ar
Feedback
ندّم - regret

ندّم - regret

الذهاب إلى القناة على Telegram

أكتبُ ما يروق لي وانقله هنا كاتب وروائي وقاص عراقي صدر لي كتبٌ كثيرة وقصصٌ ومقالات اهلا وسهلا بكم -سيُغيثك الله مهما اظلمت السُبل كما اغاث ببطن الحوت ذا النون

إظهار المزيد
1 290
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
-47 أيام
-2630 أيام
أرشيف المشاركات
الزمن لا يمنح إشعارًا قبل أن يحوّل الحاضر إلى شيءٍ لن يعود.

ربما لو عرفنا أن كل شيء قابل لأن يكون الأخير، لأحببنا الأشياء بطريقةٍ مختلفة.

أسوأ ما يفعله الزمن بالقلب، أنه يجعله يتذكر بهدوء ما كان يقتله يومًا.

الذين نجوا من الفقد لا يصبحون أقوى، بل يصبحون أقل اكتراثًا بكل شيء.

لا تجعل عاطفتك تقودك، فحتى أجمل الأشياء تنتهي.

لا أعلم كم بقي للرحيل، لكنني أدركت أخيرًا أن كلّ الأشياء لم تكن بتلك الأهمية. سنموت في يومٍ ما، فما المهم حقًا؟

أتساءل أحيانًا: هل هذا أنت حقًا، أم أن ما أرهقك غيّرك حتى لم تعد تعرف نفسك؟ هل اخترت أن تصبح هكذا، أم أن الأيام دفعتك إلى التكيّف مع ما لم يكن يومًا من اختيارك، حتى تاهت حقيقتك بين ما تمنّيته لنفسك، وما فرضته عليك الحياة؟ وهل ما تراه فيك الآن هو وجهك الحقيقي، أم مجرد نسخة صنعتها الخيبات والضرورة، حتى اعتدت البقاء على هيئةٍ لا تشبهك، وخشيت العودة إلى ذلك الشخص الذي كنت عليه ذات يوم.

لا أستطيع أن أغفر لأحد، ربما لأنني لم أعد أملك قلبًا يحتمل المزيد من الخيبات. أصبحت أتوقع النهايات من الجميع، لذلك لا أندهش حين يرحل أحد، ولا أفاجأ حين يتغير أحدهم. وحتى عند الوداع، لا أتمسك بشيء، أمضي بقلبٍ كأن الحزن قد أوصى عليه منذ زمن، فلا أعاتب كثيرًا، ولا أطلب تفسيرًا، فقط أراقب كل شيء وهو يبتعد، وكأنني كنت أعلم منذ البداية أن لا أحد يبقى. لقد اعتدت الخسارة إلى حدّ أنني لم أعد أخافها، واعتدت الرحيل إلى حدّ أنني صرت أستقبل الوداع بوجهٍ هادئ، بينما في داخلي تعبٌ لا يعرفه أحد. لم يعد يؤلمني أن يغادر الناس كما كان من قبل، وحين يرحل أحد، لا أركض خلفه، ولا أحاول إصلاح ما انكسر، أمضي بقلبٍ أثقلته الأشياء التي لم تُنسَ، وكأنني أحمل في داخلي وداعًا قديمًا لم ينتهِ بعد.

يخبرني أن مجيئي إلى حياته كان أشبه بربيعٍ متأخر، وأن الأشياء من حوله صارت أكثر دفئًا وجمالًا، فأخفض رأسي بأسىً لا خجلًا، وأبتلع تلك الكلمات بصمت، لأنني بعد خيباتٍ طويلة وقصصٍ لم تترك في قلبي سوى الندوب، لم أعد أملك اليقين بأن لي أثرًا في أحد، ولا أصدق أن وجودي قادر على أن يزرع الحب في شيء، وكأنني فقدت إيماني بنفسي قبل أن أفقد إيماني بالآخرين.

لا يوجد ما يُحكى، فالقلب روى كل شيء. تحدّث عن الشوق الذي لم ينطفئ، وعن الخيبات التي أثقلت روحه، وعن الذكريات التي كانت تعود كل ليلة دون رحمة. باح بكل ما أخفاه خلف الصمت والابتسامات، حتى لم يعد فيه ما يقوله… وقد مات أخيرًا

لم أتعافَ… فقط تعلّمت أن أبدو بخير.

photo content

أمضي بين الناس بوجهٍ هادئ يخفي يقينًا قديمًا بأن كل ما نراه عابر، وأن الوجوه التي تملأ الأيام ليست سوى محطاتٍ مؤقتة في طريقٍ لا يدوم. أبادلهم ابتسامة من أدرك هشاشة الأشياء، ومن اعتاد أن ينظر إلى الحياة كضيفٍ يعرف أن مقامه قصير، وأن الرحيل أقرب مما نظن. لذلك لم أعد أتشبث كثيرًا بما حولي، فكل ما هنا يمضي، وأنا أمضي معه، بخطى من أيقن أن البقاء وهمٌ جميل، وأن النهاية تسير نحونا بصمتٍ منذ اللحظة الأولى. لهذا صرت أودّع الأشياء في قلبي قبل أن تغادرني، كي لا يفاجئني الفقد كلَّ مرةٍ بالوجع ذاته.

يبدو بارعًا في الوداع، إلى حدٍّ يجعلك تظنّ أنّه لا يحمل في صدره قلبًا.

العقل الحذر لا يخلط بين ما يتمنى أن يكون صحيحًا وما هو صحيح بالفعل.

الذي دفعه إلى أن يروي حكايته الطويلة لك وحدك من بين الجميع، كان ظنَّه أنك ستنصت إليه حقًا، وتفهم ما عجز عن قوله للآخرين.

انقضت ثلاثون عامًا وأنا غائرُ الجرح، نديُّ الحدق، لم يبرأ في القلب شيء، وكأنّ العمر مرّ ولم يمرّ بي.

ليست كل الخسارات هزائم، وليست كل الأقدار القاسية شرًا. بعض ما غاب عنك كان يحمل في طياته وجعًا أكبر مما تتصور، وبعض ما لم تنله كان يحميك بصمتٍ من طريقٍ لم يُكتب لك فيه سوى التعب. وما حسبته يومًا حرمانًا، قد يكون أعظم أشكال الرحمة التي لم تدركها إلا بعد زمن.

نغادر الأماكن ونفقد الأشخاص، لكننا في الذاكرة نبقى معهم، نعيش المشهد ذاته مرةً بعد أخرى إلى الأبد.

لم يستطع أحد أن يلتقط ارتجاف قلبي حين باغتني الحنين فجأةً بلا رحمة.