مُنْتَظَرْ المَهْدِيْ .
الذهاب إلى القناة على Telegram
لَستُ مِنَ الصَالحِين لَكِن اتَتبعُ أَثَرهُم رَاجيًا مِنَ الله أن يحَشرَنِي مَعهُم . سَ @coili_177bot
إظهار المزيد1 037
المشتركون
-324 ساعات
-127 أيام
-130 أيام
أرشيف المشاركات
Repost from -حُبًّا لِـ عَلِيّ
ٱلْجُزْءُ الْأَوَّلُ | الْجُزْءُ الثَّانِي | الْجُزْءُ الثَّالِث
نَتَائِجُ الْبَحْثِ وَالْخَاتِمَةُ
نَتَائِجُ الْبَحْثِ وَالْخَاتِمَةُ
بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي مَفْهُومِ الْعِلْمِ وَالذَّنْبِ، وَفِي مَعْنَى الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى أَسَاسِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا تُسَاوِي بَيْنَ مَنْ عَلِمَ وَمَنْ جَهِلَ، وَلَا بَيْنَ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ خِلَالِ هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ:
الْعِلْمَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَمَانَةٌ وَتَكْلِيفٌ.
كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِنْسَانُ عِلْمًا، ازْدَادَتْ مَسْؤُولِيَّتُهُ أَمَامَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
الْعَالِمُ إِذَا عَصَى اللَّهَ، فَإِنَّ ذَنْبَهُ يَكُونُ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْحَقَّ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَلَا عُذْرَ لَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ.
الْجَاهِلُ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ الْقَاصِرِ الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْجَاهِلِ الْمُقَصِّرِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
إِنَّ أَعْظَمَ ثَمَرَةٍ لِلْعِلْمِ هِيَ الْعَمَلُ، فَالْعِلْمُ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ السُّلُوكَ يَفْقِدُ غَايَتَهُ، وَقَدْ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى صَاحِبِهِ.
رِسَالَةٌ إِلَى طَالِبِ الْعِلْمِ
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، تَذَكَّرْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمْنَحْكَ الْعِلْمَ لِتَفْتَخِرَ بِهِ عَلَى النَّاسِ، وَلَا لِتُكَاثِرَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، بَلْ مَنَحَكَ إِيَّاهُ لِتَكُونَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ، وَأَشَدَّ خَشْيَةً لَهُ، وَأَحْسَنَ عَمَلًا.
فَاجْعَلْ كُلَّ مَعْلُومَةٍ تَتَعَلَّمُهَا خُطْوَةً نَحْوَ الْإِصْلَاحِ، وَكُلَّ حُكْمٍ تَعْرِفُهُ سَبَبًا لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا تَجْعَلِ الْعِلْمَ يَقِفُ عِنْدَ لِسَانِكَ، بَلْ اجْعَلْهُ يَنْزِلُ إِلَى قَلْبِكَ، ثُمَّ يَظْهَرُ فِي أَخْلَاقِكَ وَأَعْمَالِكَ.
الْخَاتِمَةُ
وَفِي خِتَامِ هَذَا الْبَحْثِ، نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَعْظَمُ الْأَمَانَاتِ. فَإِنَّ الْعَالِمَ لَا يَحْمِلُ الْعِلْمَ فَقَطْ، بَلْ يَحْمِلُ مَعَهُ مَسْؤُولِيَّةَ الْقُدْوَةِ وَالْبَيَانِ وَالْعَمَلِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُقَنِّطَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ أَنْ يُذَكِّرَهُ بِعِظَمِ الْأَمَانَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُؤْتِي ثِمَارَهُ إِلَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِالتَّقْوَى وَالْإِخْلَاصِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَالسَّعِيدُ هُوَ مَنْ جَعَلَ عِلْمَهُ سَبِيلًا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَاتَّخَذَ مَعْرِفَتَهُ وَسِيلَةً لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَإِرْشَادِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ الْحَقَّ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَدْ خَسِرَ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ عِلْمَنَا نَافِعًا، وَعَمَلَنَا خَالِصًا، وَقُلُوبَنَا خَاشِعَةً، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ مَا عَلَّمَنَا حُجَّةً عَلَيْنَا، بَلْ حُجَّةً لَنَا يَوْمَ نَلْقَاهُ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
مُنْتَظَرْ المَهْدِيْ .
الْجُزْءُ الثَّالِث
الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ الْقَاصِرِ وَالْجَاهِلِ الْمُقَصِّرِ، وَكَيْفَ يَنْظُرُ الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ إِلَيْهِمَا؟
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَدْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ لَا يُسَاوِي بَيْنَ النَّاسِ فِي الْحِسَابِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ عِلْمٍ، وَإِلَى مِقْدَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَإِلَى نِيَّتِهِ وَسَعْيِهِ فِي طَلَبِ الْهُدَى.
فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَهِلَ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَكُونُ مَعْذُورًا، وَلَا كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ يُحَاسَبُ بِالْمِقْدَارِ نَفْسِهِ. وَلِهَذَا فَرَّقَ عُلَمَاءُ الْإِمَامِيَّةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ: الْجَهْلُ الْقَاصِرُ وَالْجَهْلُ الْمُقَصِّرُ.
أَوَّلًا: الْجَاهِلُ الْقَاصِرُ
الْجَاهِلُ الْقَاصِرُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، أَوْ لَمْ تَبْلُغْهُ الْحُجَّةُ بِلَا تَقْصِيرٍ مِنْهُ، أَوْ عَاشَ فِي ظُرُوفٍ مَنَعَتْهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْحَقَّ لَاتَّبَعَهُ.
فَهَذَا لَا يُوصَفُ بِالْعِنَادِ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْإِعْرَاضُ، بَلْ يَكُونُ أَمْرُهُ إِلَى عَدْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا بِمَا أَقَامَ عَلَيْهَا مِنْ حُجَّةٍ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَرَّ الْإِنْسَانُ بِهَذَا الْحُكْمِ، لِأَنَّ الْقُصُورَ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، وَلَيْسَتْ ذَرِيعَةً لِتَرْكِ التَّعَلُّمِ أَوِ الْبَحْثِ عَنِ الْحَقِّ.
ثَانِيًا: الْجَاهِلُ الْمُقَصِّرُ
أَمَّا الْجَاهِلُ الْمُقَصِّرُ، فَهُوَ الَّذِي كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّعَلُّمِ وَالْبَحْثِ، وَتَوَفَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْمَعْرِفَةِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا، أَوْ آثَرَ الْكَسَلَ، أَوِ اتَّبَعَ الْهَوَى، أَوْ لَمْ يُبَالِ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَهَذَا الْجَهْلُ لَيْسَ عُذْرًا، بَلْ هُوَ ذَنْبٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ وَاجِبَاتِ الْمُكَلَّفِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْجَهْلِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: «لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ»، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يَعْلَمَ، وَلَمْ يَسْأَلْ، وَلَمْ يَقْرَأْ، وَلَمْ يَبْحَثْ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ لِلْعِلْمِ سَبَبًا فِي مُؤَاخَذَتِهِ.
الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ وَاخْتِلَافُ الْحِسَابِ
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَا يُؤَاخِذُ عَبْدًا بِمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُحَاسِبُ كُلَّ إِنْسَانٍ عَلَى قَدْرِ مَا أُعْطِيَ مِنْ نِعَمٍ وَمَا أُقِيمَ عَلَيْهِ مِنْ حُجَجٍ.
فَالْغَنِيُّ لَهُ حِسَابٌ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَقِيرِ، وَالْقَوِيُّ لَهُ تَكْلِيفٌ يَخْتَلِفُ عَنِ الضَّعِيفِ، وَالْعَالِمُ لَهُ مَسْؤُولِيَّةٌ لَا تُمَاثِلُ مَسْؤُولِيَّةَ الْجَاهِلِ.
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْعَدْلِ، لَا مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي جَعْلِ الْجَمِيعِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ فِي إِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَمُحَاسَبَةِ كُلِّ إِنْسَانٍ عَلَى قَدْرِ مَا أُوتِيَ.
أَمْثِلَةٌ مِنَ الْوَاقِعِ
قَدْ يَعِيشُ رَجُلَانِ الذَّنْبَ نَفْسَهُ، وَلَكِنَّ حِسَابَهُمَا عِنْدَ اللَّهِ يَخْتَلِفُ.
فَطَالِبُ الْعِلْمِ الَّذِي يَعْلَمُ حُرْمَةَ الْغِيبَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ لِيَغْتَابَ النَّاسَ، لَيْسَ كَمَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ حُكْمَهَا أَصْلًا.
وَمَنْ يَعْلَمُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَعِظَمَ شَأْنِهَا، ثُمَّ يَتْرُكُهَا تَهَاوُنًا، لَيْسَ كَمَنْ يَقَعُ فِي التَّقْصِيرِ لِضَعْفٍ أَوْ جَهْلٍ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ.
وَلِهَذَا كَانَ الْعِلْمُ سِلَاحًا ذَا حَدَّيْنِ: فَإِنْ صَاحَبَهُ الْعَمَلُ، رَفَعَ صَاحِبَهُ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَإِنْ صَاحَبَهُ الْإِهْمَالُ وَالْمَعْصِيَةُ، صَارَ حُجَّةً عَلَيْهِ وَسَبَبًا لِشِدَّةِ حِسَابِهِ.
خِلَاصَةُ هَذَا الْجُزْءِ
إِنَّ الْجَهْلَ لَيْسَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَالْعَدْلَ الْإِلَهِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْعِلْمِ، وَبَيْنَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ. وَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُ الْإِنْسَانِ، اتَّسَعَتْ دَائِرَةُ مَسْؤُولِيَّتِهِ، فَإِنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ، كَانَتْ مُؤَاخَذَتُهُ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ.
مُنْتَظَرْ المَهْدِيْ .
الْجُزْءُ الثَّانِي
لِمَاذَا تَكُونُ مَعْصِيَةُ الْعَالِمِ أَشَدَّ مِنْ مَعْصِيَةِ الْجَاهِلِ؟
إِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى الْأَذْهَانِ هُوَ: لِمَاذَا يُشَدَّدُ الْحِسَابُ عَلَى الْعَالِمِ أَكْثَرَ مِنَ الْجَاهِلِ، مَعَ أَنَّ الذَّنْبَ قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا؟
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَنْظُرُ إِلَى الذَّنْبِ مِنْ جِهَةِ صُورَتِهِ فَقَطْ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْفَاعِلِ، وَنِيَّتِهِ، وَالظُّرُوفِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِفِعْلِهِ، وَالْآثَارِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ يَتَسَاوَى فِي الْإِثْمِ، بَلْ يَخْتَلِفُ الْوِزْرُ بِاخْتِلَافِ الْعِلْمِ، وَالْقَصْدِ، وَالْمَكَانَةِ، وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.
أَوَّلًا: الْعَالِمُ يَعْصِي وَهُوَ يَعْرِفُ
إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُثَقِّلُ ذَنْبَ الْعَالِمِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْمَعْصِيَةِ عَنْ جَهْلٍ، بَلْ يَقَعُ فِيهَا وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَيَعْرِفُ عَاقِبَتَهَا، وَيَعْلَمُ أَنَّهَا تُغْضِبُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ، ثُمَّ يُلْقِي نَفْسَهُ فِيهَا، لَيْسَ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ خُطُورَتَهَا. وَكَذَلِكَ الْعَالِمُ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا طَرِيقُ الْهَلَاكِ.
ثَانِيًا: لِأَنَّ الْعِلْمَ حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ
إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ تَشْرِيفًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ تَكْلِيفٌ. فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِنْسَانُ عِلْمًا، ازْدَادَتْ مَسْؤُولِيَّتُهُ أَمَامَ اللَّهِ.
فَالْعَالِمُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: "لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ"، لِأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَحْمِلُهُ قَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ، وَأَزَالَ عَنْهُ كُلَّ عُذْرٍ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْخَسَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَالِمًا بِالْحَقِّ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ عَمْدًا، فَيَكُونُ عِلْمُهُ شَاهِدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثَالِثًا: لِأَنَّ الْعَالِمَ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِ
إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَطَلَبَةَ الْعِلْمِ وَأَهْلَ الدِّينِ يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أُسْوَةٌ وَمِثَالٌ. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقْتَدُونَ بِأَفْعَالِهِمْ قَبْلَ أَقْوَالِهِمْ.
فَإِذَا اسْتَقَامَ الْعَالِمُ، اسْتَقَامَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَإِذَا انْحَرَفَ، كَانَ انْحِرَافُهُ سَبَبًا فِي انْحِرَافِ آخَرِينَ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ قَدْ لَا تَبْقَى زَلَّةً شَخْصِيَّةً، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى فِتْنَةٍ تُؤَثِّرُ فِي الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ.
رَابِعًا: لِأَنَّ الْعَالِمَ يَعْرِفُ طَرِيقَ التَّوْبَةِ ثُمَّ يُؤَخِّرُهَا
مِنْ أَخْطَرِ الْأُمُورِ أَنْ يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَيَعْلَمَ كَيْفَ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُؤَجِّلَ ذَلِكَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: سَأَتُوبُ غَدًا... سَأُصْلِحُ حَالِي بَعْدَ حِينٍ... حَتَّى يَمُرَّ الْعُمْرُ، وَقَدْ تَرَاكَمَتِ الذُّنُوبُ عَلَى قَلْبِهِ.
خَامِسًا: الْعِلْمُ الَّذِي لَا يُعْمَلُ بِهِ يَتَحَوَّلُ إِلَى وَبَالٍ
إِنَّ الْعِلْمَ خُلِقَ لِيُغَيِّرَ الْإِنْسَانَ، لَا لِيَزِيدَ مَعْلُومَاتِهِ فَقَطْ.
فَإِذَا لَمْ يَنْعَكِسِ الْعِلْمُ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ، أَصْبَحَ صَاحِبُهُ يَعْرِفُ الْحَقَّ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَيُبْصِرُ الطَّرِيقَ وَلَا يَسْلُكُهُ.
وَهُنَا تَكْمُنُ الْمُصِيبَةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلنَّجَاةِ، أَصْبَحَتْ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
سَادِسًا: لَيْسَ الْمُرَادُ تَحْقِيرَ الْعُلَمَاءِ
إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَعْصِيَةَ الْعَالِمِ أَشَدُّ، لَا يَعْنِي التَّقْلِيلَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِعِظَمِ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ وَخُطُورَةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا صَاحِبُهُ.
فَالْعَالِمُ الصَّالِحُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا أَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ مَا يَعْلَمُ يَكُونُ حِسَابُهُ أَشَدَّ؛ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْعِلْمِ الَّتِي أُعْطِيَهَا لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهَا.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ: كُلَّمَا ازْدَادَ الْعِلْمُ، ازْدَادَ التَّكْلِيفُ، وَكُلَّمَا عَظُمَتِ النِّعْمَةُ، عَظُمَتِ الْمَسْؤُولِيَّةُ. فَالْعَالِمُ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ أَجْرًا، وَإِذَا عَصَاهُ عَنْ عِلْمٍ وَإِصْرَارٍ، كَانَ ذَنْبُهُ أَشَدَّ وَحِسَابُهُ أَعْظَمَ.
مُنْتَظَرْ المَهْدِيْ .
هَلْ يَخْتَلِفُ حِسَابُ الذَّنْبِ بِاخْتِلَافِ الْعِلْمِ؟
وَلِمَاذَا تَكُونُ مَعْصِيَةُ الْعَالِمِ أَشَدَّ مِنْ مَعْصِيَةِ الْجَاهِلِ؟
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ، وَمَيَّزَهُ عَنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ بِنِعْمَةِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ، وَجَعَلَ الْعِلْمَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَرْتَقِي بِهَا الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَالْعِلْمُ هُوَ النُّورُ الَّذِي يَهْدِي الْقُلُوبَ، وَالْمِيزَانُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ الْإِنْسَانُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
إِلَّا أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مَجَرَّدَ فَضِيلَةٍ تُكْسِبُ صَاحِبَهَا الشَّرَفَ، بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ، ازْدَادَتْ مَسْؤُولِيَّتُهُ أَمَامَ اللَّهِ. فَاللَّهُ لَا يُحَاسِبُ النَّاسَ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ، وَلَكِنَّهُ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا عَلِمُوهُ ثُمَّ خَالَفُوهُ عَنْ عَمْدٍ وَاخْتِيَارٍ.
وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ السُّؤَالُ الْمُهِمُّ: هَلْ يَتَسَاوَى الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فِي الْحِسَابِ؟ وَهَلْ يَكُونُ الذَّنْبُ الْوَاحِدُ مُتَسَاوِيًا عِنْدَ اللَّهِ لِكِلَيْهِمَا؟
إِنَّ الْإِجَابَةَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ تَكْشِفُ لَنَا عَظَمَةَ الْعِلْمِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ تُقَابِلُهَا مَسْؤُولِيَّةٌ، وَأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا زَلَّ كَانَتْ زَلَّتُهُ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْرِفُهُ.
مَعْنَى الْعِلْمِ وَالذَّنْبِ
الْعِلْمُ فِي مَفْهُومِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ حِفْظَ الْمَعْلُومَاتِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْعَمَلِ بِهِ. فَإِذَا انْفَصَلَ الْعِلْمُ عَنِ الْعَمَلِ، ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَقَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى حُجَّةٍ عَلَى صَاحِبِهِ.
أَمَّا الذَّنْبُ، فَهُوَ كُلُّ مَا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ أَوْ نَهْيَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.
وَلَيْسَتِ الْمَعْصِيَةُ مُجَرَّدَ مُخَالَفَةٍ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، بَلْ هِيَ تَجَاوُزٌ لِحُدُودِ اللَّهِ، وَإِضْعَافٌ لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَإِظْلَامٌ لِلْقَلْبِ الَّذِي خُلِقَ لِيَكُونَ مَحَلًّا لِلْإِيمَانِ.
هَلْ يَخْتَلِفُ الْحِسَابُ بِاخْتِلَافِ الْعِلْمِ؟
إِنَّ مِنْ أَسَاسِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ أَلَّا يُسَاوِيَ اللَّهُ بَيْنَ مَنْ عَلِمَ وَبَيْنَ مَنْ جَهِلَ، وَلَا بَيْنَ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ.
فَالْعَالِمُ يَعْرِفُ مَا يُرْضِي اللَّهَ وَمَا يُغْضِبُهُ، وَيَعْرِفُ خُطُورَةَ الذَّنْبِ وَآثَارَهُ، وَيَعْرِفُ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلطَّائِعِينَ وَالْعُصَاةِ. فَإِذَا اخْتَارَ الْمَعْصِيَةَ، فَقَدْ فَعَلَهَا بَعْدَ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ.
أَمَّا الْجَاهِلُ، فَقَدْ يَقَعُ فِي الذَّنْبِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ، أَوْ لِضَعْفِ إِدْرَاكِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ جَاهِلٍ مَعْذُورٌ، فَإِنَّ الْجَهْلَ الْمُقَصِّرَ لَا يَكُونُ عُذْرًا، بَلْ يُسْأَلُ الْإِنْسَانُ: لِمَاذَا لَمْ يَتَعَلَّمْ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّعَلُّمِ؟
إِذًا فَالْعِلْمُ لَا يُخَفِّفُ الْحِسَابَ، بَلْ يُشَدِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعُذْرَ، وَيُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَى صَاحِبِهِ.
مُنْتَظَرْ المَهْدِيْ .
سَيِّدِي يَا صَاحِبَ الزَّمَانِ،
أَعْلَمُ أَنِّي مِنْ الْمُقَصِّرِينَ،
وَلَكِنَّنِي أُحِبُّك،
خُذْنِي إلَيْكَ..
فَقَدْ تَرَاكَمَ غُبَارَ الدُّنْيَا عَلَى رُوحِي
