الأَثِيرُ: مُحَمَّد أَحْمَد
前往频道在 Telegram
الفيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100008302968265 للاستدراك أو التنبيه: @Alathier_bot
显示更多9 734
订阅者
-224 小时
-47 天
-4230 天
帖子存档
ثقافة "الترند" في هذه المنصات لا يعنيها الحَسن مِن القبيح، ولا القسوة من الرحمة، ولا الفساد من الصلاح..
إنما يعنيها "الانتشار".
فإذا رأيتَ مِن حولك شيوعَ "القُبح" و"القسوة" و"الفساد"؛ فانشر أنت مظاهر "الجمال" و"الرحمة" و"الصلاح"..
لعل اللهُ يَنشرُ لك مِن رحمته، ويهيئُ لك من أمرك مِرفَقًا.
وهذا من باب:
- أن مَن صمتَ نَجَا، والسكوتَ سَلامةٌ.
- وقول أبي العتاهية:
والصمتُ أجملُ بالفتى ... مِن منطقٍ في غير حينِه
كلُّ امرئٍ في نفسهِ ... أعلى وأشرفُ من قرينِه
- وأن هذه المنصاتِ يستحيلُ أن تكوّنَ مجتمعاتٍ رشيدةً.
- وأن أكثرَ الذي ههنا: غُثاءٌ وهباءٌ وقَبضُ رِيح.
- وأن العاقلَ لا يستغرقُ نفسَه ههنا.
- وقول الجاحظ: "وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت، وبالتحرز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن الرأي الدبريّ.
والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه.
وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم".
Repost from الأَثِيرُ: مُحَمَّد أَحْمَد
وَمَضاتٌ حول "الكتابة":
_____
- لا يبلغُ المجدَ جبانٌ، لا في الكتابة ولا في غيرها.
العباقرة طوالَ التاريخ وفي كل المجالات مقتحمون لا يهابون، جريئون ولو في جانبٍ واحدٍ كانَ به بلاغُهم.
- وإذا جئنا للكتابة، فالكاتب الجريء يتعلمُ أسرعَ من غيره، ويُنتجُ أكثرَ من غيره، ويسبقُ غيرَه. والجرأةُ هنا بعضُ معناها: أن يقتحم الموضوعاتِ اقتحامًا، وأن يُعمل قلمَه فيها نحتًا وتصويرًا، ونبشًا وتثويرًا، وفكرًا وتدبيرًا.
ولا يهَبْ شيئًا، ولا يتهيَّبْ، ولا يترددْ..
كل ذلك بعلمٍ، لا بجهلٍ.
- الكتابة لها مَددٌ ومِداد، أما أولُ مَدَدِها فهو القراءة والثقافة والتعلم، والتدبرُ في الكونِ والناسِ، والتأمل والشعور والإحساس، وغير ذلك. فلا بد من أن تأخذَ من كل ذلك بحظ وفير.
باختصار، عليك بالقراءة بمعناها الواسع الشامل: قراءة الكلام المسطور، والكونِ الواسع المنظور، والداخلِ الغائرِ المستور.
- زاد العلم والقراءة والاطلاع، يجعل بين يديك ثروةً هائلةً تتنقل بين أفيائها، ولم يبقَ إلا اختيار الرداء وتجميل الوعاء..
- وأما المداد، فهو اللغة نفسُها، وعاء ما تكتب، ورداؤه، وشعاره ودثاره. فدونك بحرَ اللغة فاغترف منه ما شئت، لغةً ونحوًا، وأدبًا وبلاغةً وإنشاءً، شعرًا ونثرًا، شرحًا وبيانًا.
- خذ من القراءة والكتابة وُسعَك..
واجعل لذلك موعدًا أو قدرًا أدنى كل يوم لا تخلفُه، ولو يسيرًا، لكن واظب عليه. المواظبة مرقاةُ البلاغ. ولا يمكنك أن تتوقف، ليس اختيارًا، إذا توقفتَ، خرجتَ عن اللعبة تمامًا.
- قيِّدْ صيودَ نفسِك وشعورَها، بالكتابة، وحدِّث نفسَك أنك لن تنشرها، لتخلعَ عنك الأغلالَ والقيودَ وأنت تكتب، واجعل هذا في دفاترك السرية، اسكب من نفسك فيها ما تشاء لمن تشاء، ولو شئتَ أن تقبسَ منه بعدَ ذلك ما تشاء، فعلتَ..
ولو شيتَ أن تودعَه قصةً أو روايةً، فعلتَ، فذلك من خير ما تودعه ذخائرَ صدرك المتوارية التي لا تريد لها خروجًا سافرًا، بل تحبها محتجبةً متواريةً ملفوفةً بأردية الغموض.
هذا فيما يخص الكتابة، أما نشره المكتوب، وبسطه المطويّ فمسألة أخرى.
- ثم ههنا سرٌّ قد لا ينتبه له كثيرٌ من الناس، وهو السر المُودَعُ في نفس الكاتب، وهو الميدان الخفيّ الذي يتفاعلُ فيه شعورُ الكاتب وإحساسُه الرهيفُ مع مقروءاته وتأملاته وأفكاره وسائرِ ما يكون في دخيلة نفسِه، وهو سر نبوغ مَن ينبغ، وتقدُّمِ مَن يتقدم، فإن الناس قد يتشابهون في الموارد التي يأخذون عنها، وقد تتشابه تجاربُهم، لكن الداخلَ الذي يموجُ فيه كلُّ شيء، ويتعالجُ فيه البيانُ قبلَ خروجه مكتوبًا أو مَقولًا= هو السر الأكبر، وهو نفسُ الكاتبِ ومعدنُه.
- وأخيرًا، لا بأس إن عثُرَت خطى الأكارم..
عثرة، تجاوزْها وامضِ في سبيلك.
ولا بأس إن تكررت العثرات، ولو كثرت.
ولا بأسَ إن فترتَ آونةً أو كسلتَ، ستنشطُ في أخرى، وتهب فيها رياحُك من جديد، طالما يتكررُ منك السعيُ ولا يسرعُ إليك اليأسُ، فلا بأسَ عليك.
وما قلتُ إلا مُعادًا ومكرورًا..
والله ربي وربك، يتولانا ويعلمنا.
.
.
.
______
كان كثيرٌ من هذا المكتوب في مراسلة -منذ سنة تقريبًا- بيني وبين صديقٍ نبيه، أرجو فيه النبوغ. فقط أعدتُ ترتيبها والزيادةَ عليها بمقدار، وقد رجوتُ أن أصلحَ من شأنها وأزيد عليها، فلم أفعل، فنشرتُها كما هي حتى لا تضيع في ركام الأيام.
كلما قرأتُ آيةً واحدةً من "كلام الله" غيبًا، تذكرتُ نعمةَ اللهِ السابغةَ عليَّ أن يَسَّرَه على لساني!
أمرٌ مَهيب! كلامُ اللهِ رب العالمين يجري على لساني أنا!
﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾
قال مجاهد: يعني هَوَنَّا قراءتَه.
وقال السُّدّيّ: يَسَّرْنا تلاوتَه على الألسن.
وروى الضحاك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لولا أن اللهَ يَسَّرَه على لسان الآدميين ما استطاعَ أحدٌ من الخلق أن يتكلمَ بكلامِ الله عز وجل".
حياةٌ من فتحتَي أنف:
____
قبل مدة طويلة نسبيًا، قرأتُ رواية "العطر" الشهيرة للروائي الألماني باتريك زوسكيند.
الرواية مخيفة جدًا بالنسبة لي، ليس لأني قاتل مثل بطل الرواية "غرونوي"، ولا لأني أعيش في باريس ومونبلييه حيث تدور أحداثها، ولكن لأنها تدور حول حاسة الشم؛ حيث صار بإمكانك شمّ كثير من الأحداث والمشاهد من براعة الوصف.
لماذا خفت؟
هذا ما سأقوله لكم بعد قليل.
قرأتُ بعد ذلك بأعوام كتاب "الرائحة.. أبجدية الإغواء الغامضة" لبيت فرون، تكلّم فيه عن تاريخ الشم وطبيعته، وعلاقته بالعمر البشري والذاكرة والسلوك، ثم تحدث عن بعض الاضطرابات الشمية وهذا ما أحزنني.
أخافني الكتاب الأول، وأحزنني الكتاب الثاني؛ لأنني فقدتُ حاسة الشم خمس سنوات من عمري بعد حادث مروري!
لغة فاقدي الشم لغير الناطقين بها:
يبدو مألوفًا للبشر التفكير في فقدان حاسة البصر، ويتخيلون أنفسهم أحيانًا في صف العُميان، وأحيانًا أخرى يفكرون في فقدان حاسة السمع وكيف للأصمّ التواصل والاستقبال وتسيير أمور الحياة.. لكن قليلٌ من الناس -وأظنكم منهم- من يتخيل نفسه دون حاسة الشم، وكيف للحياة أن تكون!
جئتكم اليوم لأحدثكم عن لغة فاقدي الشم لغير الناطقين بها:
الشك والوسواس في النظافة: يبدأ الأمر بقلق مرضي وهوس غير طبيعي بالنظافة الشخصية؛ فمعيار معرفة التغيرات الجسدية المؤذية مفقود عندك، ستضطر إلى الاستحمام بعد أدنى مجهود بشري طبيعي، حتى لو ذهبت إلى المسجد القريب ثم عدت منه.
مراقبة وجوه الآخرين: بعد ذلك ستشتد ملاحظتك لتعابير وجه من أمامك، خشية أن يكون فيها إشارة لأمر يقرفه منك.. هذه هي الحقيقة؛ اكتشفتُ أن تعابير البشر متنوعة، وأنني كنت أنظر للوجوه دون أن أراها.
فقدان لذة الطعام: بعد ذلك ستفقد الرغبة في التلذذ بأي أكل؛ فاللقمة وظيفتها إقامة الصلب فقط.
في حقيقتك الحالية أنت تأكل وتشم في نفس اللحظة.. تخيل نفسك أنك مصاب بزكام شديد طوال الوقت! النتيجة أني فقدت جزءًا كبيرًا من وزني في تلك الفترة.
الملل والرتابة الحسيّة: بعد ذلك ستصاب بنوع من الملل؛ فالحياة لها رائحة واحدة.
جزء من تغيير مزاجك الحالي آتٍ من تغير الروائح حولك، لكنك لا تدقق.
العجز عن تقييم العطور: بالطبع ثبتّ على نوع عطر واحد طوال هذه السنوات. حاولت التذاكي ومعرفة العطر الجيد من لونه، أو من علامته التجارية، أو من حجم مبيعاته، لكني خرجت بقناعة: أن الإنسان يغير نوع عطره لملله هو لا لملل الناس منه.. غاب الدافع فصرفتُ النظر.
استعادة الحاسة:
لاحقًا، قررتُ إجراء عمليتين جراحيتين في أنفي، بعد عشرة أيام منها ذهبت للمستشفى عصرًا لأنزع القطن وقطع البلاستيك الداعمة.
قال لي الطبيب وقتها: "إن لم تشم اليوم، فلن تشم أبدًا طوال عمرك".
خرجتُ على سحابة صيفية عاطرة ماطرة، وشممتُ لأول مرة في حياتي بعد ذلك الانقطاع. كان المطر أول المعانقين بعد سفر شميّ طال خمس سنوات. ووالله لا أنساها له، ولا يمكن أن تمر بي حالة مطرية حالية إلا وأستذكر تلك الذكرى.
أتفهم الآن هوسي بالعطور، وألحظ من نفسي استخدام معجم لغوي مختلف؛ فأصف الشيء الحسن بأنه "عَطِر"، وأمدح يومي بأنه "عَبِقٌ بالحياة"، وأهجو الفساد والاستبداد بأن له "رائحة منتنة".
أدام الله عليكم نِعَمه، ورزقكم استشعار نعمة تنوع الروائح فيما حولكم. حفظ الله أسماعكم، وأبصاركم، وشمكم، وقوتكم أبدًا ما أحياكم. طيّب الله أيامكم، وعطّر لياليكم.. في أمان الله.
وقاله: بدر آل مرعي
_
أحسستُ بتلك المعاني -نسبيًا- خلال الأشهر الستة الماضية، حين فقدت حاسة الشم بصورة متقطعة، منها ثلاثة أشهر متتالية! تخيل أن تصير الحياة بلا رائحة!
نعم سلمتُ من الروائح البغيضة، لكني كذلك حُرمتُ من الروائح الطيبة، وأنا امرؤ -كنتُ- نافذ الإحساس حتى بأنفي! دون أن "أحشرها" في حياة الناس.
ودمتم بعافية.
هالة البدايات!
الفكرة باختصار أن البداية ليست خطوةً ضمن خطوات الإنجاز كما نتوهَّم، البداية دائمًا وأبدًا شطرُ الإنجاز، إذا بدأتَ في أي عملٍ دخلتَ في منحدرٍ يسوقك سوقًا لآخر الطريق، ثمة كتلة من الجليد تحيط بعملك وإنجازك قبل الولوج فيه، وهي سريعة الذوبان والاضمحلال إذا بدأت، وهذا الكتلة الجليدية تتشكل باستمرار في مَطلع كل يوم، وتتبدد كلما بدأت واستأنفتَ!
والسرُّ وراء فاعلية هذه القاعدة أن الإنسان لا يتحكم في مزاجه ومشاعره، ولكنه يتحكم في أفعالِه وحركاته، وإذا كان المزاج الإنساني الذي لا نتحكم فيه يتشكل سريعًا وفقًا للأفعال التي نتحكم فيها، فلماذا يستشار المزاج في الإنجاز قبل البدء؟ ولماذا يُـمنح صلاحيات المدير العام؟ بينما هو قابل للانقياد والانصياع وإعادة التشكل بمجرد تجاوز طلائع البدايات!
يقول الأديب الشهير إبراهيم المازني في شرح هذه الفكرة قبل أن تولد هذه الكاتبة الغربية: (ظللت أقول لنفسي كلما هممتُ بعمل أو قول أو كتابة أو مباشرة أي شيء: إن الخطوة الأولى هي العسيرة، والتي يكثر قبلها التردد، حتى إذا خطاها الإنسان صار ما بعدها سهلا، نسبيًّا على الأقل).
جرِّب أن تستثقل قراءة حزبك اليومي من القرآن، ثم تقول لنفسك: سأقرأ وجهين في دقيقتين، فإنك لا تلبث أن تجد في نفسك خِفَّة للاستمرار لم تكن حاضرةً قبل البدء، وامضِ على ذلك في سائر أهدافك الدَّوريَّة، فلا تَـحْسُن المخاتلة والمخادعة إلا في هذا الموضع! وكما كان يقول الشاعر الجاهليّ:
وَاكْذِبِ النفسَ إذا حدثتَها ** إنَّ صدقَ النفس يزري بالأمل!
وذكر العلامة الشوكانيّ أنه انتفع انتفاعًا عظيمًا بقاعدة شيخِه الذي كتب من نفائس الكتب شيئًا كثيرًا رغم انشغالِه بالتدريس، فسأله عن السِّر، فقال: إني لا أترك النسخ يومًا واحدًا، وإذا عرض ما يمنع نسخت ولو سطرًا أو سطرين! قال الشوكاني: فلزمت قاعدته هذه، فرأيت في ذلك منفعةً عظيمة! ولا شكّ أن السطر والسطرين ليس فيهما منفعة عظيمة بحدّ ذاتهما، وإنما يحصل بهما الغرض الأعلى من تبديد هالة البدايات واستكمال المقدور عليه من العمل!
فالسطران مفتاح الصفحات، والثواني مفتاح الساعات، والخطوة والخطوتان مفتاح مسافات المشي الطويلة، فهذه القاعدة فعَّالة وعظيمة الأثر، وهي تنطوي على مخاتلة عميقة للمزاج المتقلب، وتحرّر نوعي من نفاذ سلطته الواسعة، فإن للبدايات هالةً عظيمة متجددة يتوهمها المزاج الإنساني! فإذا حان موعد العمل والإنجاز فادخلوا على البدايات الأبواب فإنكم -بإذن الله- غالبون!
__
سليمان بن ناصر العبودي
الناس اللي ربنا ميسر لها أرزاقها، ومقدر لها سعة أقواتها، بيغفلوا أحيانًا -أو كثيرًا- ويظنوا إنه بشطارتهم وحسن تدبيرهم، ثم ينتقلون لما هو أسوأ من ذلك فيخاطبون الفقراء بنبرة: "ما انت لو شديت حيلك وعملت اللي عليك ما كانش دا بقى حالك"!
وما علم المسكين إنه لو حفر خنادق الأرض كلها على مليم واحد لم يقدره الله له ما نال منه شيئًا..
وإنه -مع أهمية الأخذ بالأسباب- فالأرزاق مقدرة، وتيسير الأسباب نفسها دا أمر قدري لا حيلة فيه لو لم يشأ الله.
لكن اللي حياته متيسرة ومتسهلة، بيظن إن أي حد يقدر يوصل لأي حاجة بشوية تعب!
ولو كان الأمر كدا، ما كانش حد غلب!
لكن كل أمر مُيسَّر، تيسر بالله..
"وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه"
"اللهم لا سهل إلا ما جعلتَه سهلًا وأنتَ تجعل الحَزنَ إذا شئتَ سهلًا"
وأخيرًا وأولًا:
﴿ما يَفتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحمَةٍ فَلا مُمسِكَ لَها
وَما يُمسِك فَلا مُرسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾
ولكنَّ الإنسان كَفور كَنود..
أَنظر إلى "المحادثات" التي بَعُدَ عهدُ أصحابها، وتباعدَ ما بينَ أطرافِها، وعَلاها غُبارُ الزمن المنصرم، كما كان ينظر العربي التائق إلى أطلال ديارِ أحبابِه بعدَ أن صَفِرَت منهم، وفقدت عبَقَ حضورِهم، وخلَت من نضارَةِ مُحيَّاهم، وسكنَتْها وحشةُ الغياب بعد إذ كانت مغمورةً بحُبور الحضور= فيقف عليها -ويُوقِف- باكيًا ومستبكيًا:
قِفَا نبكِ مِن ذِكرَى حبيبٍ ومنزلِ!
مِن أكثر ما يفسد عليَّ كلَّ شيءٍ آتيه في الحياة: أنه كان بوسعي أن أفعل ما هو أكثر وأحسن وأجمل وأتم وأعلى وأكمل.
كأن المتنبي ما عنى في الوجود أحدًا سوايَ حينَ قال:
وَلَمْ أَرَ في عُيوبِ النَّاسِ عَيبًا
كَنَقْصِ القادِرِينَ على التَّمامِ!
﴿وَيَدعُ الإِنسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيرِ وَكانَ الإِنسانُ عَجولًا﴾
هذه الآية تردد معناها في نفسي كثيرًا، وقرأت قديمًا في تفسيرها أقوالًا، لكن بقيَ في نفسي معنًى يتبادر إليَّ منها لم أكن قد قرأتُه في كثير مما قرأت.. ولم أكن أحب أن أفصح عن معنى متبادر في كتاب الله لم يسبق إليه العلماءُ.
وما زال المعنى يتردد في نفسي، حتى شفى الله صدري وقرأُته في كتابين من عُمد التفسير لا أدري كيفَ لم أبحث فيهما إذ ذاك!
وهذا المعنى مفاده أن الإنسان قد يدعو بأشياء يظنها خيرًا له، وهي شرٌّ له لا يعلمه، لأنه قاصر النظر عجول.
فهو في الحقيقة يدعو بالشر لنفسه حين يظن أنه يدعو بالخير، ولو أعطاه الله بُغيتَه وأجابَ سؤالَه لكان شرًّا لا يحتسبه!
قال الآلوسي -رحمه الله-:
"أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ ويَحْسَبُهُ خَيْرًا، وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا، غَيْرَ مُسْتَبْصِرٍ، لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَّ التَّدَبُّرِ، لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ وهو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ"
وقال الرازي -رحمه الله-:
"والقَوْلُ الثّالِثُ: أقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُبالِغُ في الدُّعاءِ طَلَبًا لِشَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّ خَيْرَهُ فِيهِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ مَنبَعَ شَرِّهِ وضَرَرِهِ، وهو يُبالِغُ في طَلَبِهِ لِجَهْلِهِ بِحالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وإنَّما يُقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لِكَوْنِهِ عَجُولًا مُغْتَرًّا بِظَواهِرِ الأُمُورِ غَيْرَ مُتَفَحِّصٍ عَنْ حَقائِقِها وأسْرارِها"
ورحم الله علماءَنا الأبرار، وعلمَنا القرآن كما علمَهم.
أحيانًا، حينَ تختال في أمانيّك فتفر من "العادي" فرارَك من الأسد، تعاقبك الحياةُ بأن تكون أقصى أمانيّك ذاك "العادي" الذي فررتَ منه! وقد لا تبلغه.
مَضروبٌ بيني وبينَ الكتابة -منذ الطوفان- بِسُورٍ مَنيع، لا أملكُ تجاوزَه، ولا أستريح بهذه الحال.. كأنما في حلقي شيءٌ عالقٌ أريد أن ألفظَه! أو بتعبير أدبي "أَشيَك": كأنما على صدري جَبَلٌ جاثِمٌ أريد أن أضعَه، ولا أستطيع!
لستُ من أهل البيان، ولا أتعلمُ البيان -إذ أتعلمه- إلا لأُحسنَ أن أُبينَ عن ذخائر نفسِي، لا ليُقال عني: مُبين!
وتعلم البيان: أوسعُ بابٍ تفهم منه ذاتَك، وغيرَك، والدنيا، والدين.
والله الكريم الرحمن، خلقَ الإنسان، علمَه البيان..
فاللهم علِّمنا القرآن، وعَلِّمنا البيان.
"لتكن لديك الشجاعة لتقبُّل عدم كمالك"
رودلف دريكرز
___
تقبُّل "عدم الكمال" أمر مقدور عليه..
لكن المشكلة الأكبر أنك لا تتقبل:
"عيباً.. كنقصِ القادرين على التمام"!
إلى الآن.. وفي أقصى فَورةٍ مِن فوران غروري لا أجرؤ أن أسمي نفسي "كاتبًا"، وأما أن أسمي نفسي "أديبًا" فتلك ما مرت يومًا على خاطري، ولا عَرَضت لي ولو في أضغاث أحلام.
ورحمَ اللهُ امرأً عرَفَ قدرَ نفسِه وإن أغراه الناس.
في كثيرٍ مِن أمور حياتي، أُحبُّ أن أُجريَها على هدي النبي ﷺ في طعامه:
"ما عابَ النبيُّ ﷺ طَعامًا قَطُّ؛ إنِ اشْتَهاهُ أكَلَهُ، وإلّا تَرَكَهُ".
كلما مرَّت الليالي عليَّ، سكتَ بنفسي بعضُ بيانِها، وخَبَت بعضُ أضوائِها، وخفتَت أصواتُ ضميري، وفقدتُ شيئًا غيرَ هيّنٍ من أفانينِ فؤادي وأزاهيرِ وجداني، واستحالت ألوانُ نفسي كلُّها ضَربًا مشتبهًا باهتًا، لا تكادُ تَمِيزُ منه إلا سوادًا في بياضٍ أو بياضًا في سواد!
فكيف؟!
وكُلَّما مَرَّتِ اللَّيالي عَلَيهِ؛
رَقَّ..
وَالعَهدُ في اللَّيالي تُقَسِّي!
قديمًا، منذ سنوات، كان في ذهني مشروع "كتابي" لا أعلم أحدًا سبقَ به، وهو أن أجمع كثيرًا من "الاقتباسات" المشهورة التي شاعت بينَ الناس للكُتّاب الغربيين المعاصرين -أو سواهم مِن غير أبناء التراث العربي- ثم أفتش في دواوين الشعراء العرب القدماء عن سبقهم إلى نفس المعنى منذ مئات السنين.
وهذا كثيرٌ لا يحصيه العد، وهو مشروع ضخم لا ينتهي، ولا يقوى عليه فردٌ واحد.
ثم كان ما تعلمون، أفكار ولا عمل.
هل تأملتَ يومًا بداهةَ معنى" شاعر"؟
الأمر يسير، شَعَرَ شِعرًا وشعورًا فهو شاعر! أي: عَلِمَ وعقلَ وفَطِنَ وأحسَّ، ثم صارَ عَلَمًا على فئةٍ من الناسِ وحدَهم، لأنهم أدقُّ الناسِ شعورًا وأرقُّهم عاطفةً وأَفطَنُهم إلى دقائق الإحساسِ وأحسنُهم إبانةً عن خَلَجاتِ النفوس..
فإنما الشعرُ في أصلِ كُنهِه: إحساسٌ رهيفٌ حادٌّ نافذٌ في أعماق الناسِ والحياةِ، فهو فِطنةٌ دقيقةٌ عميقةٌ نفَّاذةٌ.
وقَلَّمَا يَطيبُ عيشُ امرئٍ حادِّ الحواسِّ نافذِ الإحساس.
...
ويُقال للرجل البليد ميت الإحساس: مَثلوجُ الفؤاد! فكأنما وقعَ على قلبه ثلجٌ فَجمَّدَه وأفقدَه حرارَته.
أما الذكاء -على عكس هذا البرود- فهو اشتعال وتوقّد!
ويقال للنبيه: ذَكيّ الفؤاد!
والذكاء في أصله: توقّدٌ واشتعالٌ وتسَعُّر..
فيُقال: ذكت النار، إذا اشتعلت وتسعّرت وتوقدت.
فحرارة القلب واشتعالُه وتوقده: يُورث الإحساس الذي هو أصل الفطنة والذكاء والنباهة.
...
و"الإحساس نعمة" كما تقول العامة..
"والحساسية بلا إفراط نعمةٌ في زمن الخريف البارد الذي نحياه!" كما قال وجدان العلي.
...
وفي اقتباس مشهور للكاتبة كايتلن جابا:
"كنت أمقُت كوني حسّاسة، اعتقدتُ أنّها صفة تجعلني ضعيفة!
ولكن خذ هذه الصّفة منّي وستأخذ جوهر ما يجعلني أنا فعلًا، خذ هذه الصّفة منّي وستأخذ ضميري، وتعاطفي، وحدَسي، وإبداعي، وتقديري لكلّ التّفاصيل، وحياتي الدّاخليّةِ الصّاخبة، ووعيي العميق بآلام الأخرين، وفوق كلّ هذا شغفي بذلك كلّه".
أجمل أيامك، تلك التي إذا انقضت لم ينقضِ من نفسك عبيرُ ذِكراها، ولم تذهب عن قلبك نفحاتُها وطيبُ شذاها، ولم يفارق عقلَك تردادُ مآثرها وحُسنِ بَهاهَا..
تتلهف عليها، وتكونُ خيرُ أمانيك من حاضرِك يومًا من سالفها يعود، تتفيأ ظلالَه، وتتأملُ صفوَه وجمالَه، وتجدد في نفسك دارسَ لحظاتك الهنية الرضية، المتخلسة من بين أكدار الحياة.
كما قال البحتري:
عَيشٌ لَنا بِالأَبرَقَينِ تَأَبَّدَت
أَيّامُهُ، وَتَجَدَّدَت ذِكراهُ
وَالعَيشُ ما فارَقتَهُ فَذَكَرتَهُ
لَهَفًا، وَلَيسَ العَيشُ ما تَنساهُ
