنيت ولا راح أحن
ربت نايف على كتفه, يشطر صدره الذبول في عيني ابنه, لكنه قليل حيلة .. لا يستطيع أن يخرجه قِصرًا من قوقعته ولا يستطيع جزافًا أن يرميه في ذات الوضع, فليهنأ بحياته مثلما يشتهي لعل ما ذبل يزهر .. يومًا ما :
-مكانتك محفوظة, إن حبيت ترجع للمستشفى انت بس أشر عليه .. صدقني كلٍ يتمناك
ابتسم بهدوء, ممتنًا لوالده على هذا الثقة الذي يحاول زراعتها فيه, لكنه قد أقفل أبواب الماضي منذ زمن, ليس بمجنون ليفتحها مجددًا.. قبّل رأسه والده, ثم هتف بسكون:
-الله يطول لنا بعمرك يابو هيثم
*
*
*
" وش بينك وبين عدوان ؟"
هتفت بها فردوس بصورة حادة مؤذية للقلب, شهقت على إثرها ريحان وهي تضع يدها على فمها مرتعبة من هذا الإتهام الصريح,
#طوبى_لمقفر | 51 |
| 19 | ضحك هيثم بلا نفس فالتفت نايف إلى زياد الصامت وبيده ظرف مغلق)
-كيف الشغل يابوك؟
هز زياد رأسه بإيجاب, وأعقب بجملته الهادئة:
-الحمدلله يبه, زين !
تساءل بنظرات عينيه عن الظرف الذي يحمله, نقل زياد نظراته هو الآخر إليه, وضع الظرف على الطاولة التي تتوسط الكنبتين الجلديتين ثم قال بنبرة خالية:
-تفضل يابونايف هذه ورقة إستقالتي, وشرطك اللي شرطته ما نفذته لأن خارج عن قدرتي .. وسواء وافقت على إستقالتي أو ما وافقت عليها اعتبرني في كل الأحوال مطرود وأنا متنازل عن مستحقاتي
اندهش نايف مما يسمع, وتنفس زياد الصعداء -أخيرًا- .. أخيرًا أفضى ما بقلبه في جملة واحدة دون أن يقطعها جبروت هيثم أو سلاطة لسانه, دون أن يقطعها تردده وإرتباكه, دون حتى أن يرمش رمشة عينٍ صغيرة!
لطالما شعر أنه كعصفورٍ في قفص, محبوسٌ عن الطيران, معاقبٌ بالسجن الأبدي لسلوكٍ لم يرتكبه, لمجرد أن صوته رقيق, ونغمه ممتع, ولونه برّاق .. لطالما أحسّ بالعوائق التي تجبره تباعًا على الخضوع والخنوع ونتف ريش جناح, على قبول " بقايا " الأمنيات بالحرية و " أطلال " الأحلام بالتحليق ..
قرار استقالته, ربما هو قرار متسرع في حق سيرته المهنية, لكن وإن كان قرارًا متهورًا فهو يود التمرد عليه وتجربة شعور الوجع والندم الذي يصاحبه, لا بأس أن يجرب .. لا بأس أن يخوض دروبًا محفوفة بالأشواك ما دامت سترضيه النتيجة, أي نتيجة ؟ لا يدري حقًا
التزم نايف الصمت, آثر النأى برأيه هذه المرة حتى يعطي زياد الفرصة للتعبير عن ما يجول بصدره, ليس جاهلًا بالطبع عن شخصية ابنه المتذبذبة في الثقة .. لذا نظر إلى هيثم الذي تقدم إلى الأمام شابكًا كفيه ببعضهما البعض, وبنظرة حادة أرسلها لزياد الهاديء بانفعالاته قائلًا:
-لا طبعًا ما راح نطردك احنا شركة تحترم قرار موظفيها وتبحث عن راحتهم, والاستقالة إن كانك تدور راحتك فيها فتبشر جاتك .. لكني ما زلت عند شرطي, هات لي شخص من آل نايف يحل محلك في مجلس الإدارة ويشتري من عندك الأسهم القليلة اللي تمتلكها
زياد بهدوء عميق, عميق جدًا:
-ماتبي سطام ولا أخواتي الثلاث, لو وسعت دائرة المستحقين راح أجيب لك اللي يشتري الأسهم اليوم قبل باكر
أردف هيثم بحزم غاضب, وجل ما يفعله لكي يتراجع زياد عن قراره:
-الشركة كانت لأبوي, ماهي حتى لجدي بشير أو جد أبوي ذمام .. ما راح استأمن على مجلس إدارتها عند غيرنا
اتكأ زياد بكوعيه على فخذيه, وهتف دون أن ينظر إلى هيثم:
-أساسًا الجزء الأكبر من نصيبك, وأرباعه الباقيه لي ولأبوي .. ما يمنع تضم أسهمي لك وتشتريها مني
شخر هيثم بسخرية, ضحك ضحكة قصيرة ليردف:
#طوبى_لمقفر | 50 |
| 20 | نايف جاراه بذات الغضب:
-أنت وش هالكبر اللي فيك؟ وش أنت مستقوي فيه حتى تسيّر الناس على ما تحب وتهوى؟ يا هيثم الله سبحانه وتعالى قال " ولا تمشْ في الأرض مرَحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " التكبر هذا ما هو جايب معه توفيق وتيسير .. ولو انت صادق وتسير على منهجي, فعمري ما ربيتكم وكبرتكم وعلمتكم على التكبر
شبك يديه أعلى صدره, نظر إلى الأسفل وهتف بنبرة غريبة:
-بالعكس يبه أنا حاليًا في قمة تواضعي, لو -وأعوذ بالله من كلمة لو-.. لو إني حاولت أتكبر وأتجبر في مجالي ما خليت معي شريك عمل صاحي! المبدأ ماهو مبدأ فرعوني قائم على " الأنا " كثر ماهو مبدأ التمسك بالحقوق واختيار الأفضل في الحالات الأسوء
اقترب نايف من الكنبة الجلدية الراقية الموضوعة أمام مكتب هيثم, جلس عليها فقد شعر بدوار من مناقشة غريب الأطوار ابنه الأكبر .. تنهد, ثم هتف بنبرة ساخطة:
-نعم والدليل ميزانية الشركة المهتزة, هذا اللي مخليك متمسك في أبو هتاف؟
جلس هيثم مقابلًا له, وبصراحة جادة:
-وليش أنكر ؟ ايه هذا اللي مخليني متمسك في " عرض " أبو هتاف, السوق في الفترة الأخيرة راكد وعرض مثل عرض أبو هتاف نزل لي من السماء, ما طقيته على ايده وقلت له تعال قدم لي عرضك وخليني أوافق عليه, الإنسحاب مرفوض في قاموسي
نايف بجدية بالغة, ينظر إليه بعينين تشعان حدة أبوية:
-أنت تبي من يرجع ويتفرغ لك عشان أعرف وش أنت مهبب من وراي, اسمعني .. مناقصة شركة أبو هتاف أبيها توصلني, وأنا شخصيًا راح أشرف على الشروط المذكورة فيها وإن أخليت بواحد منها راح تتنازل ويتنازل هو طرقًا عن خشومكم
اتكأ هيثم على ظهر الكنبة, مسح على لحيته ببطء شديد يكبت فيه جماح غضبه, استفزته الكلمة الأخيرة وكادت تفجر براكينه الثائرة, لكنه يعلم خبث والده ويعلم متى يتحين الوقت المناسب للإصطياد في مائه العكِر .. وهو وشركته في موقف حرج ولا يريد تلقي المزيد من اللوم, يكفي أن والده تغاضي عن معرفته بـ(إهتزاز الميزانية) فهو -رغم إعتزازه الدائم- يمر بضغط شديد بسبب هذا الأمر
طرق باب المكتب فالتفت الإثنين إلى الطارق الذي دخل بهدوء وجل, تهللت أسارير نايف فور رؤيته, وابتسم ابتسامة عميقة .. هلّ ورحب بقدومه:
-ارحب وأنا أبوك, حي هالطلة اللي طليت فيها علينا
اقترب منه زياد بخطوات بطيئة, قبل رأسه ويده ثم جلس بجانبه ليقول هيثم بسخرية:
-لنا الله يابو هيثم, ما سمعنا هالترحيب يوم إنك أقبلت علينا .. ما غير وجهت سكاكينك علي
نظر له نايف, وبنبرة إستفزاز:
-وش جاب لجاب يابو نايف, جعل خطوات أبو بشير تتبارك دايم مرضيني ومرضي أمه ولا عمره أشقانا مثلك
#طوبى_لمقفر | 38 |
