آثار آية الله السيد مصطفى الحسينيان "دام ظله"
Open in Telegram
موسسة الشهید آية الله السید حبیب الحسینیان قناة دروس الخارج لسماحة آية الله السید مصطفی الحسینیان www.alhussainiyan.com : الموقع الرسمی یوتیوب :https://youtube.com/@alhussainiyan?si=rjvP-PChiHVDTesz انستغرام :https://www.instagram.com/alhussainiyan?igsh=
Show more1 203
Subscribers
No data24 hours
+67 days
+1130 days
Posts Archive
وعلى هذا الأساس، فإن معالجة التبذير في زمننا المعاصر لا تكون بمجرد الدعوة إلى تقليل المصروفات، وإنما تبدأ بمراجعة معيار الإنفاق نفسه: هل يصرف الإنسان المال لحاجة حقيقية، أم لمجاراة الآخرين؟ وهل يضع النعمة في موضعها المناسب، أم يجعلها وسيلة للمباهاة؟ وهل يؤدي الحقوق الواجبة، أم ينشغل بالمظاهر على حساب ما عليه من التزامات؟ إن هذه الأسئلة تعيد البحث إلى أصله القرآني، وهو ضرورة الاعتدال في التعامل مع المال، والتمييز بين الإنفاق المشروع والتبذير المذموم. وبذلك يتضح أن زمن الغرفة الزجاجية قد أتاح للتبذير صورا أكثر ظهورا واتصالا بالمقارنة الاجتماعية من خلال الهواتف النقالة والاجهزة اللوحية او ما يسمى اجمالا بالواقع الأفتراضي، لكنه لم يغير الميزان الذي تحكم به الشريعة على الإنفاق. فما كان تبذيرا بسبب تجاوز الحاجة وصرف المال في غير موضعه يبقى مذموما، سواء وقع في الخفاء أم ظهر أمام الناس، وسواء سمي كرما أم رفاهية أم وجاهة اجتماعية. وتبقى العبرة بحقيقة العمل ومقداره وموضعه، وبمدى انسجامه مع الاعتدال الذي دعت إليه الآية المباركة، والتحذير من السلوك الذي يجعل الإنسان أسير المباهاة وتزيين الشيطان وكفران النعمة.
والحمدلله رب العالمين
فالمشكلة لا تتعلق بمجرد مقدار المال المصروف، بل تشمل أيضا الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى فعله؛ فقد يرى التبذير كرما وجودا، ويعتقد أنه يحقق به محبة الناس ومدحهم، مع أنه قد يكون قد تجاوز ما يناسب حاله وحاجته. ومن هنا كان لا بد من الالتفات إلى حقيقة الإنفاق، وتمييز الاعتدال والتدبير عن الإسراف والتبذير، وعدم الاغترار بما يزينه الشيطان من تصورات. وبذلك يتضح أن الآيتين المباركتين تؤكدان أهمية الاعتدال في صرف الأموال، وأداء الحقوق الواجبة، والابتعاد عن التبذير والتقتير. كما أن وصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين يكشف عن خطورة هذا السلوك وعلاقته بكفران النعمة، ويدعو الإنسان المؤمن إلى مراجعة كيفية تعامله مع الأموال التي أنعم الله تعالى بها عليه، ووضعها في مواضعها الشرعية والعقلائية.
خاتمة المبحث: التبذير المعاصر في زمن الغرفة الزجاجية -
يكتسب البحث في التبذير أهمية مضاعفة في عصرنا الحاضر، ولا سيما في ظل ما يمكن التعبير عنه بزمن الغرفة الزجاجية، حيث أصبحت حياة الإنسان ومظاهر معيشته واستهلاكه أكثر عرضة للمشاهدة والمقارنة والتقييم الاجتماعي. فلم يعد الإنفاق في كثير من صوره شأنا شخصيا يقتصر أثره على صاحبه ومن يحيط به، بل أصبح قابلا للعرض أمام الآخرين، حتى تحولت بعض مظاهر المأكل والمشرب والملبس والمسكن والسفر والاقتناء إلى وسائل لإظهار المكانة الاجتماعية وإثبات التفوق على الآخرين. ومن هنا تظهر صورة معاصرة من صور التبذير، لا تقوم على مجرد تجاوز الحاجة في الإنفاق، بل تقترن أحيانا بالرغبة في إظهار ما يملكه الإنسان وما يستطيع إنفاقه، حتى يصبح المال وسيلة لصناعة صورة اجتماعية معينة أمام الناس. فقد لا يكتفي الإنسان بامتلاك ما يناسب حاجته، وإنما يسعى إلى اقتناء ما هو أغلى وأوسع وأكثر لفتا للأنظار، لا لحاجة حقيقية تقتضي ذلك، بل لكي يظهر بمظهر المتمكن أو المتميز أو المتفوق على غيره. وهذا المعنى يرتبط بما ذكره السيد الأستاذ من أن الشيطان يزين للإنسان أعماله، فيجعل المنكر معروفا في نظره، ويصور له التبذير على أنه كرم وجود. ففي زمن الغرفة الزجاجية قد يتخذ هذا التزيين صورة جديدة؛ إذ لا ينظر الإنسان إلى الإنفاق من جهة الحاجة والمنفعة وحدهما، بل ينظر إليه أيضا من جهة ما يحققه له من إعجاب الآخرين ومدحهم. وهكذا قد يتحول الإنفاق من وسيلة للانتفاع بالنعمة ووضعها في موضعها المناسب إلى وسيلة للاستعراض وإثبات الذات. ولا يعني ذلك أن كل إظهار للنعمة أو كل إنفاق على المظهر الخارجي يعد تبذيرا، وإنما الكلام في الإنفاق الذي يتجاوز الحد المناسب، أو يصرف فيه المال في غير موضعه، أو يكون الدافع إليه المباهاة والتفاخر، مع إهمال الحقوق والواجبات أو إهدار الأموال فيما لا تدعو إليه الحاجة. فالمعيار يبقى هو حقيقة التصرف ومقداره وموضعه، لا مجرد كونه ظاهرا للناس أو معروضا أمامهم. وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتحول المقارنة الاجتماعية إلى دافع دائم للاستهلاك؛ إذ يرى الإنسان ما عند الآخرين، فيسعى إلى مجاراتهم في المساكن والسيارات والملابس والولائم وغيرها، وربما أنفق ما لا يتناسب مع حاله، أو حمل نفسه ما لا يطيق، لمجرد ألا يظهر أقل من غيره. وقد ينتقل هذا السلوك من مجرد الرغبة في التوسع إلى التنافس في الإنفاق، فيصبح مقدار ما يصرفه الإنسان مقياسا متوهما لقيمته ومكانته. ومن مصاديق ذلك أن تقام الولائم بأضعاف ما يحتاج إليه الحاضرون، أو تقتنى الأشياء الباهظة مع وجود ما يحقق الغرض نفسه، أو تتكرر مظاهر الإنفاق لمجرد عرضها أمام الناس، ثم ينتهي الأمر إلى إهدار ما زاد عن الحاجة. وهذه الصور تلتقي مع المثال الذي ذكره الأستاذ فيمن يهيئ لخمسة ضيوف طعاما يكفي عشرة أو خمسة عشر شخصا، ثم يذهب الزائد منه إلى الحيوانات ونحوها؛ إذ إن المذموم هو تجاوز المقدار المناسب من دون حاجة تقتضيه. كما أن الغرفة الزجاجية لا تكشف مظاهر الإنفاق وحدها، بل قد تسهم في إخفاء حقيقة الأحوال المالية؛ لأن ما يظهر للناس من مظاهر الرفاه لا يكشف بالضرورة عن قدرة صاحبها المالية، ولا عن مقدار ما يتحمله من أعباء أو ديون، ولا عن الحقوق التي يؤديها أو يقصر فيها. فقد يرى الناس صورة من الترف فيظنونها دليلا على النجاح، بينما لا يعرفون حقيقة الوضع الذي يقف وراءها. ومن هنا لا يصح اتخاذ المظاهر المعروضة أمام الناس مقياسا للحكم على قيمة الإنسان أو نجاحه. وتتصل هذه الظاهرة بمسألة الرياء التي أشار إليها الأستاذ؛ فقد يدفع الشيطان الإنسان إلى الإنفاق لكي يمدحه الناس ويحبوه ويكرموه، فيصبح رضا الآخرين غاية حاضرة في سلوكه. وعندما يقترن الإنفاق المفرط بهذا الدافع، قد لا يشعر صاحبه بأنه أسرف أو تجاوز الحد، بل يرى نفسه محسنا، ويعتقد أن ما يبذله يمنحه حقا في التقدير والثناء. وهنا تتجلى خطورة تزيين العمل؛ لأن الإنسان لا يخطئ في مقدار الإنفاق فحسب، بل قد يخطئ أيضا في فهم غايته والحكم على سلوكه.
وعلى هذا الأساس، فإن وصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين يدل على شدة قربهم منهم في السلوك والعقيدة وأفعال الجوانح والجوارح. فالآية لم تقل إنهم كإخوان الشياطين، ولم تكتف بتشبيههم بهم، بل حكمت بأنهم إخوان الشياطين، بما يكشف عن شدة التشابه والقرب بينهم في المسلك الذي يسلكونه.
كفران النعمة وعلاقته بوصف المبذرين بإخوان الشياطين:
توقف السيد الأستاذ عند قوله تعالى: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، وبين أن هذه الجملة ترتبط بوجه وصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، إذ إن الشيطان كان لربه كفورا، أي شديد الكفران، وقد جاءت كلمة (كفور) بصيغة المبالغة على وزن فعول، للدلالة على شدة الكفر. وعلى هذا الأساس، فإن المبذر يشترك مع الشيطان في كفران النعمة؛ لأنه لا يعرف قيمة الأموال والنعم التي أنعم الله تعالى بها عليه، بل يصرفها في غير موضعها، ويتجاوز الحد المناسب في استعمالها. فالمبذر لا يحسن التعامل مع النعمة، وإنما يفرط فيها ويصرفها بما لا يتناسب مع الحاجة والشأن. وبيّن الأستاذ أن وجه الأخوة هنا يرجع إلى اشتراك المبذر والشيطان في هذا المعنى؛ فكما أن الشيطان كفور لربه، فإن المبذر يكون لربه كفورا من جهة تعامله مع النعم التي أنعم الله بها عليه. وهذا هو المعنى الذي أراد سماحته لفت النظر إليه من خلال الربط بين وصف المبذرين بالأخوة للشياطين، ووصف الشيطان بأنه كفور لربه. فالله تعالى أنعم على الإنسان نعما كثيرة، ومن هذه النعم الأموال التي يستطيع أن ينتفع بها ويصرفها في وجوهها المناسبة. فإذا استعمل الإنسان هذه النعمة في غير موضعها، كان ذلك من مصاديق كفران النعمة. والمبذر بما أنه ينفق أموالا كثيرة على وجه الإسراف، فإنه يسيء التعامل مع النعمة، ولا يراعي ما ينبغي أن تكون عليه كيفية الانتفاع بها. ومن هنا أكد الأستاذ أن التبذير ليس مجرد تجاوز في مقدار الإنفاق، بل يرتبط أيضا بعدم معرفة قيمة النعمة، وعدم وضعها في موضعها المناسب. وقد وصف القرآن الكريم الشيطان بأنه كفور لربه، وربط ذلك بوصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، بما يكشف عن خطورة هذا السلوك وآثاره في علاقة الإنسان بنعم الله تعالى.
تزيين الشيطان للتبذير وإغراء الإنسان بالرياء:
أوضح سماحته ايضا أن من أقوى أساليب الشيطان في إغواء الإنسان تزيين الأعمال له، بحيث يرى المنكر معروفا، والمعروف منكرا. وهذه من الأساليب الدقيقة والمغرية؛ لأن الإنسان قد لا يشعر بأنه يسير في طريق الانحراف، بل يتصور أنه يحسن صنعا، وأن ما يقوم به يستحق المدح والثناء. وفي مورد التبذير، يزين الشيطان للإنسان الإسراف في الأموال، ويغريه بأن إنفاقه الزائد من مظاهر الكرم والجود وخدمة الناس. وقد يدفعه أيضا إلى الرياء، فينفق الأموال حتى يمدحه الناس ويحبوه ويكرموه ويقدسوه، فيتحول الإنفاق عنده من تصرف منضبط بميزان الشرع والعقل إلى وسيلة لطلب المدح والمنزلة عند الآخرين. وبيّن سماحته أن المبذر قد لا يشعر بالندم على ما يقوم به، ولا يشعر بأنه مذنب، بل يكون فرحا مسرورا بإنفاقه، ويعتقد أن له حقا عظيما على الناس بسبب ما يبذله لهم من الأموال، حتى لو كان قد تجاوز الحد المناسب في ذلك. وهذا يكشف عن مدى تأثير التزيين الشيطاني في نظرته إلى فعله؛ فهو لا يكتفي بارتكاب التبذير، بل قد يراه عملا صالحا يستحق عليه التقدير. ومن هنا تظهر خطورة أن يبدل الشيطان المفاهيم في نفس الإنسان، فيجعل التبذير جودا وكرما، ويصرف نظره عن حقيقة السلوك وآثاره. فقد يتصور الإنسان أنه في مقام الحب لله والمعرفة به والقرب إليه، بينما يكون قد جعل إنفاقه وسيلة للرياء وطلب المدح، أو تجاوز به المقدار الذي يليق بحاله. ولذلك ربط الأستاذ بين هذه الحالة وبين قوله تعالى: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، موضحا أن المبذر حين يسلك هذا المسلك يكون قد أساء التعامل مع النعمة، وأصبح سلوكه منسجما مع كفران النعمة الذي أشارت إليه الآية.
التبذير من مصاديق كفران النعمة وضرورة الالتفات إلى خطره:
ختم السيد الأستاذ البحث بالتأكيد على أن من أقوى أساليب الشيطان المشاركة في أموال الناس، وأن من أبرز مصاديق هذه المشاركة الإسراف والتبذير، اللذين يرجعان في واقعهما إلى كفران النعمة. فالله تعالى أنعم على الإنسان نعما كثيرة، وكل نعمة يستعملها الإنسان في غير موضعها تكون من مصاديق كفرانها، لأن المطلوب أن ينتفع الإنسان بما أنعم الله به عليه وفق ما يناسبه شرعا وعقلا، لا أن يفرط فيه ويتجاوز الحد المناسب. وأكد سماحته ضرورة أن يلتفت المبذرون إلى هذا الأسلوب الشيطاني، وإلى خطورة ما استقر في عقولهم وقلوبهم وسلوكهم من تصورات تدفعهم إلى التبذير، ولا سيما حين يزين الشيطان لهم أعمالهم حتى لا يدركوا حقيقة ما يقعون فيه.
وأشار سماحته إلى أن التبذير شاع في العصر الحاضر مع كثرة الأموال والنعم الإلهية السماوية والأرضية، ولا سيما في المجتمعات المستوية، وأن من أساليب الشيطان في هذا المجال أن يبدل مفهوم المنكر إلى مفهوم المعروف، فيبذر الإنسان ويسمي فعله كرما وجودا. وهذا يرتبط بما ذكره الأستاذ في بعض الدروس السابقة من أن الشيطان يزين للإنسان أعماله، حتى يرى المنكر معروفا والمعروف منكرا. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أن الإنسان قد لا يدرك حقيقة فعله، بل يتصور أنه يحسن صنعا، ويعتقد أنه يتقرب إلى الله تعالى من خلال ما يقوم به، مع أن فعله قد يكون تبذيرا وإسرافا. وضرب سماحته مثالا لذلك بمن يستضيف خمسة أشخاص، لكنه يفرش لهم سفرة طعام تكفي عشرة أو خمسة عشر شخصا، ثم يذهب ما زاد عن الحاجة إلى الحيوانات ونحوها. فهذا المقدار الزائد الذي لم تدع إليه الحاجة يمثل صورة من صور التبذير؛ لأن الإنفاق تجاوز ما يناسب عدد الضيوف وحاجتهم. ومن هنا يتضح أن التبذير لا يتحول إلى عمل ممدوح لمجرد أن الإنسان يسميه كرما، أو يقصد به إكرام الضيوف وخدمة الناس، بل لا بد من ملاحظة حقيقة التصرف ومدى تناسبه مع الحاجة. فقد يزين الشيطان للإنسان الإنفاق الزائد حتى يعتقد أنه في مقام الحب لله والمعرفة به والقرب إليه، بينما يكون قد انحرف عن الاعتدال الذي أمرت به الشريعة.
دلالة النهي عن التبذير على الحرمة:
أكد السيد أن قوله تعالى: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) من آيات الأحكام، لأن هذا المقطع يتضمن نهيا، والنهي كما يقول علماء الأصول ظاهر في التحريم. فالخطاب يتضمن أمرا بأداء الحقوق المالية الواجبة، ونهيا عن التبذير والإسراف. وعليه، تشتمل الآية على حكمين: الأول، وجوب الإنفاق في الحقوق المذكورة، من إيتاء ذي القربى حقه وإعطاء المسكين وابن السبيل ما يجب لهما. والثاني، حرمة التبذير المستفادة من النهي الوارد في الآية. وبذلك تجمع الآية بين توجيه الإنسان إلى الإنفاق الواجب، ومنعه من تجاوز الحد في صرف الأموال. وبيّن سماحته أن هذا الجمع له دلالة مهمة؛ لأن المطلوب ليس أن يمتنع الإنسان عن التبذير فحسب، مع إهمال الحقوق الواجبة، ولا أن يؤدي الحقوق ثم يطلق لنفسه العنان في الإسراف، بل عليه أن يلتزم الأمر والنهي معا، فيؤدي ما وجب عليه، ويجتنب ما نهي عنه. ومن هنا تكون الآية من آيات الأحكام من جهتين: جهة الأمر بإيتاء ذي القربى حقه، وما يرتبط به من حقوق مالية واجبة، وجهة النهي عن التبذير، الذي يدل بحسب الظهور الأصولي على الحرمة.
دلالة قوله تعالى (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ):
انتقل الأستاذ إلى قوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، وبين أن هذه الآية ذات دلالة لافتة؛ لأن القرآن الكريم لم يكتف فيها بذكر أن المبذرين يعملون عملا يشبه أعمال الشيطان، بل وصفهم بأنهم إخوان الشياطين. وأشار سماحته إلى أن الآية اشتملت على وجوه من التأكيد؛ فقد بدأت بقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ)، و(إن) تفيد التأكيد، كما أن التعبير بـ(المبذرين) جاء بصيغة الجمع، ثم أعقب ذلك بقوله: (كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، وختم بقوله: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا). وقد أراد الأستاذ من بيان هذه التعابير الإشارة إلى شدة التحذير من التبذير، وخطورة السلوك الذي وصف أصحابه بأنهم إخوان الشياطين. والمقصود بالمبذرين هم الذين يتجاوزون في التصرف بأموالهم المقدار اللائق بشأنهم، فينفقون بما يزيد على ما يناسب حالهم وحاجتهم. وقد تساءل الأستاذ عن وجه وصفهم بالأخوة للشياطين، وذكر في ذلك وجوها تفسيرية متعددة.
الوجه الأول: أن المبذرين تلازمهم الشياطين؛ لأن الشيطان غالبا ما يوسوس لهم ويدفعهم إلى صرف الأموال كيفما اتفق، وإلى الإنفاق بأكثر مما يناسب شأنهم. ومن أمثلة ذلك أن يكون ما يناسب حال الإنسان أن يركب سيارة قيمتها خمسة آلاف دولار، لكنه يركب سيارة قيمتها عشرون ألف دولار، أو أن يناسبه السكن في بيت مساحته مئة وعشرون مترا، لكنه يسعى إلى شراء بيت مساحته ثلاثمئة أو أربعمئة متر. ويجري هذا المعنى في الملابس والمأكل والمشرب والمسكن، حيث يدفعه الشيطان إلى تجاوز ما يليق بحاله.
الوجه الثاني، وهو الأقرب إلى الفهم العرفي واللغوي بحسب ما ذكره الأستاذ، أن المبذرين أتباع للشياطين ويسيرون على سنتهم في الإسراف والتبذير، فكأنهم يشاركونهم النهج والسلوك. وهذا الوجه لا يجعل الأخوة مجرد ملازمة الشيطان للمبذر ووسوسته له، بل يجعلها دالة على اتباع المبذرين للشياطين في أعمالهم. ثم أضاف سماحته وجها ثالثا، وهو أن الأخوة قد تستعمل للدلالة على شدة القرب والتشابه في العقيدة والسلوك والأخلاق. فقد يقال عن شخص إنه أخو شخص آخر، أو إنه بمنزلة أخيه، لما بينهما من تشابه في الثقافة والأخلاق والسلوك، حتى كأنهما مولودان من أبوين واحدين.
المراد من قوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ):
ذكر السيد الأستاذ أن المفسرين اختلفوا في المراد من الحق في قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)، وطرحوا في ذلك عدة احتمالات.
الاحتمال الأول: أن المراد من الحق صلة الرحم، سواء كانت الصلة بالمال أم بالنفس، فلا تنحصر الصلة في بذل المال، بل تشمل ما يتحقق به التواصل مع الأقرباء ورعاية حقهم.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) هو الحق المالي الواجب، وهو الخمس، فيكون المقصود بذي القربى من يقرب إلى النبي صلى الله عليه وآله، وتكون الآية من آيات الأحكام. وذكر الأستاذ أن هذا الاحتمال ليس ببعيد بقرينة قوله تعالى: (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)، باعتبار أن المسكين وابن السبيل من مصاديق الزكاة، وذا القربى من مصاديق الخمس.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد الأقرباء الذين يجب الإنفاق عليهم، وهم الأولاد والآباء والأمهات والأجداد والجدات. فإذا كان الأولاد فقراء، وجب على الأبوين الإنفاق عليهم، وإذا كان الأبوان فقيرين، وجب على الأولاد الإنفاق عليهما، وهكذا في موارد النفقة الواجبة على الأقرباء. وأما الاحتمال الرابع، فقد ورد في بعض الروايات عن أهل البيت عليهم السلام أن قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) نزل في فاطمة عليها السلام، وأن المراد بحقها فدك. وعلى هذا التفسير، يكون للآية ارتباط بموضوع عقائدي، ومفاد التأويل أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وآله، قبل أن يرتحل من هذه الدنيا، بأن يؤدي حق فاطمة سلام الله عليها، أي أن يعطيها فدكا. وبيّن سماحته أن هذا الاحتمال ليس ظاهرا من الآية، إلا أنه يمكن ذكره بوصفه تأويلا لها، وأما ظاهر الآية فهو الحق المالي الواجب، وهو الخمس. وبناء على ذلك، فإن الآية تكون من آيات الأحكام إذا فسرت بالخمس أو بالنفقة الواجبة على الأقرباء، بينما يرجع تفسيرها بفدك إلى التأويل ذي البعد العقائدي. وأما قوله تعالى: (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)، فالمراد بهما الحق الواجب لهما على المنفق، سواء كان من الزكاة أو الكفارة أو رد المظالم أو النذر أو الصدقات الواجبة، وما شاكل ذلك. وبذلك يتضح أن الآية تتناول حقوقا مالية يجب أن تؤدى إلى أصحابها، ولا يجوز إهمالها أو منعها بسبب البخل والتقتير.
فلسفة توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله:
توقف السيد الأستاذ عند قوله تعالى: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)، موضحا أن الخطاب في الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وآله، مع أن الغاية والمقصد منهما تعليم المسلمين وتربيتهم. فالنبي صلى الله عليه وآله عالم بهذه الأحكام وعامل بها، ولا يحتاج إلى خطاب تشريعي من جهة معرفته بأصل الحكم، وإنما توجه الخطاب إليه ليبلغ الناس والمسلمين، وليكون قدوة لهم في تطبيق الشريعة. وبيّن سماحته أن من الحكم المحتملة لتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه أولى من غيره بالعمل بالشريعة، وأن عمله سيكون قدوة للمسلمين، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). فالنبي صلى الله عليه وآله لا يقتصر دوره على بيان الأحكام وإيصالها إلى الناس، بل يكون امتثاله لها نموذجا عمليا يقتدي به المسلمون في سلوكهم. وأضاف الأستاذ أن هناك نكتة أخرى ترتبط بطبيعة الحكم نفسه؛ فإن الإنفاق على ذي القربى من خمس أو نفقة واجبة، والإنفاق على المساكين وابن السبيل من زكاة ونحوها، من المسائل التي تصعب على نفوس الناس، لأن حب المال من أهم مغريات الدنيا ومغريات إبليس، كما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام. وليس من السهل على الإنسان أن يتسامح في ماله، وأن يتجاوز تعلقه به، وينفقه في سبيل الله. ومن هنا جاء الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله، وكأنه يقال له: اعمل بهذه الآية حتى يعمل المسلمون بها؛ فإذا رأوا أنك تؤتي ذا القربى حقه وتنفق على المسكين وابن السبيل، هان عليهم الإنفاق من أموالهم. فالآية تتضمن جانبا تعليميا وتربويا واضحا، وتستهدف تربية النفوس التي تميل إلى حب الأموال والطمع فيها، إلا من استثني من ذلك، وهم قلة نادرة. وأشار سماحته إلى أن كل صياغة خطابية في القرآن الكريم تنطوي على نكتة وحكمة، ولذلك فإن توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله يمكن أن يكون لأجل أولويته بالعمل، ولكونه قدوة للمسلمين، فضلا عن أثر هذا الخطاب في تربية النفوس وتعويدها على الإنفاق وأداء الحقوق.
مفهوم التبذير ومصاديقه في المجتمع المعاصر:
ذكر دام ظله أن قوله تعالى: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) يتضمن النهي عن صرف المال فيما لا ينبغي، وعن الإنفاق على وجه الإسراف والإفراط في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، بما يتجاوز المقدار الذي يليق بحال الإنسان.
ترشيد إنفاق الأموال وخطورة التبذير في ضوء الآيتين المباركتين
من أبحاث: سماحة آية الله الفقيه السيد مصطفى الحسينيان (دام ظله)
تقرير: مصطفى الجنابي
الدرس: 25
أقسام صرف الأموال وموقف الشريعة منها:
استهل سيدنا الأستاذ البحث ببيان أن من أساليب إغواء الشيطان للإنسان التدخل في كيفية صرف الأموال والتصرف فيها، وقد صرح الله تعالى في الآيات المباركة بأن من أساليب إغواء الشيطان للبشر أن يوجههم إلى كيفية معينة في إنفاق أموالهم، فيخرجهم بذلك عن الاعتدال المطلوب في حياتهم. فالانحراف في التعامل مع المال لا يقتصر على طريقة تحصيله، بل يشمل أيضا كيفية صرفه، فقد يكون المال مكتسبا من طريق مشروع، إلا أن الإنسان يسيء التصرف فيه، إما بالإفراط في الإنفاق، وإما بالإمساك والتقتير فيما ينبغي الإنفاق فيه. وبين سماحته أن صرف الأموال ينقسم إلى ثلاثة أقسام
القسم الأول: أن يصرف الإنسان ماله بمقدار ما يناسب حاجته، وفي موضعه الصحيح عقلا وشرعا، بحيث يكون إنفاقه متناسبا مع حاله وشؤونه، فلا يتجاوز المقدار الذي يحتاج إليه، ولا يمسك المال عن مواضعه التي ينبغي أن يصرف فيها. وهذا القسم هو الممدوح، ويعبر عنه في روايات أهل البيت عليهم السلام بعقل المعاش أو التدبير في المعيشة؛ لأن الإنسان فيه يحسن تقدير حاجاته، ويعرف مواضع الإنفاق المناسبة، ويتصرف في أمواله وفق ميزان الاعتدال.
القسم الثاني: أن يصرف الإنسان أمواله بكثرة وإسراف، بحيث يفرط في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، ويتجاوز المقدار الذي يليق بحاله. وهذا هو التبذير الذي نهت عنه الآية المباركة، إذ لا يكون الإنفاق فيه قائما على تقدير الحاجة ومراعاة الاعتدال، بل يتجاوز الإنسان الحد المناسب في استعمال ما أنعم الله به عليه.
القسم الثالث: أن يمسك الإنسان أمواله ويقتر في الإنفاق، حتى فيما ينبغي أن ينفق فيه، وهذا ما يسمى في مصطلح علماء الأخلاق بالبخل. فكما أن التبذير يمثل تجاوزا في جانب الإنفاق، فإن التقتير يمثل تجاوزا في جانب الإمساك، إذ لا يضع الإنسان المال في موضعه الصحيح، بل يحجبه عن الموارد التي ينبغي أن يصرف فيها.
وبناء على ذلك، أكد الأستاذ أن القسم الأول هو الممدوح، أما القسمان الثاني والثالث فهما من السلوكيات الشيطانية المذمومة، والمبغوضة عند الله تعالى ورسوله وأهل البيت عليهم السلام. فالمؤمن هو الذي يصرف أمواله وما وهبه الله تعالى من فضله ونعمه في موضعها الشرعي والعقلائي، ملتزما الاعتدال في الإنفاق، فلا يكون مبذرا يتجاوز الحد المناسب، ولا بخيلا يمسك المال عن مواضعه الواجبة. وأشار سماحته إلى أن كثيرا من الناس في عصرنا الحاضر وفي المجتمعات الإسلامية يقعون بين الإفراط والتفريط؛ فجانب الإفراط يتمثل في التبذير، وجانب التفريط يتمثل في التقتير، ولا يكون عند هؤلاء عقل المعاش وحسن التدبير في صرف الأموال. وتظهر خطورة التقتير عندما يمنع الإنسان من أداء الحقوق المالية الواجبة، سواء كانت من حق الله تعالى، أم من حق الناس، أم من الحقوق المشتركة بينهما، كالخمس والزكاة والكفارات وما شاكل ذلك، أو مما يجب إنفاقه على الزوجة والأولاد والأبوين. وأما المبذر، فإنه يصرف أمواله بما يتجاوز ما هو لائق وجائز له شرعا وعرفا. ومن هنا ركز الله تعالى على هذه الأقسام الثلاثة، وكان التصريح بها وبيان أحكامها وما يترتب عليها دليلا على أهمية كيفية صرف المال في حياة الإنسان المؤمن. فالميزان ليس كثرة الإنفاق أو قلته في نفسه، وإنما وضع المال في موضعه المناسب، بحيث يؤدي الإنسان ما عليه من حقوق، ويتجنب في الوقت نفسه الإسراف والتبذير.
مشاركة الشيطان للإنسان في أمواله:
أن من أساليب الشيطان المغرية والمضللة التي تحرف الإنسان عن الصراط المستقيم تدخله في أموال الناس، مستشهدا بقوله تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ). فهذه المشاركة تكشف عن أن الشيطان لا يقتصر في إغوائه على جانب واحد من حياة الإنسان، بل يتدخل في كيفية تعامله مع أمواله، ويوجهه إلى سلوكيات تنحرف به عن الاعتدال. وذكر سماحته أن من معاني مشاركة الشيطان للإنسان في الأموال أن يسوقه إلى التبذير والإسراف، فيدفعه إلى صرف الأموال بأكثر مما يناسب حاله وحاجته (كما اوضح المراد الاخر سماحته من هذه الاية بالدروس السابقة وقد تقدم معنى المشاركة بالأولاد والعياذ بالله) كما قد يسوقه إلى التقتير والبخل، فيجعله يمسك المال عن مواضع ينبغي أن ينفق فيها. فالتبذير والتقتير من مصاديق مشاركة إبليس في أموال الناس، وإن اختلفت صورتهما؛ لأن كليهما يؤدي إلى الخروج عن الاعتدال الذي أرادته الشريعة الإسلامية. وعلى هذا الأساس، انتقل الأستاذ إلى تفسير الآيات المباركة وبيان ما تتضمنه من أحكام وتوجيهات، مبتدئا بقوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)، ثم النهي عن التبذير، وما أعقب ذلك من وصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين.
ولا يعني ذلك إهمال الأسباب أو ترك العمل، وإنما بناء علاقة روحية تمنحه القدرة على الاستمرار، وتعينه على التعامل مع الشدائد من دون أن يفقد توازنه أو يستسلم لليأس. كما أن عرض الحاجات المتنوعة في الدعاء يربي الإنسان على الصراحة مع ربه، وعلى الاعتراف بضعفه، وعلى التحرر من وهم الاكتفاء الذاتي. ومن هنا تتولد الثقة بالله باعتبارها أساسا للصمود النفسي والأخلاقي، ويصبح الدعاء ممارسة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالخوف والرجاء والألم والأمل. وبذلك تتكامل المرتكزات الأربعة للعبودية في سيرة الإمام السجاد عليه السلام.
الخاتمة: نحو مشروع علمي متكامل لدراسة الإمام السجاد عليه السلام _
تكشف المحاضرة عن الحاجة إلى مشروع بحثي يجمع بين التحقيق التاريخي والتحليل العقدي والدراسة الأخلاقية، ويعيد النظر في الصورة الشائعة عن الإمام السجاد عليه السلام على أساس استقراء المصادر وتحليلها. ويمكن تنظيم هذا المشروع في أربعة مسارات مترابطة:
المسار الأول: التحقيق التاريخي والرجالي.
ويشمل استقراء أسماء رواة الإمام وأصحابه، وتصنيف مروياته بحسب موضوعاتها، ودراسة ما نقل عنه في العقائد والفقه والأخلاق والدعاء، ومقارنة حجم هذه المرويات بما نقل عن الأئمة الآخرين في ضوء اختلاف الظروف التاريخية.
المسار الثاني: دراسة المجتمع المدني في العصر الأموي. ويشمل تحليل البنية السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، وموقف السلطة من أهل البيت عليهم السلام، وأثر الخطاب السياسي والإعلامي في تشكيل الوعي الديني، ودراسة أسباب تفاوت الاستجابة الاجتماعية لدعوة الإمام ومكانته.
المسار الثالث: تحليل الوظيفة الرسالية في ظروف التقية. ويتناول العلاقة بين الإمامة وحفظ الشريعة، وحدود العمل العلمي والاجتماعي في ظل القمع، وكيفية استمرار الدور الديني عندما تتعذر بعض وسائل التعليم المباشر، مع دراسة الدعاء والعبادة والبكاء بوصفها وسائل للتربية وحفظ الذاكرة الدينية.
المسار الرابع: استخراج النظرية الأخلاقية والتربوية من أدعية الإمام وسيرته.
ويشمل دراسة العبودية والافتقار إلى الله، والمراقبة والمحاسبة، ومجاهدة الرذائل، والصبر وضبط الغضب، والعفو والتواضع والإحسان، مع ربط النصوص الدعائية بالمواقف العملية الثابتة تاريخيا، والتمييز بين النص الموثق والاستنتاج التربوي المستفاد منه. ومن شأن هذا المشروع أن ينقل دراسة الإمام السجاد عليه السلام من الاكتفاء بالسرد الوعظي إلى بناء معرفة علمية متعددة التخصصات، تجمع بين التاريخ والحديث والعقيدة والأخلاق، وتتيح فهما أدق لشخصيته ولد
فالإنسان الذي يدرك محدوديته واحتياجه إلى الله يكون أبعد عن الغرور والاستعلاء، وأقدر على مقاومة الكبر والحسد والطمع في الدنيا؛ لأنه لا ينظر إلى ما يملكه باعتباره استقلالا ذاتيا، ولا يتوهم أن ما لديه من فضل أو قدرة يغنيه عن ربه. وفي المقابل، فإن توهم الاستغناء يهيئ النفس لتضخم الأنا، ويجعل الإنسان أكثر قابلية للتنافس المرضي مع الآخرين، ولطلب المكانة على حساب الحق، وللتعلق بالمكاسب الدنيوية. ومن هنا تتضح الصلة بين التوحيد والأخلاق؛ فترسيخ الافتقار إلى الله ينعكس مباشرة على تهذيب السلوك وتعديل علاقة الإنسان بذاته وبالناس. ويكشف هذا المحور عن إحدى الوظائف التربوية للدعاء؛ إذ يتعلم الإنسان من خلال تكرار معاني الافتقار أن قوته ليست مطلقة، وأن حاجاته لا تنحصر في المال أو الصحة أو المكانة الاجتماعية، بل تمتد إلى الرحمة والهداية والتوفيق والقبول الإلهي.
3. المراقبة والمحاسبة _
يتمثل المرتكز الثالث في حضور معنى المحاسبة في أدعية الإمام عليه السلام. فالأستاذ يرى أن الإمام يجعل نفسه، في مقام الدعاء، موضع مراجعة أمام الله تعالى، فيستحضر التقصير، ويعترف بالحاجة إلى المغفرة والرحمة، ويعرض حاله على ميزان العبودية. وتقوم هذه الممارسة على مبدأ أخلاقي أساسي هو أن إصلاح النفس لا يبدأ بتبرير الأخطاء أو إخفائها، بل بمواجهتها والاعتراف بها. فالإنسان الذي يراجع سلوكه يستطيع أن يشخص مواضع الخلل، أما الذي ينشغل بصناعة الأعذار فإنه يحول دون وصوله إلى حقيقة نفسه، ويستبدل الإصلاح بمحاولة الحفاظ على صورة مثالية عنها. ومن هنا يربط سماحته بين أدعية الإمام وقاعدة المراقبة والمحاسبة في علم الأخلاق؛ فالمراقبة تعني الانتباه إلى حركة النفس ودوافعها أثناء العمل، والمحاسبة تعني مراجعة ما صدر عنها بعده، بقصد معرفة مواضع الصواب والخطأ والعمل على إصلاحها. وبذلك يصبح الدعاء وسيلة لتربية الضمير، لا مجرد تعبير لفظي عن الحاجة. ويبرز هذا المعنى بصورة أوضح عند بحث مسألة صدور أدعية الاستغفار والتقصير عن المعصوم، وهي المسألة التي يعالجها السيد الأستاذ في المرتكز التالي.
4. الاستغفار في أدعية المعصوم _
يطرح السيد دام عطاؤه إشكالا معروفا في دراسة أدعية المعصومين عليهم السلام، وهو: كيف نفهم ما تتضمنه أدعيتهم من استغفار واعتراف بالتقصير، مع القول بعصمتهم وطهارتهم من الذنب؟ ويشير سماحته إلى أن بعض الأجوبة تتجه إلى حمل هذه التعابير على المجاز أو على ألسنة تعليمية لا تكشف عن حال المتكلم نفسه، لكنه يفضل تفسيرا يقوم على حقيقة الافتقار إلى الله تعالى. فبحسب رأيه، لا يلزم من صدق أدعية الإمام وواقعيتها أن يكون المقصود بالتقصير هو الذنب بالمعنى الذي يصدق على معاصي سائر الناس. وإنما يمكن فهمها في ضوء التفاوت بين مقام العبودية المحدودة ومقام الربوبية المطلقة؛ فمهما بلغ العبد من المعرفة والطاعة، فإنه يبقى ممكنا فقيرا إلى الله، ولا يستطيع أن يؤدي حق عظمة الله وشكره أداء يحيط بكمال ذلك الحق. وعلى هذا الأساس، يرى السيد الأستاذ أن أدعية الإمام السجاد عليه السلام حقيقية وليست مجرد تعبيرات مجازية، لأن حقيقة العبودية تقتضي الشعور الدائم بالحاجة والتقصير النسبي أمام عظمة المعبود. وهذا التفسير يميز بين التقصير الناشئ عن ارتكاب الذنب، وبين عدم الإحاطة بحق الله تعالى وعدم القدرة على استيفاء مقام الشكر والعبادة بما يليق بكماله. ويستشهد سماحته بالمضمون المعروف في رواية سؤال موسى عليه السلام ربه أن يوفقه لشكره، ثم طلبه أن يشكره بما يراه الله أهلا له، وما انتهى إليه من إدراك عجزه عن الإحاطة بحقيقة الشكر المستحق، وأن هذا الإدراك نفسه يمثل وجها من وجوه الشكر. والمقصود من الاستشهاد إبراز أن الاعتراف بالعجز أمام عظمة الله ليس نقصا أخلاقيا، بل قد يكون مرتبة من مراتب المعرفة والعبودية. ويؤكد هذا التحليل أن أدعية المعصوم يمكن أن تحمل دلالات واقعية على الفقر الوجودي والخضوع لله، من دون أن يلزم منها إثبات الذنب المنافي للعصمة. غير أن تعميم هذا التفسير على جميع صيغ الاستغفار والتقصير يحتاج إلى دراسة دلالية لكل نص بحسب سياقه وموضوعه، ولا يكفي فيه إطلاق حكم واحد على جميع الأدعية.
5. الدعاء والثقة بالله _
يركز هذا المرتكز على أن الإمام ارواحنا له الفداء يقدم في أدعيته نموذجا للإنسان الذي يرجع إلى الله تعالى في حاجاته الصغيرة والكبيرة، ويستمد منه القوة والطمأنينة والقدرة على مواجهة المحن. ويشير استاذنا المعظم إلى أن الإنسان المعاصر قد يعبر عن هذه الحالة بلغة الطاقة الإيجابية، غير أن المعنى الديني أعمق من مجرد الشعور النفسي بالتفاؤل؛ لأنه يقوم على الثقة بالله والتوكل عليه واستحضار معيته ورحمته. فحين يعتاد الإنسان عرض حاجاته على الله، فإنه يتعلم ألا يجعل المصائب والهموم نهاية الطريق، وألا يحصر مصادر القوة في الأسباب المادية وحدها.
3. الدعاء والعبادة وحفظ الشريعة:
في ضوء هذا الإشكال، يقدم السيد الأستاذ أطروحته الأساسية في تفسير المنهج الذي اتبعه الإمام السجاد عليه السلام؛ إذ يرى سماحته أن ضيق وسائل التواصل والتعليم المباشر دفع إلى بروز الدعاء والعبادة والبكاء باعتبار إنها وسائل مركزية في حفظ الشريعة وإبقاء معانيها حية. فحين تتعذر بعض طرق نشر العلم، لا يلزم أن يتوقف الدور الرسالي، بل يمكن أن يتخذ صورة أخرى تتلاءم مع الظروف القائمة. وقد مثل الدعاء خطابا موجها إلى الله تعالى، لكنه يحمل في الوقت نفسه مضامين عقدية وأخلاقية وتربوية يمكن أن يتلقاها الإنسان ويتعلم منها كيفية فهم علاقته بربه، ومواجهة ضعفه، والتعامل مع آلامه، وتطهير نفسه من الرذائل. كما أصبحت العبادة في هذه القراءة ممارسة عملية تجسد العبودية، وتقدم نموذجا سلوكيا للتدين، فيما عبر البكاء عن الخضوع لله، وعن استحضار المأساة والابتلاء، وعن إبقاء الذاكرة الدينية حية في الوجدان. وهكذا لا تكون هذه العناصر ممارسات منفصلة عن الشريعة، بل مجالات يمكن أن تنتقل من خلالها القيم الدينية في الظروف التي تضيق فيها فرص التعليم المباشر. ويشير السيد الأستاذ إلى أن الإمام كان يظهر في بعض الصور التاريخية منفردا في تنقله إلى المسجد أو في بعض أسفاره وحضوره الاجتماعي، ويستثمر هذه الصورة للتأكيد على محدودية الأنصار والوسائل المتاحة له. غير أن مدى انفراده في تلك التحركات وتفاصيل حياته اليومية يحتاج إلى تثبيت من المصادر، كما أن تفسير دوره لا ينبغي أن يتوقف على صورة تاريخية واحدة، بل يتطلب جمع مختلف الأخبار المتعلقة بنشاطه. وبحسب الأطروحة التي يعرضها سماحته، فإن الإمام السجاد عليه السلام حافظ على الشريعة في ظروفه الخاصة من خلال العبادة والدعاء والبكاء، أي من خلال خطاب يربط الإنسان بالله ويعيد بناء علاقته بالدين من الداخل، في وقت لم تكن فيه الظروف مواتية لنشاط علمي واجتماعي واسع. وهذه هي النقطة التي تمهد للانتقال من دراسة المظلومية التاريخية إلى تحليل مشروع الإمام الأخلاقي والتربوي.
العبودية وتزكية النفس:
يمثل محور العبودية البعد الأول في المشروع الأخلاقي الذي تستخلصه المحاضرة من سيرة الإمام السجاد عليه السلام. فالعبودية هنا لا تقتصر على أداء الصلاة والصوم وسائر التكاليف، بل تتجسد في نمط متكامل من العلاقة بالله، يشمل العبادة، والإنفاق، والصدقة، وعتق الرقاب، والدعاء، واستشعار الحاجة الدائمة إلى الله تعالى. ويرى السيد الأستاذ أن الإمام سعى من خلال هذا النمط إلى تربية النفوس على الشريعة الصحيحة، وتقديم نموذج عملي للتدين يقوم على معرفة الله، والاعتراف بالفقر إليه، ومحاسبة النفس، واللجوء إليه في جميع الأحوال. ويمكن تحليل هذا المحور من خلال أربعة مرتكزات مترابطة:
1. العبادة والنموذج العملي _
يركز دام ظله على أن سيرة الإمام تكشف عن عناية خاصة بكيفية عبادة الله تعالى، سواء في صلاته وصيامه أو في أدعيته وسائر ممارساته التعبدية. ويستخلص سماحته من ذلك أن المجتمع الذي عاش فيه كان بحاجة إلى نموذج عملي يوضح حقيقة العبادة وآدابها وآثارها في تكوين الإنسان. ويربط هذه السمة بلقب الإمام زين العابدين، الذي يشير إلى تميزه في العبادة. ثم يطرح تساؤلا نقديا: إذا كان الإمام قد بلغ هذه المنزلة في العبادة، فلماذا لم يظهر في محيطه الاجتماعي عدد واسع من الأشخاص الذين اقتدوا به في هذا الجانب، أو استفادوا من نموذجه في بناء حياتهم الدينية؟ ولا يراد من هذا السؤال نفي وجود من اقتدى بالإمام، وإنما التنبيه إلى الحاجة لمعرفة مدى تأثيره الفعلي في المجتمع، وعدد الذين تأثروا بسيرته، وطبيعة هذا التأثر، وهل بقي في نطاق محدود أم امتد إلى جماعات أوسع. وهي أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الفكرة، بل تحتاج إلى استقراء الأخبار التاريخية المتعلقة بأصحابه ومواليه وعباد المدينة، ومقارنة ذلك بما توفر عن أحوال المجتمع آنذاك. وتتجاوز قيمة هذا الجانب مجرد الإعجاب بعبادة الإمام؛ إذ إن النموذج التعبدي حين يقترن بالعلم والأخلاق يتحول إلى وسيلة لتربية الإنسان على فهم الدين باعتباره ممارسة مستمرة، لا مجموعة من المعارف النظرية المنفصلة عن السلوك.
2. الفقر إلى الله ومقاومة الكبر _
يعد استشعار الفقر إلى الله تعالى المرتكز الثاني في عبودية الإمام السجاد عليه السلام. ويشير السيد الأستاذ إلى أن أدعية الإمام تتضمن صورا متعددة من الاعتراف بالحاجة إلى الله ورحمته ورأفته ونعمه ولطفه وجنته ورضوانه، بما يكشف عن حضور معنى الافتقار في صميم العلاقة بين العبد وربه. وهذا الاستشعار ليس فقط إقرار ذهني بأن الإنسان محتاج إلى خالقه، وإنما حالة وجدانية تؤثر في رؤيته لنفسه وللآخرين وللحياة.
مصادر السيرة ومنهج التحقيق:
ينبه السيد الأستاذ إلى مشكلة منهجية تتعلق بمصادر التاريخ الإسلامي؛ إذ يرى أن المصادر التاريخية المتاحة في بعض القضايا قليلة من جهة الكم، ومحل إشكال من جهة الكيف، وأن كثيرا من التفاصيل التاريخية المتعلقة بأهل البيت عليهم السلام وصلتنا من مصادر غير إمامية. ومن هنا يطرح سماحته سؤالا عن الأساس الذي يمكن بموجبه الاعتماد على هذه الأخبار، ويدعو إلى إعادة صياغة منهج التعامل معها وإقامة الدليل على اعتبار كل خبر بحسب قواعد البحث التاريخي والحديثي. وتقتضي هذه الدعوة التمييز بين مجرد ورود الخبر في كتاب تاريخي، وبين ثبوت مضمونه وفق معايير النقد والتحقيق. فلا يصح التسليم بكل ما تنقله المصادر لمجرد اشتهاره، كما لا يصح رفض الخبر لمجرد وروده في مصدر ينتمي إلى اتجاه مذهبي آخر. وإنما يلزم فحص السند عند توافره، ومقارنة المتون، والنظر في السياق التاريخي، وتعدد طرق النقل، ومدى انسجام الخبر مع المعطيات الثابتة، مع مراعاة طبيعة المصنف الذي ورد فيه. ومن ثم فإن المشروع الذي يقترحه السيد الأستاذ لا يقتصر على جمع أخبار الإمام السجاد عليه السلام، بل يتطلب بناء دراسة تاريخية متعددة الجوانب تتناول مدة حياته، وبيئته الاجتماعية، وثقافة المجتمع المدني، وموقف السلطة الأموية، وحركة الرواة، ومقدار تأثير سيرته في الناس. ويقترح سماحته أن تتولى المؤسسة العلمية المعنية هذا العمل في صورة مشروع بحثي موسع قد يمتد إلى مجلدات متعددة، بما يتيح الانتقال من الانطباعات العامة إلى نتائج قائمة على الاستقراء والتوثيق.
وظيفة الإمام وحدود دوره الرسالي:
1. العصمة والتغيير الاجتماعي:
ينطلق السيد الأستاذ في تفسير سيرة الإمام السجاد عليه السلام من أصل عقدي مفاده أن الإمام معصوم، وأن عصمته لا تعني أنه مكلف بإحداث التغيير الاجتماعي الشامل بوسائل خارقة للعادة، ولا أن عليه حمل الناس على الهداية خارج حدود وظيفته الرسالية. فالإمام يؤدي ما كلف به، ويعمل وفق ما تقتضيه الظروف والوظائف التي أنيطت به، ولا يلزم من امتلاكه القدرة أو العلم أن يتخذ المعجزة وسيلة دائمة لتغيير المجتمع. ويؤكد سماحته أن وظيفة الأئمة، بحسب هذا التصور، ترتبط بحفظ الشريعة وهداية الناس متى توفرت قابلية الاستجابة، وببيان الأحكام والمعارف عندما يرجع الناس إليهم ويسألونهم. فإذا أقبل المجتمع على الإمام، وأبدى استعداده للتعلم، أمكن أن تتسع دائرة التعليم والتوجيه؛ أما إذا أعرض الناس عنه، أو حالت الظروف السياسية دون التواصل معه، فإن ذلك يحد من إمكان تحقق الهداية الاجتماعية الواسعة، من غير أن يدل على قصور في الإمام نفسه. ويستثني السيد الأستاذ الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف من هذه المقارنة من جهة ما ورد في بعض الروايات بشأن قيامه بمشروع إقامة القسط والعدل على نطاق الأرض، وعدم توقف أصل مهمته على مجرد طلب الناس منه أداء واجبه. ولا يراد بذلك نفي الوظيفة الرسالية المشتركة بين الأئمة، وإنما الإشارة إلى اختلاف طبيعة المرحلة التي يتولاها الإمام المهدي عن الظروف التي عاشها الأئمة السابقون. وبذلك يضع سماحته حدا فاصلا بين كمال الإمام من جهة، ومدى استجابة المجتمع لمشروعه من جهة أخرى؛ فعدم تحقق الإصلاح الشامل لا يكشف عن نقص في الإمام، بل قد يعكس حدود البيئة الاجتماعية والسياسية التي مارس فيها دوره.
2. حفظ الشريعة في ظروف التقية:
يطرح السيد الأستاذ هنا إشكالا مركزيا: إذا كان الإمام، وفق المبنى العقدي الذي يتبناه، منصوبا لحفظ الشريعة عن الاندراس، فكيف يؤدي هذه الوظيفة حين يعيش في ظل سلطة معادية، وتكون وسائل التعليم والتواصل محدودة، ولا تتوفر له شبكة واسعة من الأنصار والرواة؟ وتزداد أهمية السؤال عند استحضار اتساع نفوذ الدولة الأموية في مناطق متعددة من العالم الإسلامي، وما ارتبط بسلطتها من ضغوط سياسية وعسكرية وإعلامية. فالإمام السجاد عليه السلام عاش في مرحلة كانت فيها السلطة الأموية صاحبة النفوذ في الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرها، الأمر الذي يجعل تفسير طبيعة نشاطه العلمي والاجتماعي محتاجا إلى فهم حدود الحركة المتاحة له. ولا يكتفي سماحته بتسجيل وجود القمع السياسي، بل يربط بينه وبين ضعف الاستجابة الاجتماعية، معتبرا أن العامل السياسي أحد عناصر التفسير لا جميعها. فثمة حاجة إلى دراسة موقف المجتمع نفسه، ومستوى معرفته، ومدى استعداده للرجوع إلى الإمام، والكيفية التي أثرت بها الثقافة السائدة في تلقي خطابه. ومن هنا تتحدد المسألة في كيفية الجمع بين أصل حفظ الشريعة بوصفها وظيفة للإمام، وبين واقع تاريخي قد لا يسمح له بممارسة التعليم العام على النحو الذي مارسه أئمة آخرون في ظروف مختلفة. وهذه المسألة تحتاج إلى بحث عقدي وتاريخي متكامل، يدرس طبيعة الحفظ الذي تحقق في تلك المرحلة، ولا يفترض أن حفظ الشريعة لا يتحقق إلا بوجود عدد كبير من الرواة أو بانتشار حلقات التدريس العلنية.
ويستدعي هذا التساؤل التمييز بين مستويات متعددة من المعرفة: معرفة نسب الإمام ومكانته الأسرية، ومعرفة فضله الأخلاقي والعبادي، والاعتراف بعلمه، ثم الإيمان بمقامه الخاص في التصور الإمامي. فهذه المستويات ليست متطابقة بالضرورة، وقد يعرف المجتمع فضله ونسبه من دون أن يلتزم بجميع النتائج العقدية المترتبة على الاعتراف بمقامه كإمام. ومن هنا يقترح السيد الأستاذ دراسة البيئة المدنية في تلك الحقبة من جوانبها السياسية والعقدية والأخلاقية والثقافية، وتحليل تصورات الناس عن الدين والسلطة وأهل البيت عليهم السلام، والبحث في أثر الإعلام الأموي والضغوط السياسية والعسكرية في تشكيل الوعي العام. ويؤكد هذا المسار أن غياب الاستجابة الاجتماعية الواسعة، إن ثبتت حدوده من خلال المصادر، لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا يكفي رد جميع أسبابه إلى السلطة الأموية وحدها؛ إذ ينبغي بحث مستوى الوعي الديني لدى المجتمع، وطبيعة ثقافته، ومدى استعداده للاستفادة من الإمام، والعوامل التي جعلت بعض الناس ينصرفون عنه أو لا يدركون موقعه العلمي.
التاريخ ومسؤولية العالم:
لا ينظر السيد الأستاذ إلى هذه الأسئلة باعتبارها قضايا تاريخية منعزلة عن واقعنا، بل يربطها بمسؤولية العالم الديني في فهم المجتمع الذي يعيش فيه. فقد يوجد العالم بين الناس، وتتوفر فيه عناصر العلم والفضل والاستقامة، ومع ذلك لا يلتفت إليه المجتمع، ولا يرجع إليه في أسئلته، ولا يستفيد من رؤيته في معالجة مشكلاته. ومن ثم فإن دراسة تجربة الإمام السجاد عليه السلام يمكن أن تكشف عن عوامل اجتماعية وثقافية تتكرر بصور مختلفة عبر الأزمنة. وفي هذا السياق، يشير سماحته إلى أهمية قراءة التاريخ فقد أكد الإمام الخميني رحمه الله في خطاباته في بداية الثورة، بوصفها وسيلة لفهم سنن الاجتماع وأسباب نجاح مشاريع الهداية أو تعثرها. فالتاريخ لا يقتصر على تسجيل الوقائع، وإنما يتيح تحليل العلاقة بين الفكرة والبيئة، وبين العالم والجمهور، وبين السلطة والمعرفة، كما يساعد على اكتشاف أنماط تتكرر في المجتمعات، وإن اختلفت صورها وأدواتها. ويترتب على ذلك أن مسؤولية العالم لا تنحصر في امتلاك المعرفة أو أداء الوظيفة العلمية، بل تشمل فهم البيئة التي يخاطبها، وتشخيص العوائق التي تمنع وصول المعرفة إليها، ودراسة الأسباب التي تجعل المجتمع يعرض عن بعض مصادر الهداية. وهذا أحد الأبعاد العملية التي يريد السيد الأستاذ استلهامها من سيرة الإمام السجاد عليه السلام.
رابعا: المظلومية العلمية للإمام
يرى السيد الأستاذ أن مظلومية الإمام السجاد عليه السلام تتجلى، من زاوية الحضور الاجتماعي والعلمي، في أنه عاش مدة طويلة بين المسلمين، ومع ذلك يثير مقدار ما وصلنا من آثاره العلمية أسئلة تستحق التحقيق. وهو يذهب إلى أن هذه المظلومية، من حيث عدم الاستفادة الاجتماعية من شخصية الإمام، من أبرز صور المظلومية بعد أمير المؤمنين عليه السلام، مع استثناء قضية استشهاد الإمام الحسين عليه السلام بوصفها مأساة خاصة لها طبيعتها المستقلة. ويمتد هذا التساؤل إلى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام؛ إذ يشير سماحته إلى المدة التي عاشها الإمام الحسن في المدينة بعد الصلح، وإلى السنوات التي عاشها الإمام الحسين بعد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، ثم يقارن ذلك بما نقل عنهم من روايات فقهية قياسا بما نقل عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام. وليس المقصود من هذه المقارنة إثارة شك في علم الأئمة أو تفاوت في كمالهم، بل التنبيه إلى أن اختلاف حجم المرويات المتاحة لا يساوي بالضرورة اختلافا في مقدار العلم، وإنما قد يرتبط باختلاف الظروف التاريخية وفرص التعليم والتدوين والنقل. ويؤكد السيد الأستاذ أن البحث ينبغي أن يتناول المدة التي عاشها الأئمة الثلاثة بين المسلمين، وأن يدرس طبيعة شبكات الرواة المتصلة بهم، وأسباب قلة ما وصل من رواياتهم في بعض الأبواب، ومدى تأثير الظروف السياسية في إمكان نقل العلم عنهم. أما الحكم بأنهم لم يمتلكوا أصحابا أو رواة بالمعنى المطلق، أو الجزم بعدم وجود طبقة رجالية لهم، فيحتاج إلى مراجعة المصادر الرجالية والحديثية مراجعة تفصيلية، لأن عدم ظهور روايات كثيرة في بعض المصنفات لا يثبت وحده انعدام الرواة أو انقطاع التعليم. ويضيف سماحته أن ظروف الإمام السجاد عليه السلام كانت أشد صعوبة من بعض المراحل التي عاشها الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام قبل واقعة عاشوراء؛ إذ ارتبطت حياته بمرحلة شديدة من التقية والضغط السياسي. وهذا الاختلاف في الظروف ينبغي أن يكون عنصرا أساسيا في تفسير تفاوت الحضور العلمي والاجتماعي بين الأئمة، لا أن يكون مدخلا إلى المقارنة بينهم في أصل العلم أو المنزلة.
معالم المشروع الإصلاحي في سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام
من أبحاث: سماحة السيد الأستاذ آية الله الفقيه مصطفى حسينيان (دام ظله)
إعداد التقرير: مصطفى الجنابي
مقدمة
إن دراسة سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام لا ينبغي أن تنحصر في استحضار واقعة كربلاء وما خلفته من آلام ومآس، ولا أن تختزل شخصيته في المرض الذي رافقه يوم عاشوراء أو في مظاهر البكاء والحزن على أبيه الإمام الحسين عليه السلام؛ فإن هذه الجوانب، على أهميتها ومكانتها في الوجدان الديني، لا تستوعب حقيقة الدور الذي أداه الإمام في مرحلة من أشد مراحل التاريخ الإسلامي تعقيدا، ولا تكشف بمفردها عن طبيعة مشروعه في حفظ الشريعة وتربية النفوس وإعادة بناء الوعي الديني والأخلاقي. ومن هنا ينطلق السيد الأستاذ من ضرورة إعادة قراءة سيرة الإمام السجاد عليه السلام قراءة تاريخية وعقائدية وثقافية وأخلاقية، تستحضر ظروف عصره، وتبحث في طبيعة العلاقة بينه وبين المجتمع الذي عاش فيه، وتدرس الوسائل التي اعتمدها في أداء وظيفته الرسالية في ظل الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت به. فالسؤال المركزي ليس كيف عاش الإمام تلك المرحلة فحسب، وإنما كيف أدى دوره في حفظ الشريعة وهداية الإنسان، في وقت كانت فيه فرص التواصل العلمي والاجتماعي محدودة، وكانت السلطة الأموية تملك أدوات واسعة للتأثير في المجتمع وتوجيه وعيه. وتتأسس هذه القراءة على أطروحة محورية مفادها أن الدعاء والعبادة والبكاء لم تكن فقط مظاهر فردية في حياة الإمام السجاد عليه السلام، وإنما مثلت، في إطار قراءته لظروف عصره، وسائل مركزية لحفظ الشريعة وإبقاء الصلة بالله حية في المجتمع، إلى جانب ما انطوت عليه سيرته من مجاهدة للنفس وصبر وتواضع وإحسان إلى الآخرين. وعلى هذا الأساس، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الأبعاد الأخلاقية والتربوية في سيرته، مع التوقف عند الأسئلة التاريخية التي أثارتها المحاضرة، بوصفها قضايا تستدعي البحث والتحقيق ولا يصح التعامل معها باعتبارها نتائج محسومة قبل استكمال أدلتها.
الحضور العلمي للإمام عليه السلام:
يطرح البحث له دام ظله سؤالا تاريخيا جوهريا يتعلق بطبيعة الحضور العلمي للإمام السجاد عليه السلام في المدينة المنورة، إذ عاش فيها نحو خمسة وثلاثين عاما، وهي المدينة التي ولد فيها، وينتسب إليها من جهة النشأة، وتضم مسجد جده رسول الله صلى الله عليه وآله. ومع ذلك، يرى السيد الأستاذ أن حجم ما نقل عنه من الروايات، ولا سيما الروايات العقائدية التي تتناول التوحيد والنبوة والإمامة وتجيب عن الشبهات المرتبطة بها، لا يتناسب ظاهرا مع مكانته العلمية والعقدية، ولا مع طول المدة التي عاشها بين المسلمين. وتتضح أهمية هذا التساؤل عند ملاحظة أن المدينة كانت معروفة بالاهتمام بالحديث والرواية، الأمر الذي يثير الاستفهام عن أسباب عدم التفاف عدد واسع من الرواة حول الإمام، وعدم ظهور حركة علمية تنقل معارفه بالقدر المتوقع من شخصيته وموقعه. ويشير سماحته إلى وجود عدد من الرواة المعروفين عنه، ومنهم أبو حمزة الثمالي، غير أنه يرى أن ذلك لا يكفي لإغلاق ملف البحث في طبيعة علاقته بالمجتمع العلمي في عصره. ولا يقف الإشكال عند قلة الرواة، بل يمتد إلى طبيعة المرويات المنقولة عنه؛ إذ يدعو السيد الأستاذ إلى إجراء استقراء خاص للروايات العقائدية التي تتضمن شرحا مباشرا لمسائل التوحيد والنبوة والإمامة، وتمييزها من الأدعية والمواعظ وسائر النصوص المنقولة عنه. فوجود أدعية ذات مضامين عقدية عميقة، كدعاء أبي حمزة الثمالي وغيره من أدعية الإمام، يمثل ملفا علميا مهما، لكنه لا يغني عن دراسة مستقلة لطبيعة الروايات التعليمية التي تناولت تلك المسائل بصيغة السؤال والجواب أو الاستدلال ودفع الشبهات. وبناء على ذلك، لا يراد من السؤال افتراض انعدام الرواية عن الإمام بصورة مطلقة، وإنما الكشف عن التفاوت الذي يحتاج إلى تفسير بين منزلته المفترضة في الوعي الإمامي، وبين الصورة التي يمكن استخلاصها من المصادر الروائية والرجالية المتاحة. كما أن تقدير عدد الرواة المتوقعين، أو افتراض أن حضوره كان ينبغي أن ينتج مئات الرواة، يظل تقديرا يحتاج إلى ضوابط استقرائية ومقارنة تاريخية، ولا يصح تحويله إلى رقم ثابت قبل التحقيق.
الإمام والمجتمع المدني:
ينتقل السيد الأستاذ من سؤال الرواية إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى معرفة المجتمع المدني بمقام الإمام السجاد عليه السلام، ومدى استفادته من علمه وأخلاقه. فالإمام، بحسب الصورة التي تؤكدها المحاضرة، كان معروفا بالتواضع والإخلاص والعبادة والروحانية وحسن الخلق، ومع ذلك يثير سماحته تساؤلا عن أسباب عدم انجذاب جمهور واسع من المجتمع إلى أهل البيت عليهم السلام، وعن العوامل التي حالت دون تحول هذه الصفات إلى اعتراف اجتماعي وعلمي واضح بمكانته.
