إِعرَاب اَلقُرآن الكرِيم
Open in Telegram
Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
322
Subscribers
-124 hours
+17 days
+1530 days
Number of Posts
Data loading in progress...
Reactions
Comments
Telegram Stars
TOP posts by
Data loading in progress...
Publication analysis
Posts | Views dynamics | |||||
فائدة
فوائد بلاغية من إعراب القرآن وبيانه لمحيي الدين درويش سورة البقرة آية ١٦٦
(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
البلاغة:
1 - في الآية فن اللفّ والنشر المشوش، وهو ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد وردّه إلى ما هو له، فتبرؤ بعضهم من بعض راجع لقوله: (إذ تبرأ، وإراءتهم شدة العذاب راجع لقوله: (ورأوا العذاب، والمراد أنه أراهم هذين الامرين عقوبة لهم على اتخاذهم الأنداد لله، فكما عاقبهم على عقائدهم عاقبهم على أعمالهم. ولهذا الفن فروع متعددة مبسوطة في كتب البلاغة، ومنه في الشعر قول أبي فراس الحمداني:
وشادن قال لي لمّا رأى سقمي ... وضعف جسمي والدّمع الذي انسجما
أخذت دمعك من خدّي وجسمك من ... خصري وسقمك من طرفي الذي سقما
2 - في قوله: (إذ تبرأ الذين اتبعوا .. ) الآية، فنّ يقال له فنّ الترصيع، وهو أن يكون الكلام مسجوعا، وهو في الآية في موضعين، وقد كثر في القرآن، وأما في الشعر فمنه قول أبي الطيب المتنبي:
في تاجه قمر في ثوبه بشر ... في درعه أسد تدمى أظافره
وقال أبو تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب
3 - في قوله: «وتقطعت بهم الأسباب» مجاز مرسل علاقته السببية، فإن السبب في الأصل الحبل الذي يرتقى به إلى ما هو عال ثم أطلق على كل ما يتوصل به إلى شيء، مادة كان أم معنى. ولك أن تجعله من باب الاستعارة التصريحية، فقد شبه الأعمال التي كانوا يمارسونها في الدنيا بالأسباب التي يتشبّث بها الإنسان للنجاة. ثم حذف المشبّه وأبقى المشبّه به. قال زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... وإن يرق أسباب السماء بسلم
4 - فن الحذف، فقد حذف جواب لو الشرطية وهو مقدر في الآية تقديره - لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف. | 38 | 0 | 0 | 0 | Loading... | |
إعراب مفصل
الدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١٦٦
قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ} : في «إذْ» ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أنَّها بدلٌ من «إذ يَرَوْن» . الثاني: أنها منصوبةٌ بقولِه «شديدُ العذاب» الثالث: - وهو أضعفها - أنها معمولةٌ لا ذكر مقدراً. و «تَبَرَّأ» في محلِّ خفضٍ بإضافةِ الظرفِ إليه. والتبرُّؤُ: الخلوصُ والانفصال، ومنه: بَرِئْتُ من الدَّيْن، وقد تَقدَّم تحقيقُ ذلك عند قولِه: {إلى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] . والجمهورُ على تقديم «اتُّبِعوا» مبنياً للمفعول على «اتَّبعوا» مبنياً للفاعل. وقرأ مجاهد بالعكس، وهما واضحتان، إلاَّ أنَّ قراءة الجمهورِ واردةٌ في القرآنِ أكثرَ.
قوله: {وَرَأَوُاْ العذاب} في هذه الجملة وجهانِ: أظهرهُما: أنها عطفٌ على ما قبلها، فتكونُ داخلةً في حَيِّز الظرف، تقديرُه: «إذ تبرّأ الذين اتُّبِعوا، وإذْ رَأَوا» . والثاني: أن الواو للحالِ والجملةُ بعدها حاليةٌ، و «قد» معها مضمرةٌ، والعاملُ في هذه الحالِ: «تَبَرَّأ» أي: تبرَّؤوا في حالِ رؤيتهم العذابَ.
قوله: {وَتَقَطَّعَتْ} يجوزُ أن تكونَ الواوُ للعطفِ وأَنْ تكونَ للحالِ، وإذا كانت للعطفِ فهل عَطَفَتْ «تَقَطَّعَتْ» على «تَبَرَّأ» ، ويكون قوله: «ورأوا» حالاً، وهذا اختيار الزمخشري، أو عَطَفَتْ على «رأوا» ؟ وإذا كانت للحال فهل هي حالٌ ثانية للذين، أو حالٌ للضميرِ في «رَأوا» ؟ وتكونُ حالاً متداخلةً إذا جَعَلْنا «ورأوا» حالاً.
والباءُ في «بهم» فيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُهُما: أنَّها للحالِ أي: تَقَطَّعَتْ موصولةً بهم الأسبابُ نحو: «خَرَج بثيابه» . الثاني: أن تكونَ للتعديةِ، أي: قَطَّعَتْهُم الأسبابُ كما تقولُ: تَفَرَّقَتْ بهم الطرقُ «أي: فَرَّقَتْهم. الثالث: أن تكون للسببية، أي: تَقَطَّعتْ بسببِ كفرِهم الأسبابُ التي كانوا يَرْجُون بها النجاة. الرابع: أن تكونَ بمعنى» عن «، أي: تَقَطَّعت عنهم.
والأسبابُ: الوَصْلاتُ بينهم، وهي مجازٌ، فإن السبب في الأصل الحَبْلُ ثم أُطلقَ على كلِّ ما يُتَوصَّل به إلى شيء: عيناً كان أو معنىً، وقد تُطْلَقُ الأسبابُ على الحوادِثِ، قال زهير:
804 - ومَنْ هابَ أسبابُ المنايا يَنَلْنَه ... ولو نالَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ
وقد وُجِد هنا نوعٌ من أنواعِ: البديع هو الترصيعُ/، وهو عبارةُ عن تَسْجِيع الكلامِ، وهو هنا في موضعَيْن، أحدُهما {اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا} ولذلك حَذَفَ عائدَ الموصولِ الأولِ فلم يَقُلْ: من الذين اتَّبعوهم لفوات ذلك والثاني: {وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب} وهو كثيرٌ في القرآنِ {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} [البقرة: 73] . | 36 | 0 | 0 | 0 | Loading... | |
ملخص الإعراب
﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾
[ البقرة: 166]
إذ: ظرف لما مضى من الزمن مبني في محل نصب، متعلق بـ«تقطعت»
تبرأ: فعل ماضٍ مبني على الفتح
الذين: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل
اتُّبعوا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها
من: حرف جر
الذين: اسم موصول مبني في محل جر بـ«من»
اتبعوا: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها
ورأوا: الواو حرف عطف، رأوا فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل
العذاب: مفعول به منصوب بالفتحة
وتقطعت: الواو حرف عطف، تقطعت فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث الساكنة
بهم: الباء حرف جر، هم ضمير متصل مبني في محل جر بالباء
الأسباب: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة. | 29 | 0 | 0 | 0 | Loading... | |
فائدة
كتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١٦٥
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165)
وَعَطْفُهُ عَلَى ذِكْرِ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ وَكَوْنُ الْخَبَرِ (مِنَ النَّاسِ) مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنْ شَأْنِهِمْ.
ومِنَ فِي قَوْلِهِ: (مَنْ يَتَّخِذُ) مَا صدقهَا فَرِيقٌ لَا فَرْدٌ بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ).
وَالْمُرَادُ بِالْأَنْدَادِ هُنَا وَفِي مَوَاقِعِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، الْأَصْنَامُ لَا الرُّؤَسَاءُ كَمَا قِيلَ، وَعَادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الْعُقَلَاءِ الْمَنْصُوبُ فِي قَوْلِهِ: (يُحِبُّونَهُمْ) لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَمَّا اعْتَقَدُوا أُلُوهِيَّتَهَا فَقَدْ صَارَتْ جَدِيرَةً بِضَمِيرِ الْعُقَلَاءِ [[1]] عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ بِدُونِ هَذَا التَّأْوِيلِ.
وَقَوْلُهُ: (كَحُبِّ اللَّهِ) مُفِيدٌ لِمُسَاوَاةِ الْحُبَّيْنِ لِأَنَّ أَصْلَ التَّشْبِيهِ الْمُسَاوَاةُ وَإِضَافَةُ حُبٍّ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْمَفْعُولِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ إِلَى الْمَجْهُولِ.
فَالْفَاعِلُ الْمَحْذُوفُ حُذِفَ هُنَا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أَيْ كَيْفَمَا قَدَّرْتَ حُبَّ مُحِبٍّ لِلَّهِ فَحُبُّ هَؤُلَاءِ أَنْدَادَهُمْ مُسَاوٍ لِذَلِكَ الْحُبِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ إِنْكَارُ مَحَبَّتِهِمُ الْأَنْدَادَ مِنْ أَصْلِهَا لَا إِنْكَارَ تَسْوِيَتِهَا بِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِمُمَاثَلَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِتَشْوِيهِهَا وَلِلنِّدَاءِ عَلَى انْحِطَاطِ عُقُولِ أَصْحَابِهَا وَفِيهِ إِيقَاظٌ لِعُيُونِ مُعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ شُفَعَاءُ لَهُمْ كَمَا كَثُرَتْ حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ فَنُبِّهُوا إِلَى أَنَّهُمْ سَوَّوْا بَيْنَ مَحَبَّةِ التَّابِعِ وَمَحَبَّةِ الْمَتْبُوعِ وَمَحَبَّةِ الْمَخْلُوقِ وَمَحَبَّةِ الْخَالِقِ لَعَلَّهُمْ يَسْتَفِيقُونَ فَإِذَا ذَهَبُوا يَبْحَثُونَ عَمَّا تَسْتَحِقُّهُ الْأَصْنَامُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَتَطَلَّبُوا أَسْبَابَ الْمَحَبَّةِ وَجَدُوهَا مَفْقُودَةً كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) [مَرْيَم: 42] مَعَ مَا فِي هَذِه الْحَالِ مِنْ زِيَادَةِ مُوجِبِ الْإِنْكَارِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) أَيْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ مَحَبَّةِ أَصْحَابِ الْأَنْدَادِ أَنْدَادَهُمْ، عَلَى مَا بَلَغُوا مِنَ التَّصَلُّبِ فِيهَا، وَمِنْ مَحَبَّةِ بَعْضِهِمْ لِلَّهِ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِاللَّهِ مَعَ الْأَنْدَادِ، لِأَنَّ مَحَبَّةَ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْمُحِبِّينَ وَإِنْ بَلَغُوا مَا بَلَغُوا مِنَ التَّصَلُّبِ فِي مَحْبُوبِيهِمْ لَمَّا كَانَتْ مَحَبَّةً مُجَرَّدَةً عَنِ الْحُجَّةِ لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَ أَصْحَابِ الِاعْتِقَادِ الصَّمِيمِ الْمَعْضُودِ بِالْبُرْهَانِ، وَلِأَنَّ إِيمَانَهُمْ بِهِمْ لِأَغْرَاضٍ عَاجِلَةٍ كَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَدَفْعِ الْمُلِمَّاتِ بِخِلَافِ حُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فَإِنَّهُ حُبٌّ لِذَاتِهِ وَكَوْنِهِ أَهْلًا لِلْحُبِّ ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ أَغْرَاضٌ أَعْظَمُهَا الْأَغْرَاضُ الْآجِلَةُ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
وَالْمَقْصُودُ تَنْقِيصُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى فِي إِيمَانِهِمْ بِآلِهَتِهِمْ فَكَثِيرًا مَا كَانُوا يُعْرِضُونَ عَنْهَا إِذَا لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا مَا أَمَّلُوهُ.
فَمَوْرِدُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَحَبَّتَيْنِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا التَّشْبِيهُ مُخَالِفٌ لِمَوْرِدِ التَّفْضِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ التَّفْضِيلِ هُنَا، لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ نَاظِرَةٌ إِلَى فَرْطِ الْمَحَبَّةِ وَقْتَ خُطُورِهَا، وَالتَّفْضِيلُ نَاظِرٌ إِلَى رُسُوخِ الْمحبَّة وَعدم تزلزلها، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ «الْكَشَّافِ» وَمُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ مَعَ زِيَادَةِ تَحْرِيرِهِ، وَهَذَا يُغْنِيكَ عَنِ احْتِمَالَاتٍ وَتَمَحُّلَاتٍ عَرَضَتْ هُنَا لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَبَعْضِ شُرَّاحِ «الْكَشَّافِ».
رُوِيَ أَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ لَمَّا أَرَادَ قِتَالَ بَنِي أَسَدٍ حِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ حُجْرًا مَلِكَهُمْ مَرَّ عَلَى ذِي الْخُلَصَةِ الصَّنَمِ الَّذِي كَانَ بِتَبَالَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ فَاسْتَقْسَمَ بِالْأَزْلَامِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الصَّنَمِ فَخَرَجَ لَهُ الْقَدَحُ النَّاهِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَكَسَرَ تِلْكَ الْقِدَاحَ وَرَمَى بِهَا وَجْهَ الصَّنَمِ وَشَتَمَهُ وَأَنْشَدَ:
لَوْ كُنْتَ يَا ذَا الْخُلَصِ الْمُوتُورَا ... مِثْلِي وَكَانَ شَيْخُكَ الْمَقْبُورَا
لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاةِ زُورَا
ثُمَّ قَصَدَ بَنِي أَسَدٍ فَظَفِرَ بِهِمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَلْكَانَ جَاءَ إِلَى سَعْدٍ الصَّنَمِ بِسَاحِلِ جُدَّةَ وَكَانَ مَعَهُ إِبِلٌ فَنَفَرَتْ إِبِلُهُ لَمَّا رَأَتِ الصَّنَمَ فَغَضِبَ الْمَلْكَانِيُّ عَلَى الصَّنَمِ وَرَمَاهُ بِحَجَرٍ وَقَالَ:
أَتَيْنَا إِلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَمَا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
وَهَلْ سَعِدٌ إِلَّا صَخْرَةٌ بِتَنَوْفَةٍ ... مِنَ الْأَرْضِ لَا تَدْعُو لِغَيٍّ وَلَا رُشْدِ
وَإِنَّمَا جِيءَ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ بِوَاسِطَةِ كَلِمَةِ (أَشَدُّ) قَالَ التفتازانيّ: آثَرَ أَشَدُّ حُبًّا عَلَى أَحَبُّ لِأَنَّ أَحَبَّ شَاعَ فِي تَفْضِيلِ الْمَحْبُوبِ عَلَى مَحْبُوبٍ آخَرَ تَقُولُ: هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَفِي الْقُرْآنِ: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التَّوْبَة: 24] إِلَخْ.
يَعْنِي أَنَّ فِعْلَ أَحَبَّ هُوَ الشَّائِعُ وَفِعْلَ حُبَّ قَلِيلٌ فَلِذَلِكَ خَصُّوا فِي الِاسْتِعْمَالِ كُلًّا بِمَوَاقِعَ نَفْيًا لِلَّبْسِ فَقَالُوا: أَحَبَّ وَهُوَ مُحِبٌّ وَأَشَدُّ حُبًّا وَقَالُوا حَبِيبٌ مِنْ حَبَّ وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَبَّ أَيْضا.
(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ)
وَتَرْكِيبُ (لَو تَرَى) وَمَا أَشْبَهَهُ نَحْوُ لَوْ رَأَيْتَ مِنَ التَّرَاكِيبِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرَى الْمَثَلِ فَبُنِيَتْ عَلَى الِاخْتِصَارِ وَقَدْ تَكَرَّرَ وُقُوعُهَا فِي الْقُرْآنِ.
وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ وَتَهْوِيلِ الْأَمْرِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِي تَصْوِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ وَنَظِيرُهُ (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ) [الْأَنْعَام: 93] (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) [الْأَنْعَام: 27] (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرَّعْد: 31]
قَالَ الْمَرْزُوقِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الشَّمَيْذَرِ الْحَارِثِيِّ:
وَقَدْ سَاءَنِي مَا جَرَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَنَا ... بَنِي عَمِّنَا لَوْ كَانَ أَمْرًا مُدَانِيَا
«حَذْفُ الْجَوَابِ فِي مِثْلِ هَاتِهِ الْمَوَاضِعِ أَبْلَغُ وَأَدَلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ لَئِنْ قُمْتُ إِلَيْكَ ثُمَّ سَكَتَ تَزَاحَمَ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الظُّنُونِ الْمُعْتَرِضَةِ لِلتَّوَعُّدِ مَا لَا يَتَزَاحَمُ لَوْ نَصَّ عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الْعَذَابِ» | 39 | 0 | 0 | 0 | Loading... | |
ويُحتمل أن يكونَ الجوابُ: لاستَعْظَم أو لاستَعْظَموا على حَسَبِ القولين، وإنما كُسِرتا استئنافاً، وحَذْفُ جوابِ «لو» شائعٌ مستفيضٌ، وكثُر حَذْفهُ في القرآن. وفائدةُ حَذْفِه استعظامُه وذهابُ النفسِ كلَّ مذهبٍ فيه بخلافِ ما لو ذُكِر، فإنَّ السامعَ يقصُر هَمَّه عليه، وقد وَرَدَ في أشعارهم ونثرِهم حَذْفُه كثيراً. قال امرؤ القيس: 801 - وجَدِّكَ لو شيءُ أتانا رسولُه ... سِواك ولكن لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
وقال النابغة:
802 - فما كان بين الخيرِ لو جاءَ سالماً ... أبو حُجُرٍ إلاَّ ليالٍ قلائِلُ
ودَخَلَتْ «إذ» وهي ظرفُ زمانٍ ماضٍ في أثناءِ هذه المستقبلات تقريباً للأمر، وتصحيحاً لوقوعِه، كما وَقَعَتْ صيغة المضيِّ موقعَ المستقبل لذلك كقولِهِ: {ونادى أَصْحَابُ الجنة} [الأعراف: 44] {ونادى أَصْحَابُ النار} [الأعراف: 50] ، وكما قال الأشتر:
803 - بَقَّيْتُ وَفْرِي وانحرَفْتُ عن العُلَى ... ولَقِيْتُ أضيافي بوجهِ عَبُوسِ
إِنْ لم أشُنَّ على ابن حربٍ غارةً ... لم تَخْلُ يوماً من نِهاب نفوسِ
فأوقع «بَقَّيْتُ» و «انحَرَفْتُ» - وهما بصيغة المضيِّ - موقِعَ المستقبلِ لتعليقهما على مستقبلٍ وهو قولُه: «إنْ لم أشُنَّ» .
وقيل: أَوْقَعَ «إذ» موقع «إذا» وقيل: زمن الآخرة متصلٌ بزمن الدنيا، فقامَ أحدُهما مقامَ الآخر لأنَّ المجاور للشيءِ يقوم مقامه، وهكذا كلَّ موضعٍ وَقَع مثلَ هذا، وهو في القرآن كثيرٌ.
وقراءةُ ابنِ عامر «يُرَوْنَ العذاب» مبنياً للمفعول مَنْ أَرَيْتُ المنقولةِ من رَأَيْتُ بمعنى أبصرتُ فتعدَّتُ لاثنين، أولُهما قامَ مَقامَ الفاعلِ وهو الواو، والثاني هو «العذابُ» ، وقراءةُ الباقين واضحةٌ. وقال الراغبُ: «قوله» : «أنَّ القوة» بدلٌ من «الذين» قال: «وهو ضعيفٌ» قال الشيخ: «ويصيرُ المعنى: ولو تَرى قوةَ الله وقدرَتَه على الذين ظلموا» . وقال في «المنتخب» : «قراءةُ الياء عند بعضهم أَوْلَى من قراءة التاء» ، قال: «لأنَّ النبيَّ عليه السلام والمؤمنين قد عَلِموا قَدْرَ ما يُشَاهِدُه الكفارُ، وأمّا الكفارُ فلم يَعْلَمُوه فوجَبَ إسنادُ الفعلِ إليهم» وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ القراءَتَيْنِ متواتِرتان.
قوله: {جَمِيعاً} حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور الواقع خبراً، لأنَّ تقديره: «أنَّ القوةَ كائنةٌ لله جميعاً» ، ولا جائزٌ أن يكونَ حالاً من القوة، فإنَّ العاملٍ في الحال هو العاملُ في صاحبِها، و «أنَّ» لا تعملُ في الحال، وهو مُشْكلٌ، فإنَّهم أجازوا في «ليت» أن تعمل في الحال، وكذا «كأنَّ» لِما فيها من معنى الفعل - وهو التمني والتشبيه - فكان ينبغي أن يجوزَ ذلك في «أنَّ» لِما فيها من معنى التأكيد. و «جميع» في الأصل: فَعِيل من الجَمْعِ، وكأنه اسمُ جمعٍ، فلذلك يُتْبَع تارةً بالمفرد، قال تعالى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} [القمر: 44] ، وتارةً بالجمعِ، قال تعالى: {جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32] ، ويَنْتَصِبُ حالاً، ويؤكد به بمعنى «كل» ، ويَدُلُّ على الشمول كدلالةِ «كل» ، ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان، تقول: «جاء القومُ جميعُهم» لا يلزُم أَنْ يكونَ مجيئُهم في زمنٍ واحدٍ، وقد تقدَّم ذلك في الفرقِ بينها وبين «جاؤوا معاً» . | 30 | 0 | 0 | 0 | Loading... | |
إعراب مفصل
الدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١٦٥
قوله تعالى: {مَن يَتَّخِذُ} : «مَنْ» في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ وخبرُه الجارُّ قبلَه، ويجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أن تكون موصولةً. الثاني: أن تكونَ موصوفةً، فعلى الأولِ لا محلَّ للجملةِ بعدها، وعلى الثاني محلُّها الرفعُ، أي: فريقٌ أو شخصٌ متَّخِذٌ؛ وأَفْرَدَ الضميرَ في «يتَّخذ» حَمْلاً على لفظِ «مَنْ» .
قوله: {مِن دُونِ الله} متعلِّقٌ بيتَّخذ. والمرادُ بدون هنا: غَيْر، وأصلُها أن تكونَ ظرفَ مكانٍ نادرةَ التصرُّف؛ وإنما أَفْهَمَتْ معنى «غير» مجازاً؛ وذلك أنك إذا قلت: «اتخذتُ من دونِك صديقاً» أصلُه: اتَّخَذْتُ من جهةٍ ومكانٍ دونَ جهتِك ومكانِك صديقاً، فهو ظرفٌ مجازيٌّ. وإذا كان المكانُ المتَّخَذُ منه الصديقُ مكانَك وجهتُك منحطةً عنه ودونه لزم أن يكونَ غيراً لأنه ليس إياه، ثم حُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه مع كونه غيراً فصارت دلالته على الغيريَّة بهذا الطريق لا بطريقِ الوَضْع لغةً، وقد تقدَّم تقريرُ شيءٍ من هذا أول السورةِ. و «يتَّخِذُ» يَفْتَعِلُ من الأخْذِ، وهي متعدِّيَةٌ إلى واحد وهو: أَنْداداً «. وقد تقدَّم الكلامُ على» أنداداً أيضاً واشتقاقه.
قوله: {يُحِبُّونَهُمْ} في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «مَنْ» في أحدِ وجهَيْها، والضميرُ المرفوعُ يعودُ عليها باعتبارِ المعنى بعد اعتبارِ اللفظِ في «يتَّخِذُ» . والثاني: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ صفةً لأنداداً، والضميرُ المنصوبُ يعودُ عليهم، والمرادُ بهم الأصنامُ، وإنما جمعَ العقلاءَ لمعاملتهم لهم معاملةَ العقلاءِ، أو يكونُ المرادُ بهم مَنْ عُبِد من دونِ الله عقلاءَ وغيرهم، ثم غَلَّبَ العقلاءَ على غيرِهم. الثالث: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في «يَتَّخِذ» ، والضميرُ المرفوعُ عائدٌ على ما عاد عليه الضميرُ في «يتَّخِذُ» ، وجُمِعَ حَمْلاً على المعنى كما تقدَّم. قوله: {كَحُبِّ الله} الكافُ في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: يُحِبُّونهم حباً كحُبِّ اللَّهِ، وإمَّا على الحالِ من المصدرِ المعرَّفِ كما تقدَّمَ تقريرُه غيرَ مرةٍ. والحُبُّ: إرادةُ ما تراه وتظنه خيراً، وأصلهُ من حَبَبْتُ فلاناً: أصبْتُ حبة قلبِه نحو: كَبِدْتُه. وأَحْبَبْتُه: جَعَلْتُ قلبي مُعَرَّضاً بأن يحبَّه، لكن أكثر الاستعمالِ أن يُقال: أَحْبَبْتُه فهو محبوب، ومُحَبّ قليلٌ كقوله:
799 - ولقد نَزَلْتِ فلا تظنِّي غيرَه ... مني بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
والحُبُّ في الأصلِ مصدرُ حَبَّه، وكان قياسُه فتحَ الحاءِ، ومضارِعُه يَحُبُّ بالضم وهو قياسُ فِعْل المضعَّف وشَذَّ كسرُه، ومحبوب أكثر من مُحَبّ، ومُحِبّ أكثر من حابّ، وقد جُمِع الحبُّ لاختلافِ أنواعِه، وقال:
800 - ثلاثَةُ أحبابٍ فَحُبُّ علاقةٍ ... وحُبُّ تِمِلاَّقٍ وحُبُّ هو القتلُ
والحُبُّ مصدرٌ مضافٌ لمنصوبه والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كحبِّهم الله أو كحبِّ المؤمنين الله، بمعنى أنهم سَوَّوا بين الحُبَّين: حبِّ الأندادِ وحُبِّ اللهِ.
وقال ابن عطية: «حُبّ» مصدرٌ مضافٌ للمفعول في اللفظ، وهو في التقدير مضافٌ للفاعلِ المضمرِ تقديرُه: كحبِّكم اللَّهَ أو كَحبِّهم اللَّهَ حَسْبَ ما قَدَّر كلَّ وجهٍ منها فرقةٌ «. انتهى، وقوله» للفاعل المضمر «يريد أنَّ ذلك الفاعلَ مِنْ جنسِ الضمائر وهو:» كُمْ «أو» هِمْ «، أو يكونُ يُسَمِّى الحَذْف أضماراً وهو اصطلاحٌ شائعٌ، ولا يريد أن الفاعلَ مضمرٌ في المصدرِ كما يُضْمَرُ في الأفعالِ لأنَّ هذا قولٌ ضعيفٌ لبعضِهم، مردودٌ بأنَّ المصدرَ اسمُ جنسٍ؛ واسمُ الجنسِ لا يُضْمَرُ فيه لجمودِه.
وقال الزمخشري:» كحُبِّ اللهِ: كتعظيمِ اللهِ، والخُضوعُ له، أي: كما يُحَبُّ اللهُ، على أنَّه مصدرٌ مبنيٌّ من المفعولِ، وإنما استُغْنِيَ عن ذِكْرِ مَنْ يُحِبُّه لأنه غيرُ ملتبسٍ «. انتهى. أمّا جَعْلُه المصدرَ من المبني للمفعول فهو أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ: أعني الجوازَ مطلقاً. والثاني: المنعُ مطلقاً وهو الصحيحُ. والثالث: التفصيلُ بين الأفعالِ التي لم تُسْتَعْمَلْ إلا مبنيةً للمفعولِ فيجوزُ نحو: عَجِبْتُ من جنونِ زيدٍ بالعلمِ، ومنه الآيةُ الكريمةُ فإنَّ الغالِبَ في» حُبّ «أن يُبْنى للمفعولِ، وبَيْنَ غيرها فلا يجوزُ، واستدلَّ مَنْ أجازه مطلقاً بقول عائشة:» نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قَتْلِ الأبتر وذو الطُّفْيَتَيْن «برفعِ» ذو «عطفاً على محلّ» الأبتر «لأنه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه تقديراً أي: أن يُقْتَلَ الأبترُ. ولتقريرِ هذه الأقوالِ موضعٌ غيرُ هذا.
وقد رَدَّ الزجاجُ تقديرَ مَنْ قَدَّر فاعل المصدرِ المؤمنين أو ضميرَهم، وقال:» ليس بشيء «، والدليلُ على نقضه قولُه بعدُ: {والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} ، ورجَّحَ أن يكونَ فاعلُ المصدرِ ضميرَ المتَّخِذين، أي: يُحِبُّون الاصنامَ كما يُحِبُّون الله، لأنهم أَشْرَكوها مع الله تعالى فَسَوَّوا بين الله وبين أوثانِهم في المحبَّةِ» . وهذا الذي قاله الزجّاجُ من الدليلِ واضحٌ؛ لأنَّ التسوية بين مَحَبَّةِ الكفار لأوثانهم وبين محبةِ المؤمنين لله ينافي قوله: {والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} فإنَّ فيه نفيَ المساواةِ.
وقرأ أبو رجاء: «يَحُبُّونهم» من «حَبَّ» ثلاثياً، و «أَحَبَّ» أكثرُ، وفي المثل: «مَنْ حَبَّ طَبَّ» .
قولُه: {أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} المفضلُ عليه محذوفٌ، وهم المتخذون الأنداد، أي: أشدُّ حباً لله من المتخذين الأنداد لأوثانِهم، وقال أبو البقاء: «ما يتعلَّقُ به» أشدّ «محذوفٌ تقديرُه:» أشدُّ حباً لله مِنْ حُبِّ هؤلاء للأندادِ «والمعنى: أنَّ المؤمنين يُحِبُّون الله أكثرَ مِنْ محبَّةِ هؤلاء أوثَانَهم. ويُحْتَملُ أن يكونَ المعنى أنَّ المؤمنين يُحِبُّون الله تعالى أكثر مِمَّا يُحِبُّه هؤلاء المتَّخِذون؛ لأنهم لم يَشْرَكوا معه غيره.
وأتى بأشدَّ متوصِّلاً بها إلى أَفْعَل التفضيل من مادة الحب لأن «حُبَّ» مبنيٌّ للمفعولِ والمبنيُّ للمفعولِ لا يُتَعَجَّبُ منه ولا يُبْنَى منه أفعل للتفضيل، فلذلك أتى بما يَجُوز ذلك فيه. فأمَّا قولُهم: «ما أحبَّه إلي» فشاذٌّ على خلافٍ في ذلك بين النحويين. و «حباً» تمييزٌ منقولٌ من المبتدأ تقديرُه: حُبُّهم للهِ أشَدُّ.
قوله: {وَلَوْ يَرَى الذين} جوابُ لو محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديره، ولا يَظْهَرُ ذلك إلا بعد ذِكْرِ القراءت الواردة في ألفاظِ هذه الآيةِ الكريمة: قرأ ابنُ عامر ونافع: «ولو ترى» بتاءِ الخطابِ، و «أن القوة» و «أن الله بفتحِهما، وقرأ ابنُ عامر:» إذ يُرَوْن «بضم الياء، والباقون بفتحِهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون:» ولو يرى «بياء الغيبة،» أنَّ القوة «و» أنَّ الله « بفتحِهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر:» ولو تَرَى «بالخطاب،» إن القوة «و» إن الله «بكسرهما، وقرأت طائفةٌ:» ولو يرى «بياء الغيبة،» إن القوة «و» إن الله «بكسرهما. إذا تقرَّر ذلك فقد اختلفوا في تقديرِ جواب لو، فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قولِه:» أن القوة «ومنهم مَنْ قدَّره بعد قولِه:» وأنَّ الله شديدُ العذابِ «/ وهو قولُ أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمَّا مَنْ قَدَّره قبل» أنَّ القوةَ «فيكونُ» أنَّ القوةَ «معمولاً لذلك الجوابِ. وتقديرُه على قراءةِ ترى - بالخطاب - وفتح أنَّ وأنَّ: لعلِمْتَ أيها السامعُ أنَّ القوةَ لله جميعاً، والمرادُ بهذا الخطابِ: إمّا النبيُّ عليه السلام وإمّا كلُّ سامعٍ. وعلى قراءةِ الكسرِ في» إنّ «يكونُ التقديرُ: لقلت إنَّ القوةَ لله جميعاً، والخلافُ في المرادِ بالخطاب كما تقدَّم، أو يكونُ التقديرُ: لاستعظَمت حالَهم، وإنما كُسِرَتْ» إنَّ «لأنَّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قَدِمْتَ على زيد لأحْسنَ إليك إنَّه مكرمٌ للضِّيفان، فقولك: أنه مكرِمٌ للضِّيفان» عِلَّةٌ لقولِك «أَحْسَنَ إليك» .
وقال ابنُ عطية: «تقديرُه: ولو ترى الذين ظَلَموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعهم منه واستعظامِهم له لأقَرُّوا له لأقَرُّوا أنَّ القوةَ لله جميعاً» وناقشه الشيخ فقال: «كان ينبغي أن يقولَ: في وقتِ رؤيتهم العذابَ فيأتي بمرادف» إذ «وهو الوقتُ لا الحالُ، وأيضاً فتقديرُه لجوابِ» لو «غيرُ مُرَتَّبٍ على ما يلي» لو «، لأنَّ رؤية السامعِ أو النبي عليه السلام الظالمينَ في وقتِ رؤيتهم لا يترتَُّبُ عليها إقرارُهم بأنّ القوة لله جميعاً، وهو نظيرُ قولِك:» يا زيدُ لو ترى عَمْراً في وقتِ ضَرْبِه لأقَرَّ أنَّ الله قادِرٌ عليه «فإقرارُه بقدرةِ الله ليست مترتبةً على رؤيةِ زيد» انتهى.
وتقديرُه على قراءةِ «يرى» بالغيبة: لعلموا أنَّ القوةَ، إنْ كان فاعل «يرى» «الذين ظلموا» ، وإن كان ضميراً يعودُ على السامعِ فيُقَدَّرُ: لَعَلِمَ أنَّ القوة.
وأمَّا مَنْ قَدَّره بعدَ قولِه: شديدُ العذاب فتقديرُه على قراءة «ترى» بالخطابِ: لاستعظَمْتَ ما حلَّ بهم، ويكونُ فتحُ «أنَّ» على أنه مفعولٌ من أجلِه، أي: لأنَّ القوةَ لله جميعاً، وكَسْرُها على معنى التعليلِ نحو: «أكرِمْ زيداً إنه عالم، وأَهِنْ عمراً إنَّه جاهلٌ» ، أو تكونُ جملةً معترضةً بين «لو» وجوابِها المحذوفِ. وتقديرُه على قراءةِ «ولو يرى» بالغيبة إن كان فاعلُ «يرى» ضميرَ السامعِ: لاستعظَمَ ذلك، وإنْ كان فاعلُه «الذين» كان التقديرُ: لاستعظَموا ما حَلَّ بهم، ويكونُ فتحُ «أنَّ» على أنها معمولةٌ ليرى، على أن يكونَ الفاعلُ «الذين ظلموا» ، والرؤيةُ هنا تحتِملُ أن تكونَ من رؤيةِ القلبِ فتسدَّ «أنَّ» مسدَّ مفعولهما، وأن تكونَ من رؤية البصرِ فتكونَ في موضعِ مفعولٍ واحدٍ.
وأمَّا قراءةُ «يرى الذين» بالغَيبة وكسرِ «إنَّ» و «إنَّ» فيكونُ الجوابُ قولاً محذوفاً وكُسِرتَا لوقوعِهما بعد القولِ، فتقديرُه على كونِ الفاعلِ ضميرَ الرأي: لقال إنَّ القوةَ؛ وعلى كونه «الذين» : لقالوا: ويكونُ مفعولُ «يرى» محذوفاً أي: لو يرى حالهم. | 23 | 0 | 0 | 0 | Loading... | |
ملخص الإعراب
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ( البقرة: 165 ) }
﴿وَمِنَ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، من: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين.
﴿النَّاسِ﴾: اسم مجرور باللام، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخر.
وجملة المبتدأ والخبر استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
﴿يَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هو" يعود إلى "من".
﴿مِنْ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب.
﴿دُونِ﴾: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف.
والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "يتخذ"، والجملة "يتخذ" صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
﴿اللَّهِ﴾: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض، وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة.
﴿أَنْدَادًا﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الضم في محلّ نصب مفعول به، و "الميم": علامة جمع الذكور.
والجملة الفعلية "يحبونهم" في محلّ نصب صفة لِـ "أندادا".
﴿كَحُبِّ﴾: الكاف حرف جرّ وتشبيه مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، "حب": اسم مجرور بالكاف، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، والتقدير: حبًا كائنًا كحب الله.
﴿اللَّهِ﴾: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض، وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة.
﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، "الذين" اسم موصول مبنيّ على الفتح في محلّ رفع مبتدأ.
﴿آمَنُوا﴾: فعل ماضٍ مبنيّ على الضمّ لاتصاله بواو الجماعة، وواو الجماعة ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الألف" فارقة.
والجملة آمنوا" صلة الموصول لا محلّ له من الإعراب.
﴿أَشَدُّ﴾: خبر "الذين" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
﴿حُبًّا﴾: تمييز منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب، ولفظ الجلالة اسم مخفوض باللام، وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة.
والخافض والمخفوض متعلّقان بـ"حب"، والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
﴿وَلَوْ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لو: حرف شرط غير جازم مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب.
﴿يَرَى﴾: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدّرة على الألف للتعذّر.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبنيّ على الفتح في محلّ رفع فاعل "يرى".
﴿ظَلَمُوا﴾: فعل ماضٍ مبنيّ على الضم لاتصاله بواو الجماعة، وواو الجماعة ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الألف" فارقة، والجملة الفعلية "ظلموا" صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
والجملة الفعلية "يرى الذين ,,, الخ" لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها استئنافية.
وجواب "لو" محذوف، والتقدير: لعلموا أن الأصنام لا تنفع ولا تضر.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به الفعل محذوف تقديره: "يرى".
وجملة "يرى" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
﴿يَرَوْنَ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل.
وجملة "يرون" في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
﴿أَنَّ﴾: حرف توكيد و نصب مشبه بالفعل مبنيّ على الفتح الظاهر لا محلّ له من الإعراب.
﴿الْقُوَّةَ﴾: اسم "أنّ" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب، ولفظ الجلالة اسم مخفوض باللام، وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة.
والخافض والمخفوض متعلّقان بمحذوف خبر "أنّ".
و "أنّ" واسمها وخبرها في تأويل مصدر سَدَّ مَسَدّ مفعولي "يرى".
﴿جَمِيعًا﴾: حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
﴿وَأَنَّ﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، أن: حرف توكيد ونصب مبنيّ مشبه بالفعل على الفتح الظاهر لا محلّ له من الإعراب.
﴿اللَّهَ﴾: لفظ الجلالة اسم "أنّ" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
﴿شَدِيدُ﴾: خبر "أنّ" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
﴿الْعَذَابِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
والمصدر المؤول من أن الله شديد العذاب" معطوف على المصدر السابق في محلّ نصب. | 26 | 0 | 0 | 0 | Loading... |

