ch
Feedback
غِرَاسُ السَّلَفِ 📚

غِرَاسُ السَّلَفِ 📚

前往频道在 Telegram

قال شيخُ الإسلامِ الإمامُ سُفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ: "إنِ استطعتَ ألَّا تحكَّ رأسَك إلَّا بأثَرٍ فافْعَلْ!". بوت القناة: @G_Salafi_bot

显示更多
2 147
订阅者
-124 小时
-17 天
-430 天
帖子存档
أحببتُ مُشاركةَ هذه الفوائدِ معكم.. أمَّا عن مسألةِ أكلِ الضَّبِّ؛ فيُرجَعُ إلى مَظانِّها في كُتُبِ الفِقهِ، أو إلى شَرحِ الحافظِ ابنِ حجرٍ للحديثِ؛ فقد تكلَّمَ عن هذه المسألةِ بتوسّْعٍ.

قال الإمامُ البُخاريُّ ( ٥٣٩١ ): حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ اللهِ، أخبرنا يُونُسُ، عن الزُّهريِّ قال: أخبرني أبو أُمامةَ بنُ سَهلِ بنِ حُنَيفٍ الأنصاريُّ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخبره، أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ -الذي يُقالُ له: سيفُ اللهِ- أخبره أنَّه دخل مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على ميمونةَ، وهي خالتُه وخالةُ ابنِ عبَّاسٍ، فوجد عندها ضَبًّا مَحنُوذًا، قَدِمَتْ به أُختُها حُفَيدَةُ بنتُ الحارثِ من نجدٍ، فقدَّمَتِ الضَّبَّ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان قلَّما يُقدِّمُ يدَهُ لطعامٍ حتَّى يُحَدَّثَ به، ويُسمَّى له، فأهوى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدَهُ إلى الضَّبِّ، فقالت امرأةٌ من النِّسوةِ الحُضورِ: أخبِرْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما قدَّمتُنَّ له، هو الضَّبُّ يا رسولَ اللهِ، فرفع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدَهُ عن الضَّبِّ، فقال خالِدُ بنُ الوليدِ: أحرامٌ الضَّبُّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "لا، ولكن لم يكن بأرضِ قومي، فأجِدُني أَعافُهُ"، قال خالدٌ: فاجتَرَرتُه فأكلتُه، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ينظرُ إليَّ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبدُ اللهِ الذي في الإسنادِ هو ابنُ المُبارَكِ، ويُونسُ هو ابنُ يزيدَ الأَيليُّ. ورواه البُخاريُّ في موضعٍ آخرَ ( ٥٤٠٠ ) من طريقِ هشامِ بنِ يُوسُفَ، عن مَعمَرٍ. ورواه أيضًا ( ٥٥٣٧ ) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ يُوسفَ، عن مالكٍ. كلاهما (مَعمَرٌ ومالكٌ) عن الزُّهريِّ، به. وفي الإسنادِ: ثلاثةٌ من الصَّحابةِ يروي بعضُهم عن بعضٍ؛ أبو أُمامةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن خالدِ بنِ الوليدِ. وخالدٌ وابنُ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما أبناءُ خالةٍ، وهما أبناءُ أخواتِ أُمِّ المُؤمنينَ ميمونةَ بنتِ الحارثِ. فأُمُّ خالدٍ هي لُبابةُ الصُّغرى بنتُ الحارثِ، وأُمُّ ابنِ عبَّاسٍ هي لُبابةُ الكُبرى، وكانت تُكنَّى أُمَّ الفضلِ بابنِها الفضلِ بنِ عبَّاسٍ. وهذا الحديثُ اختُلِفَ فيه على الزُّهريِّ؛ هل هو من مُسنَدِ ابنِ عبَّاسٍ، أم من مُسنَدِ خالدِ بنِ الوليدِ؟ قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "فتحِ الباري ( ١٢ / ٥٢٣ ): "والجمعُ بين هذه الرِّواياتِ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ كان حاضِرًا للقصَّةِ في بيتِ خالتِه ميمونةَ كما صرَّحَ به في إحدى الرِّواياتِ، وكأنَّه استثبتَ خالدَ بنَ الوليدِ في شيءٍ منه لكونِه الذي كان باشرَ السُّؤالَ عن حُكمِ الضَّبِّ وباشرَ أكلَهُ أيضًا، فكان ابنُ عبَّاسٍ رُبَّما رواهُ عنه، ويُؤيِّدُ ذلك أنَّ مُحمَّدَ بنَ المُنكَدِرِ حدَّثَ به عن أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: أُتِيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو فِي بيتِ ميمونةَ وعنده خالدُ بنُ الوليدِ بلَحمِ ضبٍّ، الحديثَ أخرجه مُسلِمٌ". اهـ فائدةٌ: قال الحافظُ أيضًا ( ١٢ / ٥٢٩ ): "وفيه دخولُ أقاربِ الزَّوجةِ بيتَها إذا كان بإذنِ الزَّوجِ أو رِضاهُ، وذهلَ ابنُ عبدِ البَرِّ هنا ذُهولًا فاحِشًا فقال: كان دُخولُ خالدِ بنِ الوليدِ بيتَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذه القِصَّةِ قبل نُزولِ الحِجابِ، وغفل عمَّا ذكره هو أنَّ إسلامَ خالدٍ كان بينَ عُمرةِ القضيَّةِ والفتحِ، وكان الحِجابُ قبل ذلك اتِّفاقًا، وقد وقع في حديثِ البابِ قال خالدٌ: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟ فلو كانت القِصَّةُ قبل الحجابِ لكانت قبل إسلامِ خالدٍ، ولو كانت قبل إسلامِه لم يسألْ عن حلالٍ ولا حرامٍ، ولا خاطبَ بقولِه: يا رسولَ اللهِ". اهـ فائدةٌ أُخرى: قال أيضًا: "وفيه جوازُ الأكلِ من بيتِ القريبِ والصِّهرِ والصَّديقِ، وكأنَّ خالِدًا ومَن وافَقَهُ في الأكلِ أرادوا جَبرَ قلبِ الذي أهدَتْهُ، أو لتَحقُّقِ حُكمِ الحِلِّ، أو لامتِثالِ قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "كُلُوا" وفهم مَن لم يأكلْ أنَّ الأمرَ فيه للإباحةِ. وفيه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُؤاكِلُ أصحابَهُ، ويأكُلُ اللَّحمَ حيثُ تيسَّرَ؛ وأنَّه كان لا يعلمُ من المُغَيَّباتِ إلَّا ما علَّمَهُ اللهُ تعالى. وفيه وُفورُ عَقلِ ميمونةَ أُمِّ المُؤمنينَ، وعظيمُ نصيحتِها للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّها فَهِمَت مظنَّةَ نُفورِه عن أكلِه بما استَقَرَّتْ منه، فخَشِيَتْ أن يكونَ ذلك كذلك فيتأذَّى بأكلِه لاستِقذارِه له، فصَدَقَتْ فراستُها". اهـ وقولُ الحافظِ: "وفيه وُفورُ عَقلِ ميمونةَ أُمِّ المُؤمنينَ...": لأنَّه جاء في بعضِ رواياتِ الحديثِ أنَّها هي مَن أخبرَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ هذا الطَّعامَ المشويَّ ضَبٌّ. وامتَنَعَتْ ميمونةُ رضي اللهُ عنها عن الأكلِ، وقالت: "لا آكلُ من شيءٍ إلَّا شيءٌ يأكلُ منه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ".

غِراسُ السَّلَفِ: قال الإمامُ سُفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ الكُوفيُّ: "إنِ استطعتَ ألَّا تحكَّ رأسَك إلَّا بأثَرٍ فافْعَلْ!". - رابط القناة: https://t.me/Salafi_s - بوت القناة: @G_Salafi_bot

غِراسُ السَّلَفِ: قال الإمامُ سُفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ الكُوفيُّ: "إنِ استطعتَ ألَّا تحكَّ رأسَك إلَّا بأثَرٍ فافْعَلْ!". - رابط القناة: https://t.me/Salafi_s - بوت القناة: @G_Salafi_bot

أرجو منكم يا كِرامُ نَشرَ القناةِ ودَعمَها.

بمُناسبةِ خَتمِ قِراءةِ صحيحِ الإمامِ مُسلِمِ بنِ الحجَّاجِ النَّيسابوريِّ في "جامعِ الإيمانِ" في دمشقَ؛ راجِعْ هذا الأثرَ الأندَلُسيَّ الجميلَ: https://t.me/Salafi_s/12368 لم أكُن مع الحُضورِ، ووددتُ لو كنتُ، فهم الجُلَساءُ لا يشقى بهم جَلِيسُهم. بارك اللهُ في تلكَ الجُموعِ، فقد أعادَتْ للأذهانِ عُصورَ الرِّوايةِ الكُبرى. كم في القلبِ من فَرحةٍ بعَودةِ رُوحِ هذه المجالسِ وأهلِها إلى محاريبِ العِلمِ في سوريَّا. اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا واحْفَظْها، واجْعَلْ قابِلَ أيَّامِها خيرًا ويُمنًا وبركةً.

قال المُرتَضى الزَّبِيديُّ في "تاج العروسِ" ( ١٠ / ٥٥٢ ) -عند مادّة: (ح ج ر)-: "وحَجَرٌ: لقبُ جدِّ إمامِ الأئمَّةِ الحُفَّاظِ: شهابِ الدِّينِ أبي الفضلِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ محمودِ بنِ أحمدَ العسقلانيِّ الكِنانيِّ المِصرِيِّ. وأمَّا الحافظُ أبو الفضلِ فهو مَحضُ مِنَّةٍ من اللهِ تعالى، على مِصرَ خاصَّةً، وعلى مَن سواهم عامَّةً، وترجمتُه أُلِّفَتْ فِي مُجلَّدٍ كبيرٍ، وبلغ في هذا الشَّأنِ ما لم يَبلُغْهُ غيرُه في عصرِه، بل ومَن قبله، وكان بعضٌ يُوازيه بالدَّارقُطنيِّ، وَقد انتفعتُ بكُتُبِه، وكان أوَّلُ فُتوحِي في الفنِّ على مُؤلَّفاتِه، وحبَّبَ اللهُ إِليَّ كلامَهُ وأَمالِيَهُ، فجمعتُ منها شيئًا كثيرًا، فجزاه اللهُ عنَّا كُلَّ خيرٍ، وأسكَنَهُ بُحبُوحَ الفرادِيسِ من غيرِ ضَيْرٍ". اهـ

إي واللهِ صدقتَ يا أبا الوفاءِ! اللَّهُمَّ إذا أردتَ بقومٍ فِتنةً؛ فاقْبِضْنا إليكَ غيرَ مفتونينَ..
إي واللهِ صدقتَ يا أبا الوفاءِ! اللَّهُمَّ إذا أردتَ بقومٍ فِتنةً؛ فاقْبِضْنا إليكَ غيرَ مفتونينَ..

قال الحافظُ: "أنهيتُ كتابَتَهُ مع ما في الهوامشِ في ثالثِ ذي الحجَّةِ عامَ سبعةٍ وأربعينَ، وكان الابتداءُ في جَمعِه في سنةِ ت
قال الحافظُ: "أنهيتُ كتابَتَهُ مع ما في الهوامشِ في ثالثِ ذي الحجَّةِ عامَ سبعةٍ وأربعينَ، وكان الابتداءُ في جَمعِه في سنةِ تِسعٍ وثمانِمائةٍ، فقارَبَ الأربعينَ، لكن كانت الكتابةُ فيه بالتَّراخي، وكتبتُه في المُسوّداتِ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ من أجلِ التَّرتيبِ الذي اخترعتُه، وهذه المرَّةُ الثَّالثةُ، وقد خرَجَتِ النُّسخةُ مُسوَّدةً أيضًا لكَثرةِ الإلْحاقِ، ولم يَحصُلِ اليأسُ من إلْحاقِ أسماءٍ أُخرى، واللهُ المُستعانُ". اهـ وقد ماتُ الحافظُ قبل عَمَلِ المُبهَماتِ من الأسماءِ.

‏سَعِدَ الذين تجنَّبوا سُبُلَ الرَّدى وتيمَّمُوا لمنازِلِ الرِّضوانِ

ترجمَ الحافظُ السَّخاويُّ للعلَّامةِ ابنِ عربشاه الدِّمِشقيِّ الحَنَفيِّ في "الضَّوءِ اللَّامعِ" ( ٢ / ١٢٦ - ١٣١ )، وقال فيه: "وكان ممَّن يُجِلُّه ويعترفُ له بالفضيلةِ شيخُنا (يعني: ابنَ حجرٍ) وأثنى على نظمِه، بل كتب عنه من نظمِه، مع حِرصِ صاحبِ التَّرجمةِ (يعني: ابنَ عربشاه) حين كونِه بالقاهرةِ على مُلازَمتِه والاستفادةِ منه (يعني: ابنَ حجرٍ)، بل امتدحه بقصيدةٍ بديعةٍ أتى فيها بألغازٍ وتَعامٍ وأهاجٍ وجِناساتٍ، وتلعَّبَ فيها بضُروبِ الأدَبِ، أودعتُها "الجواهرَ والدُّرَرَ" سمعتُها منه، ومن لطيفِ أبياتِها بيتٌ جمعَ فيها حُروفَ الهِجاءِ، وهو: خُضْ بحرَ لفظِ حديثِه تَغشَ العُلا واجْزِمْ بصِدقِكَ ناطِقًا إذ تُسنِدُ". اهـ قلتُ: انظُرِ القصيدةَ كاملةً في "الجواهرِ والدُّرَرِ" ( ١ / ٤٢٤ - ٤٢٧ ). ومن أبياتِها: علَمُ الهُدى غيثُ النَّدى غيظُ العِدا غَمرُ الرِّدا بدرٌ بدا لا يُجحَدُ يُنهي حديثَ المُصطفى إملاؤه عن ظهرِ قلبٍ بالذَّكا يتوقَّدُ وقال: فإذا تصدَّى مُمْلِيًا نادى الهُدى يا أُمَّةَ الهادي هلمُّوا تَهتَدُوا هذا أمينُ الأُمَّةِ الحَبْرُ الذي من بَحرِه نَهرُ الشَّريعةِ يُورَدُ خُضْ بحرَ لفظِ حديثِه تَغشَ العُلا واجْزِمْ بصِدقِكَ ناطِقًا إذ تُسنِدُ كم زيَّنَ الأسماعَ شِنفُ كلامِهِ بجَنِيِّ دُرٍّ في المَلاحةِ يُنضَدُ وقال: يا مَن بطِيبِ حديثِه مَلَكَ الورى فالكُلُّ عندَ سماعِه لكَ أعبُدُ حلَّيتَ أسماعًا وذَوقَ أُولي النُّهى من دُرِّ شَهدٍ دُرُّهُ مُتَنَضِّدُ وقال: وكسوتَ أخبارَ النَّبيِّ جلالةً فلها العُلا ولكَ السَّنا والسُّؤدَدُ المِسكُ من أخلاقِه مُتَطيِّبٌ والسَّيفُ من أحكامِه مُتَجرِّدُ والدُّرُّ من ألفاظِه مُتَناثِرٌ والزَّهرُ من أكمامِه مُتَبدِّدُ والسَّخاويُّ قد شحنَ كتابَهُ "الجواهرَ والدُّرَرَ" في ترجمةِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ بالقصائدِ والمدائحِ -العَطِرَةِ- الكثيرةِ...

كان الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ خطيبًا مِصقَعًا، وواعظًا مُبدِعًا، وكان لخُطَبِه وَقْعٌ في القُلوبِ، وأثَرٌ في النُّفوسِ.. وصَفَهُ العلَّامةُ الأديبُ النَّواجيُّ فقال في قصيدةٍ جميلةٍ بليغةٍ -ذكَرَها السَّخاويُّ في الجواهرِ والدُّرَرِ ( ١ / ٥٢٧ - ٥٣٠ )-: وكم هزَّ أعوادَ المنابرِ وَعظُهُ فأحيا فُؤادَ الهالِكِ المُتَهالِكِ

كان هَدَفي من زيارتي "معرضَ دمشقَ الدّوليَّ": هو رُؤيةَ جناحِ "سِجنِ صيدنايا"! ​لم تكن زيارتي له طلبًا لزينةِ دُنيا، ولا تطلُّعًا لمعالمِ البهجةِ والفرحِ؛ بل تقصَّتْ قدمايَ ألَمًا يُطوِّقُ الرُّوحَ، ومَشَت حُزنًا يملأُ المدى.. لأقفَ بينَ طيَّاتِ الفاجعةِ وعلى أطلالِ الأنينِ! جئتُ لأرى عيانًا ما خلَّفَتْهُ يدُ الظُّلمِ من آثارِ المُعتقلينَ، وآلاتِ تعذيبِهم؛ لأستشعرَ ثِقَلَ السَّاعاتِ الّّتي مرَّتْ دهرًا على أُناسٍ صُدِمَت براءتُهم ببطشِ العُتاةِ! وقفتُ هنا.. بقلبٍ كسيرٍ: أمامَ آلاتِ التَّعذيبِ وشواهدِ الإجرامِ التي تقشعرُّ لها الأبدانُ، وتنفطرُ لها القلوبُ؛ لأتسمَّعَ همَسَاتِ الأسرى، وصَرَخاتِهِم المكتومةَ التي سَجَنَها المكانُ بينَ جُدرانِهِ الصَّمَّاءِ، وأستشعرَ مرارةَ ما كابَدُوهُ.. إنَّها ليسَتْ مُجرَّدَ زيارةٍ لجناحٍ؛ بل هي طوافٌ في مِحرابِ الألَمِ، وتجديدٌ للعهدِ بأن لا ننسى وجَعَ مَن قَضَوا، ولا نُسقِطَ حَقَّ مَن عانوا! رحلوا، وبَقِيَتْ أطلالُهم.. 💔

كتابٌ مُختَصرٌ يحكي قصَّةَ هجرةِ الحنابلةِ المقادِسَةِ من فلسطينَ إبَّانَ الاحتلالِ الصَّليبيِّ، وسُكناهم دمشقَ.. وسِيرتُهم الشَّخصيَّةُ والعِلميَّةُ، وأسماؤهم، وبعضُ أخبارِهم، وبناؤهم مدينةَ الصَّالحيَّةِ على سَفحِ جبلِ قاسيونَ. كتابٌ مُفيدٌ، قرأتُه في مجلسٍ واحدٍ مُدَّةَ ساعتَينِ تقريبًا.

فائدةٌ: قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "فتحِ الباري" -عندَ قِصَّةِ سقيفةِ بني ساعدةَ-: قال ابنُ التِّينِ: وإنَّما قالتِ الأنصارُ: "منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ"؛ على ما عَرَفُوهُ من عادةِ العربِ أن لا يتأمَّرَ على القبيلةِ إلَّا مَن يكونُ منها، فلمَّا سَمِعُوا حديثَ: "الأئِمَّةُ من قُرَيشٍ" رَجَعُوا عن ذلك وأذعَنُوا. قلتُ -القائل ابن حجر-: حديثُ: "الأئمَّةُ من قُرَيشٍ" سيأتي ذِكرُ مَن أَخرَجَهُ بهذا اللَّفظِ في كتابِ الأحكامِ، ولم يقعْ في هذه القِصَّةِ إلَّا بمعناهُ، وقد جمعتُ طُرُقَهُ عن نحوِ أربعينَ صحابيًّا؛ لمَّا بلَغَني أنَّ بعضَ فُضَلاءِ العصرِ ذكر أنَّه لم يُروَ إلَّا عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ. اهـ الفتحُ ( ٨ / ٣٥٧ - ٣٥٨ ). وقد جمعَ الحافظُ طُرُقَ هذا الحديثِ في جُزءٍ، وسمَّاهُ: "لذَّةَ العَيشِ بطُرُقِ حديثِ الأئمَّةِ من قُرَيشٍ". قال في الفتحِ ( ٨ / ١٤٩ ) -من شرحِ كتابِ المناقبِ-: "وقد جمعتُ في ذلكَ تأليفًا سمَّيتُه: لذَّةَ العيشِ بطُرُقِ الأئمَّةِ من قُرَيشٍ، وسأذكرُ مقاصدَه في كتابِ الأحكامِ مع إيضاحِ هذه المسألةِ". اهـ وقال أيضًا في "مُوافقةِ الخُبْر الخَبَر" ( ١ / ٤٧٢ ): "وأمَّا حديثُ: الأئمَّةُ من قُرَيشٍ؛ فوقع لنا من حديثِ عليٍّ بلفظِه، وكذا من حديثِ أنسٍ، ووقع لنا بمعناهُ عن عددٍ كثيرٍ من الصَّحابةِ، وقد جمعت طُرُقَهُ في جُزءٍ ضَخمٍ". اهـ وقد أشارَ الحافظُ إلى جُزئِه هذا في غيرِ ما مُؤلَّفٍ له. انظُر: "التَّلخيصَ الحبيرَ" ( ٤ / ٨٠ )، و"تغليقَ التَّعليقِ" ( ٥ / ٢٨٦ )، و"تواليَ التَّأنيسِ" ( ص٣٩ ). وذكرَهُ السَّخاويُّ في الجواهرِ والدُّرَرِ ( ٢ / ٦٧٥ ) ووصَفَهُ بأنَّه جُزءٌ ضَخمٌ. ولمَّا ساقَ السَّخاويُّ بعضَ أحاديثِ فضائلِ قُرَيشٍ في "استِجلابِ ارتِقاءِ الغُرَفِ" ( ١ / ٣٧٤ )، قال: "..إلى غيرِ ذلكَ من الأحاديثِ التي اعتنى شيخُنا رحمه الله بجَمعِها في كتابٍ سمَّاهُ: لذَّة العَيشِ في طُرُقِ حديثِ الأئمَّةِ من قُرَيشٍ؛ فلا نُطِيلُ بسِياقِها". اهـ وذكرَ هذا الكتابَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العِلمِ، كالعجلونيِّ في كشفِ الخفاءِ ( ٢ / ٦٩ )، والكتَّانيُّ في نظمِ المُتَناثرِ ( ص١٥٩ ). وجُزءُ "لذَّةِ العَيشِ" مطبوعٌ.