3 078
Subscribers
+324 hours
-27 days
No data30 days
Posts Archive
يكشف هذا الجندي عن حقيقة مهمة في مشروع علم الجهل، وهي أن المشاعر الإنسانية لا تقع خارج دائرة المعرفة، بل تتأثر بها وتؤثر فيها ، فقد يكون الحزن ثمرة معرفة صحيحة، كما في الحزن الرسالي والأخلاقي ، وقد يقترن الحزن بتصورات مختلّة، فيتحول إلى حجاب يحول بين الإنسان وبين رؤية بعض حقائق الوجود.
وفي هذه الحالة ينبغي ألا نحكم على الحزن بمجرد وجوده أو شدته، وإنما ننظر إلى مضمونه المعرفي وآثاره.
فالحزن الذي ينشأ من الحب والرحمة والإيمان ليس جهلاً بذاته.
أما الحزن الذي يقترن بتعميم المصيبة على الوجود كله، أو بانقطاع الرجاء، أو بأحكام خاطئة عن الله والحياة، فقد يدخل من هذه الجهة في منظومة الجهل.
استناداً لما تقدم صياغة قاعدة جامعة لهذا الجندي ، وهي : أن الحزن ليس جهلاً لأنه ألم، وإنما قد يصبح من جنود الجهل عندما يتحول الألم إلى معيار خاطئ للحكم على الوجود.
وفي المقابل، فإن الفرح الذي ينسجم مع العقل هو الفرح المستند إلى معرفة فضل الله ورحمته، والذي يحفظ للإنسان انفتاحه على الخير والرجاء.
سابعاً: منظومة الحزن والفرح في القرآن
يمكن أن نستفيد من مجموع الشواهد القرآنية أن الحزن والفرح لا يمثلان في ذاتهما مقياساً نهائياً للعقل والجهل ، وذلك أن القرآن يثبت الحزن للأنبياء، ويمدح الفرح بفضل الله ورحمته، ويذم الفرح المقترن بالبطر والغرور.
وبالتالي يمكن أن نميز بين منظومتين معرفيتين:
1. منظومة الحزن المقترن بالجهل
وتظهر عندما تتحول المصيبة إلى مركز وحيد للرؤية، فيغفل الإنسان عن بقية حقائق الوجود، أو يعمم الألم على الحياة كلها، أو يجعل الفقد دليلاً على انقطاع الخير والرجاء.
وفي هذه الحالة لا يكون الخلل في أصل الحزن، وإنما في الأحكام والتصورات التي تصاحبه.
2. منظومة الفرح المرتبط بالعقل
وتظهر عندما يستند الفرح إلى معرفة صحيحة بفضل الله ورحمته، ويحتفظ الإنسان برجائه وانفتاحه على الخير، دون أن ينكر المصائب أو يتجاهل آلام الآخرين ، وهذا الفرح ليس حالة من السرور الدائم، وإنما هو موقف وجداني ومعرفي يمكن أن يجتمع مع الحزن الطبيعي والرسالي والأخلاقي.
وينتج من ذلك أن منظومة الجهل لا تبدأ من الشعور بالألم، وإنما قد تبدأ من سوء تفسير الألم، ومنظومة العقل لا تعني غياب الألم، وإنما تعني بقاء المعرفة والرجاء في حضوره.
وهذه النتيجة تكشف أن الجهل قد لا يكون فكرة خاطئة في الذهن فحسب، بل قد يظهر في الطريقة التي يفسر بها الإنسان مشاعره وتجربته مع الحياة.
محمود نعمة الجياشي
يتبع ... الجندي السادس والسبعون
وذلك أن القرآن لا يطلب من الإنسان أن يفقد مشاعره الإنسانية، وإنما يوجهه إلى بناء موقف متوازن تجاه ما يفوته وما يحصل عليه ، فلا تتحول الخسارة إلى انهيار في رؤيته، ولا تتحول النعمة إلى اختيال وفخر ، وهنا تظهر أهمية المعرفة في ضبط الحزن والفرح معاً.
فحين تتسع معرفة الإنسان بالله وبالتقدير الإلهي، لا يعني ذلك أن ألمه يزول بالضرورة، وإنما يصبح قادراً على فهم المصيبة ضمن أفق أوسع من الواقعة المباشرة.
بعبارة أخرى : إن المعرفة الإيمانية لا تلغي الحزن والفرح، وإنما تصحح الميزان الذي يحكمهما ، وهذه من أهم النتائج في مشروع علم الجهل؛ لأنها تكشف أن المشاعر قد تتأثر بالطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم والأحداث.
▪️الفرح بفضل الله ورحمته
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
تؤسس هذه الآية لمفهوم معرفي عميق للفرح ، فالفرح هنا ليس متعلقاً بمجرد امتلاك الأشياء، وإنما بمعرفة فضل الله ورحمته ، وهذا يكشف أن الفرح يمكن أن يكون ثمرة المعرفة الصحيحة، كما يمكن أن يكون الحزن ثمرة معرفة صحيحة في موارد أخرى ، أي أن المعيار ليس طبيعة الشعور وحدها، وإنما مصدره ومضمونه وآثاره.
واستناداً لذلك يمكن القول : أن الفرح العقلي هو الفرح الذي يستند إلى معرفة صحيحة بقيمة الخير ومصدره، ويحفظ للإنسان رجاءه وانفتاحه على رحمة الله.
رابعاً: الحزن واختزال الواقع في المصيبة
هذه من أهم القضايا المعرفية في هذا الجندي ، فعندما تقع المصيبة، فإنها تمثل جزءاً من الواقع، لكنها ليست الواقع كله ، وقد يقع الإنسان تحت تأثير الحزن فيمنح المصيبة حجماً يتجاوز موقعها الحقيقي، حتى تصبح المعيار الوحيد الذي يقرأ من خلاله حياته.
كأن يفقد شيئاً عزيزاً، فيتصور أنه فقد كل شيء ! ويفشل في طريق، فيظن أن جميع الطرق قد أغلقت ! وتقع عليه مصيبة، فيقرأ حياته كلها من خلالها !
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
حقيقة الألم: وهي أمر واقعي لا يصح إنكاره أو التقليل منه.
والحكم الكلي المستنتج من الألم: وهو الذي قد يكون صحيحاً أو خاطئاً.
وكنتيجة لهذه المعطيات يمكن أن نؤسس مفهوماً معرفياً بعنوان: التعميم الوجداني ؛ أي انتقال الإنسان من شعور حقيقي تجاه واقعة محددة إلى حكم شامل على الواقع كله ، وهذا التعميم قد يكون من الآليات التي يتحول بها الحزن إلى حجاب معرفي.
لكن ينبغي الالتفات إلى أن صدور مثل هذه العبارات في لحظات الألم الشديد لا يكفي وحده للحكم على الإنسان بالجهل؛ فقد تكون تعبيراً انفعالياً عن شدة المعاناة، لا اعتقاداً مستقراً.
ويمكن القول : أن الحزن المقترن بالجهل لا يكذب في وجود الألم، وإنما يخطئ في تقدير موقع الألم داخل الصورة الكاملة للوجود ، أي أن المشكلة ليست في رؤية المصيبة، وإنما في عدم رؤية ما وراءها أو ما بقي خارج دائرتها.
خامساً: علاقة الحزن ببقية جنود الجهل
يرتبط الحزن بعدد من جنود الجهل، لكنه لا يتطابق معها.
1. الحزن واليأس
الحزن يغلب عليه التألم لفقد محبوب أو وقوع مكروه، أما اليأس فيتعلق بانقطاع الرجاء في حصول الخير أو زوال المكروه.
وقد ينتقل الإنسان من الحزن إلى اليأس عندما يجعل المصيبة دليلاً على انسداد المستقبل ، لكن هذا الانتقال ليس حتمياً ، فقصة يعقوب عليه السلام تقدم نموذجاً لاجتماع الحزن الشديد مع بقاء الرجاء.
فالحزن لا يستلزم اليأس، كما أن الألم لا يستلزم تعطّل الإرادة.
2. الحزن والقنوط
القنوط قريب من اليأس، لكنه يتصل في الاستعمال الديني بانقطاع الرجاء من الرحمة والفرج ، وقد يقترن الحزن بالقنوط عندما تتحول المصيبة إلى سبب لسوء الظن برحمة الله.
لكن الحزن في ذاته لا يدل على القنوط؛ لأن الإنسان قد يحزن مع استمرار ثقته بالله.
3. الحزن والجزع
الجزع يتعلق بضعف احتمال المكروه وما قد يصاحبه من اضطراب في الموقف والسلوك ، وقد يجتمع الحزن مع الجزع، لكنه لا يستلزمه.
فقد يكون الإنسان حزيناً حزناً شديداً، لكنه صابر، محتفظاً بقدرته على ضبط سلوكه ، ومن هنا فإن الصبر لا يعني غياب الحزن، وإنما يتعلق بكيفية التعامل معه.
4. الحزن والغفلة
قد تسهم الغفلة عن النعم الباقية أو عن إمكان الرحمة والفرج في تضييق رؤية الإنسان، فتزداد هيمنة المصيبة على وعيه ، لكن لا ينبغي تفسير كل حزن بالغفلة؛ لأن الحزن قد يكون حاضراً مع تمام الالتفات والمعرفة.
5. الحزن والشقاء
قد يتحول الحزن، إذا اقترن باليأس والتصورات الخاطئة واستمر في التأثير في حياة الإنسان، إلى أحد العوامل التي تزيد معاناته ، لكن الشقاء في منظومة الجهل أوسع من الحزن النفسي؛ لأنه يتعلق بالمآل الوجودي والأخلاقي للإنسان، ولا يصح مساواته بالألم الوجداني.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين المعاناة النفسية وبين الشقاء بمعناه المعرفي والوجودي.
سادساً: النتيجة المعرفية
فقد يحزن المؤمن لفقد عزيز، لكنه يظل مستحضراً رحمة الله ، وقد يتألم لما يقع من ظلم، لكنه لا يفقد إيمانه بإمكان العدل والإصلاح.
في ضوء هذه الحقيقة يمكن القول : أن الفرح العقلي ليس إنكاراً للألم، بل بقاء الانفتاح على الخير والرحمة رغم وجود الألم ، وبذلك تصبح المقابلة بين الفرح والحزن، في قراءتنا المعرفية، مقابلة بين سعة الرؤية التي تستحضر فضل الله ورحمته، وبين ضيق الرؤية الذي قد يجعل المصيبة تحجب سائر وجوه الخير.
ثالثاً: الشواهد القرآنية
▪️حزن يعقوب عليه السلام: اجتماع الألم والمعرفة
قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
لا شك أن هذه الآية من أهم الشواهد على أن الحزن ليس مذموماً بذاته؛ لأن القرآن يثبت الحزن الشديد لنبي من أنبياء الله.
لكن الأهم من ذلك هو ما جاء على لسان يعقوب عليه السلام: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86].
وهذه الآية تجمع بين ثلاث حقائق:
الاعتراف بالحزن، والتوجه إلى الله بالشكوى، واستمرار المعرفة والرجاء.
فيعقوب عليه السلام لم ينكر حزنه، ولم يتظاهر بأنه لا يتألم، لكنه لم يجعل الألم سبباً لانقطاع علاقته بالله أو فقدان ثقته به ، بل قال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهنا تظهر مفارقة معرفية عميقة ، وهي أن الحزن قد يبلغ درجة شديدة، ومع ذلك يبقى القلب ممتلئاً بالمعرفة والرجاء ، ويؤكد القرآن هذه الحقيقة عندما يقول يعقوب عليه السلام لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
أي أن الحزن لم يمنعه من المبادرة إلى البحث، ولم يتحول إلى يأس من رحمة الله.
ومن هنا نستطيع القول : أن معيار الحزن الجاهل ليس هو مقدار الألم، وإنما ما إذا اقترن الألم بتصورات باطلة أو أحكام معرفية مختلّة.
▪️الحزن الرسالي: الألم الناشئ من معرفة قيمة الهداية
قال تعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وآله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6].
وهذه الآية تفتح أمامنا مفهوماً مهماً يمكن تسميته «الحزن الرسالي».
وهذا الحزن الرسالي لا ينشأ من فقد منفعة شخصية، وإنما من إدراك قيمة الهداية، والتألم لما يصيب الناس من ضلال وحرمان.
فكلما ازدادت معرفة الإنسان بقيمة الحق والهداية، ازداد إدراكه لحجم الخسارة التي تقع على من يعرض عنهما.
ومن هنا قد يكون الحزن ثمرة المعرفة، لا الجهل ، ويمكن تعريف الحزن الرسالي في سياق علم الجهل بأنه: ألم وجداني ينشأ من إدراك قيمة الهداية والخير، والتألم لحرمان الآخرين منهما.
لكن القرآن يوجه هذا الحزن حتى لا يبلغ بالإنسان مبلغ الاستنزاف الشديد، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8].
وفي هذه النقطة يظهر التوازن القرآني؛ فالمطلوب ليس إلغاء الاهتمام بهداية الناس، وإنما منع الحسرة من أن تستولي على النفس إلى حد الإضرار بها.
ومن هنا يمكن التمييز بين مشروعية منشأ الحزن وبين الحاجة إلى ضبط آثاره.
▪️الحزن الأخلاقي: الألم الذي يوقظ الضمير
قد يكون الحزن ناشئاً من إدراك الإنسان لتقصيره أو خطئه أو تفريطه في حق من الحقوق ، وهذا الحزن قد يتحول إلى قوة أخلاقية تدفعه إلى المراجعة والتوبة والإصلاح.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118].
حيث تصور هذه الآية حالة من الضيق النفسي الشديد، لكنها ترتبط بالمراجعة والعودة إلى الله ، وهذا يكشف أن الألم الوجداني قد يكون طريقاً إلى تصحيح المعرفة والموقف والسلوك ، فقد يحزن الإنسان لأنه أدرك خطأه، ويكون هذا الحزن مقدمة للإصلاح.
وعليه فليس كل حزن يضعف الإنسان؛ فبعض الحزن يوقظ ضميره ويعيده إلى الحقيقة.
بل إن غياب الحزن في بعض المواطن قد يكشف عن ضعف الإحساس الأخلاقي، كما لو كان الإنسان لا يتألم للظلم أو لانتهاك الحقوق.
▪️الحزن والفرح في ميزان المعرفة الإلهية
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].
ثم قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23].
وهاتان الآيتان من أهم الشواهد في بحثنا؛ لأنهما تربطان الموقف الوجداني بمعرفة سابقة تتعلق بالتقدير الإلهي.
🟥منظومة الجهل
☑ الجندي الخامس والسبعون : الحُزْن
ويقابله من جنود العقل: الفَرَح
تُعدّ المقابلة بين الفرح والحزن من أدق المقابلات في حديث جنود العقل والجهل؛ لأنها تتعلق بعالم المشاعر والانفعالات الإنسانية، وهو عالم لا يمكن إخضاعه لأحكام المدح والذم على نحو مطلق.
فالحزن ليس مذموماً بذاته، كما أن الفرح ليس محموداً بذاته؛ إذ يثبت القرآن الحزن للأنبياء والأولياء، ويذم بعض صور الفرح عندما تقترن بالبطر والغرور والاستعلاء.
ومن هنا لا يصح أن نفهم هذه المقابلة على أنها تقابل بين الشعور بالسعادة والشعور بالألم، وإنما ينبغي البحث عن الأساس المعرفي الذي يجعل بعض صور الحزن منسجمة مع العقل والإيمان، وبعضها الآخر مرتبطة بمنظومة الجهل ، وذلك أن الإنسان قد يحزن لأنه يحب، أو لأنه يرحم، أو لأنه يدرك قيمة ما فقده، وقد يكون حزنه دليلاً على حياة قلبه وعمق معرفته ،لكنه قد يقع أيضاً في حالة من الحزن تقترن بتصورات خاطئة، فتجعله يختزل الحياة كلها في مصيبته، أو يرى أن الخير قد انقطع، أو أن المستقبل لم يعد يحمل أي إمكانية للرحمة والأمل.
وحينئذ لا تكون المشكلة في أصل الشعور بالحزن، وإنما في الأحكام والتصورات التي قد تتولد حوله.
وبناء على ذلك يكون مفتاح البحث في هذا الجندي هو التمييز بين الحزن الإنساني الواعي، والحزن الذي يتحول إلى حجاب معرفي يحول بين الإنسان وبين رؤية الواقع على نحو متوازن.
أولاً: الدلالة المعرفية
الحزن في اللغة هو التألم النفسي والوجداني بسبب فقد محبوب أو وقوع مكروه، وهو يقابل الفرح والسرور في الاستعمال العام.
والحزن من المشاعر الإنسانية الطبيعية التي تنشأ من علاقة الإنسان بالأشياء والأشخاص والقيم التي يحبها ويهتم بها ، فمن يحب إنساناً قد يحزن لفراقه، ومن يدرك قيمة الحق قد يحزن لضياعه، ومن يحمل همّ الهداية قد يتألم لانحراف الناس عنها.
وبالتالي فإن الحزن ليس علامة على الجهل بذاته؛ لأنه قد يكون ثمرة المعرفة بقيمة الشيء المفقود ، لكن الحزن قد يقترن بخلل معرفي عندما تتحول المصيبة من واقعة محددة إلى أساس لحكم شامل على الحياة والوجود.
وفي هذا المجال ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
الأول: الحزن الطبيعي
وهو الألم الوجداني الذي ينشأ من فقد محبوب أو وقوع مكروه، دون أن يستلزم تصوراً خاطئاً عن الله أو الحياة أو المستقبل ، وهذا الحزن لا يدخل بذاته في دائرة الجهل، مهما كان مؤلماً، وقد يستمر زمناً طويلاً بحسب طبيعة الفقد وظروف الإنسان.
الثاني: الحزن المعرفي والأخلاقي
وهو الحزن الذي ينشأ من إدراك قيمة الحق أو الخير أو الهداية، والتألم لما يصيبها من ضياع أو انتهاك ، وهذا الحزن قد يكون علامة على حياة القلب، وقد يدفع الإنسان إلى المراجعة والإصلاح.
الثالث: الحزن المقترن باختلال معرفي
وهو الحزن الذي تصاحبه أحكام خاطئة عن الواقع، كأن يجعل الإنسان مصيبة واحدة دليلاً على انعدام كل خير، أو يرى أن ما فقده يلغي قيمة ما بقي له ، وهنا لا يكون الجهل في الألم نفسه، وإنما في القراءة المعرفية التي قد تصاحبه.
وعليه يمكن تعريف الحزن الذي ندرسه في منظومة الجهل بأنه:
حالة وجدانية تنشأ من الفقد أو المكروه، ثم تقترن بتصورات مختلّة تحجب عن الإنسان بعض حقائق الوجود، وتجعله يختزل الواقع في المصيبة، أو يغفل عن إمكان الخير والرحمة والرجاء.
وهذا التعريف لا يعني أن كل حزن شديد أو طويل الأمد جهل، وإنما يحدد الصورة التي يصبح فيها الحزن مرتبطاً بخلل في المعرفة أو الحكم.
وهذا يعني أن الحزن ليس جهلاً لأنه ألم، وإنما قد يصبح من جنود الجهل عندما يتحول الألم إلى معيار خاطئ للحكم على الوجود.
ثانياً: لماذا وقع الفرح في مقابل الحزن؟
تساعدنا هذه المقابلة على تحديد المعنى المقصود من الطرفين ، فلو أخذنا الفرح والحزن بمعناهما النفسي المجرد، لوقعنا في إشكال؛ لأن القرآن يمدح بعض صور الفرح ويذم بعضها، كما يثبت الحزن المشروع ولا يذمه بإطلاق.
قال تعالى في قصة قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76].
والمراد بالفرح المذموم في سياق الآية ليس مطلق السرور، وإنما الفرح الذي يقترن بالبطر والاغترار بما يملكه الإنسان.
وفي المقابل قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
وهذه الآية مهمة جداً في تحديد الفرح الذي ينسجم مع العقل؛ لأنه فرح ناشئ عن معرفة فضل الله ورحمته.
فالفرح هنا ليس مجرد انفعال عابر بسبب امتلاك شيء من متاع الدنيا، وإنما هو موقف وجداني يستند إلى معرفة صحيحة بمصدر الخير وقيمته.
ومن هنا يمكن أن نفهم الفرح الذي يقابل الحزن في منظومة العقل بأنه انفتاحٌ وجدانيٌ على فضل الله ورحمته، واستمرار للرجاء والثقة بالله، دون إنكار ما في الحياة من ألم ومصائب ، وهذا الفرح لا يتعارض مع الحزن الطبيعي، بل قد يجتمعان في قلب الإنسان.
الكسل والتسويف التسويف هو تأجيل العمل إلى وقت لاحق ، وقد يكون الكسل أحد دوافع التسويف؛ لأن الإنسان يتجنب الجهد الحاضر ويؤجل العمل إلى المستقبل. لكن التسويف قد ينشأ أيضاً من الخوف من الفشل أو التردد أو سوء التنظيم، فلا يصح اختزاله في الكسل.
الكسل والغفلة الغفلة تضعف حضور الغاية والقيمة في الوعي ، وقد يؤدي ضعف هذا الحضور إلى تراجع الدافعية نحو العمل. فإذا غفل الإنسان عن أهمية ما ينبغي فعله، فقد يصبح أكثر عرضة للتثاقل عنه.
الكسل والإضاعة قد يؤدي استمرار الكسل إلى ضياع الفرص والواجبات، ولا سيما عندما تتكرر حالات التثاقل والتأجيل. ومن هنا يمكن أن يكون الكسل أحد المداخل إلى الإضاعة.
الكسل والراحة وهنا ينبغي التمييز بين الكسل والراحة؛ لأن الراحة ليست من جنود الجهل، بل قد تكون ضرورة لحفظ قدرة الإنسان على العمل. فالراحة تعيد إلى الإنسان نشاطه، بينما الكسل قد يعطّل استعمال القدرة المتاحة ، والراحة تحفظ القدرة على العمل، أما الكسل فقد يمنع استعمالها. وهذا التمييز مهم حتى لا يتحول ذم الكسل إلى دعوة لاستنزاف الإنسان أو إهمال حاجاته البدنية والنفسية.
سادساً: النتيجة المعرفية
يمكن أن نخرج من هذا البحث بتعريف جامع للكسل في مشروع علم الجهل: الكسل حالة من ضعف الدافعية والاستجابة العملية، تجعل الإنسان يتثاقل عن القيام بما يدرك أهميته أو وجوبه، مع امتلاكه القدرة المناسبة على فعله، فتضعف فاعلية المعرفة في توجيه الإرادة والسلوك. وهنا تظهر خصوصية الكسل بين جنود الجهل ، فالجهل قد يمنع الإنسان من معرفة الطريق، والغرور قد يجعله يظن أنه يسير في الطريق الصحيح، والتهاون قد يجعله لا يمنح الطريق أهميته، أما الكسل فقد يجعله يعرف الطريق ويقدّر أهميته، لكنه لا ينهض للسير فيه ، وهذا يكشف عن مستوى مهم من مستويات مشروع علم الجهل، وهو دراسة العوائق التي تمنع المعرفة من التحول إلى فعل. وفي المقابل، يمثل النشاط استعداداً للمبادرة والعمل، بحيث تتحول المعرفة الصحيحة إلى حركة واعية نحو الغاية المناسبة.
سابعاً: منظومة الكسل ومنظومة النشاط في القرآن
يمكن أن نلاحظ أن القرآن الكريم يقدم صورتين متقابلتين من علاقة الإنسان بالعمل. الصورة الأولى تتمثل في التثاقل والفتور وضعف الإقبال، كما في وصف المنافقين عند الصلاة، وفي التثاقل عن النفير. والصورة الثانية تتمثل في المسارعة إلى الخيرات، والاستباق إليها، والسعي والعمل. ومن مجموع هذه الآيات يمكن أن نقرأ منظومتين متقابلتين:
منظومة الكسل تظهر في ضعف الدافعية نحو العمل، والتثاقل عن المسؤولية، وتقديم الراحة أو المصلحة العاجلة على الواجب، وقد تنتهي إلى التأجيل والإضاعة. ولا يعني ذلك أن كل صور الكسل ترجع إلى سبب واحد، وإنما تتعدد جذورها النفسية والمعرفية والسلوكية.
منظومة النشاط تظهر في وضوح الغاية، وحضور قيمة العمل، والاستعداد للمبادرة، وبذل الجهد المناسب، والمثابرة على إنجاز ما ينبغي إنجازه ، وهذه المنظومة لا تقوم على كثرة الحركة وحدها، بل على حسن توجيه الطاقة الإنسانية. وفي ضوء ذلك يمكن أن نستفيد أن النشاط العقلي والأخلاقي يحتاج إلى تكامل ثلاثة عناصر: البصيرة: لمعرفة ما ينبغي فعله. الإرادة: لاختيار الفعل والالتزام به. المبادرة: لتحويل الاختيار إلى عمل. وإذا ضعفت الإرادة أو المبادرة، فقد تبقى المعرفة حاضرة في الذهن دون أن تظهر آثارها في الواقع. وحينئذ تتضح دقة المقابلة بين النشاط والكسل؛ لأن النشاط يساعد على إتمام حركة المعرفة نحو العمل، بينما قد يعطل الكسل هذه الحركة. وهذا يعني أن منظومة النشاط هي منظومة تحويل المعرفة إلى إنجاز، ومنظومة الكسل هي إحدى صور تعطيل هذا التحول.
محمود نعمة الجياشي يتبع … الجندي الخامس والسبعون
وعليه يمكن القول: أن النشاط العقلي والأخلاقي هو المبادرة الواعية إلى الخير، لا مجرد الإسراع في أي فعل.
▪️الكسل والتثاقل عن المسؤولية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]. وهذه الآية مهمة جداً من الناحية المعرفية؛ لأنها تكشف عن صلة التثاقل باختلال ميزان الأولويات ، فالتثاقل هنا لا يُعرض على أنه مجرد ضعف في الحركة، وإنما يرتبط بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، وهذا يسمح لنا بالانتقال من ظاهر الكسل إلى جذوره المعرفية. فقد يكون الإنسان قادراً على العمل، لكنه يتثاقل عنه لأن الراحة أو المصلحة القريبة أصبحت أكثر حضوراً في وعيه من الغاية التي ينبغي أن يسعى إليها ، وبالتالي يظهر أن الكسل قد يرتبط باضطراب ترتيب القيم، بحيث تتقدم المصلحة العاجلة على الواجب الأهم.
▪️السعي والعمل مظهران من فاعلية الإنسان قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ .. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: 39–40]. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. تؤكد هذه الآيات أهمية السعي والعمل في حياة الإنسان ومسؤوليته. وفي ضوء موضوعنا يمكن أن نستفيد أن المعرفة الدينية ليست منفصلة عن العمل، وأن الإنسان مسؤول عن تحويل ما يعتقده من قيم وواجبات إلى سلوك. فالكسل، عندما يمنع الإنسان من القيام بما ينبغي عليه، قد يعطل ظهور آثار المعرفة في حياته ، وهذا يؤكد لنا أن قيمة المعرفة العملية لا تظهر في مجرد امتلاكها، وإنما تظهر أيضاً في قدرتها على توجيه السعي والعمل.
رابعاً: الكسل وتعطيل فاعلية المعرفة
يمكن أن نؤسس في هذا القسم مفهوماً مهماً في مشروع علم الجهل، وهو : «المعرفة المعطَّلة». والمقصود بها المعرفة التي يمتلكها الإنسان، لكنها لا تؤدي دورها المتوقع في توجيه سلوكه، بسبب ضعف الدافعية أو الإرادة أو غير ذلك من الموانع ، فالإنسان قد يعرف الطريق الصحيح، لكنه لا يسلكه ، وقد يدرك قيمة العلم، لكنه لا يطلبه ، وقد يعلم أهمية الوقت، لكنه لا يستثمره ، وقد يعرف مسؤولياته، لكنه لا يبادر إلى أدائها. وعندئذ تظهر لنا هذه المفارقة المعرفية: وهي أن الإنسان قد يكون عالماً بما ينبغي فعله، لكنه جاهل عملياً بكيفية تحويل علمه إلى حياة. غير أن هذا التعبير لا يعني أن كل ضعف في العمل يمثل جهلاً حقيقياً؛ وإنما المقصود أن مشروع علم الجهل يدرس أيضاً الموانع التي تحول دون فاعلية المعرفة. ومن خلال ذلك يمكن تحليل الكسل كحالة من الانفصال النسبي بين الإدراك والفعل.
وفي هذا المجال أيضاً يمكن أن نلاحظ أن المعرفة تمر بمرحلتين: مرحلة الانكشاف، حيث يدرك الإنسان الحقيقة ، ومرحلة التأثير، حيث تتحول الحقيقة المدركة إلى دافع وموقف وعمل. وقد تتحقق المرحلة الأولى دون الثانية. فالإنسان قد يدرك أن أمراً ما نافع أو واجب، لكنه لا يتحرك نحوه ، وبذلك يكون الكسل من العوامل التي تعطل المرحلة الثانية. وعليه فالكسل لا يمحو المعرفة من الذهن بالضرورة، ولكنه قد يمنعها من الانتقال إلى الواقع ، وهذا يفسر لماذا كان النشاط من جنود العقل؛ لأن العقل لا يكتمل أثره في الحياة بمجرد الإدراك، بل يحتاج إلى الإرادة والمبادرة والعمل.
ومن الآثار التي قد تترتب على الكسل أن الإنسان يعتاد تأجيل الأعمال أو تركها، حتى تصبح قلة الإنجاز نمطاً مستقراً في حياته ، وقد يؤدي هذا الاعتياد إلى ضعف ثقته بقدرته على التغيير، فيزداد تردده وتراجعه عن المبادرة. وفي المقابل، قد تسهم المبادرة إلى الأعمال الممكنة وإنجازها في تعزيز الدافعية وتقوية الاستعداد للعمل. وبذلك تظهر أهمية النشاط كقوة عملية تساعد الإنسان على تجاوز حالة الجمود.
خامساً: علاقة الكسل ببقية جنود منظومة الجهل
يرتبط الكسل بعدد من جنود الجهل، لكنه لا يتطابق معها.
الكسل والتهاون التهاون هو عدم إعطاء الأمر ما يستحقه من اهتمام وجدية. أما الكسل فهو التثاقل عن بذل الجهد المطلوب لإنجازه. وقد يتهاون الإنسان بعمل لأنه لا يقدّر أهميته، بينما قد يكسل عنه مع اعترافه الكامل بتلك الأهمية. ومن هنا يمكن القول: التهاون خلل في الاعتداد بقيمة العمل، والكسل خلل في الاستجابة العملية له. وقد يجتمعان عندما يؤدي ضعف تقدير القيمة إلى ضعف الدافعية.
الكسل والتواني التواني هو التباطؤ والتراخي في مباشرة العمل أو إنجازه. أما الكسل فهو حالة من ضعف النشاط والدافعية قد تؤدي إلى هذا التباطؤ. فالتواني يصف غالباً كيفية التقدم في العمل أو التأخر عنه، بينما يركز الكسل على حالة التثاقل التي قد تقف وراء ذلك. ومن هنا يمكن أن يكون الكسل سبباً للتواني، دون أن يكون كل توانٍ ناشئاً من الكسل.
تكشف هذه المقابلة عن أن النشاط ليس مجرد الحركة، وإنما هو قوة الاستجابة العملية لما يدرك الإنسان أهميته ، فقد يكون الإنسان كثير الحركة، لكنه يتحرك في أمور لا قيمة لها، أو يستهلك طاقته في أعمال لا تحقق غاية نافعة ، وهذا لا يجعله بالضرورة من أهل النشاط الذي يُعدّ جندياً للعقل. فالنشاط في هذه المقابلة ينبغي أن يُفهم بعنوانه استعداداً للمبادرة إلى العمل النافع والمناسب، وبذل الجهد المطلوب لإنجازه. أما الكسل فهو ضعف هذا الاستعداد أو التثاقل عن مقتضاه ، ومن هنا يمكن أن نميز بين الحركة والنشاط: الحركة وصف خارجي يتعلق بالفعل ، أما النشاط فهو حالة نفسية وإرادية تدفع الإنسان إلى الفعل وتعينه على إنجازه. وقد يتحرك الإنسان كثيراً دون أن يكون نشاطه رشيداً، كما قد يكون قليل الحركة البدنية لكنه شديد النشاط الفكري والعلمي. فالعالم الذي يقضي ساعات طويلة في البحث والتأمل قد يكون من أكثر الناس نشاطاً، وإن لم يكن كثير الحركة البدنية. وعليه يمكن القول : أن النشاط ليس كثرة الحركة، بل حسن توجيه القدرة نحو العمل المناسب، والكسل ليس قلة الحركة، بل التثاقل عن العمل الذي ينبغي القيام به. وبذلك تظهر أهمية العقل في تنظيم النشاط؛ لأن العقل لا يدعو إلى الحركة لمجرد الحركة، وإنما يحدد الغاية الصحيحة، ثم يوجّه الإرادة نحو تحقيقها ، فالعقل يحتاج إلى النشاط لكي تتحول معارفه إلى أفعال، كما يحتاج النشاط إلى العقل لكي لا يتحول إلى اندفاع بلا بصيرة.
بعبارة أخرى : العقل يحدد ما ينبغي فعله، والنشاط يعين على المبادرة إليه، أما الكسل فقد يعطل الانتقال من المعرفة إلى الإنجاز.
ثالثاً: الشواهد القرآنية
▪️الكسل في أداء الصلاة قال تعالى :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. وهذه من أهم الآيات في بحث الكسل؛ لأنها استعملت لفظ الكسل صراحة، وربطته بالصلاة. واللافت أن القرآن هنا لم يصف هؤلاء بأنهم لا يصلّون مطلقاً، وإنما قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ﴾. فالفعل قد يقع، ولكن بطريقة تكشف عن ضعف الإقبال الداخلي عليه. وحينئذ تظهر لنا حقيقة معرفية مهمة: وهي أن الفعل قد يتحقق في الظاهر، بينما تكون الدافعية الداخلية إليه ضعيفة أو منحرفة. ويكشف سياق الآية عن اقتران هذا الكسل بالرياء وقلة ذكر الله، وهو ما يدل على أن المشكلة في هذا المورد ليست مجرد ضعف بدني، بل ترتبط بحقيقة الموقف النفسي والإيماني من العبادة. فالإنسان الذي يرى الصلاة لقاءً بربه وتعبيراً عن عبوديته يختلف في دوافعه عمن يؤديها لمجرد المحافظة على صورته أمام الناس. ومن ذلك أيضاً يمكن أن نستفيد أن ضعف حضور الغاية الحقيقية للعمل قد يؤدي إلى التثاقل عنه. لكن ينبغي الالتفات إلى أن الآية تصف حال المنافقين، ولا يصح تعميم وصف النفاق على كل من يشعر بالكسل في الصلاة؛ لأن التثاقل قد ينشأ من أسباب متعددة.
▪️الكسل وعلاقته بضعف الدافعية الإيمانية قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]. تجمع هذه الآية بين حالتين: الكسل في الصلاة، والكراهة في الإنفاق. وهذا الجمع مهم؛ لأنه يكشف عن العلاقة بين الفعل وبين الموقف النفسي منه ، فقد يؤدي الإنسان عملاً، لكنه يؤديه دون إقبال داخلي، أو مع شعور بالكراهة والتثاقل ، واستناداً لذلك نستطيع التمييز بين ثلاثة مستويات: أداء العمل في الظاهر ، والدافع الذي يحرك الإنسان نحوه ، والقيمة التي يمنحها الإنسان لذلك العمل في وعيه. وقد يختل المستوى الثاني أو الثالث مع بقاء الفعل الخارجي ، وهذا يوضح أن النشاط الذي يقابل الكسل لا يقتصر على إنجاز العمل، بل يتصل أيضاً بالاستعداد النفسي والإرادي للقيام به.
▪️النشاط والمسارعة إلى الخير قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]. وقال تعالى : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]. وهذه الآيات لا تستعمل لفظ النشاط صراحة، لكنها تكشف عن بعض مظاهره العملية، وهي المبادرة والمسارعة إلى الخير ، فالمعرفة بالخير لا ينبغي أن تبقى مجرد تصور ذهني، وإنما يفترض أن تتحول إلى دافع نحو العمل ، وبالتالي فإن المسارعة إلى الخيرات تمثل صورة من صور فاعلية المعرفة في السلوك. واللافت في آية الأنبياء أنها تجمع بين المسارعة إلى الخيرات والدعاء والخشوع؛ مما يسمح بفهم النشاط الصالح كحركة مرتبطة بالعبودية، لا مجرد اندفاع نفسي أو حركي.
🟥 منظومة الجهل ✅ الجندي الرابع والسبعون : الكَسَل
ويقابله من جنود العقل: النشاط . تُعدّ المقابلة بين النشاط والكسل من المقابلات المهمة في حديث جنود العقل والجهل؛ لأنها تكشف عن جانب من جوانب العلاقة بين المعرفة والإرادة والعمل. فقد يمتلك الإنسان المعرفة الصحيحة، ويدرك ما ينبغي عليه فعله، ولكنه لا يتحرك نحو مقتضى تلك المعرفة، مع امتلاكه القدرة والفرصة المناسبة للعمل. وفي ضوء ذلك يظهر سؤال مهم في مشروع «علم الجهل» ، وهو : هل يكفي أن يعرف الإنسان الحقيقة، أم أن المعرفة تحتاج إلى قوة داخلية تحوّلها إلى فعل؟ إن الكسل، في أحد أبرز مظاهره، يكشف عن وجود فجوة بين المعرفة والعمل؛ فقد يعلم الإنسان قيمة العلم، لكنه لا يسعى إلى تحصيله، ويعرف أهمية العبادة، لكنه يتثاقل عنها، ويدرك مسؤولياته، لكنه لا ينهض لأدائها. ومن هنا لا ينبغي اختزال الكسل في قلة الحركة البدنية أو الميل الطبيعي إلى الراحة، وإنما ينبغي دراسته كحالة من ضعف الاستجابة العملية لما يدرك الإنسان أهميته، مع قدرته على الاستجابة. وفي المقابل، لا يكون النشاط مجرد كثرة الحركة، بل يمثل استعداداً نفسياً وإرادياً للمبادرة إلى العمل المناسب في وقته، وتحويل المعرفة إلى سلوك منتج. وهذه الثنائية تفتح أمامنا باباً مهماً في مشروع علم الجهل، وهو البحث في آليات تعطيل المعرفة عن إنتاج آثارها العملية.
أولاً: الدلالة المعرفية
الكسل في اللغة هو التثاقل عن الشيء والفتور عنه، مع القدرة عليه في الجملة، ويقابله النشاط الذي يدل على الخفة والإقبال والاستعداد للعمل. ولا ينبغي الخلط بين الكسل وبين التعب الطبيعي أو المرض أو الحاجة إلى الراحة؛ لأن الإنسان قد يعجز عن العمل بسبب مرض أو إرهاق أو ظروف خارجة عن إرادته، دون أن يكون كسولاً. فالكسل المذموم يتعلق بالتثاقل عن العمل الذي ينبغي القيام به، عندما تكون القدرة والظروف المناسبة متوفرة بدرجة معتدّ بها. وعليه يمكن تعريف الكسل معرفياً بأنه: حالة من ضعف الدافعية والإرادة العملية، تجعل الإنسان يتثاقل عن تحويل ما يدرك أهميته إلى فعل، مع امتلاكه القدرة المناسبة على القيام به، فتفقد المعرفة جانباً من فاعليتها في توجيه السلوك. وهذا التعريف يكشف عن أن الكسل لا يستلزم الجهل بأصل العمل أو قيمته. فقد يعرف الإنسان أن طلب العلم مهم، لكنه يتكاسل عن القراءة والبحث. وقد يعلم أن الصلاة واجبة، لكنه يتثاقل عن أدائها ، وقد يدرك أن عليه مسؤولية تجاه أسرته أو مجتمعه، لكنه لا يبادر إلى القيام بها. إذن المشكلة ليست دائماً في غياب المعرفة، وإنما في ضعف انتقالها من الإدراك إلى الإرادة والعمل.
▪️الكسل والفجوة بين المعرفة والعمل
في هذا المجال يمكن أن نميز بين ثلاث مراحل في حركة الإنسان نحو الفعل: الأولى: معرفة ما ينبغي فعله. الثانية: تكوّن الدافعية والإرادة للقيام به. الثالثة: المبادرة إلى الفعل وإنجازه. وقد يكون الخلل في المرحلة الأولى، فيجهل الإنسان ما ينبغي فعله. وقد يكون في المرحلة الثانية، فيعرف العمل ولكنه لا يمتلك الدافعية الكافية نحوه. وقد يكون في المرحلة الثالثة، فتوجد الرغبة الأولية، لكنه يعجز عن تنظيم جهده والمبادرة إلى التنفيذ. والكسل يتعلق غالباً بالمستويين الثاني والثالث. ومن هنا يمكن أن نقول: الكسل ليس بالضرورة جهلاً بالعمل، وإنما قد يكون تعطيلًا لفاعلية المعرفة في إنتاج العمل ، وهذه صورة مهمة من صور الجهل العملي في مشروع علم الجهل ؛ لأن الإنسان قد يحمل في ذهنه معرفة صحيحة، لكنها لا تؤدي دورها في حياته. ومع ذلك ينبغي عدم الخلط بين الكسل وبين كل حالة من ضعف الدافعية؛ فقد تنشأ الأخيرة من المرض أو الإرهاق أو الاضطرابات النفسية أو الظروف القهرية، ولا يصح الحكم على صاحبها بالكسل دون تمييز.
▪️الكسل وتراجع قيمة المستقبل أمام راحة الحاضر
يمكن أن نضيف بعداً معرفياً آخر للكسل ، وذلك أن الإنسان الكسول قد لا ينكر قيمة العمل ونتائجه المستقبلية، لكنه يمنح الراحة الآنية وزناً أكبر من الثمرة التي يتوقع الحصول عليها لاحقاً. فالطالب يعرف أن الدراسة اليوم تؤدي إلى النجاح غداً، لكنه قد يفضّل الراحة الحاضرة. والإنسان يعرف أن المواظبة على العمل تحقق له نتائج مهمة، لكنه قد يختار ترك الجهد المطلوب الآن. وفي هذه الحالة تظهر مشكلة في ترتيب المصالح عبر الزمن؛ إذ تتضخم قيمة الراحة القريبة، وتتضاءل قيمة الثمرة البعيدة. وهذا يقودنا إلى أن نؤسس مفهوماً معرفياً بعنوان: هيمنة الحاضر على المستقبل ، بعنوانها إحدى آليات الكسل. أي أن الكسل قد لا ينشأ من الجهل بالنتيجة، وإنما من ضعف حضور تلك النتيجة في القرار الحاضر. وهذا يجعل الكسل قريباً من بعض صور التهاون، لكنه يختلف عنه؛ لأن التهاون يتعلق أساساً بعدم إعطاء الأمر ما يستحقه من جدية، بينما يتعلق الكسل بالتثاقل عن بذل الجهد المطلوب لتحقيقه.
ثانياً: لماذا وقع النشاط في مقابل الكسل؟
وبعيداً عن قلم الكاتب وفكرة الموضوع، فإنّي أرى الحقيقة بعين مختلفة؛ فالشيخ الجياشي له نتاج ثري يُضاف جُله إلى المكتبة القرآنية، إذ كانت بعض آرائه مزيجاً بين الفكر الكلامي والفلسفي وبين منظوره للنص القرآني،كما يُضاف الآخر إلى المكتبة الكلامية والفلسفية بشكل مستقل، وربما سيملأ فراغاً في هذا المجال؛ لأن المؤلفات الكلامية والفلسفية قليلة إلى حد ملحوظ في الحوزة العلمية. ومن هنا كانت أهمية الموضوع؛ فأنا أرغب بتوثيق التراث بأي قلم كان وبأي وجهة نظر. فللأسف الشديد أقول: إن الحضارة العراقية التي مرت بمراحل طويلة من التوثيق المتواصل الذي يمتد إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، قد وصلت إلى نقطة حرجة في العقدين الأخيرين، إذ أصبح المجتمع الثقافي بعيداً عن التوثيق، وصارت الذاكرة التاريخية شاحبة لفقرها المدقع، ومن هنا أرى ضرورة التوثيق لكل شيء، فحتى ما نراه على قدر قليل من الأهمية في ساعتنا هذه، سيكون جزءاً من تاريخ الإنسان وثقافته في يوم ما، وقد يكون دليلاً على حياة المجتمع.
وقد كتب الباحثان سيرة الشيخ الجياشي ومنهجه ومنظوره في هذا الكتاب؛ ليشكل كتابهما صفحة من تراث المدينة في قادم الأيام، وفي النفس رغبة بأن توثق نشاطات بقية الكتاب الذين برزوا على المستوى المحلي الكاتب الأستاذ علي عبد عيدان الخزاعي، أو على مستوى العالم كالأستاذ الدكتور علي القاسمي وغيرهما.
حيدر علي الفتلاوي - الحمزة الشرقي
📚 صدر حديثاً عن دار القارئ في بيروت كتاب ( الشيخ محمود الجياشي ومنهج ترابط المعرفة الدينية ) وهو دراسة علمية قام بها الباحثان الدكتور علي الخفاجي التدريسي في جامعة القادسية ، والاستاذ ياسر هويدي الجبوري .. سلّطا فيها الضوء على بعض جوانب المنجز القرآني للشيخ محمود الجياشي من خلال تتبع المنهج المعرفي الذي استند إليه في بحوثه القرآنية .
☑ من المقدمة التي كتبها الباحثان
.... من الملاحظ في كثير من المناهج الاستنباطية والتفسيرية التقليدية غلبة المنزع الاقتطاعي أو التفكيكي، الذي يقف عند أجرام الأفعال الظاهرية والأطر القانونية الجافة، معزولة عن ملاكاتها التكوينية وغاياتها الأخلاقية والعقائدية. ومن هنا برزت الحاجة المعرفية الملحة إلى إعادة صياغة الرؤية المنهجية للتعاطي مع الشريعة ونصوصها الوحيانية عبر أطاريح تجديدية معاصرة تكسر الجمود وتستكشف خيوط الاتصال السارية بين البنية الفقهية، والملاكات الأخلاقية، والمناشئ التوحيدية للدين.
وفي هذا السياق المعرفي، تأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على نظرية ترابط المعرفة الدينية وأصول المعرفة القرآنية في فكر سماحة الشيخ محمود الجياشي ، بوصفه أحد المشاريع العلمية الراهنة المعنية بتقديم قراءة شمولية تتجاوز الاستنباط الفقهي الجزئي إلى رحاب شبكة وجودية متكاملة تتداخل فيها العقيدة والأخلاق والشريعة.
وتتبلور إشكالية البحث الرئيسة في تشخيص القشور والقصور الناجمين عن التعامل مع النص القرآني وآيات الأحكام بشكل تجزيئي (اقتطاعي) يجرد الحكم الشرعي عن عمقه الروحي والتكويني، مما يطرح التساؤل المحوري عن كيفية صياغة الشيخ محمود الجياشي لمرتكزيّة النظرية الترابطية وآلياتها المنهجية، ومدى انعكاسها على فهم البناء العقائدي (التوحيد الآيتي) وآليات استنباط آيات الأحكام وتفعيل الدور التكاملي للعقل والقلب. ويتفرع عن هذا السؤال البحث عن المناشئ والمصادر المعرفية التي شكلت الركائز الأساسية للنظرية، والأدوات الإجرائية الناقدة لمنهج الاقتطاع والمتتبعة للعلل والملاكات التكوينية، وطبيعة التأصيل لنظام الآيتية الكونية ونفي الاستقلالية عن الممكنات، فضلاً عن تحرير مدى حجية ظواهر القرآن الكريم والدور المنهجي المزدوج لكل من العقل البرهاني والبصيرة القلبية في فهم آيات الأحكام بعيداً عن الاعتبارية الصماء.
وتتجلى أهمية هذه الدراسة من خلال مسارين :
أحدهما : معرفي نظري يكمن في تقديم تأصيل منهجي شامل لمشروع تجديدي معاصر في علوم القرآن والتفسير يربط بين المنظومة الفقهية التشريعية والمنظومة الأخلاقية والعقائدية لتثري المكتبة الأكاديمية بدراسة تجمع بين الأصالة النصية والعمق الفلسفي والشهودي .
وثانيهما : عملي تطبيقي يسهم في معالجة أزمة التدين القشري والقطيعة النفسية بين المكلف والتشريع عبر إبراز المستويات الباطنية والتكوينية للأحكام الشرعية وإعادة الحيوية والفاعلية للامتثال العبادي في حياة الفرد والمجتمع. ولتحقيق هذه الأهداف وتفكيك البنية الفكرية للمشروع، اعتمد الباحث على المنهج الوصفي التحليلي التكاملي، مصحوباً بأدوات التحقيق المفهومي والأصولي؛ عبر استقراء المادة العلمية للنصوص القرآنية والتفسيرية المعتمدة، وتحليل المرتكزات والأدوات الإجرائية وتفكيك مقولاتها، وتطبيق قواعد الاستدلال الأصولي والبرهاني للوقوف على كاشفيةالظواهر ودور الأدوات الإدراكية كالعقل والقلب.
الدكتور علي هادي الخفاجي
الاستاذ ياسر هويدي الجبوري
☑ من المقدمة التي كتبها الباحث حيدر علي الفتلاوي للكتاب ...
لم يكن هذا الكتاب بعيداً عن المسار الذي سلكته كغيري في التوثيق لمدينتنا الطيبة؛ فالشيخ محمودالجياشي يُعد من أبرز طلبة العلوم الإسلامية الذين أنجبتهم هذه المدينة، وهو من أوائل الذين شدوا رحالهم لطلب العلم في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف. وهذا وحده لا يُعد سبباً كافياً للتوثيق له والكتابة عنه، إلا أن آثاره العلمية والثقافية التي تركها في ساحة علم الكلام والفلسفة وعلوم القرآن هي التي قادت القلم الحيادي للتوثيق له، لكونه اليوم من الأسماء اللامعة في الأوساط العلمية.
يتبنى الشيخ محمود الجياشي فكراً تجديدياً في مؤلفاته، فله نظرة فلسفية كلامية اشتهر بها، ومن هنا كان الأجدر بأبناء المدينة أن يوثقوا له ولغيره من أصحاب العطاء العلمي على حدٍ سواء. لكن الكتابة هذه المرة جاءت على يد الأخ الدكتور علي هادي الخفاجي، والأخ الأستاذ ياسر هويدي الجبوري، والأول من الأقلام المعروفة على الصعيدالعلمي؛ فقد قرأت مجموعة من دراساته وبحوثه التي قدمها للمجلات العلمية، مما أضفى على كتاب الجياشي شيئاً يدعو للفخر الذي أشعر به الآن، إذ تولى مهمة الكتابة عنه قلم حيادي لا يتحيز للمكان (مدينة الحمزة الشرقي).
الاستنكاف العبادي: وهو أن يأنف الإنسان من إظهار افتقاره وعبوديته لله.
الاستنكاف الاجتماعي: وهو أن يترفع على الآخرين بسبب اختلال معايير القيمة والكرامة.
الاستنكاف المعرفي: وهو أن يرفض التعلم أو الاعتراف بالحقيقة والخطأ بدافع الأنفة والتعاظم.
والجامع بين هذه الأبعاد هو اختلال معرفة الإنسان بمقامه الحقيقي أو رفض مقتضى هذه المعرفة.
ففي الاستنكاف العبادي يتوهم الإنسان أنه أكبر من إظهار حاجته ، وفي الاستنكاف الاجتماعي يتوهم أنه أعلى من الآخرين بسبب المال أو الجاه أو المكانة ، وفي الاستنكاف المعرفي يتوهم أنه أكبر من الاعتراف بجهله أو خطئه.
إستناداً للمعطيات المتقدمة يمكن أن نصوغ قاعدة جامعة لهذا الجندي :
الاستنكاف جهلٌ بالمقامات الحقيقية؛ إذ يأنف الإنسان من الخضوع لما لا ينتقص منه الخضوع له، بل قد يكون كماله في الاعتراف به ، وفي مقابل ذلك يأتي الدعاء بوصفه تصحيحاً دائماً لمعرفة الإنسان بنفسه وبربه ،فكل دعاء حقيقي يعيد ترتيب المعادلة الوجودية:
أنا الفقير، وهو الغني ، أنا المحتاج، وهو المعطي ، أنا العاجز بذاتي، وهو القادر.
أنا العبد، وهو الرب.
ومن هنا نفهم عمق المقابلة بين الدعاء والاستنكاف ، وذلك أن الدعاء ليس مجرد كلمات يطلب بها الإنسان حاجاته، وإنما هو موقف معرفي وعبادي يعترف فيه بحقيقة افتقاره إلى الله.
أما الاستنكاف فهو موقف يرفض فيه الإنسان إظهار هذا الافتقار، أو يتوهم أنه في غنى عنه.
وبعبارة أخرى : الاستنكاف جهلٌ بحقيقة الافتقار أو أنفةٌ عن الاعتراف بها، والدعاء معرفةٌ بهذا الافتقار واستجابةٌ عملية لمقتضاه.
محمود نعمة الجياشي
يتبع … الجندي الرابع والسبعون ..
واللافت أن القرآن لا يصف طرد أولئك المؤمنين بأنه مجرد خطأ اجتماعي، بل يقول: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وهذا يكشف أن فساد المعيار المعرفي قد يتحول إلى ظلم عندما ينتقل من التصور إلى الممارسة.
▪️الاستنكاف المعرفي ورفض الاعتراف بالحقيقة
يمكن أن نضيف إلى البعدين العبادي والاجتماعي بُعداً ثالثاً، وهو ما نسميه «الاستنكاف المعرفي».
والمقصود به امتناع الإنسان عن التعلم أو الاعتراف بالحقيقة أو مراجعة الخطأ بدافع الأنفة والترفع.
فقد يرفض الإنسان الاعتراف بأنه لا يعلم؛ لأنه يرى في السؤال انتقاصاً من مكانته ، وقد يستنكف عن التعلم ممن هو أصغر منه سناً أو أقل منه موقعاً اجتماعياً ، وقد يرفض مراجعة رأيه، لا لضعف الدليل المخالف، بل لأن الاعتراف بالخطأ يبدو له إهانة لذاته.
وفي هذه الحالة يتحول الاستنكاف إلى عائق أمام تحصيل المعرفة وتصحيحها.
ومن الشواهد القرآنية التي يمكن الاستئناس بها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206].
فالآية تصوّر إنساناً تتحول عنده العزة الموهومة إلى مانع من الاستجابة للتذكير ، وهذا قريب من الاستنكاف المعرفي؛ إذ يصبح الدفاع عن المكانة المتخيلة أهم من قبول الحق.
واستناداً الى ذلك نستطيع تقرير نتيجة مهمة معرفياً :
وهي أن الاستنكاف قد لا يحجب الإنسان عن إظهار عبوديته لله فحسب، بل قد يحجبه عن التعلم والاعتراف بالخطأ وقبول الحقيقة ، وهذه من أخطر آثاره في منظومة الجهل؛ لأنه قد يعطل الوسائل التي تتيح للإنسان الخروج من جهله.
فالجاهل الذي يعترف بجهله يستطيع أن يتعلم، أما الذي يستنكف عن الاعتراف بجهله فقد يجعل من أنفته حاجزاً بينه وبين المعرفة.
ومن هنا يظهر أن الاستنكاف المعرفي لا يكتفي بإبقاء الجهل، بل قد يحميه من المراجعة والتصحيح.
رابعاً: علاقة الاستنكاف ببقية جنود الجهل
يرتبط الاستنكاف بعدد من جنود الجهل ارتباطاً وثيقاً، لكنه يحتفظ بخصوصيته بينها.
1. الاستنكاف والاستكبار
المستكبر يتعاظم ويرى لنفسه مقاماً أعلى، وقد يتحول هذا التعاظم إلى استنكاف عن الخضوع أو قبول الحق.
فالاستكبار قد يكون الجذر النفسي، والاستنكاف أحد مظاهره العملية.
2. الاستنكاف والاغترار
الاغترار يجعل الإنسان يبالغ في تقدير قدرته وإمكاناته، وقد يتوهم أنه قادر على تدبير حياته بصورة مستقلة.
ومن هنا قد يؤدي الاغترار إلى الاستنكاف عن إظهار الافتقار إلى الله.
فالاغترار يصنع صورة وهمية عن الذات، والاستنكاف قد يكون موقفاً عملياً ناشئاً عن تلك الصورة.
3. الاستنكاف والغفلة
الغفلة تضعف استحضار الإنسان لحاجته الدائمة إلى الله، فيرى الأسباب وينسى مسبّب الأسباب.
وقد يتهيأ بذلك لظهور الاستنكاف، إذا اقترن ضعف الاستحضار بالأنفة والترفع.
4. الاستنكاف والطغيان
يربط القرآن الطغيان برؤية الاستغناء:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ .. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7].
وعليه يمكن أن يكون الاستنكاف إحدى الحلقات التي تصل بين توهّم الاستغناء وبين التمرد على مقتضيات العبودية.
5. الاستنكاف واليأس
توجد علاقة دقيقة بين الاستنكاف واليأس، مع اختلاف الجهة بينهما.
فالمستنكف قد يترك الدعاء لأنه يأنف من إظهار الحاجة ، أما اليائس فقد يترك الدعاء لأنه فقد الرجاء في حصول الإجابة أو في جدوى الدعاء.
فالأول قد يعطّل الدعاء من جهة رفض إظهار الافتقار، والثاني قد يعطّله من جهة ضعف الرجاء ، وهذا يكشف عن أن الفعل الخارجي الواحد، وهو ترك الدعاء، قد ينشأ من حالات معرفية ونفسية مختلفة.
ولذلك لا يصح الحكم على باطن الإنسان بمجرد عدم صدور الدعاء منه.
6. الاستنكاف والإصرار
قد يلتقي الاستنكاف مع الإصرار عندما يرفض الإنسان الاعتراف بخطئه أو الرجوع عنه؛ لأنه يرى في التراجع انتقاصاً من مكانته.
وهنا يصبح الاستنكاف مانعاً من التوبة والمراجعة ، فالإنسان قد يستمر في الخطأ لا لأنه لم يتبين له وجه الصواب، بل لأنه يستنكف عن الاعتراف بأن غيره كان محقاً.
وعليه يمكن القول : أن الاستنكاف قد يحوّل الخطأ من حالة قابلة للتصحيح إلى موقف تدافع عنه الذات حفاظاً على صورتها المتوهمة ،وهذه من أهم الصلات بين الاستنكاف ومنظومة الجهل المعرفية.
خامساً: النتيجة المعرفية
يكشف الاستنكاف عن حقيقة مهمة في مشروع علم الجهل، وهي أن الإنسان قد يجهل نفسه لا بمعنى أنه لا يعرف صفاته أو معلوماته الشخصية، وإنما بمعنى أنه يخطئ في تحديد موقعه الوجودي والقيمي.
فالحقيقة القرآنية تقول: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أما وهم النفس فيقول: أنا أملك، وأنا أقدر، وأنا أستطيع، وأنا أستغني ، ومن المسافة بين هاتين الرؤيتين قد ينشأ الاستنكاف.
لكن الاستنكاف لا ينحصر في توهّم الاستغناء؛ فقد يعرف الإنسان الحقيقة، ثم يرفض الخضوع لمقتضاها بدافع الأنفة والكبرياء.
ومن هنا يمكن أن نميز بين ثلاثة أبعاد لهذا الجندي:
وهنا تظهر مفارقة أخرى ، وهي أن الإنسان يستنكف عن العبودية توهماً أنها تنتقص من مكانته، لكنه ينتهي إلى حال لا يجد فيها ولياً ولا نصيراً من دون الله ! أي إنه يرفض الاعتراف بفقره، ثم تنكشف له حقيقة عجزه في مقام لا تنفعه فيه دعوى الاستغناء.
إذن يمكن القول : أن الاستنكاف محاولة وهمية للهروب من حقيقة الافتقار، لكنه لا يغيّر تلك الحقيقة، وإنما يحجب الإنسان عن الاعتراف بها.
▪️وهم الاستغناء هو جذر الاستنكاف
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7].
تكشف هذه الآية عن أحد الجذور النفسية والمعرفية التي قد ينشأ منها الاستنكاف ، فالطغيان هنا مرتبط برؤية الإنسان نفسه مستغنياً، لا بتحقق الاستغناء الحقيقي ، ومن هنا يمكن أن نتصور مساراً معرفياً محتملاً:
توهّم الاستغناء ثم ضعف استحضار الافتقار ثم الاستنكاف عن إظهار العبودية ثم الاستكبار والطغيان.
وهذا لا يعني أن كل استنكاف ينتهي بالضرورة إلى الطغيان، وإنما يكشف عن الصلة الممكنة بين هذه الحالات في منظومة الجهل.
▪️حقيقة الفقر إلى الله
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
تمثل هذه الآية الأساس المعرفي المقابل للاستنكاف ، وذلك أن الإنسان الذي يعرف نفسه كما هي، ويدرك حقيقة افتقاره إلى الله، لا يرى الدعاء انتقاصاً من مقامه، بل يراه تعبيراً عن حقيقة وجوده وعبوديته ، وبالتالي لا يكون الدعاء مجرد وسيلة لقضاء الحاجات، بل يصبح موقفاً معرفياً من حقيقة الوجود.
فالداعي لا يعترف بأنه محتاج إلى الله في بعض شؤونه فحسب، بل يعترف بأن وجوده كله قائم بالافتقار إليه ،وهذا هو الأساس الوجودي للدعاء.
▪️الاستنكاف الاجتماعي واختلال ميزان قيمة الإنسان
لا يقتصر الاستنكاف على علاقة الإنسان بالله، بل قد يظهر في علاقته بالآخرين، عندما يترفع عن مجالستهم أو الاعتراف بفضلهم بسبب فقرهم أو ضعف موقعهم الاجتماعي ، وهنا يتحول الاستنكاف إلى مشكلة معرفية؛ لأنه يكشف عن اختلال الميزان الذي يقيس به الإنسان قيمة الآخرين.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52].
وقد ورد في بعض الروايات التفسيرية وأسباب النزول أن جماعة من ذوي الجاه والمكانة استثقلوا وجود بعض الفقراء والمستضعفين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله، وطلبوا إبعادهم.
والمهم في بحثنا ليس مجرد الحادثة التاريخية، وإنما المنظومة المعرفية التي يمكن أن تقف وراء هذا الموقف.
فحين يُنظر إلى الإنسان من خلال المال والجاه والموقع الاجتماعي، يصبح الفقير أدنى منزلة في نظر أصحاب هذا الميزان، ولو كان من أهل الإيمان والإخلاص ، بينما يصف القرآن أولئك المؤمنين بقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
وهنا تظهر مفارقة معرفية عميقة؛ إذ إن الذين يُستضعفون اجتماعياً قد يمتلكون من الإيمان والإخلاص ما لا يستطيع الميزان الدنيوي إدراك قيمته.
فالمشكلة ليست في فقرهم، وإنما في المعيار الذي يُحكم به عليهم ، وهذا يكشف عن وجه مهم للاستنكاف في منظومة الجهل:
وهو أن الاستنكاف الاجتماعي جهلٌ بمعيار قيمة الإنسان؛ لأنه يستبدل الميزان الإلهي في تقييم البشر بالميزان الدنيوي.
ويؤكد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
فالآية الكريمة تقابل بين الذين يريدون وجه الله، وبين الانشغال بزينة الحياة الدنيا واتباع الهوى.
وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم أن الاستنكاف الاجتماعي قد ينشأ من اختلال معيار القيمة، بحيث يصبح المال والجاه والمظهر أسباباً للتعظيم، بينما تتراجع التقوى والإخلاص والكرامة الإنسانية.
ويقرر القرآن المعيار الصحيح بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
لكن ينبغي التمييز بين الكرامة الإنسانية الأصلية، التي تثبت للإنسان بما هو إنسان، وبين التفاضل المعنوي الذي يجعل القرآن التقوى معياراً له عند الله عزّ وجلّ.
فالاستنكاف الاجتماعي قد ينشأ من الخلط بين الفروق الاقتصادية والاجتماعية وبين القيمة الإنسانية.
أي أن الإنسان محتاج إلى الله في أصل وجوده، وفي بقائه، وفي علمه، وفي قدرته، وفي رزقه، وفي هدايته، وفي جميع شؤون حياته ، وبالتالي يكون الدعاء تعبيراً عبادياً عن إدراك هذه الحقيقة الوجودية.
أما الاستنكاف عن الدعاء، حين ينشأ من الأنفة أو توهّم الاستغناء، فإنه يمثل موقفاً يناقض حقيقة الإنسان؛ لأن الفقير يتصرف وكأنه غني، والمحتاج يتعامل مع نفسه وكأنه مستقل.
وهنا يمكن القول:
الاستنكاف جهلٌ بمقام العبودية، أو امتناعٌ عن الاعتراف بمقتضاه، ناشئ عن تعظيم الذات وتوهّم الاستقلال.
وقد يكون الإنسان غنياً أو قوياً أو عالماً أو صاحب نفوذ، فتمنحه الأسباب الظاهرية شعوراً زائفاً بالكفاية، فيضعف استحضاره لحقيقة افتقاره إلى الله.
وفي هذه الحالة يتحول السبب الذي منحه الله إلى حجاب يحجبه عن مسبّب الأسباب.
ومن هذه الجهة يلتقي الاستنكاف مع قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ .. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7].
واللافت هنا أن القرآن قال: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ فالمشكلة لا تتوقف على تحقق الاستغناء، وهو غير ممكن للإنسان في علاقته الوجودية بالله، وإنما تتعلق برؤية الإنسان لنفسه مستغنياً.
وهذه الرؤية قد تكون من الجذور المعرفية للاستنكاف والطغيان.
▪️الدعاء وتصحيح العلاقة بين الأسباب ومسبّب الأسباب
في هذا المجال ينبغي أن نضيف نقطة مهمة ، وهي أن الإنسان يعيش في عالم الأسباب، ويستعمل علمه وقدرته وماله وعلاقاته لتحقيق مقاصده، وهذا ليس منافياً للعبودية أو الافتقار إلى الله ،لكن الخلل يبدأ عندما يمنح الإنسان هذه الأسباب استقلالاً في التأثير، أو يتعامل معها وكأنها تغنيه عن الله.
ومن هنا فإن الدعاء لا يعني تعطيل الأسباب أو ترك العمل، وإنما يعني تصحيح موقع الأسباب في وعي الإنسان ، أي أن الإنسان يعمل بالأسباب، لكنه لا يراها مستقلة عن الله في وجودها وفاعليتها ، فالدعاء لا يلغي فاعلية الأسباب، وإنما ينفي توهّم استقلالها عن مسبّب الأسباب.
وبذلك يصبح الدعاء مظهراً من مظاهر التوحيد العملي؛ لأنه يعيد الإنسان من التعلق المستقل بالأسباب إلى الاعتراف بالله الذي تقوم به الأسباب ومسبباتها.
ثالثاً: الشواهد القرآنية للاستنكاف
▪️الاستنكاف عن الدعاء
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
واللافت هنا أن الآية تبدأ بالأمر بالدعاء:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ثم تذم الاستكبار عن العبادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.
وهذه المقابلة تفتح باباً لفهم العلاقة العميقة بين الدعاء والعبودية؛ إذ إن الدعاء من أبرز مظاهر التوجه إلى الله والخضوع له.
وقد ورد في الروايات تفسير الدعاء بالعبادة في هذا السياق، بما يؤكد الصلة بينهما.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن الامتناع عن الدعاء قد يبلغ مستوى الاستكبار عن العبادة عندما يكون ناشئاً من الأنفة عن إظهار الافتقار إلى الله.
لكن ينبغي التمييز بين هذا المعنى وبين مجرد ترك الدعاء؛ لأن الإنسان قد يترك الدعاء غفلةً أو انشغالاً أو لأسباب أخرى، دون أن يكون مستنكفاً أو مستكبراً ، فالاستنكاف يتطلب موقفاً من الأنفة والترفع، لا مجرد عدم صدور الفعل.
وعندئذ تظهر الصلة بين الدعاء والتوحيد؛ لأن الداعي يعلن افتقاره إلى الله، ويعترف بقدرته وربوبيته، بينما المستنكف يرفض إظهار هذه الحقيقة أو يتوهم أنه مستغنٍ عنها.
▪️الاستنكاف عن العبودية
قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 172].
وهذه الآية من أهم الشواهد القرآنية على مفهوم الاستنكاف؛ لأنها تستعمل اللفظ نفسه، وتربطه مباشرة بالعبودية.
فالمسيح عليه السلام والملائكة المقربون، مع علو مقامهم، لا يأنفون ولا يستنكفون من العبودية لله ، وهذا يكشف عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن العبودية لله ليست نقصاً في مقام الإنسان حتى يترفع عنها، بل إن كمال المخلوق يتحقق في معرفته بربه وخضوعه له.
وعند ذلك يظهر الخلل المعرفي عند المستنكف؛ إذ يرى الخضوع لله انتقاصاً من مقامه، مع أن حقيقة مقامه لا تنفصل عن عبوديته ، فهو يخطئ في تقدير معنى العبودية، ويقلب ميزان الكمال والنقص.
ويمكن أن نصوغ هذه المفارقة بالقول:
المستنكف يظن أن اعترافه بالعبودية ينقص من مقامه، مع أن الاستنكاف عن العبودية هو الذي يكشف عن اختلال معرفته بمقامه الحقيقي.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 173].
🟥منظومة الجهل
☑ الجندي الثالث والسبعون : الاستنكاف
ويقابله من جنود العقل: الدعاء
تُعدّ المقابلة بين الدعاء والاستنكاف من المقابلات العميقة في حديث جنود العقل والجهل؛ لأنها تكشف عن صورة من صور الجهل لا تتعلق بالضرورة بغياب المعلومات أو الأدلة، وإنما بموقف الإنسان من الحقيقة، ولا سيما حقيقة نفسه وموقعه الوجودي أمام الله سبحانه وتعالى.
فالدعاء ليس مجرد طلب الحاجة من الله، بل هو إعلان عن افتقار الإنسان إليه، واعتراف بربوبيته وغناه وقدرته. أما الاستنكاف، فهو الامتناع عن إظهار هذا الافتقار بدافع الأنفة والترفع، وقد ينشأ من توهّم الاستغناء والاستقلال.
وهنا تظهر خصوصية هذا الجندي؛ إذ قد يعرف الإنسان الحقيقة، ولكنه يرفض الخضوع لمقتضاها، أو يتعامل مع نفسه وكأنها أعلى من أن تعترف بحاجتها.
وعندئذ يدخل الاستنكاف في مشروع «علم الجهل» من باب مهم، وهو أن الجهل قد لا يكون فقداناً للمعرفة، بل قد يكون اختلالاً في موقف الإنسان منها، بحيث تتحول الأنفة والكبرياء إلى حجاب يمنعه من الاستجابة للحقيقة.
أولاً: الدلالة المعرفية
الاستنكاف في اللغة هو الامتناع عن الشيء أنفةً وترفعاً ، وهو يختلف عن مجرد الترك؛ فقد يترك الإنسان شيئاً بسبب الغفلة أو العجز أو الانشغال، أما المستنكف فإنه يمتنع عنه لأنه يراه دون مقامه، أو يرى في القيام به انتقاصاً من مكانته ، ولذلك فإن الاستنكاف يتضمن موقفاً نفسياً وإرادياً من الشيء، وليس مجرد عدم القيام به.
وتظهر دلالته المعرفية بوضوح عندما يقع في مقابل الدعاء؛ لأن الدعاء يتضمن معرفتين أساسيتين:
الأولى: معرفة الإنسان بفقره وحاجته.
والثانية: معرفة الإنسان بغنى الله وقدرته وربوبيته.
فحين يدعو الإنسان ربه، فإنه يعلن بلسان الحال قبل المقال أنه ليس مستقلاً في وجوده وقدرته، وأن حاجته إلى الله لا تنقطع ، أما المستنكف عن الدعاء، فإنه يأنف من إظهار هذا الافتقار، أو يتصرف وكأن حاجته إلى الله لا تستدعي منه التضرع والسؤال.
وعليه يمكن صياغة قاعدة معرفية أولية لهذه الثنائية : وهي أن الدعاء معرفةٌ بالفقر، والاستنكاف جهلٌ بالفقر أو رفضٌ للاعتراف بمقتضاه.
لكن ينبغي التمييز هنا بين مستويين من الاستنكاف:
الأول: الاستنكاف الناشئ من تصور زائف ، وهو أن يتوهم الإنسان أنه مستغنٍ عن الله، أو أن ما يمتلكه من مال وعلم وقدرة يكفيه للاستقلال بتدبير شؤونه ، فالخلل هنا يقع في معرفة الإنسان بحقيقة نفسه.
الثاني: الاستنكاف الناشئ من رفض مقتضى المعرفة ، وهو أن يعلم الإنسان أنه محتاج إلى الله، ولكنه يأنف من إظهار حاجته أو الخضوع لمقتضى عبوديته ، فالخلل هنا لا يقع بالضرورة في أصل إدراك الحقيقة، وإنما في موقف الإرادة منها.
وهذا المستوى الثاني بالغ الأهمية في مشروع علم الجهل؛ لأنه يكشف أن الإنسان قد يمتلك المعلومة الصحيحة، لكنه لا يسمح لها بأن تحكم موقفه وسلوكه.
وفي ضوء ذلك يمكن تعريف الاستنكاف معرفياً بأنه: موقف نفسي وإرادي يقوم على الامتناع عن قبول ما ينبغي قبوله، أو الخضوع لما ينبغي الخضوع له، بدافع الأنفة والترفع، سواء نشأ من تصور زائف عن الذات أم من رفض مقتضى الحقيقة بعد إدراكها.
وهذا التعريف يكشف عن أن الاستنكاف قد يكون جهلاً بالحقيقة، وقد يكون جهلاً بالموقع الصحيح للذات أمام الحقيقة، وقد يكون تعطيلًا عملياً لما تقتضيه المعرفة الصحيحة.
▪️الاستنكاف والاستكبار والجحود والإباء
ومن الضروري التمييز بين الاستنكاف وبعض المفاهيم القريبة منه.
فالاستنكاف هو الامتناع بدافع الأنفة والترفع.
أما الاستكبار، فهو اتخاذ موقف التعاظم وطلب العلو، وقد يكون الاستنكاف أحد مظاهره العملية.
وأما الجحود، فهو إنكار الحق، وقد يقع مع العلم به، كما في بعض الاستعمالات القرآنية.
وأما الإباء، فهو الامتناع والرفض، ولا يكون مذموماً بذاته؛ لأن الإنسان قد يأبى الباطل والظلم، وإنما يتحدد حكمه بحسب ما يمتنع عنه ودافعه إلى الامتناع.
وعليه فإن خصوصية الاستنكاف تكمن في أن الإنسان يرى قبول الأمر أو القيام به دون مقامه المتوهَّم.
وقد يجتمع الاستنكاف مع الاستكبار والجحود، لكنه لا يتطابق معها تماماً.
ثانياً: موقع الاستنكاف في منظومة الجهل
يمكن وضع الاستنكاف ضمن ما نسميه «الجهل بحقيقة الذات وموقعها الوجودي» فالقرآن يقرر حقيقة الإنسان بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15] والتعبير القرآني هنا بالغ الدقة؛ إذ لم يقتصر على بيان افتقار الإنسان إلى الله في بعض شؤونه، وإنما وصف الناس بأنهم الفقراء إلى الله.
وهذا يسمح لنا بفهم الفقر إلى الله كحقيقة ملازمة للوجود الإنساني، لا مجرد حالة طارئة تعرض للإنسان عندما يمرض أو يضعف أو يفقد أسباب الحياة.
